مآسي العمّال الوافدين من شرق أوروبا إلى غربها

آب 05, 2019

د. سعيد عيسى

يروي أحد العمال الوافدين من أوروبا الشرقية للعمل في أوروبا الغربية قائلا: "... كانوا يعطوننا، بعض النقود كمصروف جيب لشراء الطعام، في البداية كانت 30 أو 50 يورو أسبوعيا، بعد فترة أصبحت 10 يورو يوميا لمجموعتنا المكونة من 6 أشخاص، عملنا بين 14 و20 ساعة يوميا، في بعض الأحيان، كنا نبدأ العمل في الساعة 7 صباحا ونستمر حتى الواحدة ما بعد منتصف الليل؛ كان علينا إنهاء العمل الذي بدأناه ثم تأتي مشكلة النقود، اعتقدنا أننا إذا عملنا بِجِدّ ولوقت أطول، فسنحصل على أجر أفضل، لكن الأمر لم يكن على هذا النحو، وذهبت آمالنا أدراج الرياح..."

يَفِدُ العمّال من شرق أوروبا إلى غربها طمعًا بجني بعض المال، يقطعون خلالها رحلة طويلة مضنية تمتدّ لأيّام، يعملون في السوق السوداء، أو لدى متعهدين فرعيين (متعهّدين من الباطن)، هم جزء من سلسلة فروع ظلّ، يديرها متعهدون من شرقيّ أوروبا، ما يلبثون أن يختفوا، بين ليلة وضُحاها، بعد جمعهم لمال، يُسّر لهم من مشاريع التزموها، بعقود من الباطن، دورهم فيها هو تامين اليد العاملة المنخفضة الأجر.

يَعِدونَ العمّال الذين يأتون بهم، بأجور تعتبر عالية نسبة للبلدان التي يفدون منها، بما يوازي اثني عشر يورو في يوم العمل الواحد، وبُعيد مباشرة العمّال للعمل، سرعان ما يكتشفون أنّ الأجر الذي وُعِدوا به هو أقلّ بكثير عمّا قيل لهم، أو اتفقوا مع المتعهّد عليه، وكي لا يعودوا إلى بلدانهم خاويي الوفاض، يقبلون بالأجور مُكْرَهين، ويستمرون في القيام بأعمالهم، ومن ثمّ يبدأ التقطير بالدفعات، وتأجيلها، تحت حجّة عدم توفّر السيولة، ليصلوا في نهاية الأعمال التي قد تستمرّ لسنة ونيّف، أنّ لهم مستحقّات بذمة المتعهّد تتخطى نصف ما قبضوه منه خلال كامل مدّة عملهم في المشروع، لكن المتعهد تبخّر ومعه أجورهم.

الطريقة العامة المتّبعة من المتعهدين الفرعيين، هي دفع الحد الأدنى من الأجور حسب البلد الذي اتى منه العامل، أو تجاهل قواعد الأجور المتّبعة ووضع سلّم أجور خاص بهم، خارج الأطر القانونيّة، أو يحسمون جزءا من الأجر المتّفق عليه اعتباطيّا؛ وشركات الظلّ في ألمانيا أو غيرها، تجلب العمال من الخارج، صربيا، بلغاريا، رومانيا وغيرهم تستخدمهم كالعبيد، في ظلّ رقابة متراخية، أو تحقّق جديّ من شركات المتعهدين من الباطن، يروي احد العمّال "...أنّه حصل على وعد بالعمل كسائق شاحنة، لنقل مواد البناء بين روما وميلانو، مجرّد وعد، لا عقد مكتوب، والرحلة تمتدّ نحو ألفي كيلومتر، وهو لا مانع لديه للعمل، طمعًا بجني بعض المال، لأنّه عاطل عن العمل في بلده الواقع شرقيّ أوروبا، هو لا يعلم إذا كانت الشّاحنة خاضعة للتأمين أم لا، وهو غير مؤمّن صحيّا، وقد تنتهي تجربته بالفشل في الحصول على المال الذي يمنّي نفسه فيه، لكن لا خيارات لديه، وهذه التجربة ليست الوحيدة التي قد تفشل، فقد سبق له تجربة مماثلة حين كان يعمل مع متعهّد فرعي إيطاليّ في ألمانيا، وعده بسكن لائق، لكنّه تفاجأ بسوئه لدرجة عدم وجود مطبخ فيه، ما اضطره لطهي اكله في الممر المُدخِل إلى الغرفة..."

 يُحشَر كلّ عشرة من العمّال الوافدون في غرفة، بالكاد تتسّع لنومهم، يتعرّض بعضهم للضرب من المتعهّدين، يحسمون من أجورهم ثمن ملابس العمل، وأحيانا يفرضون عليهم إتاوة من أجورهم، يعملون ساعات قد تصل إلى ١٩ ساعة يوميّا، إذا كان هناك ضغط في العمل، والأجر عينه ، ولا يصرّح المتعهّدين عن عمّالهم، ولا عن اعدادهم أو اجورهم.

يتجنّب أصحاب العمل دفع الضرائب، يسجلون العمّال على كشوفات في بلدان شرق أوروبا، تحت اسم شركات وهميّة، الأجر حسب الحدّ الأدنى المعمول به في البلدان المذكورة، وليس حسب بلدان الاتحاد الأوروبي، العامل غافل عن هذا كلّه، فيقع في مصيدتهم؛

 المتعهّد من الباطن يترأس شركتين، واحدة في غرب أوروبا، والثانية في شرقها، يوقّع العقود من الباطن مع شركات غرب أوروبا، ويوظّف العمّال في شرقها ويأتي بهم للعمل، وبذلك، لا يدفع الضرائب في الدولة التي يعمل فيها، ولا التزامات الضمان اجتماعيّ أو صندوق التّقاعد، وعقد العمل الموقّع مع العامل، يلزمه بدفع الحدّ الدنى للأجور حسب شرق أوروبا، وهو يعادل ٣٠٠ يورو شهريّا، في حين يتقاضى ١٤٥٠ يورو عن العامل في غرب أوروبا، يستخدم بطاقة الدخول لمكان العمل لأكثر من عامل واحد، فتغيب معرفة عدد العمّال الفعليين في المشروع، والشركات في غرب أوروبا تعلم بهذه التفاصيل لكنّها تغض النّظر، مصلحتها هي الأساس ومعها التكلفة المنخفضة.

مع هذا كلّه، يتأهّب عمّال كُثُر للسفر إلى غرب أوروبا لقطاف التفّاح في إيطاليا، او للعمل في قطاع البناء والتشييد الترميم في فرنسا وغيرها، او لسوق شاحنات بين الدول الأوروبيّة، في محاولة منهم للحصول على حصة من أجور غرب أوروبا الذهبيّة، لسدّ رَمَقِ عيشهم وعائلاتهم، وقد يعلمون ما ينتظرهم، أو سمعوا ممن سبقوهم، لكنّهم ذاهبون ومستمرون بالأمل.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
دياب جمع المجذوب وأيوب والخلاف مستمر حول ملفات الجامعة وزير التربية يتمسك بصلاحياته ويطلب إزالة الشوائب في التفرغ

دياب جمع المجذوب وأيوب والخلاف مستمر حول…

حزيران 30, 2020 105 مقالات وتحقيقات

وزارة العمل «ترقّع» نظام الاستعباد! عقد موحّد للعاملات الأجنبيات

وزارة العمل «ترقّع» نظام الاستعباد! عقد …

حزيران 28, 2020 119 مقالات وتحقيقات

العاملون في المستشفيات الحكومية يعتصمون مطالبين بحقوقهم

العاملون في المستشفيات الحكومية يعتصمون …

حزيران 23, 2020 141 مقالات وتحقيقات

الوضع التربوي مأزوم: إقفال 16 مدرسة لـ"المقاصد" وخوف على رواتب "المبرّات" وقلق في الإنجيلية!

الوضع التربوي مأزوم: إقفال 16 مدرسة لـ…

حزيران 23, 2020 204 تربية وتعليم

مدارس الليسيه تضغط على الدولة: «اقتلاع» معلّمين و«رمي» تلامذة على لوائح الانتظار

مدارس الليسيه تضغط على الدولة: «اقتلاع» …

حزيران 22, 2020 237 مقالات وتحقيقات

مكننة الضمان :الشركة تسعى إلى مضاعفة مدّة العقد ورفع قيمته ثلاثة أضعاف

مكننة الضمان :الشركة تسعى إلى مضاعفة مدّ…

حزيران 22, 2020 156 مقالات وتحقيقات

آخر إبداعات الحكومة: اقتراح إلغاء الدعم عن المحروقات والخبز

آخر إبداعات الحكومة: اقتراح إلغاء الدعم …

حزيران 22, 2020 141 مقالات وتحقيقات

بين ليلة وضحاها كل شيء اختفى"... طب…

حزيران 18, 2020 178 مقالات وتحقيقات

المحاصصة أولاً: «مراكز فائضة» لكتّاب العدل توقيع مرسوم استحداث «مراكز فائضة» لكُتّاب بالعدل: المحاصصة أولاً!

المحاصصة أولاً: «مراكز فائضة» لكتّاب الع…

حزيران 18, 2020 173 مقالات وتحقيقات

الإضراب يهدّد الخدمات: رواتب موظّفي الخلوي الجمعة؟

الإضراب يهدّد الخدمات: رواتب موظّفي الخل…

حزيران 17, 2020 172 مقالات وتحقيقات

أوامر الرؤساء لا تحمي الليرة

أوامر الرؤساء لا تحمي الليرة

حزيران 17, 2020 184 مقالات وتحقيقات

اقتراح تحويل المنح التعليمية إلى المدارس: ماذا لو دفع الأهالي الأقساط؟

اقتراح تحويل المنح التعليمية إلى المدارس…

حزيران 15, 2020 205 مقالات وتحقيقات

الـ«فاليه باركينغ»: حان وقت «الصفّة» الأخيرة؟

الـ«فاليه باركينغ»: حان وقت «الصفّة» الأ…

حزيران 15, 2020 191 مقالات وتحقيقات