هل المطلوب معالجة أزمة الكهرباء المزمنة بتدابير متسرّعة وبأي ثمن؟

آذار 12, 2018



سلوى بعلبكي

النهار-12-3-2018


ليس جديداً الحديث عن تراكم عجز الكهرباء وانعكاساته السلبية على الاقتصاد وحجم الدين العام، وتطوّر الطلب على الطاقة وغيرها من الامور التي وردت في ملخص لتقرير تمّ توزيعه الاسبوع الماضي في مجلس الوزراء. وإذا كانت بعض الارقام واقعية، إلاّ أن الاستنتاجات التي توصل اليها الملخص وفق المتابعين تبدو مستغربة في ظل غياب أي حسابات أو معلومات عن الفوترة والتحصيلات والهدر، على نحو بدت أقرب الى نظرة قصيرة المدى غلب عليها طابع التفكير في تدابير متسرّعة، وبأي ثمن، لمعالجة مشكلة مزمنة وتلبية عاجلة لحاجة ملحة في إطار سوق تجارية محدودة البدائل.

هذه النظرة تفتقر الى خصائص "الرؤية الحكومية" المسؤولة عن إيجاد معالجة مستدامة لمشكلة زاد من حدتها الإخفاق الذريع في الافادة من الإجماع الذي توفر عند الموافقة على ورقة سياسة قطاع الكهرباء وأدى إلى إقرارها في مجلس الوزراء خلال حزيران 2010، على أن تنجز خلال مرحلة تراوح بين 3 و4 سنوات. وقد تلاها موافقة الحكومة على استجرار الطاقة من البواخر لإنقاذ صيف 2010، كخطوة مرحلية موقتة. وتبعها إقرار السلطة التشريعية لقانون البرنامج المعجل للأشغال الكهربائية، رقم 181/2011، الذي ابتغى الوصول إلى تغذية كهربائية مستدامة 24/24، واشترط تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة الكهرباء، خلال مهلة أقصاها شهران، وتشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء خلال مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره، وتفعيل قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462/ 2002، وصولاً إلى تعزيز أوضاع المؤسسة، وإعادة تنظيم قطاع الكهرباء، عن طريق إشراك القطاع الخاص في مجالي التوزيع والإنتاج وتحرير المؤسسة من أعبائهما.

ويبدو الملخص للمتابعين تبسيطاً للأمور وتجاهلاً للأسباب الحقيقية "للإخفاق في تنفيذ ورقة سياسة قطاع الكهرباء ومشاريع الإنتاج المقررة بموجب القانون 181/2011. وأخطر ما فيه تلك الاحتسابات المبنية على أرقام غير موثوقة وغير مدققة، وتتعارض مع معطيات مختلفة، أقرت بها مؤسسة الكهرباء حيال نسبة الهدر، الذي يبلغ وفق تقديرات مشروع موازنتها لسنة 2018 نحو 40% من الطاقة الموزعة، وتكلفة حصة النازحين السوريين من هذا الهدر تبلغ نحو 330 مليون دولار، و5 ساعات تغذية و495 ميغاواط من مجموع الإنتاج، وفقا لما ورد على لسان وزير الطاقة!".

ويشدد هؤلاء على أن التأخير في بناء معملي الزوق والجية الجديدين وعدم تنفيذ معمل دير عمار، وفقاً لما كان مقرراً له بموجب القانون 181/2011، لم ينتج من عرقلة، بدليل أنّ أحداً لم يعترض على بناء المعامل، لا بل أن الوزير حصل من مجلس الوزراء على كل التسهيلات، وسمح له بتعيين "لجنة فنية" لتقويم العروض. وقد أدى هذا التقويم إلى فوز متعهدين كانت أسعار عروضهم أعلى من الباقين. وقد لعب هذا التقويم الغامض دوراً في إكساب المتعهدين الذين رست عليهم عبر تطبيق معادلات لم يكن لإدارة المناقصات دور فيها، وأجرت احتسابات حول الوفر في كلفة التشغيل على مدى سنوات، واعطت علامات وافضلية لمن ينفذ المعامل خلال وقت أقصر من غيره. مع التذكير بأن المعلومات غير الصحيحة، التي أدلي بها غير ذوي صفة أمام ديوان المحاسبة، أدت إلى تضمين قراره بالموافقة على نتائج المناقصة، الإشارة مرتين إلى الضريبة على القيمة المضافة، مرة اعتبر فيها السعر متضمناً الضريبة على القيمة المضافة، مستنداً في ذلك إلى دفتر شروط المناقصة وكتاب مراقب عقد النفقات، ومرة إلى "عدم احتسابها" وفقاً لإفادة "مندوبي الإدارة"، التي "دوّنت في محضر على حدة"! ووفق المتابعين لسير الامور، فإن تدخل وزير المال في مشروع الزوق والجية جاء انطلاقاً من مخالفة ارتكبها وزير الطاقة عندما تفاوض مع المتعهد على تنفيذ عرضه الفني وليس دفتر الشروط الذي رست المناقصة عليه، ووافق ديوان المحاسبة على نتائجها على أساسه. فما كان من وزير المال إلاّ أن راجع ديوان المحاسبة في هذا الشأن الذي أكد وجوب العودة إليه، للحصول على موافقته، قبل إقرار أي تعديل يجري على شروط التلزيم، بغض النظر عن أهميته.
فما المطلوب اليوم؟ تؤكد مصادر معنية بضرورة العودة عن هذه المقاربة المتسرّعة تحت وقع الخطاب الانتخابي، واعتماد حلول مستقرة لأزمة الكهرباء، تكون على حد سواء وعلى المدى البعيد، أجدى للمواطن، الذي وجد حلاً، وإن كان مكلفاً مرحلياً، وللمالية العامة، التي تحاول إجراء تخفيضات لاعتمادات موازنة 2018".

كما أكدت أهمية "تقديم تفسير مقنع للتعاطي مع الانعكاسات المالية لاستئجار البواخر وتوفير التمويل اللازم لها خلال الفترة التي تسبق ورود تدفقات رفع التعرفة. إضافة الى "ربط رفع التعرفة باستقرار زيادة ساعات التغذية بشكل مقنع، يأخذ في الاعتبار القرار المتخذ بإزالة معمل الجية القديم ومراعاة شروط ورقة سياسة قطاع الكهرباء، لناحية عدم المسّ بشرائح المستهلكين من ذوي المقطوعية المحدودة، وإلغاء بدل التأهيل المعمول به حالياً بشكل مخالف للقانون".

وحضّت على البدء في رفع التعرفة من مبدأ العدالة، "إذ لا يجوز تحميل المواطن أعباء الإهدار والفساد والعجز عن ضبط موارد مؤسسة الكهرباء، وارتفاع تكلفة العقود بالتراضي، واليد العاملة غبّ الطلب، ونتائج قصور إدارة المؤسسة والشغور الحاد والخطير في معظم مديرياتها ودوائرها، واعتمادها على الشركات الخاصة من دون توفير الجهاز اللازم، حتى للإشراف على تنفيذ عقودها مع تلك الشركات".

وأشارت الى ضرورة "تقديم تفسير مقنع لكيفية معالجة الإهدار غير الفني الناتج من سرقة الكهرباء في الوقت الذي فشلت فيه شركات مقدمي الخدمات في تخفيضه، وكذلك الإهدار الناتج من استهلاك النازحين السوريين، الذي يؤدي في الوضع الحالي وقبل زيادة الإنتاج من طريق استئجار بواخر جديدة إلى إهدار ما يزيد على 490 ميغاواط تكلف الدولة فوق الـ 330 مليون دولار وحرمان اللبنانيين من 5 ساعات تغذية، وفقاً لما ورد في المؤتمر الصحافي لوزير الطاقة والمياه".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة