حسابات الضمان بلا تدقيق منذ 2010: العجز أكبر من المعلن

آذار 11, 2019

الاخبار-11-3-2019

محمد وهبة


وجّه وزير العمل كميل بوسليمان كتاباً إلى مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يطلب فيه إنجاز الحسابات المالية للصندوق عن السنوات الثماني الماضية. فتح هذا الملف أربك أجهزة الضمان بعد التقرير المالي الذي أعدّه 5 أعضاء في المجلس عن حسابات غير صحيحة وغير شفافة، بعدما تبيّن أن العجز الفعلي أكبر بكثير مما يصرّح عنه

حسابات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم تخضع للتدقيق منذ أكثر من ثماني سنوات، لم يجر خلالها تعيين مدقق حسابات خارجي وفقاً للأصول المتبعة، ما يعني «عدم قدرة سلطة الوصاية أي مراقبة لأعمال الصندوق» بحسب مصادر مسؤولة. هذا الوضع الشاذ المستمر منذ 2010، دفع وزير العمل كميل بوسليمان إلى مراسلة مجلس الإدارة وإبلاغه بضرورة إنجاز الحسابات الختامية للصندوق بعد تعيين مدقق خارجي.
كتاب الوزير فتح الملف المالي في الضمان على مصراعيه في ضوء ما ورد في تقرير أعدّه خمسة أعضاء في مجلس الإدارة، وأحاله وزير العدل السابق سليم جريصاتي إلى النيابة العامة التمييزية طالباً منها التحقيق في «جرم الإهمال الوظيفي بالحدّ الأدنى. وإخفاء هدر أموال عامة». إذ أكّد التقرير أن «حسابات الصندوق غير صحيحة وغير شفافة في ظل عجز متزايد في صندوق المرض والأمومة». واستند إلى ملاحظات المدقق الخارجي UTC international، وأبرزها أنه «لا يمكن إبداء الرأي في صحة أرصدة أوراق القبض في المحفظة وأوراق القبض المستحقة غير المسدّدة وفي إمكانية تحصيل هذه الأوراق». الأعضاء الخمسة تحدثّوا عن أخطاء خطيرة في حسابات الصندوق، من بينها تراجع عدد المؤسسات الممكننة في وحدة المشتركين والمسجلة كمؤسسات منتسبة للصندوق، من 51967 مؤسسة في 2006 إلى 47041 في 2010، أي بانخفاض 4962 مؤسسة من دون تبرير أين ذهبت قيود هذه المؤسسات وحساباتها وديونها والعاملين فيها. وتبيّن أيضاً تراجع قيمة الاشتراكات المحققة بنسبة 20% لعدم تطبيق أحكام المادة 78 من قانون الضمان التي تعطي الصندوق حق تقدير الاشتراكات حكماً عند امتناع صاحب العمل عن التصريح بالاشتراكات المتوجبة عليه. كما جرى تدوين الاشتراكات المسددة كـ«متوجب» و«مدفوع»، في الوقت نفسه، من دون فصل بين العمليتين «لإخفاء حجم المبالغ الباقية من دون تحصيل».
والأخطر من ذلك كلّه، غياب أي متابعة لتحصيل أموال الصندوق. إذ «لم تتجاوز نسبة التحصيل 68%». وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه النقطة بالتحديد تثير الاستغراب، لأن الاشتراكات تحدّد من خلال تصريح المؤسسات عن موظفيها ورواتبهم، وبالتالي لماذا يتم تحصيل نسبة من هذه الاشتراكات من دون الباقي؟
ثمة الكثير من العينات عن الوضع المالي الشاذ في الضمان، أبرزها تلك المطروحة على جدول أعمال مجلس إدارة الضمان حاليا بشأن الوضع المالي في 2017. فقد تبيّن أن تقديمات فرع ضمان المرض والأمومة تبلغ 900 مليار ليرة من بينها 660 مليار ليرة سلفاً للمستشفيات. فهل يعقل أن تكون قيمة فواتير الطبابة والأدوية 240 مليار ليرة فقط؟ هل يعقل أن تكون المستشفيات من أولويات الضمان على حساب المضمونين؟ بحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الأرقام المبنية على أساس محاسبة نقدية في الصندوق بين ما هو مدفوع فعلياً وما هو مصروف فعلياً، لا تعكس الحقيقة كاملة في الصندوق حيث تتراكم مئات آلاف المعاملات العائدة للمضمونين غير مدفوعة. ولا تقدير واضحاً لقيمة هذه المعاملات وما ترتّبه على أموال الصندوق، سوى أنها تخفي عجزاً مكتوماً. «الهدف هو إخفاء العجز الفعلي في فرع ضمان المرض والأمومة، تقول مصادر مطلعة. «والأنكى من ذلك أن الصندوق يتذرّع بعدم قدرته على تصفية المعاملات، فيما هناك مراكز في الضمان تتكتّم على المعاملات المنجزة وتؤجل تسديدها أكثر من ثلاثة أشهر من دون أي تبرير».

وزير العمل يطلب تعيين مدقق خارجي وإنجاز الحسابات الختامية

حتى نهاية 2017 تراكمت على ضمان المرض والأمومة ديون بقيمة 1919 مليار ليرة، تم تمويلها من أموال تعويضات نهاية الخدمة، أو بالأحرى سحبها بطريقة غير شرعية. ويبرّر الصندوق هذا العجز الكبير (الذي لا يعبّر أصلاً عن العجز الحقيقي) بأن الدولة لا تدفع متوجباتها للصندوق. وهذه المتوجبات هي كناية عن مساهمة الدولة في نفقات المرض والأمومة بنسبة 25%، واشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان. وقد بلغت قيمة هذه المتوجبات في نهاية 2017 نحو 2785 مليار ليرة ما عدا الفوائد المترتبة عليها بمعدل 5%. تقرير الأعضاء الخمسة يجيب عن هذه المعضلة الشائكة بالإشارة إلى أن «العجز الحقيقي لصندوق المرض والأمومة، حتى لو أخذنا في الاعتبار تسديد الدولة لكامل ديونها المتوجبة لهذا الصندوق، يبلغ 620 مليار ليرة في نهاية 2016». هذه الأرقام التي تحتاج إلى تحديث عن عامي 2017 و2018، تعني أن العجز الفعلي أكبر بكثير مما يصرّح عنه. فالعجز المتراكم المصرّح عنه بلغ في 2017 نحو 2140 مليار ليرة، من دون الأخذ في الاعتبار أن هناك أموال احتياط، ومن دون احتساب المعاملات النائمة في الأدراج، سواء كانت مصفّاة وغير مدفوعة، أو غير مصفّاة، وسواء كانت للمستشفيات أو للمضمونين والمستفيدين على عاتقهم. وهذا العجز يموّل من تعويضات نهاية الخدمة، وتترتّب عليه فوائد أيضاً.
هكذا قرّر وزير العمل الانطلاق في إصلاح الضمان. تقول المصادر إنه اتفق مع الرئيس نبيه برّي والوزير جبران باسيل على بدء عملية الإصلاح. الخطوة الأولى ستكون من خلال سلّة تعيينات جذرية في الصندوق، من دون إغفال المخاوف من عوائق طائفية ومذهبية وحزبية أمام هذه التعيينات، خصوصاً أن أكثر من طرف يسعى إلى أن تكون له الكلمة الأقوى في الصندوق، سواء في مجلس الإدارة أو في الإدارة أو في اللجنة الفنية.
المدير العام للصندوق محمد كركي، من جهته، قال لـ«الأخبار» لدى سؤاله عن الأمر: «ما لديّ قلته للقضاء، وأكتفي بذلك».


مهمة تدقيق الحسابات
خلال السنوات الماضية جرى تعيين مدقق خارجي للحسابات. يومها برزت مشكلة استلام الأعمال المنجزة. فقد طالب أعضاء في مجلس الإدارة بأن يشرف المجلس، لا الإدارة، على عملية الاستلام، ما اعتبرته الإدارة انتقاصاً من صلاحياتها. لا يركن أي من الطرفين إلى المعايير العلمية للتدقيق التي توجب أن تكون لجنة الاستلام مؤلفة من عناصر غير معنية بإعداد الحسابات. على رغم ذلك جرى تكليف مديرين معنيين في الضمان ضمن لجنة الاستلام. ربما لم يكن هذا الأمر هو السبب الوحيد في عدم تعيين مدقق حسابات خارجي للصندوق منذ 2010 إلى اليوم، بل كانت هناك أسباب تتعلق بالملاحظات «القاسية» و«المحرجة» التي ركّز عليها المدقق السابق. هذه المهمة تبدو سهلة وصعبة في الوقت نفسه. أي خلاف بين مجلس الإدارة وبين الإدارة حول تعيين المدقق الخارجي يجعل من وزير العمل، أو سلطة الوصاية، حكماً بينهما.
يتم تعيين المدقق الخارجي من خلال مناقصة ودفتر شروط واضح يشير إلى حجم الأعمال ويحدّد الشركات المسموح لها بالاشتراك. هي مناقصة بطريقة استدراج العروض، لأن الضمان ملزم بتطبيق المعايير التي حدّدتها وزارة المال لأعمال التدقيق الخارجي المفروضة على المؤسسات العامة، وإن كان الضمان عبارة عن مؤسسة مستقلة ذات طابع عام. لذا، فإن الشركات المدعوة للاشتراك في استدراج العروض، هي الشركات التي تعترف بها وزارة المال ويبلغ عددها 14. وقد يزيد العدد أو ينقص تبعاً لما تقرّره وزارة المال في تصنيفها لشركات التدقيق الخارجي.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
مسيرة العاملات الأجنبيات: «المُتفرّجات» بلا عُطلة

مسيرة العاملات الأجنبيات: «المُتفرّجات» …

أيار 06, 2019 103 عمالية ونقابية

اقتطاع رواتب مستخدمي الضمان لا يفيد الخزينة

اقتطاع رواتب مستخدمي الضمان لا يفيد الخز…

أيار 06, 2019 104 مقالات وتحقيقات

مشروع الموازنة: حسم 60% من رواتب موظفي أوجيرو!

مشروع الموازنة: حسم 60% من رواتب موظفي أ…

أيار 06, 2019 132 مقالات وتحقيقات

للإصلاح... لا للاقتطاع من رواتب الموظفين!

للإصلاح... لا للاقتطاع من رواتب الموظفين…

أيار 06, 2019 95 مقالات وتحقيقات

الصرف التعسّفي بـ«رعاية» وزارة العمل: القانون لا يحمي... المصروفين

الصرف التعسّفي بـ«رعاية» وزارة العمل: ال…

أيار 02, 2019 161 عمالية ونقابية

أكثر من مليونين ونصف مليون يُقتلون سنوياً: الموت من العمل

أكثر من مليونين ونصف مليون يُقتلون سنويا…

أيار 02, 2019 100 مقالات وتحقيقات

خمسة وفيات و6 إصابات شهرياً في حوادث العمل: 98% من العمّال في لبنان بلا حماية

خمسة وفيات و6 إصابات شهرياً في حوادث الع…

أيار 02, 2019 108 عمالية ونقابية

نقابات وهمية بلا مطالب ولا برامج

نقابات وهمية بلا مطالب ولا برامج

أيار 02, 2019 98 مقالات وتحقيقات

عمّال لبنان في عيدهم: 100 سنة إلى الوراء

عمّال لبنان في عيدهم: 100 سنة إلى الوراء

أيار 02, 2019 106 مقالات وتحقيقات

قضاء العجلة يُسكت العاملات الأجنبيّات

قضاء العجلة يُسكت العاملات الأجنبيّات

نيسان 29, 2019 131 مقالات وتحقيقات

توثيق جديد للانتهاكات بحق عاملات المنازل المهاجرات: بيوت اللبنانيين... سجوننا

توثيق جديد للانتهاكات بحق عاملات المنازل…

نيسان 24, 2019 138 مقالات وتحقيقات

إخبارات بالجملة لأسوَد عن مخالفات في الضمان علّيق يعتبرها "فارغة" ويدّعي عليه... وعلوية: سبقناه

إخبارات بالجملة لأسوَد عن مخالفات في الض…

نيسان 24, 2019 164 مقالات وتحقيقات