القرار الظنّي في قضية صوفي مشلب: سقطت «الشمسية»

شباط 14, 2020

الاخبار-14-2-2020

رجانا حمية


انتهى الجزء الأول من قضية الطفلة صوفي مشلب في القضاء، بعد صدور القرار الظني، أمس، والذي قضى بالظن بنقيب الأطباء السابق ورئيسة لجنة التحقيقات في النقابة بجرم «إصدار تقرير كاذب». هذا القرار سابقة. فأن يصدر قرار قضائي، ولو ظني، يجرّم رأس النقابة في معركة إثبات خطأ طبي، ليس تفصيلاً وإنما «انتصار»في مواجهة المنظومة

«(...) تقرّر وفقاً لمطالعة النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، الظن بالمدّعى عليهما ريمون بشير صايغ وكلود ملحم سمعان، المبيّنة كامل هويتهما أعلاه، بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 466 من قانون العقوبات».
تكفي هذه الفقرة التي اختُتم بها القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق في جبل لبنان، ساندرا المهتار، للقول إن الجزء الأول من قضية صوفي مشلب على درب القضاء انتهى بـ«انتصار». صوفي التي «شُلّت» حياتها بسبب خطأ طبي مرة أولى، ومرة ثانية بسبب تقرير كاذب صادر عن لجنة التحقيقات في نقابة الأطباء، استطاعت أمس أن تنتزع أول حقّ بالاعتراف بأن نقابة الأطباء، بنقيبها السابق ريمون صايغ ورئيسة لجنة التحقيقات كلود سمعان، هي أيضاً شريكة في «الجرم» الذي تسبب به مستشفى الروم وأربعة أطباء آخرين. بعد تلك الخطوة، لم يعد مهماً البحث في التفاصيل التي سلبت ابنة السنوات الخمس طفولتها، فالأولى بالأهمية الآن أن ثمّة قراراً قضائياً جريئاً يجرّم «رأس» النقابة ولجنة التحقيق فيها، بتهمة إصدار تقريرٍ كاذب لحماية أطباء «مرتكبين»، عن سابق تصور وتصميم، سنداً لمادة قانونية من قانون العقوبات (466)، تصل عقوبتها إلى السجن سنتين. وهذه المرة الأولى يحدث فيها مثل هذا الأمر، في مواجهة نقابة الأطباء التي دأبت على حماية المنتسبين إليها، برغم ارتكابهم أخطاء طبية ومخالفتهم لقانون الآداب الطبية.

 


هكذا، بعد عامٍ من صدور مطالعة المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون، والتي طلبت فيها «الادّعاء على صايغ وسمعان بجرم إعطاء تقارير طبية كاذبة»، جاء القرار الظني مؤكداً، مسنوداً إلى مجموعة قرائن كافية للسير فيه نحو الإدانة. وإن كان هذا الدرب لن يعوّض الخسارة التي تعيشها عائلة مشلب كل يوم مع طفلة فقدت حواسّها كافة، بعدما شُلّ دماغها، إلا أنه سيكون «الهدية التي تقدمها صوفي إلى من ستخذلهم النقابة بعدها»، يقول الوالد فوزي مشلب. يعرف الأخير بأن المعركة التي يحملها ثقيلة جداً، لسببين، أولهما أنها قضية ابنته وثانيهما أنه يواجه مارداً بأمه وأبيه «ما حدا طلع راس معو». ولكنّه وصل، على الأقل «من خلال إثبات الجرم». ولئن كان يتمنى لو أن أحداً غيره خاض تلك المعركة و«ما صار ببنتي هيك»، لكنه من جهة ثانية يأمل بأن يكون أول من يثبت حق ابنته وحقوق الضحايا الآتين بعدها.
هذا أول الغيث في الشكوى المرفوعة منذ ثلاثة أعوام، حيث ينتقل الملف بعدها إلى القاضي المنفرد الجزائي في المتن لبدء جلسات المحاكمة. صحيح أن الدرب طويل بعد للوصول إلى الحق الكامل، ولكن على الأقل «بلشت العدالة تاخد مجراها»، يقول مشلب. وأول بداية هي الرسالة التي وصلت، بحسب القرار الظني، إلى النقابة بأنه ليس مسموحاً الاستهتار بتلك القضايا «فقط لأجل منح الحصانة لأطبائها».
هذا ما قاله القرار. في التفاصيل، توقفت القاضية المهتار - في الوقائع المتعلقة بالتقرير الطبي الكاذب - عند «حدثين» كانا نافرين، أولهما تعمّد لجنة التحقيقات إخفاء السبب الأساس الذي أدى إلى الخلل الدماغي الذي تعاني منه الطفلة، حيث «لم تعط اللجنة رأياً واضحاً، واكتفت بتعداد الأسباب التي قد يكون هذا الخلل ناجماً عنها وحصرتها في خمسة أسباب أساسية». ولم تكتف بذلك، بل اتبعت من جهة أخرى سياسة استنسابية في انتقاء الآراء الطبية حيث «إن بعض الأسباب المعدّدة في التقرير أخفت آراء طبية مخالفة وأغفلت مناقشة تبريرات علمية جدية تناقضها كما خالفت في جزء منها مضمون تقارير طبية صادرة عن الأطباء المعالجين أنفسهم (...) وذلك بهدف منع ظهور هذه الأسباب من ضمن الأسباب المحتملة للضرر الدماغي اللاحق بالطفلة». وما يعني ذلك حكماً من «إخفاء للصلة السببية التي قد تكون متوافرة بين تلك الأسباب والضرر المحقّق وما قد يستتبعه أو لا يستتبعه ذلك من تأثير على تحديد المسؤوليات». أما الثاني، فهو ما يتعلق بـ«لا مبالاة ولا مسؤولية» سمعان وصايغ تجاه «وظيفتهما» كطبيبين قبل أن يكونا مسؤولين. فسمعان عندما ووجهت بأن صورة الرنين المغناطيسي للطفلة تؤشر إلى أن المشكلة الدماغية حدثت قبل العملية الجراحية الثانية، ردّت بأن «تاريخ الصورة (...) مجرّد خطأ مطبعي»، وهو ما اعتبرته القاضي المهتار في قرارها «إدلاء غير مقبول، نظراً إلى أن التقرير صادر عن لجنة تحقيق مهنية رفيعة المستوى (...)». أما صايغ، فاعتبر أن توقيعه على التقرير كان فقط بهدف إحالته إلى مجلس النقابة، وليس لأنه مسؤول. هكذا، بتصريحٍ «لا مسؤول» يضرب صايغ مبدأ قانون إنشاء نقابتي الأطباء الذي يعتبر أن «وظيفة» النقيب والموقع الذي يشغله «لا يقتصران في مهامه على مصالح المهنة وحقوق الأطباء بل يمتدان إلى الدور الذي أولاه إياه المشترع في مجال الصحة العامة والسعي لحل النزاعات التي تقع بين الأطباء أو بينهم وبين مرضاهم».
لكل تلك الأسباب، كانت المادة 466 عقوبات التي تصل عقوبتها إلى سنتين سجناً لكلّ «من أقدم حال ممارسته وظيفة عامة أو خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية على إعطاء شهادة كاذبة معدّة لكي تقدم الى السلطة العامة أو من شأنها أن تجرّ على الغير منفعة غير مشروعة أو أن تُلحق الضرر بصالح أحد الناس (...)».

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
كارتيل الأفران رابح ـ رابح

كارتيل الأفران رابح ـ رابح

شباط 25, 2020 23 مقالات وتحقيقات

الضمان الاجتماعي: تعويضات نهاية الخدمة تتآكل

الضمان الاجتماعي: تعويضات نهاية الخدمة ت…

شباط 21, 2020 53 مقالات وتحقيقات

نسبة الفقر 40% والبنك الدولي يبحث في كيفية الحدّ من تداعيات الأزمة كومار جاه لـ"النهار": إصلاح الكهرباء ضرورة قصوى والرهان على تطبيق الخطة الانقاذية

نسبة الفقر 40% والبنك الدولي يبحث في كيف…

شباط 21, 2020 57 مقالات وتحقيقات

الزميل محمد زبيب بعد الاعتداء عليه: «سيُهزَمون، سيُهزَمون، سيُـهزَمون!»

الزميل محمد زبيب بعد الاعتداء عليه: «سيُ…

شباط 14, 2020 91 مقالات وتحقيقات

كبار المودعين يُصادرون أموال اللبنانيّين: سحب 27 مليار دولار في سنة

كبار المودعين يُصادرون أموال اللبنانيّين…

شباط 14, 2020 107 مقالات وتحقيقات

الدولة أمام «فخّ» سلامة

الدولة أمام «فخّ» سلامة

شباط 14, 2020 90 مقالات وتحقيقات

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة…

شباط 13, 2020 102 مقالات وتحقيقات

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهكونه

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهك…

شباط 13, 2020 100 مقالات وتحقيقات

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائر

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائ…

شباط 13, 2020 104 مقالات وتحقيقات

الضمان يبتزّ الأُجراء

الضمان يبتزّ الأُجراء

شباط 13, 2020 96 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 93 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 85 مقالات وتحقيقات

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة ا…

شباط 12, 2020 100 مقالات وتحقيقات

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين…

شباط 12, 2020 118 مقالات وتحقيقات

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

شباط 12, 2020 99 مقالات وتحقيقات

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت التحقيقات؟

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت الت…

شباط 10, 2020 111 مقالات وتحقيقات

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020 108 مقالات وتحقيقات

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال المودعين: اطردوا رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال ال…

شباط 10, 2020 109 مقالات وتحقيقات

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القروض 6 أشهر المادة 36 تغطي القروض المدعومة من مصرف لبنان فقط!

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القر…

شباط 10, 2020 116 مقالات وتحقيقات

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تعذيب وإخــفاء قسري!

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تع…

شباط 07, 2020 139 مقالات وتحقيقات

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد الناشطين «بالمفرّق»

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد ال…

شباط 07, 2020 130 مقالات وتحقيقات

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأملاك البحرية

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأمل…

شباط 07, 2020 121 مقالات وتحقيقات

المصارف تسهم في موت الصناعة

المصارف تسهم في موت الصناعة

شباط 07, 2020 139 مقالات وتحقيقات

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

شباط 07, 2020 132 مقالات وتحقيقات

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشبكة وعقدا الصيانة والتشغيل في مهبّ الريح

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشب…

شباط 06, 2020 131 مقالات وتحقيقات