عندما يراقبنا الفساد ويبتسم

آذار 11, 2019
  • المرصد

أسعد سمور- يمكنك أن تشتم رائحة الفساد، حتى في الحديث المتكاثر مؤخرا عن ضرورة مكافحة الفساد. وكثر السؤال عن من الفاسد الذي سيقع أو سيُفتح ملفه، لكن لا أحد منا سمع من هوالفاسد، بل أكثر من ذلك لم يخبرنا أحد ما هو الفساد، ولعل الصورة الأكثر رواجا لمفهوم الفساد في عقولنا هي صورة الموظف الحكومي الذي يتقاضى رشوة لإنجاز معاملة ما. فالمشكلة إذا ليست في كبار التجار والمستثمرين وليست في أصحاب القرارات السياسية وليست في السياسات التي تتبعها حكومتنا الموقرة، بل في موظف فاسد يتقاضى رشوة لإنجاز معاملة.

هذا المفهوم للفساد ربما يبرر لنا لماذا وقف العديد من الفقراء وذوي الدخل المحدود الذين راحو يرددون شعارات الموظف الفاسد والموظف الكسول، في سياق الحملة الشعواء ضد اقرار سلسلة الرتب والرواتب، وربما أيضا في سياق حملة جديدة تستهدف القطاع العام نفسه والسعي للقضاء عليه تحت مسميات الخصخصة، واعتبار الادارة العامة كمستثمر فاشل، وربما يغيب عن بال الكثير، أن الادارة العامة ليست مستثمرا يسعى إلى تحقيق أرباحه الخاصة، بل مؤسسة تهدف إلى تحقيق الصالح العام وتقديم الخدمات للمواطنين دافعي الضرائب دون أن يكون هدفها ابتغاء الربح كحال المستثمر الخاص.

فالفساد ليس سلوكا بقدر ما هو منظومة متكاملة، ومكافحة الفساد ليست عملية جراحية نستأصل فيها آفة طفيلية، بل قرار يبدأ اتخاذه من صندوق الاقتراع، فما معنى أن يكون من يتنطح للفساد هم نفس الزمرة الحاكمة التي استلمت حكم البلاد والعباد. وبأي منطق يتوافق الجميع على تشكيل حكومة تجمع كل أطراف السلطة، بأي وقاحة يأتينا نواب ووزراء يتحدثون عن مكافحة الفساد والمفسدين. ألا تتحمل الحكومة المسؤولية مجتمعة؟ وكيف يرضى "الشرفاء" أن يكونوا شركاء للفاسدين تجمعهم حكومة واحدة؟

لاشك أن فتح تحقيقات مع موظفين تقاضوا رشى أمر مطلوب وضروري، ولكنه حين يقصر مسألة الفساد على هذه الحالات المبعثرة هنا وهناك يصبح بمثابة دس السم في الدسم وذر للرماد في العيون الناظرة على مزارب السرقة والفساد. ربما من المجدي ونحن نصفق لتوقيف موظف أو اثنين أن نسأل من الذي حرم اللبنانيين من الكهرباء، من الذي حرمهم من مياه الاستخدام في حين أن الشوارع تفيض بمياه المجارير والامطار، من الذي هجَر عشرات ألوف اللبنانيين، من الذي جعل كلفة العلم أعلى من كلفة الجهل، من الذي جعل من صحة اللبنانيين تجارة، ومن تأمين فرص عمل لهم استبعاد، من الذي جعل زيارة الشاطئ البحري هما وأغلق كل المساحات العامة بوجه الناس، ومن الذي طمر جبال لبنان وبحره بالنفايات.... هؤلاء هم الفاسدين وهؤلاء من تستوجب محاسبتهم أولا.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
مسيرة العاملات الأجنبيات: «المُتفرّجات» بلا عُطلة

مسيرة العاملات الأجنبيات: «المُتفرّجات» …

أيار 06, 2019 103 عمالية ونقابية

اقتطاع رواتب مستخدمي الضمان لا يفيد الخزينة

اقتطاع رواتب مستخدمي الضمان لا يفيد الخز…

أيار 06, 2019 104 مقالات وتحقيقات

مشروع الموازنة: حسم 60% من رواتب موظفي أوجيرو!

مشروع الموازنة: حسم 60% من رواتب موظفي أ…

أيار 06, 2019 132 مقالات وتحقيقات

للإصلاح... لا للاقتطاع من رواتب الموظفين!

للإصلاح... لا للاقتطاع من رواتب الموظفين…

أيار 06, 2019 95 مقالات وتحقيقات

الصرف التعسّفي بـ«رعاية» وزارة العمل: القانون لا يحمي... المصروفين

الصرف التعسّفي بـ«رعاية» وزارة العمل: ال…

أيار 02, 2019 162 عمالية ونقابية

أكثر من مليونين ونصف مليون يُقتلون سنوياً: الموت من العمل

أكثر من مليونين ونصف مليون يُقتلون سنويا…

أيار 02, 2019 100 مقالات وتحقيقات

خمسة وفيات و6 إصابات شهرياً في حوادث العمل: 98% من العمّال في لبنان بلا حماية

خمسة وفيات و6 إصابات شهرياً في حوادث الع…

أيار 02, 2019 108 عمالية ونقابية

نقابات وهمية بلا مطالب ولا برامج

نقابات وهمية بلا مطالب ولا برامج

أيار 02, 2019 98 مقالات وتحقيقات

عمّال لبنان في عيدهم: 100 سنة إلى الوراء

عمّال لبنان في عيدهم: 100 سنة إلى الوراء

أيار 02, 2019 107 مقالات وتحقيقات

قضاء العجلة يُسكت العاملات الأجنبيّات

قضاء العجلة يُسكت العاملات الأجنبيّات

نيسان 29, 2019 131 مقالات وتحقيقات

توثيق جديد للانتهاكات بحق عاملات المنازل المهاجرات: بيوت اللبنانيين... سجوننا

توثيق جديد للانتهاكات بحق عاملات المنازل…

نيسان 24, 2019 138 مقالات وتحقيقات

إخبارات بالجملة لأسوَد عن مخالفات في الضمان علّيق يعتبرها "فارغة" ويدّعي عليه... وعلوية: سبقناه

إخبارات بالجملة لأسوَد عن مخالفات في الض…

نيسان 24, 2019 164 مقالات وتحقيقات