مجالس إدارة المستشفيات: «التوافق السياسي» أَولى من إغــلاق مزاريب الهدر؟

أيلول 12, 2019

الاخبار-12-9-2019

رلى ابراهيم

 

«ستباشر وزارة الصحة العامة بخطة لتغيير كل مجالس الإدارة التي لا تقوم بدورها كما يجب، وتقضي بفصل الإدارة عن المدير العام في المستشفى، والتوجه إلى مجلس الخدمة المدنية (...) واختيار موظفين يتسلمون إدارة المستشفى». كان يكفي أن ينفذ وزير الصحة جميل جبق هذا الوعد الذي أعلنه في آذار الماضي كي ينجز ثورة في القطاع الصحي المتدهور بفعل الفساد المستشري في المستشفيات الحكومية. منذ ستة أشهر تغيّر الوزير، فيما الفساد في مكانه... ويتمدّد تحت عنوان «الخضوع للتوافق السياسي» لتسيير المرافق العامة: تعيين مديري مستشفيات ولجان لإدارتها من دون اللجوء إلى مجلس الخدمة المدنية مثال؛ رفع السقوف المالية لبعض المستشفيات الحكومية من دون معالجة الاهتراء الإداري فيها مثال آخر.
لدى سؤاله عمّا يحول دون تغيير مجالس إدارات المستشفيات الحكومية الفاسدة والمخالفة، يقول جبق لـ «الأخبار» إن «مجلس الوزراء لم يوافق على الموضوع. وهناك 28 مديراً من أصل 32 عالقون في مجلس الخدمة المدنية بانتظار حلّ العقبات السياسية». في انتظار ذلك، يبقى «التوافق السياسي» سيد الموقف. هكذاً، مثلاً، عُيّن مدير لمستشفى بشري الحكومي بالتراضي بين القوات اللبنانية وخصمه وليم طوق، وهو ما تحدثت عنه بوضوح النائبة ستريدا جعجع، في نيسان الماضي، عندما أعلنت أنها رفعت لائحة أسماء إلى وزير الصحة للإسراع في تعيين مجلس الإدارة، وقالت إنها تلقّت اتصالاً من جبق يطلب فيه استبدال أحد الأعضاء المقترحين بآخر قريب من طوق». وهكذا كان. إذ كلف جبق رئيس مجلس إدارة جديداً من دون العودة إلى مجلس الوزراء أو مجلس الخدمة، ومديراً جديداً بقرار فردي، رغم أن المادة 34 من النظام الإداري تحتّم تعيين الموظف الأعلى رتبة بالإنابة في منصب المدير في حال غيابه.
نموذج آخر، هو مستشفى صيدا الحكومي الذي يحقق التفتيش المركزي، منذ عام، في قضايا فساد مالي وإداري متهم فيها رئيس مجلس الإدارة والمدير في آن واحد، أحمد الصمدي وفريقه (راجع «الأخبار»)، كذلك فإن هناك طعناً أمام شورى الدولة في تعيين الصمدي من دون استطلاع رأي مجلس الخدمة المدنية. هذا الواقع، قابله جبق بمزيد من السلف المالية، علماً أن المستشفى لم يسدد السلف السابقة البالغة قيمتها 109 ملايين ليرة، ولم يقدم موازنته إلى وزارة الصحة بحسب تأكيدات مصادر إدارية، فيما تنعدم فيه الأدوية والأمصال واللوازم الطبية. أكثر من ذلك، يصف جبق موظفي المستشفى الذين يواجهون إدارته بـ«العصابة» (!)، مستنكراً كيف أن «عمال الصيانة يريدون التدخل بطريقة عمل المدير»! ويلفت إلى أن «هؤلاء الغوغائيين رفضوا مسعى شخصياً مني لحلّ المشكلة بينهم وبين المدير خلال اجتماع في الوزارة، ورفضوا زيارة أخرى لي لصيدا»، و«لم يحفظوا جميل السلفة التي أمّنتها لهم لدفع مستحقات أربعة أشهر من رواتبهم، فخرجوا يتشكرون النائب أسامة سعد»!
مصادر نقابة الموظفين توضح «أننا اشترطنا قبل الجلوس مع الصمدي أن يسحب الدعاوى المرفوعة علينا لمجرد أننا تظاهرنا للمطالبة بحقوقنا، وتعمده إذلال النساء والرجال في المخافر. وحين لم يسقط الدعاوى، رفضنا المفاوضة». وتضيف أن الموظفين «لم يتقاضوا رواتبهم منذ مدة طويلة، والسلفة حق لهم وليست منّة من أحد».
ورداً على سؤال عن عدم منع الصمدي من ممارسة عمله طبيباً في المستشفى الذي يديره، لكون ذلك مخالفاً للقانون، ردّ جبق بأنه «إذا طبقنا القانون، فعليه يجب تطبيقه على الجميع». ولماذا لا يطبق على الجميع إذاً؟ «يجب فعل ذلك، لكن هذا ليس سبباً لإقفال المستشفى. وما يقوم به العمال أعمال بلطجة». وما الذي يحول دون حلّ مجلس الإدارة؟ «بأيّ حق يطلب مني حلّ مجلس إدارة معيَّن بتوافق سياسي؟»، يسأل جبق الذي سبق أن صرّح عند قدومه إلى الوزارة بأنه سيحوّل كل مستشفى مخالف إلى التفتيش المركزي، ولن يساوم أبداً على حق المواطن وصحته.

جبق: موظفو صيدا الحكومي غوغائيون ولا يحق لهم التدخل في عمل المدير!

«التوافق السياسي»، إياه، يبدو أنه دفع جبق إلى التخلي عن خطته الإصلاحية بفصل الإدارة عن المدير العام. هكذا، عيّن أخيراً ندى حمد رئيسة للجنة التي تدير مستشفى شبعا الحكومي، علماً أن حمد تشغل منصب مفوضة الحكومة في القضاء وطبيبة القضاء أيضاً، ما يعني أنها يفترض أن تراقب إدارة المستشفى، فإذا بها هي المراقبة والمديرة معاً. علماً أن تعيينها مفوضة للحكومة مخالف أصلاً، لأنها موظفة بالتعاقد وليست ضمن الملاك، كذلك فإنها تشغل منصب طبيبة قضاء من دون أن تكون رئيسة لقسم الصحة في القضاء بحسب القانون. رغم ذلك، جدّد جبق في هذا المنصب أيضاً، نافياً أن يكون تعيينها رئيسة للجنة مخالفاً للقوانين، مؤكداً أنها مكلفة إعادة بناء هيكلية المستشفى لبدء العمل به. ولكن، هل يمكن تحقيق ذلك باللجنة نفسها التي تعتري بعض أعضائها شوائب منذ تعيين وزير الصحة السابق غسان حاصباني لها في فترة تصريف الأعمال؟ (راجع «الأخبار»).
رئيس هيئة «الصحة حق وكرامة»، النائب السابق إسماعيل، يؤكد في هذا السياق أن «تعيين مجالس الإدارة بالتوافق السياسي يدفعها إلى ممارسة الفساد أكثر فأكثر. إذ إن بعضها يذهب بعيداً في دفع مخصصات من خارج عملها لتمويل نشاطات جهات سياسية، ويستعمل المستشفيات لمآرب انتخابية مالياً وتوظيفياً». «الكارثة الكبرى»، بحسب سكرية، «تكمن في وضع المجالس الإدارية بقبضة السياسيين، لأن المفترض أن يكون الهدف من المستشفيات الحكومية انقاذ المواطن الفقير، فضلاً عن كونها الأرضية الرئيسية لإنجاح البطاقة الصحية». ويؤكد أن مكامن الفساد داخل الوزارة وخارجها سببها التوافق السياسي الذي يناقض مطلب مجلس الخدمة المدنية باعتماد الكفاءة لا الانتماء الحزبي.
عملياً، بعد ستة أشهر على تعيين جبق، المستشفيات الحكومية على حالها البائسة باستثناء رفع سقوفها المالية قبل إغلاق مزاريب الهدر والفساد فيها، ما يبشر بالمزيد من الهدر والفساد. يؤكد جبق أنه «كانت هناك ضرورة ملحة لزيادة سقوف مستشفيات عكار وطرابلس والنبطية الحكومية، ومركز سان جود التابع للجامعة الأميركية ومستشفى الرسول الأعظم، لأنه المركز الأول لعمليات القلب المفتوح في لبنان»، ويلفت إلى إلغائه دور شركات المراقبة وإعادة الأطباء المراقبين إلى عملهم الأساسي، فيما يسأل سكرية في المقابل: «كيف يمكن زيادة السقوف لمستشفيات حكومية يعتريها الفساد وفيها اهتراء إداري. أما الأطباء المراقبون، فلو أنهم قاموا بعملهم، لما وصل وضع المستشفيات إلى هذا الدرك».

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
ثلاثة ماية مليار ليرة للتعليم الخاص: ممنوع انهيار «الكارتيل»!

ثلاثة ماية مليار ليرة للتعليم الخاص: ممن…

أيار 29, 2020 19 مقالات وتحقيقات

قانون تعليق المهل يشمل مهلة صرف المعلّمين

قانون تعليق المهل يشمل مهلة صرف المعلّمي…

أيار 29, 2020 26 مقالات وتحقيقات

زيادة الـ«خوّة» على الشيك المصرفي!

زيادة الـ«خوّة» على الشيك المصرفي!

أيار 29, 2020 25 مقالات وتحقيقات

التعيينات «الخنفشاريّة»: معالج فيزيائي للاقتصاد وقاضية معاقَبة للخدمة المدنيّة

التعيينات «الخنفشاريّة»: معالج فيزيائي ل…

أيار 29, 2020 19 مقالات وتحقيقات

سلعاتا تجدّد رفضها بناء معمل الكهرباء على أراضيها... سلوم لـ"النهار": خفايا وراء صرف النظر عن حنوش

سلعاتا تجدّد رفضها بناء معمل الكهرباء عل…

أيار 29, 2020 29 مقالات وتحقيقات

الأستاذ الجامعي مظلوم مرتين!

الأستاذ الجامعي مظلوم مرتين!

أيار 27, 2020 40 مقالات وتحقيقات

الكارتيل يضرب عرض الحائط بقرار إعادة درس الموازنات: المدارس الخاصة تستفرد بالأهالي والمـعلمين

الكارتيل يضرب عرض الحائط بقرار إعادة درس…

أيار 27, 2020 40 مقالات وتحقيقات

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوضى وهدر منظم بفضل التوارث الوزاري

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوض…

أيار 22, 2020 65 مقالات وتحقيقات

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل المدارس»: الأمر لنا!

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل ا…

أيار 20, 2020 93 مقالات وتحقيقات

كفى تمويهاً

كفى تمويهاً

أيار 15, 2020 316 مقالات وتحقيقات

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بالدولار وتدفع باللبناني

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بال…

أيار 13, 2020 137 مقالات وتحقيقات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

أيار 13, 2020 146 مقالات وتحقيقات

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود مقبلة تراجع مستوى التعلم يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود م…

أيار 13, 2020 214 مقالات وتحقيقات

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلاحية للحكومة مرقص: "الورقة" تدمّر القطاع المصرفي وتضرب الدستور

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلا…

أيار 12, 2020 135 مقالات وتحقيقات

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء الصحيين!

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء …

أيار 11, 2020 139 مقالات وتحقيقات

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ على خطى المصارف وبغطاء من وزير التربية

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ ع…

أيار 11, 2020 142 مقالات وتحقيقات

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاعبين جدد عقود جديدة... وموظفون في المنشآت "كبش محرقة

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاع…

أيار 06, 2020 229 مقالات وتحقيقات

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية": لجنة الأحزاب لا تمثلنا

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية…

أيار 05, 2020 200 مقالات وتحقيقات

معتقلو الاحتجاجات: مخابرات الجيش تستخدم التعذيب بالكهرباء!

معتقلو الاحتجاجات: مخابرات الجيش تستخدم …

أيار 04, 2020 219 مقالات وتحقيقات