الإسكان في لبنان

تموز 01, 2016

المرصد-

أسعد سمور- تسجل الوحدات السكنية في لبنان إرتفاعا مطردا في أسعارها ويأتي هذا الإرتفاع مزدوجا حيث يرتفع سعر الوحدة السكنية من جهة وتتقلص مساحتها من جهة أخرى، وبدأت أسعار العقارات تشهد إرتفاعا جنونيا بشكل لافت ابتداء من العام 2006، وشهد لبنان الطفرة العقارية بين العام 2008 حتى العام 2010 حث سجلت أسعار العقارات إرتفاعا سنويا يقدر بـ30% ما أدى إلى إرتفاع الأسعار بشكل جنوني وقفز سعر الوحدة السكنية من 30 ألف دولار أميركي إلى 100 ألف دولار أميركي، واعتبر العديد من الإقتصاديين أن ما حصل هو إنتعاش للقطاع العقاري ولكنه في الحقيقة كارثة إقتصادية على المشترين نظرا للإرتفاع الهائل في أسعار الوحدات السكنية. وبالفعل فقد شهد القطاع العقاري إرتفاعا في الإستثمارات ففي حين كان حجم الإستثمار في العام 2005 حوالي مليار دولار لتقفز إلى ملياري دولار في  2006 وتصل إلى ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار في 2007، أي بارتفاع 48%  عن العام 2006 ووصلت الإستثمارات اليوم إلى حوالي الـ6 مليارات دولار.

بعد الأزمة السياسية والأمنية التي ضربت لبنان إثر الأحداث المؤلمة في سوريا تراجعت نسبة غير اللبنانيين الذين يشترون وحدات سكنية ولم تتجاوز نسبتهم من الذين يشترون الشقق السكنية من العام 2011 حتى اليوم  10%  في حين نسبة اللبنانيين الذين اشتروا وحدات سكنية بلغت 90%  وتتوزع هذه النسبة بين 50% للمغتربين و50% للمقيمين. ويفضل المغتربون الشراء عبر قروض الإسكان الخاصة نظرا لقدرتهم المالية الأكبر ونظرا للتقديمات التي تقدمها المصارف الخاصة، في حين أن أغلبية المقيمين في لبنان من المواطنين يفضلون الشراء عبر المؤسسة العامة للإسكان. وإذا كانت المؤسسة غالبا ما ترفض تسديد قيمة القرض دفعة واحدة إلا أن المصارف الخاصة تقبل بذلك. وهذا ما يدفع المغتربين إلى الشراء عبر المصارف الخاصة، ذلك أن تسديد جزء كبير من القرض أو القرض كاملا عندما يريد الشاري ذلك، ما يؤدي إلى توفير جزء كبير عبر إنخفاض قيمة الفائدة، في حين أن مؤسسة الإسكان لا توافق بسهولة على تسديد كامل القرض.

التملك من بوابة المؤسسة العامة للإسكان

يمكن الحصول على قرض سكني من خلال طرق عديدة لعل أبرزها القروض المدعومة من البنك المركزي أو عبر المؤسسة العامة للأسكان أو الإقتراض من المصارف الخاصة.

وتستحوذ معاملات المؤسسة العامة للإسكان بحسب رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام المهندس روني لحود على "الحصة الأكبر من القطاع الإسكاني إذ أنها تغطي ما يقدر بـ 50% من هذا القطاع في حين يغطي المصرف المركزي والمؤسسات التابعة للإسكان لدى الجيش والدرك والأمن العام، والقضاة 50% من هذا القطاع"

وتستغرق عملية الحصول على القرض مدة لا تقل عن الأربعة أشهر حيث يقوم الشاري بتقديم طلبه لدى مصرف خاص أو لدى المؤسسة العامة للإسكان ويتولى المصرف دراسة الطلب قبل أن يعود ويحيله للمؤسسة التي تقوم بدراسته وإصدار القرار النهائي بشأن منح القرض وقيمته.

ويمنح القرض بناء لثلاث معطيات هي العمر والأجر وقيمة القرض، حيث من الضروري أن يكون الشاري قادر على السداد لمدة ثلاثين أو عشرين عاما، أي يجب أن لا يتجاوز عمره الـ67 قبل تسديد كامل القرض، كذلك لا يستطيع أن يتقدم المشتري بطلب لدى المؤسسة العامة للإسكان في حال لم يكن قد بلغ الـ21 سنة مكتملة. ويتم إحتساب القرض بناء على الأجر وتساوي قيمة السند الشهري المتوجب على الشاري دفعه 1/3 من  أجره وتبلغ القيمة القصوى للقرض 525 مليون ليرة لبنانية وأن لا تتعدى مساحة الوحدة السكنية 200 م2.

ويستطيع أن يتقدم إلى طلب الإسكان شريكان سواء لديهما عقد زواج أما لا حيث تقسم الوحدة السكنية إلى حصتين كل حصة تبلغ 1200 سهم، ويتم تسجيلها بأسماء الشريكين على أن تبقى مرهونة لصالح المصرف الخاص، ولصالح المؤسسة العامة للإسكان، على أن لايزيد أجرهما عن 6.75 مليون ليرة لبنانية.  ويلفت المدير العام للمؤسسة المهندس روني لحود إلى أن " 40% من الإتفاقيات التي أبرمتها المؤسسة كانت مع  شريكين في حين أن 60% من الإتفاقيات أبرمت مع شخص واحد" وإذا ما تم إحتساب معدلات الأجور وأسعار الوحدات السكنية  سيكون مبررا إرتفاع نسبة شراء الوحدات السكنية عبر المؤسسة العامة للإسكان لشريكين معا، إذ أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار الشقق وإنخفاض معدلات الأجور لم يعد من الممكن لفرد واحد شراء وحدة سكنية وفق شروط المؤسسة العامة للإسكان ما يدفع الشاري إلى إيجاد شريك يعمل والتضامن فيما بينهما لشراء الوحدة السكنية، إلا أن نسبة 60% من المشترين هم أفراد تثير علامات الإستفهام حول صحة الأجر الذي يتم التصريح عنه لدى المؤسسة، إذ أن الذي يريد شراء وحدة سكنية متواضعة تقدر قيمتها بـ150 مليون ليرة لبنانية يجب أن يكون أجره الشهري حوالي 1700$ أميركي أو ما يقدر بـ2.5 مليون ليرة لبنانية ولا يحصل المشتري على القيمة الكاملة للقرض بل فقط على 80% من قيمته ما يعني أنه على الشاري أن يكون قد إدخر 20% من قيمة الوحدة السكنية ويقوم بتعديل أجره كأن يقوم بالإتفاق مع صاحب العمل على التصريح بأجر أعلى من أجره الحقيقي، أو أن يقوم بتأمين إفادة عمل ثانية ويوهم المؤسسة العامة للإسكان والمصرف بأنه يعمل بدوامين. ويبدو أن عدد كبير من الشبان يلجأ إلى هذه الحيلة حيث يستطيعون تأمين وحدات سكنية إلا أن إنفاقهم يتركز بشكل كبير جدا على السكن ما يعوق إمكانية إدخار أجره لتأمين متطلبات الحياة في حال تقدم للإرتباط والزواج ولعل أزمة السكنة واحدة من أبرز الأسباب التي تؤخر سن الزواج لدى الجنسين وترفع معدلات العنوسة لدى الجنسين معا.  وإذا كان المقترض يحصل بشكل مباشر على 80% من قيمة القرض إلا أنه يحصل فعليا أكثر من 10% لأن المصرف الخاص يحسم 10% من قيمة القرض كضمانة لسداد الدين، في حين أن المؤسسة العامة للإسكان تحجب عنه 10% من قيمة القرض لكنها تضعها في حساب مصرفي ثم تقدمها له مجددا عند إنتهاء تسديد المرحلة الأولى من القرض مضافا إليها الفوائد طيلة سنوات المرحلة الأولى ما يساهم في تخفيف عبء تكاليف سداد القرض خلال المرحلة الثانية.

ويؤكد لحود أن "نسبة المتخلفين عن سداد القروض لا يتجاوز 1% وجميع هؤلاء وقعوا في العجز خلال المرحلة الأولى التي يسددون فيها قيمة القرض للمصرف، ونسبة المتخلفين عن السداد خلال المرحلة الثانية هي صفر% ".

ويؤكد لحود "أن الإقتراض عبر المؤسسة يوفر على أصحاب الدخل المحدود الفوائد الباهظة التي يتكبدها في حال قرر شراء وحدة سكنية عبر المصارف الخاصة فقط حيث أن الفائدة 4.67% على القروض بالليرة اللبنانية"  وتأخذ المصارف الخاصة فوائد على قروض الإسكان تتراوح بين 6 و8% على القروض بالدولار الأميركي وتتمنع غالبية المصارف عن الإقراض بالليرة اللبنانية، كذلك تفرض المصارف الخاصة على المقترض تسديد نفس قيمة السند طيلة مدة القرض في حين أن الإقتراض عبر المؤسسة العامة يمكن المقترض من تسديد سند شهري بنسبة 1/3 من أجره طيلة 15 سنة في حال كانت مدة القرض 30 سنة و10 سنوات في حال كانت مدة القرض 20 سنة  حيث يقوم خلال هذ المرحلة من سداد قيمة الوحدة السكنية للمصرف،  وخلال الفترة الثانية من القرض تنخفض نسبة سنده الشهري بين 45-50% وخلال هذه الفترة يقوم المقترض بتسديد الفوائد المترتبة عليه لصالح المؤسسة العامة للإسكان التي كانت تقوم بتسديد الفوائد عنه طيلة المرحلة الأولى.  كذلك يستفيد المقترض عبر المؤسسة العامة للإسكان بإعفاءه من رسوم التسجيل وفك الرهن ورسوم الطابع وتقدر هذه الكلفة بحوالي 20 مليون ليرة لبنانية.

ويتوقف نشاط المؤسسة العامة للإستخدام على تسهيلات القروض ويشير لحود إلى أن" المؤسسة قد أنجزت 70 ألف إتفاقية خلال 17 عام" ويضيف " في العام 2014 أنجزنا 5600 إتفاقية، وفي العام 2015 أنجزنا 4600 إتفاقية"  ما يدل على تراجع شراء الوحدات السكنية بنسبة 8% تقريبا عبر المؤسسة العامة ما يجب أن ينعكس إنخفاضا في أسعار الوحدات السكنية التي مازالت تحافظ أسعارها على مستويات فلكية. هذا الإرتفاع في معدلات الأسعار يعكس الغياب التام لدور الدولة الرقابي على الأسعار وفتح الباب أمام المضاربات العقارية التي تؤدي إلى رفع الأسعار بالرغم من الإنخفاض ليس فقط في أسعار النفط بل أيضا في أسعار مواد البناء نفسها. كذلك تغيّب الدول نفسها عن دورها في تأمين حق السكن للمواطنين وهذا ما يظهر من خلال واقع المؤسسة العامة للإسكان حيث يوضح لحود أن "المؤسسة لا تقوم ببناء المساكن مباشرة بسبب النقص في أعداد المهندسين والعاملين وبسبب النقص في التمويل" ويؤكد  "عندما تقوم المؤسسة ببناء المساكن فإن ذلك سيؤدي إلى توفير أكبر للأكلاف على الباحثين عن وحدات سكنية"  وعن الإيرادات التي تحققها المؤسسة يشير إلى أن المؤسسة بدأت تتقاضى مؤخرا من الحكومة رسوم إعادة الإعمار والبناء وغيرها لافتا إلى أن الإيرادات الشهرية التي تحققها المؤسسة من خلال إسترداد قيمة الفوائد التي تسددها للمصارف تبلغ 18 مليار ليرة شهريا أي 216 مليار ليرة سنويا. ولا تتمتع المؤسسة العامة للإسكان بأي مخصصات إضافية في الموازنات العامة.

ومن الجدير ذكره أن المؤسسة العامة للإسكان ليست المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تدعم الإسكان بفوائد مخفضة حيث تؤمن بقية مؤسسات الإسكان التابعة للقوى الأمنية وللقضاة قروض إسكان ميسرة وبفوائد منخفضة وأقل من ما تقدمه المؤسسة العامة للإسكان. ما يعكس سوء إدارة من قبل الدولة حيث يتمتع القاضي على سبيل المثال بتسهيلات سكنية أكثر من المواطن المحتاج فعلا إلى دعم وإذا كان القاضي يتقاضى راتبا في الدرجة الأولى يبدأ بـ4.1 مليون ليرة شهريا، ليصل في الدرجة 22 إلى 9.3 مليون ليرة شهريا  غير أنه يستطيع الحصول على وحدة سكنية بتسهيلات أكثر وبفوائد أقل من الأجراء متوسطي الحال الذين تصل معدلات  إلى حوالي 1.5 مليون ليرة لبنانية ما يعكس سياسة حكومية قائمة على أساس التوزيع غير العادل للثروات، ناتج عن تعدد الجهات الإسكانية الرسمية ما يخلق تمييزا بين المواطنين.

ولا يحق لمالك وحدة سكنية أن يحصل على قرض عبر المؤسسة العامة للإسكان كذلك لا يحق لأحد الحصول على أكثر من قرض واحد. وبالرغم من أن المؤسسة العامة للإسكان  وضعت شروط مقبولة لمنح القرض حيث أن إقتطاع ما نسبته 1/3 من قيمة الأجر لن تلحق ضررا كبيرا بالقدرة الإستهلاكيه، لكن  الهوة بين معدلات الأجور وأسعار الوحدات السكنية تخلق إستحالة منح القروض لقطاع عريض من المتقدمين بطلب لدى الإسكان في حال قامت المؤسسة بالتحقيق والتأكد من قيمة الأجر لكل طالب قرض. وليس الحديث هنا عن ضرورة تشديد الرقابة على صحة الأجر المصرح به للإسكان خصوصا أن نسبة المتخلفين عن سداد القروض تقل عن 1%.  بل المطلوب التشدد في الرقابة على الأسعار وحماية الأجور من التضخم الذي يأكل قيمتها الشرائية.

بالإضافة إلى المؤسسة العامة يلعب مصرف الإسكان ومصرف لبنان في دورا في عملية "دعم" قروض الإسكان. المفارقة أن إرتفاع الأسعار في ظل الأوضاع القائمة تسببه سياسات الدعم التي تنفذها السلطة اللبنانية التي تقدم رزم تحفيزية لهذا القطاع خصوصا مع إطلاق مصرف لبنان رزم تحفيزيه تصل قيمتها إلى المليار دولار سنويا إبتداء من العام 2003 ويبلغ إجمالي الرزم التحفيزية التي تقدمها الدولة اللبنانية للقطاع البناء ما نسبته 56% من قيمة الرزم التحفيزية بالرغم من أن قطاع البناء يشكل 20% من الإقتصاد.

الإيجارات: فوضى منظمة

ربما لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تشمل نوعين من المستأجرين هم المستأجرون القدامى والمستأجرون الجدد، وربما لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق أكثر من قانون على قضية واحدة هي قضية الإيجارات*

والمستأجرون القدامى هم الذين وقعوا عقود الإيجارات التي تسبق قانون الإيجار 160/92 الذي قام بـ"تحرير العقود". ويتمتع المستأجرون القدامى بمجموعة من المكتسبات حيث ترتبط الزيادة على الإيجارات بالزيادة على غلاء المعيشة ولا يمكن ربطها بمسائل أخرى كما فعل القانون 160/90 الذي ربط بين بدل الإيجار والمضاربات العقارية، ويتمتع بتعويض الإخلاء، ومن أهم المكتسبات التي يتمتع بها بإستقرار التشريعات التي تفرض عدم توقيف حقوق الناس بما يضمن "أمن الحيازة القانوني".

في العام 2014 صدر قانون جديد للإيجارات يتعلق بمعالجة قضية الإيجارات قبل قانون 160/92، وشكل القانون الجديد ضربة لمكتسبات المستأجرين القدامى حيث أصبحت الزيادات على الإيجارات تقوم على المضاربات العقارية إذا أن الزيادة تحتسب بناء على قيمة المأجور، ومن المعلوم أن المضاربات العقارية الجنونية ستؤدي إلى رفع بدلات الإيجارة بشكل كبير جدا، وأبطل القانون الجديد حق المستأجرين ببدل الإخلاء . وبعد تقديم طعن بالقانون أبطل المجلس الدستوري موادة  في القانون متعلقة باللجان وهي المواد 7، و12، و18. ويعتبر المحامي "واصف الحركة" أن هذه المواد إرتكازية موضحا أن "الصندوق غير موجود فكيف يمكن أن تطالب المستأجر بتنفيذ الواجبات ولا تلزم الدولة بتطبيق واجباتها ما يشكل ضررا بعدالة تطبيق القانون".  بالإضافة إلى ذلك فإن المجلس الدستوري بحسب "الحركة"  تناول المسائل التقنية ولم يعترض على النقاط الدستورية وارتكب مخالفة عند قوله بـ"قدسية الملكية الخاصة" فالدستور يحترم الملكية الخاصة ولكنها ليس مقدسة بدليل أنه يمكن نزع الملكية الخاصة بالإستملاك.

وبالرغم من أن المجلس الدستوري أبطل المواد 7، و12، و18 إلا أن عدد من الدعوى تسير في القضاء، وفي هذا الإطار يلفت إلى أن "القضاء يواجه إختلاف وعندما يحصل إختلاف فهذا يدل على أن التشريع يعاني من خلل، وهذا يعني بدوره أن القانون غير واضح وغير مباشر" ويؤكد "الحركة" على أن "المواد التي ألغاها مرتبطة بأكثر من 23 مادة وعلى مجلس النواب أن يعيد دراسة القانون كاملا ولا نستطيع القول بتعديل المواد الثلاثة المطعون فيها لأن هذه المواد مرتبطة بأكثر من 23 مادة أخرى" ويضيف الحركة أن القانون الجديد "رتبته قلة من النواب ومرر تمريرا والمشرع كان جاهلا بمضمونه بدليل أن الطعن بدستوريته أتى من نواب كانوا قد صدقوا عليه".

وإذا كان القانون الجديد يحقق مصالح المالكين القدامى شكلا إلا أنه مضر بمصالحهم في المضمون خصوصا لصغار الملاك حيث تم "إقناع هؤلاء ببيع أملاكهم بـ60% من قيمة سعرها الحقيقي لأن بيعها للمستأجر القديم سيكون بقيمة 50%، وبعد ان تمت صفقات الشراء صدر القانون الجديد للإيجارات" وفي هذا الإطار يلفت "الحركة" إلى أن التشريع العادل يفترض أن "يمنح المالك الذي باع أملاكه قبل فترة من إقرار القانون الجديد أن يسترد فارق المبيع".

أما الإضرار الأوسع بمصالح صغار المالكين سيأتي بعد تحرير عقود المستأجرين القدامى، فللمالكين أبناء وأحفاد يحتاجون إلى وحدات سكنية، وبعد تحرير  عقود المستأجرين القدامى سترتفع أسهم المضاربات العقارية وترتفع معها قيمة الإيجارات المرتبطة حكما بهذه المضاربات. وبهذا المعنى فإن مصلحة صغار المالكين والمستأجرون القدامى مترابطة.

لقد تحمل صغار الملاكين وزر مشكلة أكبر من قضية الإيجارات حيث تم وضعهم في مواجهة المستأجرين القدامى اليوم وسيتم وضعهم  إلى جانب هؤلاء المستأجرين بمواجهة كبار المالكين وقادة عمليات المضاربة العقارية بعد إرتفاع أسعار الوحدات السكنية التي لن يستطيع أبناؤهم تحمل تكاليف بدل إيجاراتها.

وليس غريبا الربط بين قانون الإيجارات القديمة، وقانون تحرير العقود رقم 160/92 حيث سيصل جميع المستأجرين القدامى منهم والجدد في النهاية إلى واقع إجتماعي إقتصادي مسدود الأفق وتراجع إمكانية بإيجاد سكن فضلا عن السكن اللائق. والوصول إلى تحرير كل عقود الإيجارة بالشكل الذي طرحه القانون 160/92 سيطرح مشاكل على المستوى الإقتصادي نتيجة تحرر بدلات الإيجار من حد أقصى مسموح به وتركها مفتوحة على سوق المضاربات العقارية، كذلك فإن عدم الإستقرار وإنتهاء العقد بعد مدة محددة سيضع المستأجر تحت رحمة المالك وسيوافق على زيادة بدلات الإيجار لأن المستأجر يكون قد بنى حياته وفق مكان سكنه  وقد يرتب إنتقاله تكاليف إضافية كتكاليف الإنتقال، وتكليف النقل إلى العمل خصوصا أن الأسعار المرتفعة ستدفع المستأجرين إلى الأطراف بالرغم من تركز أمكنة العمل في العاصمة، خصوصا أن البنية التحتية اللبنانية غير مؤهلة بشكل جيد، وفي ظل غياب خطوط النقل المنظم التي تسمح للسكان بالحفاظ على نوع من الإستقرار الوظيفي في حال إضطر المستأجر إلى نقل مكان سكنه بعيدا عن مكان عمله. وعدم الإستقرار في مكان السكن يوجه ضربة للإستقرار النفسي والإجتماعي حيث يتأثر الفرد بالبيئة المحيطة فيه ويبني علاقات إجتماعية  والإنتقال الدائم يوثر بشكل سلبي على العلاقات الإجتماعية ويخلق نوع من التمزق الإجتماعي وتنسحب حالة اللإستقرار الإجتماعي على الحالة النفسية خصوصا للأطفال الذين سيضطرون من الإنتقال من مدرسة إلى أخرى.

الأسوأ من ذلك يأتي في سياق التأثير السلبي على ما تبقى من لحمة وطنية فإذا كانت بيروت تجمع مختلف اللبنانيين من مختلف المناطق والمذاهب وتخلق حالة من التلاقي بين هذه المكونات، فإن المضاربات العقارية ستدفع أصحاب الدخل المحدود المتوسط والمنخفض إلى الخروج من العاصمة، حيث تتجمع كل فئة سكانية متجانسة مناطقيا و طائفيا للتكتل في مناطق سكنية واحدة، وهذا المسار سيبدأ بتشكيل "غيتو" طائفي خصوصا أن كل طائفة من الطوائف بدأت بالعمل على بناء وحدات سكنية وبيعها لأبناء الطوائف ما سيعزز حالة العزلة الإجتماعية والوطنية ويكرس الولاء الطائفي والمذهبي على حساب الولاء الوطني.

 

الخاتمة

يعود الإرتفاع في أسعار الوحدات السكنية في الظاهر إلى عوامل عديدة لعل أبرزها سعر الأرض المرتفع جدا بالإضافة إلى أن "التشطيب" يشكل أكثر من 70% من كلفة الوحدة السكنية، لكن الإرتفاع الحقيقي لأسعار الوحدات السكنية يعود إلى السياسة المتبعة  والقائمة على دعم المضاربات العقارية والإحتكارات بمواجهة المواطنين،  حيث لم تظهر أي محاولة للجم فورة المضاربات العقارية التي سميت تجاوزا بالإنتعاش العقاري والتي إنعكست أكلافا باهظة جدا على الذين يريدون شراء وحدات سكنية ، كذلك تدعم الحكومات المتعاقبة الإحتكارات التي تتمتع بها معامل الإسمنت في لبنان حيث استمرت ببيع طن الإسمنت في لبنان بأسعار مرتفعة (110 دولار للطن) بالرغم من إنخفاض أسعار النفط بنسبة 70%  وتشكل الطاقة 25% من كلفة الإنتاج، والمثير في معامل الترابة (هوليسم، وشركة الترابة الوطنية، وسبلين) أن سعر طن الترابة المصدرة للخارج أقل من سعر الترابة في السوق المحلي وبفارق يتجاوز الـ30 دولار، أما المهزلة في هذا الإطار فإن النظام في لبنان والذي يدعي أنه رائد في تحرير السوق، والذي شرع أبوابه أمام الأموال المتدفقة لتستثمر في المضاربات العقارية  وتهز الأمن الإجتماعي والإقتصادي للمواطنين، هذا النظام نفسه أغلق جميع المنافذ الشرعية وغير الشرعية أمام إستيراد الإسمنت والترابة ليس دفاعا عن الإنتاج اللبناني بل حماية للقوى السياسية التي تملك أو تساهم بشكل كبير في هذه المعامل ليترك لها المجال واسعا في إحتكار سلعة حيوية للبناء وتحقيق مردود إقتصادي هائل.

إن الدور الحيوي الذي يلعبه موضوع السكن في الحفاظ على الإستقرار الإجتماعي يتطلب وبالضرورة وقبل أن تتدخل الدولة والقيام بدور أكثر فعالية لحماية  حق السكن المصان بالدستور وبالإتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان لاسيما شرعة حقوق الإنسان أن تفعل مؤسساتها لاسيما الإقتصادية الإجتماعية، كالمجلس الإقتصادي الإجتماعي ولجنة مؤشر غلاء الأسعار وإقرار القوانين اللازمة كي يكون الحد الأدنى للأجور قادرا على تأمين الحد الأدنى من حاجات المواطنين وعلى رأسها الحق بالسكن اللائق، كما يفترض وبالضرورة أن تتدخل الدولة وتلعب دورا راعيا خصوصا للفئات الإجتماعية الأضعف أي أصحاب الدخل المحدود. ولعل إتباع سياسة ضريبة رشيدة خصوصا في الضرائب التي يجب فرضها على المضاربات العقارية سيساهم ليس فقط في تعزيز إيرادات الدولة بل في الإنتقال من الفلسفة التي لا ترى في الضريبة سوى أداة لتعزيز مالية الدولة إلى فلسفة أكثر عدالة تكون فيها الضريبة إحدى أبرز أدوات الحماية الإجتماعية والتوزيع العادل للثروات.

 

 

* تعددية القوانين في لبنان جزء من الثقافة القانونية اللبنانية خصوصا القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية حيث لكل طائفة قوانينها الخاصة، أما الذين يعقدون زواجهم مدنيا في دول أخرى فيطبق قانون هذه الدول عليهم

  • Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة