هل اقتحم لبنان مرحلة الخطر المالي والاقتصادي؟

تشرين2 26, 2018

النهار-26-11-2018

سلوى بعلبكي


عندما حذر نائب رئيس مجموعة البنك الدولي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج في31 تموز الماضي من أن "لبنان يقاوم السقوط منذ وقت طويل، ولكن سيأتي اليوم الذي يتحقق فيه هذا السقوط"، لم تكن المؤشرات الاقتصادية في البلاد وصلت الى الحافة التي وصلتها حاليا. فالنمو تراجع الى أقل من 1 %، وتجاوز العجز الـ 6 مليارات دولار، فيما تخطى الدين العام عتبة الـ 85 مليارا، الى مؤشرات سلبية أخرى كالعجز في ميزان المدفوعات وعجز الميزان التجاري. فهل يمكن القول إن السقوط اقترب؟ وهل سيدفن المسؤولون رؤوسهم كالنعامة في الرمال...؟ وهل سيكون لبنان في المدى القريب دولة تحت الوصاية الدولية اقتصاديا كما حصل مع اليونان؟

برز الاسبوع الماضي الاجتماع الذي عقد في "بيت الوسط" وجمع الى الرئيس المكلف سعد الحريري كلاً من وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. فهل كل هذه المؤشرات هي التي دفعت ركنَي مالية الدولة الى الاجتماع بالرئيس الحريري للتداول بالعلاج الفعال أو بمرهم يقي الدولة السقوط المرحلي الى حين حدوث "اعجوبة" تشكيل الحكومة العتيدة لتتحمل مسؤولياتها في الانقاذ وجبه الانهيار؟

يبدو من خلال ما رشح عن الاجتماع أنه خُصص كما ذكرت "النهار" لبت الخلاف بين وزير المال وحاكم مصرف لبنان على موضوع رفع الفوائد وسقف الاستدانة، وهو ما أكدته مصادر متابعة اشارت أيضا الى أن الاجتماع في "بيت الوسط" لن يكون يتيما بل سيُستتبع باجتماعات أخرى للوصول الى توافق حول كيفية تأمين الاعتمادات التي أُقرت في مجلس النواب ومن اي مصادر سيتم تأمينها، اضافة الى استكمال البحث في سندات الخزينة المحلية التي ستكتتب بها وزارة المال، وما اذا كان في الامكان القبول برفع الفوائد للمصارف عما هي عليه قليلا وليس كما هي اسعار السوق. وكشفت عن اجتماع عُقد يوم الجمعة الماضي في وزارة المال بين خليل وفريق عمل الحريري بينهم مستشاراه نديم المنلا ونبيل يموت، وكان تأكيد لاهمية الاستقرار المالي وعدم ارتفاع العجز وتأمين الاعتمادات الضرورية.

في الإنتظار... هل من مؤشرات تنبئ بالإفلاس؟ إذا كانت التحذيرات من هذا "الاستحقاق المُر" أصبحت أكثر إلحاحا، فإن الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان لم يشأ القول بأننا وصلنا الى مرحلة الافلاس، مفضلا استخدام تعبير أن لبنان في مرحلة "عشية الافلاس". ويستند في رأيه هذا الى أنه "طالما لا يزال في مقدور الدولة تمويل إنتاج الخدمات العامة من رواتب وغيرها، وتسديد ديونها عبر الإكتتاب بسندات الخزينة، فذلك يعني أننا لم ندخل في حالة الافلاس". لكن هذا لا يعني وفق ما يقول "إن الخطر ليس قائما، بل ثمة خطر كبير ولحظة الحقيقة بدأت تقترب". فما هي المؤشرات؟ يوضح حمدان: "عندما تدخل الى البلاد عملات اجنبية بكميات لا تلبي حاجتها، ولا يكون هناك من حل على المدى القريب او المتوسط، فإن التساؤل قائم حول مدى اقترابنا من لحظة الانعطاف الى الهاوية. فإيرادات صادرات السلع والخدمات وتحويلات اللبنانيين من الخارج والاستثمارات الاجنبية المباشرة، لم تعد كافية لتغطي كلفة فاتورة استيراد السلع والخدمات وسداد الديون (أوروبوبد) وفوائد الديون. كما أن العجوزات تتفاقم ووصلت الى مستويات قياسية ومنها عجز المدفوعات وعجز الحسابات الجارية..."، هذه المؤشرات برأيه هي "مؤشرات ما قبل سيناريو الانهيار".
وبالإشارة الى "خصائص" الدولة المفلسة، يشير حمدان الى أنه "يمكن اعتبار الدولة مفلسة عندما لا يعود في امكانها دفع رواتب موظفيها ولا تستطيع سداد ديونها عند الاستحقاق، كما أنه لن يكون في امكان المودعين تحرير ودائعهم، وسيتم وضع سقوف محددة لسحوباتهم. وحينها يعقد مؤتمر دولي للإنقاذ، وتأتي سلطة دولية تسيّر امورها كما حدث مع اليونان وقبلها قبرص. هذه السلطة تضع شروطها للاستمرار بحقن إبر الفيتامينات، فيصبح القرار الاقتصادي السيادي للدولة محاصرا وخصوصا حيال حجم الانفاق العام والنظام الضريبي ومستوى الاجور". إلا أن ثمة تبعات من نوع آخر يتخوف منها حمدان، وتتعلق "بارتفاع نسب الهجرة الى مستويات مضاعفة قد تصل الى 4 مرات، وما لها من تداعيات طائفية وأبعاد جيوسياسية".

وإذ لم ينفِ أن لبنان وصل الى منعطفات خطيرة عشية مؤتمرات باريس 1 و 2 و 3، إلا أنه أكد أنه لا يمكن القول انها مشابهة لما يحصل اليوم، فالمرحلة التي نمر بها اليوم أخطر بكثير، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار التغييرات التي تحصل في البيئة التي كانت داعمة للبنان. فالوضع في اوروبا تغير وخصوصا في فرنسا، واصبح للسياسة الاميركية أولويات اخرى، وكذلك الحال بالنسبة لدول الخليج وتحديدا السعودية حيال تمويل الحروب التي تخوضها".

لكن الاخطر برأيه أنه "عندما تكون كل هذه المؤشرات بهذه الدقة، نرى الطبقة السياسية في حالة غيبوبة غير مدركة لمفهوم الزمن، ومشغولة - وإن بنسب متفاوتة - بحصصها وعلاقاتها الزبائنية. والامر المحزن ايضا، أنه في ظل هذه المؤشرات والوقائع التي استجدت والتي لم يعد في الامكان معالجتها بسرعة يصبح همّ الدولة ووزارة الاقتصاد تنظيم تسعيرة المولدات، بما يعني أن ثمة مصالح طفيلية نشأت على نحو يكرس المفهوم الدوني للزمن".

والامر "المرعب" برأي حمدان أنه "عندما تكون المؤشرات خطرة الى هذا الحد، فيما الذي تسبب بإيصالها الى هذه الدرجة من التفاقم لا يزال هو عينه ممسكا بالسلطة وله مصالحه الخاصة والصغيرة وعلاقاته الزبائنية وحساباته السياسية، بما يضعف الامل بأن البلد سينتقل الى مرحلة الانقاذ". وبرأيه "اذا لم تتهيأ، قبل الانفجار، قوى سياسية واجتماعية همّها البلد والمصلحة العامة وتتفق على حد أدنى من برنامج لمعالجة الازمة، فإن الخوف من أنه اذا انفجرت الازمة لن يكون الحل إلا بيد اللصوص الذين أوصلونا الى هذا المنعطف الخطير".

وتطرق الى دور مصرف لبنان في معالجة الازمة فقال: "ان مصرف لبنان ينطبق عليه "فيك الخصام وانت الخصم والحكم"، إذ في ظل الفراغ الكبير الذي تركته الطبقة السياسية، تورط "المركزي" بسياسات توسعية تجاوزت ما تنص عليه مهمات المصارف المركزية، ولم يعد في امكان مصرف لبنان ملء هذا الفراغ، خصوصا أنه يتلقى تحذيرات عدة من مؤسسات دولية على خلفية التوسع في سياساته".

متى تعلن الدول إفلاسها؟

يعرَّف إفلاس الدولة بفشلها وعدم قدرتها على الايفاء بديونها وعلى سداد التزاماتها المالية مثل دفع الرواتب والأجور ودفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع. وقد يرافقه إعلان رسمي من الحكومة بعدم السداد، أو السداد الجزئي لديونها، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة. ولا تعلن الدول إفلاسها بالطريقة التقليدية نفسها التي تعلن بها الشركات إفلاسها. وتلجأ في هذه الحالة إلى جهات تستطيع إقراضها كدول صديقة، أو إلى منظمات دولية رسمية - كصندوق النقد الدولي أو نادي باريس- التي تتولى مهمة تقويم الأوضاع الاقتصادية للدولة، وتقوم بمنحها تسهيلات اقتصادية على شكل قروض، على أن تسير بموجب الخطة الاقتصادية التي وضعتها لها للخروج من أزمتها، وعلى إعادة جدولة ديونها. ومن أمثلة الدول التي أعلنت إفلاسها الاتحاد السوفياتي سابقاً والأرجنتين واليونان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  1. الأكثر قراءة
أديس أبابا تفعّل حظر سفر الأثيوبيات إلى لبنان: وزارة العمل تسوّف في توقيع اتفاق لتحسين ظروفهن

أديس أبابا تفعّل حظر سفر الأثيوبيات إلى …

كانون1 10, 2018 10 مقالات وتحقيقات

المُعوّقون يُقاضون «الداخلية» لإنكارها حقّهم في الانتخاب

المُعوّقون يُقاضون «الداخلية» لإنكارها ح…

كانون1 07, 2018 19 المجتمع المدني

المخابز والافران: مخالفات ومزاحمة

المخابز والافران: مخالفات ومزاحمة

كانون1 06, 2018 75 عمالية ونقابية

خلفيات استعجال وزير الطاقة تقاعد بيضون بدأت تتكشف غشّ في محاضر تسلّم خدمات... بتوقيع مفوضين للحكومة

خلفيات استعجال وزير الطاقة تقاعد بيضون ب…

كانون1 06, 2018 16 مقالات وتحقيقات

وزير المال يخرق المادة 18: معيار واحد لزيادة المعاشات التقاعدية

وزير المال يخرق المادة 18: معيار واحد لز…

كانون1 04, 2018 30 عمالية ونقابية

الاتحاد العمالي مخدوع أم أسير بإرادته؟ أصحاب العمل يسعون لضرب «السلسلة»

الاتحاد العمالي مخدوع أم أسير بإرادته؟ أ…

تشرين2 14, 2018 50 مقالات وتحقيقات

مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشاري! 3 شركات لمناقصة "الإشراف"... ومحاولات لإبعاد "الهندية

مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشا…

تشرين2 14, 2018 64 مقالات وتحقيقات

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في مصرف لبنان؟

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في م…

تشرين2 14, 2018 67 مقالات وتحقيقات

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالبة بتطويرها ليست خيانة

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالب…

تشرين2 14, 2018 46 مقالات وتحقيقات