سنؤكل يوم أُكِل الثور الأبيض

حزيران 12, 2018

المرصد

أسعد سمور- ما إن وضعت سماعة الهاتف على أذني وقبل أن أقول "الو" حتى سبقني إلى الكلام بلهجة سورية وبصوت يلتبس على سامعه إن كان خائفا أو غاضبا "الي سنة عندو ما بدو يعطيني، شو بقدر اعمل، قلت له..."  قاطعته قبل أن يستمر في كلامه، وطلبت منه أن يبدأ القصة من بدايتها ولكنه أصر بصوت مرتعش "عندي عيلة كيف..." قاطعته مرة أخرى أردت أن يهدأ قليلا، فطلبت رقم هاتفه لأعاود الاتصال به لاحقا.

لا أدري لماذا تريثت قليلا قبل أن أعاود الاتصال، ربما لأن صوته كان مؤلما لدرجة أنني أحتجت برهة من الوقت لأحضر نفسي لما سيقول. رفعت الهاتف وطلبت الرقم واستلمت دفة الحديث. بدأت أشرح له عن المرصد وأننا نقدم المساعدة القانونية، وكي استطيع مساعدته عليه أن يعطيني عددا من المعلومات بدقة وصراحة، حينها قاطعني وبلهجة حزينة قال لا يريد مساعدة انما يريد أن يشكو فقط: "خيو انا وراقي واقفه بالامن العام من 6 اشهر، ما بقدر اروح اشتكي للدولة  الزلمة واصل وهددني أنا بس بدي خبرك القصة والله ما قادر اتحمل..." شعرت بأطراف تنكمش من البرودة رغم حر حزيران القاتل، لم أدر ما أقول تركته ينفعل في حديثه ويخبرني كيف قضى سنة كامل في العمل لدى "المعلم" ولم يقبض قرشا واحدا، وأنه قرر اليوم أن يتركه (أي يستقيل)  وكيف كانت ردة فعل "المعلم" عندما عرف أنه قرر ترك العمل، أخبرني كيف تعرض للشتائم والتهديد لأنه قرر الاستقالة. أثار استيائي أنه عمل كل هذه الفترة دون أن يتقاضى أي أجر سألته بصوت حازم كيف يعقل أن يستمر كل هذه الفترة، لم يبال بسؤالي استمر في الحديث عن اسرته وزوجته. بدا غير مهتم بكلامي، بدا كأنه لا يريد أن يسمع نصيحة أحد، ولا أن يخبره أحد ما العمل، أراد أن يتكلم فحسب، عسى أن يزيح الكلام عن صدره هم أسرته زوجته وولديه وابنته الصغيرة. أما أنا فبقيت غاضبا منه، أردت مقاطعته أكثر من مرة لكن شيء ما منعني واستسلمت لأذني تتلقى صوته المنهك وتستمع للقصة الحزينة، لسرقة سنة كاملة من التعب اليومي، لقصة تحكي تفاصيل الاستعباد في القرن الواحد والعشرين.

أنهى قصته وصار كلامه محايدا وباردا  شكرني لأنني استمعت إليه ودعا الله أن يكثر من أمثالنا قبل أن يخبرني أنه سيعود للتحدث مع "المعلم" لعله يقبل أن يعيده إلى العمل مجددا، وعندما استفسرت منه عن سبب قرار العودة للعمل لدى "المعلم" قال لي "يا أستاذ (وهي المرة الأولى التي يقول فيها أستاذ، بعد ان كان يقول "خيو" أو "أخي") بلكي رجع عطاني هذول سنة يعني 12 شهر".

أقفلت سماعة الهاتف ورميت بجسدي على الكرسي تأملت قليلا بالمراجع القانونية المكدسة على المكتب إلى جانب بضع دراسات وتقارير، واستعدت كلام العامل السوري. لا أخفي أنني انزعجت من الاتصال إنها المرة الأولى التي لم أستطع أن أقدم مشورة قانونية، المرة الأولى التي شعرت فيها أنني عاجز عن المساعدة، ضاق صدري بالقوانين والاجراءات وبالتحاليل الاقتصادية وبتصريحات العنصريين، ومواقف الداعمين للاجئين السوريين التي لا تسمن ولا تغنى من جوع. إحساس عميق بعبثية المرحلة وبالعدمية غزا كل شيئ أمامي.

اليوم، لا أدري ما هو حال هذا الرجل، هل ما يزال يعمل منتظرا أجرا لن يأتي؟ هل وجد عملا آخر؟.... لا أدري حاله اليوم لكنني متيقن انه مازال متنازلا عن حقه، وليس سهلا ان يتنازل المرء عن حقه، لا أدري أي أنسان أكون او تكون حين نتنازل لهذه الدرجة عن الحقوق، وحين يصل الاستعباد في بلادنا إلى هذا الحد من الوقاحة، ولا أدري أي مجتمع نبني لأولدنا وللأجيال المقبلة حين يكون الظلم هو القاعدة والعدالة هي الاستثناء، أنا لا أعرف إلا شيئا واحد فقط، أننا حين نتنازل عن حقوقنا فإننا نتنازل عن انسانيتنا، وحين نرضى بالظلم للآخرين نكون قد حكمنا على أنفسنا بالموت، ومهدنا الطريق لظلم أنفسنا.

  • Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة