قروض الإسكان: أزمة مواطن وحل يخدم المصارف والشركات

تموز 30, 2018

- المرصد

مريم سيف الدين- أزمة الإسكان: تحايل المصارف وسياسة المعنيين

لا موعد محدد لعودة قروض الإسكان حتى الآن، بانتظار إيجاد وإقرار حل طويل الأمد. والمؤسسة العامة للإسكان بالكاد تمنكت من منح 1300 قرضاً سكنيّاً هذا العام، بعد أن منحت في الأعوام السابقة 5000 قرض سنوياً. وقد لا تمنح أي قرض في العام 2019 إلا في حال حلت المشكلة، وفق ما يؤكده مديرها العام المهندس روني لحود في حديث إلى "المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين".

يدرك لحود جيداً عمق الأزمة، إذ لا تقتصر مخاطر إيقاف القروض على منع ذوي الدخل المحدود من إمتلاك شقة. بل يهدد إيقافها أكثر من ستين قطاعاً مختلفاً، وبالتالي الدورة الإقتصادية بأكملها، مما قد يؤدي لانهيار إقتصادي وأمني.

وإن حاول سابقاً بعض المعنيين تحميل إقرار سلسلة الرتب والرواتب وما نجم عنها من تقديم طلبات اقتراض مسؤولية أزمة الإسكان. فإنّ التسريبات التي خرجت من داخل مصرف لبنان برأت السلسلة وأدانت المصارف والمعنيين.

عن مصير الأموال المخصصة لدعم قروض الإسكان، يقول لحود أن لا معطيات لديه. لكنه يروي لنا مسار الأمور الذي قد يوضح مصير الأموال: "كانت مؤسسة الإسكان تستخدم الإحتياطي الإلزامي لدعم قروض الإسكان. وكانت القروض المدعومة محصورة بالمؤسسة العامة للإسكان وبالقوى الأمنية وبالجيش والقضاة.  لكن وفي العام ٢٠٠٩ وبسبب الركود الإقتصادي، أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميماً لتحفيز المصارف. وسمح لها التعميم استخدام الإحتياطي الإلزامي لإقراض كل القطاعات الإقتصادية. لم يحدًد للمصارف سقفاً للإقراض، لأنّ الأموال  التي تقرض منها هي أموالها من الاحتياطي الإلزامي الذي يشكل 15% من مجموع الودائع في المصارف بالليرة اللبنانية. في العام ٢٠١٣ استنفذ قسم كبير من المصارف الإحتياطي الإلزامي. فأعطاهم الحاكم قروضاً بفائدة مدعومة ١% ليدينو في السوق لذات القطاعات بفائدة ٣%. وحدد حينها سقف الإقراض ب٨٠٠ مليون، ثم رفع إلى مليار و٢٠٠ مليون ليرة. في حين التزمت مؤسسة الإسكان بالإقراض ضمن سقف لا يتخطى ال 270 مليون ليرة، وبشروط محددة".

يظهر هذا المسار كيف ساهمت سياسة الإقراض التي اتبعت منذ سنوات بنشوب هذه الأزمة. فعدم حصر منح القروض المدعومة بمؤسسة الإسكان والسماح للمصارف بالإقراض دون وضع شروط تحدد المستفيدين، وبسقف يفوق أربع أضعاف السقف المحدد من قبل مؤسسة الإسكان ساهم بنفاذ الأموال. إذ منحت قروض مدعومة لشراء شقق مرتفعة الثمن، أي لأشخاص ليسوا بحاجة للإقتراض.

اكتفى لحود بشرح الآلية التي تفسح المجال لاستنتاجات عدة ، لكن أخبار تسربت من مصرف لبنان سمحت بكشف ما هو أخطر.

وبحسب المحامي واصف الحركة الذي تقدم بدعوى مالية لدى النيابة العامة المالية، بالوكالة عن عدد من المتضررين، للتحقيق بهدر وإختلاس الأموال المخصصة لقروض الإسكان، فالأموال المدعومة أعطيت لأشخاص غير الفئة المستهدفة. وبحسب الإخبارات التي بنى على أساسها دعواه فإن الأموال استخدمت في مضاربات عقارية ومالية. ويقول "الحركة" لـ"المرصد" بأن بعض الشركات العقارية عانت من أزمة سيولة، فلجأت إلى إجراء عقود بيع وهمية. حيث تم إجراء عقود صورية بهدف الحصول على قروض مدعومة بفائدة مخفضة للاستفادة من الأموال. ويضيف أن بعض المصارف كانت الدائن لبعض الشركات التي تعثرت. ولحل الأزمة قامت هذه المصارف بالإحتفاظ بكوتا لم تطرحها للعامة، بل خصصتها لزبائن هذه الشركات من أجل تسديد ديونها. كما أعطت المصارف قروضاً بقيمة مرتفعة لفئات هم أقل حاجة إليها. وكان من الممكن بمقابل قرض مرتفع لمن ليس بحاجته إفادة مجموعة من الأشخاص هم بأمس الحاجة إليه. ولم يؤثر تصرف المصارف فقط في منع الفئات المحتاجة من الحصول على قروض لتملك شقق. بل وساهم في الإبقاء على الأسعار مرتفعة، وبعدم تصحيح الأسعار وخفضها. مما صعّب على أصحاب الدخل المحدود إمكانية تملّك شقة وأوصل أيضاً إلى مرحلة إيقاف القروض السكنية.

وفي هذا الإطار أيضاً كان قد كشف الإعلامي سالم زهران جدول بقروض سكنية مدعومة بقيمة 28 مليون و825 ألف دولار كانت قد حصلت عليها مجموعة ميقاتي. والمجموعة تابعة لاثنين من أكبر أثرياء لبنان. وحاولت مصادر في مصرف لبنان التخفيف من أثر ما كشفه زهران، عبر القول أن لا علاقة للأمر بالتسبب بأزمة الإسكان التي وقعت هذا العام بحجة أنها تعود لأعوام سابقة. وهي حجة فيها إستخفاف بعقول الناس، فالأزمة لم تكن وليدة العام وإنما نتجت عن ممارسات استمرت لأعوام. وقد تقدم المحاميان حسن بزي وجاد طعمة بإخبار لدى النيابة العامة المالية على خلفية ما كشفه زهران. يقول بزي أنه في حال ثبت الكلام وحصل على المال شخص غير مستحق فيكون قد ارتكب جرماً جزائياً. لأن مصرف لبنان يكون قد سدد فوائد عن شخص غير مستحق.

الحل المطروح والحلول الممكنة والمبعدة

عشر حلول تم دراستها من قبل المؤسسة العامة للإسكان والمعنيين. لكن الحل الأقرب للإقرار هو اقتراح القانون المعجل المكرر المقدم من كتلة المستقبل. ويعتبره لحود "الوحيد  القادر على حل الأزمة". وينص الإقتراح على منح تخفيض ضريبي بنسبة 5% للمصارف مقابل القروض السكنية التي ستقدمها. وبذلك "ينتقل دعم الفائدة من مصرف لبنان إلى وزارة المالية" وفق لحود. الذي يطالب أيضاً بحصر منح قروض الإسكان المدعومة بالمؤسسة العامة للإسكان والقوى الأمنية والجيش، "كي تحصر الإستفادة بالطبقة العاملة والفقيرة."

يرفض لحود القول بأن منح تخفيض ضريبي للمصارف يصب في مصلحتها ومصلحة الشركات العقارية. برأيه "المصارف غير مستفيدة من قروض الإسكان، وهي أوقفت منح القروض منذ 8 أشهر دون أن تتأثر. لكن الدولة اللبنانية والمواطن ذو الدخل المحدود تأثرا. وبإمكان المصارف الإستمرار بمنح قروض بفائدة 10%".  كما يرى أن دعم الفائدة من خلال إعفاءات ضريبية بنسبة 5% لا تشكل مبلغاً ضخماً. فنسبة 5% من 1000 مليار تعني مبلغ 33 مليون دولار فقط عن السنة الأولى، وهو مبلغ قليل. وبالاتجاه التصاعدي قد تصل الإعفاءات الضريبية لسقف 200 مليون دولار عن السنة لكن بعد 15 سنة. ويقول أن هذا الإقتراح سيسمح للبنانيين بالإقتراض بفائدة تتراوح بين 4و6% بدل الاستدانة بفائدة 10%.

وإذ يعلن لحود عن شبه توافق على هذا الإقتراح والتوجه لإقراره، لا يبدو أنه يصب في مصلحة المقترض. فمنح المصارف إعفاءات ضريبية هو لتدارك أزمة العقاريين والمصارف. وسيحافظ على أسعار الشقق المرتفعة بدل السماح بحصول تصحيح بأسعارها. وبالتالي فإن المقترض سيقترض وفق السعر الأعلى للشقة، بدل أن يقترض بفائدة 10% وفق سعر أقل. فلماذا لا تتدخل الدولة لتحديد سعر الفائدة بدل السعي لمنح إعفاءات ضريبية؟ وكيف ستضمن الدولة أن لا تقوم المصارف بالاحتيال على هذا القانون كما احتالت على التعميمات السابقة؟ ولماذا تهمل حلول أخرى توفر على الدولة والمواطن مبالغ طائلة؟

يجيب لحود عن اعتماد حلول أخرى،  ويعترف بأن المؤسسة العامة للإسكان تفضل العمل على خطة عامة أشمل، لا يكون دور المؤسسة فيها إقراض الأفراد وحسب وإنما إنشاء وحدات سكنية. لكنه يكشف بأن تجربة فرنسا ولدت تخوفاً من خلق تجمعات للطبقات المتوسطة والفقيرة يمكن أن تتحول لبؤر للمخدرات والفساد. وهو تخوف غير مبرر خصوصاً أن الفصل الطبقي واقع في بعض المناطق، بل بين شارع وآخر. وبؤر المخدرات الموجودة ناجمة عن أزمة في الإسكان وغلاء الشقق. ولحود نفسه يتحدث عن إمكانية بناء مبان تضم وحدات سكنية مختلفة تناسب جميع الطبقات ليكون هناك خليط إجتماعي في كل مبنى. لكن يظهر وكأن هذا الحل استبعد لتعارضه ومصالح المصارف والمطورين العقاريين. فليس من مصلحة هؤلاء أن تقوم الدولة ببناء وحدات سكنية،  وأن تبيع الشقق بأسعارها المناسبة فتصبح منافساً بدل أن تظل داعماً. خصوصاً في ظل عدم تدخل المصرف المركزي لتحديد سقف الأسعار، ولا بربطها بالحد الأدنى للأجور.

عن عدم منح الدولة لقروض مدعومة بشكل مباشر للمواطنين دون وساطة المصارف التي تحقق أرباحاً ضخمة دون أي جهد. يجيب لحود:  "فروع مصرف لبنان ومؤسسة الإسكان قليلة جداً، ولا إمكانية لدى مصرف لبنان لمتابعة ملفات حوالي 82000 حتى الآن".

ويكشف لحود أن عدداً من النواب سيتقدم بإقتراح قانون الإيجار التملكي. والذي كان قد اقترحه وزير الشؤون الإجتماعية السابق وائل أبو فاعور. ويسمح هذا القانون للأسر الفقيرة بتملك الشقة بعد استئجارها لفترة طويلة دونما حاجة للإقتراض.

  1. الأكثر قراءة
أديس أبابا تفعّل حظر سفر الأثيوبيات إلى لبنان: وزارة العمل تسوّف في توقيع اتفاق لتحسين ظروفهن

أديس أبابا تفعّل حظر سفر الأثيوبيات إلى …

كانون1 10, 2018 5 مقالات وتحقيقات

المُعوّقون يُقاضون «الداخلية» لإنكارها حقّهم في الانتخاب

المُعوّقون يُقاضون «الداخلية» لإنكارها ح…

كانون1 07, 2018 15 المجتمع المدني

المخابز والافران: مخالفات ومزاحمة

المخابز والافران: مخالفات ومزاحمة

كانون1 06, 2018 73 عمالية ونقابية

خلفيات استعجال وزير الطاقة تقاعد بيضون بدأت تتكشف غشّ في محاضر تسلّم خدمات... بتوقيع مفوضين للحكومة

خلفيات استعجال وزير الطاقة تقاعد بيضون ب…

كانون1 06, 2018 15 مقالات وتحقيقات

استدعاءات الاجهزة للنشطاء نقض لمبدأ التقاضي

استدعاءات الاجهزة للنشطاء نقض لمبدأ التق…

تشرين2 21, 2018 48 مقالات وتحقيقات

السلسلة تشعل جبهة العمّالي والهيئات... والأسمر يلوّح بالشارع شقير لـ"النهار": الضمان اكتتب بـ500 مليار لتوفير الاموال للخزينة

السلسلة تشعل جبهة العمّالي والهيئات... و…

تشرين2 21, 2018 50 مقالات وتحقيقات

ثلاثي عاشور ــ البلدية ــ المحافظ يحاصر بيروت بالمجارير

ثلاثي عاشور ــ البلدية ــ المحافظ يحاصر …

تشرين2 19, 2018 40 مقالات وتحقيقات

الاتحاد العمالي مخدوع أم أسير بإرادته؟ أصحاب العمل يسعون لضرب «السلسلة»

الاتحاد العمالي مخدوع أم أسير بإرادته؟ أ…

تشرين2 14, 2018 46 مقالات وتحقيقات

مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشاري! 3 شركات لمناقصة "الإشراف"... ومحاولات لإبعاد "الهندية

مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشا…

تشرين2 14, 2018 60 مقالات وتحقيقات

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في مصرف لبنان؟

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في م…

تشرين2 14, 2018 62 مقالات وتحقيقات

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالبة بتطويرها ليست خيانة

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالب…

تشرين2 14, 2018 42 مقالات وتحقيقات

«خوّة» التأمين الإلزامي: الشركات تقبض والضمان يدفع

«خوّة» التأمين الإلزامي: الشركات تقبض وا…

تشرين2 12, 2018 45 مقالات وتحقيقات

أهالي المفقودين «يطمئنون» النواب: لا نريد أن نحاسب

أهالي المفقودين «يطمئنون» النواب: لا نري…

تشرين2 12, 2018 41 مقالات وتحقيقات