النظام الإقتصادي ينتج أزمة سوق العمل والنظام الطائفي يكرسها

تموز 29, 2016

أسعد سمور

المرصد- يعرف د.نجيب عيسى[1] سوق العمل على أنه "حالة خاصة للأسواق بالمعنى الإقتصادي حث يلتقي العرض والطلب. وهناك سلعة ما يقوم بإنتاجها فئة محددة من الناس وهناك بالمقابل فئة تطلب هذه السلعة، حيث يلتقي العرض والطلب على القوى العاملة وإعتبار العمل كأنه سلعة." وبهذا المعنى فإن الباحثون عن عمل يعرضون قوة عملهم وفي المقابل فإن أرباب العمل يطلبون العمل. وفي هذا الإطار يوضح د.عيسى إلى أن الرأسمالية نظرت إلى  " العمل كأنه سلعة وثمنه أجر. وقيمة العمل نظرية كبيرة في الإقتصاد ولكن قيمة العمل في السوق الرأسمالية يحدد العرض والطلب الأجر. أما الحد الأدنى للأجور فقد جاء في مرحلة متقدمة من النظام الرأسمالي، لكي يستمر العامل على قيد الحياة"

 

وسوق العمل لا يعني أنه يطال كل القوى العاملة حيث أن "القوى العاملة بالسوق تتحدد بحجم السكان وبفئة محددة قادرة على العمل والتي تتراوح اعمارها بين 15-64 وهذه الفئة هي القادرة على العمل ولكنها ليست التي تعرض قوة عملها، لأن هناك قسم كبير مازال على مقاعد الدراسة وهناك جزء كبير من الناس في مجتمعاتنا لا يعرض العمل في السوق، وبالتالي فإن المعروض في سوق العمل هو مجموع الناس الذين يبحثون عن العمل، ومن يطلب العمل هي بشكل عام المؤسسات الإنتاجية السلعية والخدمية، وهذه المؤسسات يمكن أن تنقسم إلى فئتين القطاع العام والقطاع الخاص"

هذه التعريفات تقود إلى  خلاصات محددة حيث أن القوى العاملة لا تدخل جميعها في سوق العمل بل الفئات التي تبحث عن عمل، كما أن من يطلب العمل هم المؤسسات الإنتاجية سواء كنت تنتج سلعا أو خدمات. وغني عن القول أن هذا التعريف يقود إلى وضع إفتراضات تفسر أسباب تفشي ظاهرة البطالة بأشكالها، ويمكن حصر هذه الأسباب بريعية الإقتصاد اللبناني الذي لا يوفر فرص عمل على العكس من المؤسسات الإنتاجية. وهذا الإفتراض بدوره يقود إلى إفتراض آخر مفاده أن إنخفاض فرص العمل يؤدي إلى الضغط على الأجور وينعكس في إنخفاضها. ولفهم سوق العمل لابد من المرور بـ:

أولا: النظام الإقتصادي اللبناني

ثانيا: بنية سوق العمل

ثالثا:علاقة الإقتصاد بالحركة الإجتماعية

رابعا: العمالة الأجنبية

أولا: النظام الإقتصادي اللبناني

بعد  خروج لبنان من دوامة الحرب الأهلية، ووصول رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري إلى سدة الحكم بتوافق إقليمي (سعودي-سوري) وبرعاية دولية (أميركا). عمل الحريري على إطلاق مشروع "أفق 2000" ويلخص د.عيسى هذا المشروع بـ" إعادة لبنان إلى الدور الذي كان يلعبه قبل الحرب في الخدمات، لكن هذا السعي لم ينجح، فمعظم النمو الإقتصادي تركز بحدود متواضعة وفي قطاعات إقتصادية محددة كالبناء والتجارة والسياحة والعقارات والبناء. وهذه القطاعات لا تتطلب يد عاملة لأن قدرتها محدودة على خلق فرص عمل، وأهملت القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية القادرة على إنتاج فرص عمل  وهذا هو السبب في الخلل في  سوق العمل." لقد كان من الطبيعي أن يتحول الإقتصاد اللبناني إلى الريعية ليس فقط لأنه يلتقي مع العولمة النيوليبرالية التي تحكمها الريعية المالية. بل مرتبط أيضا بمدى فعالية النظام الإقتصادي اللبناني قبل حرب الأهلية ولو ألقينا نظرة تاريخية سريعة على الإقتصاد الوطني نجد أن مراحل الإنتعاش لم تكن نتجية سياسات وضعتها الحكومات اللبنانية  بقدر ما كانت بموقع الإستجابة للتطوارات الإقليمية فقد شهدت نهاية الأربعينيات نكبة فلسطين ما أدى إلى نزوح جزء كبير من الرساميل الفلسطينية التي أنعشت الإقتصاد اللبناني عدا عن إكتساب مرفأ بيروت أهمية إقتصادية، وفي الخمسينات إستفاد الإقتصاد اللبناني من هروب رساميل البرجوازية السورية بعد قرارات التأميم في سوريا، واستفاد في الستينيات من تدفق أموال النفط.

لقد كان الإفتراض أن إعادة لبنان إلى دوره ما قبل الحرب، هو في الأصل إفتراضا خاطئا لأن الظروف التي كانت قد مكنت لبنان من إبراز إنتعاش شكلي في الإقتصاد لم تعد موجودة ما أدى إلى تكريس النظام الريعي حيث "إنتقلت حصة الريوع من الناتج العام من 9% في العام 1990 إلى 23% في العام 1998، وهي أعلى نسبة في العالم"[2]. ويلفت د.عسيى إلى أن "البنك الدولي تحدث عن عاملين لأسباب التدهور الإقتصادي، عدم الإستقرار والطائفية. والنظام في لبنان هو خليط بين أمراء الحرب، ورجال أعمال يطلق عليهم الطغمة المالية بالإضافة إلى رجال أعمال أتوا من الخارج كالحريري والصفدي وعصام فارس والشيعة الآتون من أفريقيا هؤلاء أتوا واستثمروا في الريع  لتحقيق زيادة في الأرباح.

ويوضح  د.عيسى أن ريعية الإقتصاد لا تعني أنه لا يوجد نمو، فالإقتصاد اللبناني الريعي

"خلق فترات نمو وفترات دون نمو لأنه [الإقتصاد اللبناني] متعلق بالحالة الخارجية كالسياحة وتحويلات المغتربين، وكانت معدلات النمو مختلفة بين 2% إلى 9%، ومن العام 1992 إلى العام 2016 معدلها 4% ولكن هذه 4% لم تخلق فرص عمل بـ4% لأن الإستثمارات ريعية ولا تخلق فرص العمل. فمثلا قطاع البناء بماذا أفاد قطاع البناء؟ القوى العاملة غير لبنانية، والآلات مستوردة خارجيا، حتى الشركات التي تتولى البناء هي أجنبية. وبشكل عام فإن القطاعات الريعية عدا عن أنها تشغل فئة محدودة ومحددة من العاملين إلا أنها أيضا تشغلهم في أعمال منخفضة الإنتاجية."  والتشغيل المنخفض الإنتاجية لا ينعكس فقط على العاملين بل على الإقتصاد نفسه.

إذا فإن خلق فرص عمل منتجة وذات جدوى إقتصادية يتطلب الإنتقال بالإقتصاد من الحالة الريعية إلى الإنتاجية، ولم يعد هذا الرأي موقف النخب المعارضة للنظام الإقتصادي الراهن حيث أن البنك الدولي نفسه إنقلب على النمط الإقتصادي اللبناني الذي طالما شجعه واعتبر في آخر تقاريره أن لبنان يحتاج إلى تنمية قطاعي الصناعة والتكنولوجيا بإعتبارهما حجر الزاوية في النمو الإقتصادي اللبناني. ما طرحه البنك الدولي مؤخرا أتى متوافقا مع رأي د.عيسى الذي يرى ضرورة  "توظيف الموارد البشرية في قطاعات صناعية تؤدي إلى إنتاج قيمة مضافة عالية في التكنولجيا والوسائل الحديثة في الإنتاج باعتماد ما يسمى إقتصاد المعرفة، وحتى على المستوى الزراعي يمكن التركيز على انواع الزراعة التي تنتج ادورية، أو صناعة الكومبيوترات وغيرها. فإعتماد إقتصاد المعرفة وإدخال التكنولوجيا والإتصالات توظف الكثير من الأيدي العاملة"  ويرى د.عيسى أن لبنان يشهد بعض ظواهر التحول الإقتصادي نحو هذه المجالات إلا أنه لا يمكن أن ينجح دون أن تلعب الدولة اللبنانية دورا في دعم هذه القطاعات وخصوصا "أن لبنان ليس بيئة جاذبة له فكيف يمكن أن يوظف المستثمرون أموالهم في هذا المجال في ظل ضعف الإنترنيت والإنقطاع المستمر في الكهرباء وكلفتهما المرتفعة، كذلك فاتورة الإتصالات مرتفعةأيضا. وسعر الصرف مرتفع  ما يعيق التصدير. أما الفساد فقد أشار البنك الدولي أن 16% من الناتج يذهب في الفساد."

 

ثانيا: بنية سوق العمل

يقدر د.عيسى "عدد الذين يدخلون إلى سوق العمل سنويا بـ40 ألف منهم 32 ألف جامعي، وينتج سوق العمل اللبناني حسب دراسة للبنك الدولي سنويا 3500 فرصة عمل جديدة. وهذه الفرص لا تحتاج إلى مهارات ولذلك معظم العاطلين عن العمل من المتعلمين. وهناك فرص عمل  تتوفر بسبب الذين يتركون عملهم وهذه ليست فرص عمل جديدة وتقدر بـ6500 فرصة عمل. ويحتاج الباحث عن العمل إلى سنة ليجد فرصة عمل ويعتبر فترة طويلة." وبالتالي فإن أزمة سوق العمل تتمثل في حجم البطالة الكبير . "بشكل عام العرض في سوق العمل يفوق بكثير الطلب على اليد العاملة، ولأن هناك قسم كبير من اللبنانيين يرفضون أن يبقوا عاطلين عن العمل فيلجأون إلى الهجرة. وبالرغم من الهجرة فإن العرض مازال أعلى من الطلب على العمل."

ويشكل ضعف الإحصاءات وعدم دقتها واحدة من أبرز الأسباب التي تحول دون تقديم فهم شامل ودقيق لسوق العمل وبالرغم من أن إدارة الإحصاء المركزي التي تظهر مسوحاتها أن نسبة البطالة السافرة في لبنان هي بين 10 و12% إلا أن د.عيسى يضع ملاحظات على هذه الإحصاءات تجعل من نتائجها غير دقيقة، ولا يمكن إعتمادها لتحليل بنية سوق العمل ويوضح د.عيسى: "في مسألة الإحصاء جرت مسوحات من التسعينات وحتى اليوم تعطي نسبة بطالة سافرة بين 10 و12% وهذا لا يترجم كثيرا واقع البطالة في لبنان والبلدان النامية، لأن المسوحات تأخذ تعريفا محددا للبطالة مأخوذا من منظمة العمل الدولية، حيث يجب أن يكون بسن يسمح له بالعمل أي 15-64 وأن يكون لا يعمل، وأن يبحث عن العمل، وأن يكون جاهزا للعمل. وهذه الشروط وضعت للبلدان الأوروبية لأنها مرتبطة بتعويضات البطالة فإذا إختلت إحدى هذه الشروط لا تدفع الدولة تعويض البطالة، أما هنا فالوضع مختلف  فقد يقول المستجوب كنت في السابق أبحث عن عمل، ولأنني لم أجد عمل ولن أجد عمل فقد توقفت عن البحث عن عمل، وبذلك لا يدخل بمعدل البطالة. وهذه يمكن تسميتها بالبطالة اليائسة" وعن الأرقام التي تتحدث عن معدلات بطالة بلغت 35% يوضح د.عيسى أنه سمع عنها ولكنه كباحث لا يستطيع الإعتماد على أرقام يتم إطلاقها هنا وهناك حتى ولو كان من يطلق هذه الأرقام هو وزير العمل نفسه، فالباحث يجب أن يدقق في المعايير التي على أسسها يتم تحديد البطالة، وهو لا يعرف على أي أساس إستند مطلقو هذه الأرقام، وإن كانوا قد إحتسبوا البطالة اليائسة وأضافوها إلى معدل البطالة السافرة.

وبغض النظر عن مدى دقة الإحصاءات إلا أن إقتصادا يخلق 3500 فرصة عمل جديدة ويوفر 6500 فرصة عمل موجودة أصلا لا يمكن له أن يغطي 40 ألف طالب عمل سنويا ما يعني أن أزمة سوق العمل هي أزمة تشغيل ويختصر د. عيسى أزمة التشغيل بثلاث نقاط أساسية: البطالة السافرة، والهجرة، والتشغيل الناقص

 ولابد هنا من الإشارة أولا إلى القطاع العام الذي: "يوظف أكثر من 12% من القوى العاملة، بما فيها المياومين. والمياومين لديهم وظيفة سياسية وإستزلام".  وجود الإستزلام في القطاع العام يؤدي إلى تفشي ظاهرة البطالة المقنعة حيث يكون "هناك كم من العاملين يعملون ولكنهم لا يعملون بحسب مؤهلاتهم أو يعملون بأوقات جزئية أو يتقاضون أجرا دون أن يعملوا"

وإذا كان جزء من القوى العاملة وجدت مكانا لها في القطاع العام يصنف تحت عنوان البطالة المقنعة إلا أن حدة البطالة السافرة أنتجت في القطاع الخاص شكلا جديدا من التشغيل، هو التشغيل الناقص، ويعرًف د.عيسى التشغيل الناقص بـ" حملة دبلومات الذين يعملون في مهن لا تحتاج إلى مهارة، كأن يقوم مجاز في علم الإجتماع بالعمل في موقف سيارات، ومن الصعب قياس هذه العدد." ويشدد د.عيسى على ضرورة التمييز بين التشغيل الناقص، والعاملين في القطاع الهامشي   "واسمه العلمي القطاع غير الرسمي، وهم العاملين غير المصرح عنهم وليس لديهم أي تأمين إجتماعي، ويمكن تقديرهم بـ25% من القوى العاملة وهناك تقاطع كبير بين المفهومين.". وبهذا المعنى يتداخل التشغيل الناقص مع العمالة في القطاع غير الرسمي.

وتشكل الهجرة ليس فقط نتيجة لأزمة التشغيل حيث لا يلجأ الباحثون عن عمل إلى الهجرة عندما لا يجدون فرصة عمل بل تلعب دورا في إعادة إنتاج البطالة في سوق العمل فـ"المهاجر يقوم بإرسال جزء من أجره إلى لبنان وتحولات المغتربين يتم توظيفها في الإستهلاك، بما يفيد الحفاظ على النظام الإقتصادي الذي لا يخلق فرص عمل." أي أن إستمرارية النظام الإقتصادي تعتمد في إحدى أسبابها على تحويلات المغتربين التي تنشط العمل الريعي وتحافظ على جدواه الربحية للمستثمرين فغالبا ما تنصب أموال المغتربين على شراء الوحدات السكنية التي تعزز عمليات المضاربة العقارية وتؤدي إلى رفع الأسعار، وينفق جزء منها على العمالة المنزلية التي يستفيد منها أصحاب مكاتب الإستقدام  وما يساهم في تعزيز هذه الظاهرة تحويلات المغتربين، وهناك تقديرات أن تحويلات المغتربين تصل إلى 7 مليارات تدخل إلى لبنان، ويوجد تقديرات أن العمالة الأجنبية في لبنان تُخرج بين  3-4 مليارات دولار سنويا. وهذا يؤشر على حجم الإستهلاك الكبير يشكل 100% من الناتج القومي على العكس من الدول الأوربية أو في أميركا حيث لا يشكل الإستثمار أقل من 30% وبدل أن تتجه تحويلات المغتربين ويتم توظيفها في الإستثمار  الذي يخلق فرص عمل يتم توظفها في الإستهلاك. والنمط الإستهلاكي ليس مفصولا عن النظام السياسي الطائفي لأن هذا النظام يشجع على هذا النمط."

 

ثالثا: علاقة الإقتصاد بالحركة الإجتماعية

 

لا يمكن فصل النظام الإقتصاد وسوق العمل عن الإجتماع. إن الهجرة وما ينتج عنها من خلل في الهرم السكاني بين الإناث والذكور، وإرتفاع معدلات العنوسة لدى النساء حيث تشير إحصاءات وزارة الشؤون الإجتماعية إلى أن 83.2% من النساء بين سن 25-30 غير متزوجات، وإذا كان الإحصاء قد توجه إلى النساء إلا انه لم يجر على الرجال وبطبيعة الحال فإن الرجال غير المتزوجين في لبنان لابد أن تكون نسبتهم مرتفعة ويعود ذلك في أحد أهم أسبابه إلى حالة عدم الإستقرار الإقتصادي. كذلك فإن حالة تجزأ سوق العمل تمنع تحقيق مستوى أعلى من الدمج الإجتماعي ففي فرنسا على سبيل المثال يستطيع المقيم في خارج باريس ويعمل داخل المدينة، على عكس من لبنان حيث أن الذي يعيش في صور مثلا لا يستطيع العمل في بيروت وهنا ينحصر مكان عمله في إطاره الجغرافي الضيق وهذا ما يسمى بتجزأ سوق العمل، هذا التجزأ في لبنان سببه معوقات كثيرة تبدأ من أسباب ظرفية ويمكن معالجتها كتأمين خطوط نقل سريعة (قطارات) وتنتهي بأسباب بنيوية كتجزأة سوق العمل إنطلاقا من خلفيات طائفية وإذا كنا نجد هذه الحالة في القطاع العام حيث يتم توزيع الوظائف الحكومية وكأنها غنائم بين زعماء الطوائف فإن  "الحالة الطائفية موجودة في القطاع الخاص، وفي الواقع إن هذه الحالة غير مدروسة، إلا أن يمكننا أن نجد فرز طائفي في المؤسسات الإعلامية، وهذا يدخل ضمن ما يسمى بتجزأ سوق العمل، أي أن لا حركية لهذا السوق" وبالرغم من غياب الدراسات والإحصاءات حول التوزع الطائفي في التشغيل ضمن القطاع الخاص إلا أنه يمكننا الإستدلال بعدد من الأدلة على تفشي هذه الظاهرة حيث أن توزيع المذهبي بين المناطق وضعف خدمات النقل يؤدي إلى تكريس التوزيع الطائفي للعمل بإستثناء بيروت، وحتى في بيروت نفسها فإن تعاظم دور المؤسسات الدينية، سواء المدارس، أو المستشفيات، يساهم في تكريس المؤسسات التي تشغًل من لون طائفي واحد.

ومن ما لا شك فيه أن النظام الطائفي يرعى هذه البنية الطائفية سواء لدى الأسرة أو في المدرسة أو في سوق العمل، إلا أنه يستمد إستمراريته من الإستقرار الإجتماعي الهش الذي يعتمد بدوره على تحويلات المغتربين الذين يشبعون الحاجات الأساسية في المأكل والسكن والتعليم والصحة ما يقلص حالة التململ أو النقمة الإجتماعية.

 ولكن تداعيات الأزمة الإقتصادية العالمية، وإنخفاض أسعار النفط سيؤدي إلى تقليص أجور هؤلاء المغتربين هذا إن لم يخسروا وظائفهم، وهذا بدوره سيؤدي إلى إستفحال الأزمة الإقتصادية، وبالتالي سينتج ردات فعل إجتماعية على شكل حراك إجتماعي مطلبي، قد يستطيع النظام إستيعابه لفترة محددة، أو قد يلجأ إلى إستخدام أزمة اللجوء السوري والتلطي خلفها لتبرير حالة الوهن الإقتصادي ويحول المواجهة إلى السوريين ما قد يفضي إلى حرب أهلية نتيجة إنقسام اللبنانيين حول موقفهم من اللاجيئين السوريين.

 

رابعا: العمالة الأجنبية

 

 

سيقتصر الحديث في العمالة الأجنبية على العمالة السورية نظرا لحجمها ولدورها المثير للجدل. وهنا يوضح د.عيسى "إحصاءات القوى العاملة تأخذ المقيمين خارج المخيمات، والإحصاءات تأتي على صعيد الأسرة، فالعمال السوريين كانوا يسكنون في أماكن العمل وبالتالي لم يكن يشملهم الإحصاء، ولكن يمكن تقديرهم قبل الأزمة بين 300-500 ألف. وبعد دخول السوريين (1200 مليون) وتقديرات البنك الدولي أن 50% هم في سن العمل، والقوى العاملة هي العاملين فعلا بالإضافة إلى العاطلين عن العمل، وكانت القوى العاملة تمثل مليون و300 ألف وزادت مع السوريين 600 ألف ولكن ليس جميعهم يعملون وهناك من دخل في سوق العمل، وفتحوا مصالح لهم. وأغلب العارضين السوريين لديهم مهارات منخفضة." وبما أن أغلب العارضين السوريين منخفضي المهارة فإنهم ينافسون العمالة الماهرة اللبنانية في مجال ضيق، وتتركز منافستهم في الأعمال منخفضة المهارة وهم بذلك ينافسون فئة لبنانية محددة ترضى القيام بالأعمال منخفضة المهارة وغالبا ما تكون هذه الفئة من الأشد فقرا، وبهذا المعنى فإن تأجيج الخلاف بين السوريين واللبنانيين سيكون بمثابة التحضير لحرب الفقراء على الفقراء، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العمالة السورية الجديدة لا تنافس فقط العمالة اللبنانية منخفضة المهارة بقدر ما تنافس العمالة السورية التي كانت موجودة في لبنان قبل الأزمة. ويلفت د. عيسى إلى أن "دخول السوريين إلى سوق العمل أدى إلى زيادة الضغط على العرض والطلب ما يؤدي إلى خفض مستوى الأجور، ويدخل جزء من اللبنانيين في البطالة لأنهم لن يقبلوا بأجور منخفضة، وهنا تقع المسؤولية على صاحب العمل لأنه يفضل أن يشغل العامل السوري لأنه يعمل بأجر أقل، وفترة أطول وبدون تقديمات الإجتماعية. ولابد ن الإشارة إلى أن المزاحمة لا يشعر فيها إلا فئة من القوى العاملة اللبنانية التي تعمل في مهن لا تحتاج إلى مهارات وهي مشابهه في ظروف عملها للسوريين، أما في المهن التي هي بحاجة إلى مهارات فإن المزاحمة أضيق بكثير."

عن دور الأمم المتحدة في تحمل مسؤولياتها تجاه اللاجئين يوضح د.عيسى أنه "لم يكن لدى لبنان سياسة لتنظيم اللجوء كما في تركيا والأردن، ولم يكن لديها رؤية لسوق العمل. وقبل مطالبة المجتمع الدولي بدور،  على الحكومة اللبنانية أن تضع رؤية لمعالجة قضية اللجوء، وما يحول دون وضع الرؤية هو الإنقسام السياسي."

 

[1] مقابلة مع د.نجيب عيسى أجراها المرصد بتاريخ بتاريخ 18/7/2016

[2] طرابلسي، فواز، الطبقات الإجتماعية في لبنان: إثبات وجود، 2013، ص25.

 

  • 1 comment

    • Empire Carpet
      Comment Link Empire Carpet الإثنين, 18 حزيران/يونيو 2018 20:01

      I appreciate you sharing this article post.Really thank you! Cool.

    Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة