فريدي باز ينصح بعدم سداد استحقاق "الأوروبوند"... فما البديل؟ عملية جراحية لاستئصال ورم ميزانية "المركزي" والمصارف

آذار 02, 2020

النهار-3-2-2020

سلوى بعلبكي

 

عشية استحقاق سداد سندات "الاوروبوند" البالغ 1,2 مليار دولار، ومع عدم اعلان الحكومة موقفا صريحا من هذا الاستحقاق، وإن كان الاتجاه ينحو نحو عدم السداد، يبدو الخبير المصرفي والاقتصادي فريدي باز جازما: لا لزوم للتفكير مرّتين في قرار سداد استحقاق "الاوروبوند"، فالأمر محسوم بالنسبة إليه: لا للسداد.

يستند باز الى أن "خيار السداد يفتقر الى المنطق المالي والمنطق الاقتصادي والمنطق السياسي في آن. ففي الشقّ المالي"، يلفت الى أن "ميزانية الدولة متعثّرة. فاحتساب موجودات الدولة من خدمات أساسية وبنى تحتية ومرافق عامة وعقارات قيّمة يصل الى نحو 50 مليار دولار. وإذا أخذنا أيضاً في الحسبان صافي القيمة الحالية NPV لمداخيل الغاز والنفط المستقبلية، والتي تقدّر بنحو 22 مليار دولار(6 مليارات سنوياً مدى 33 سنة بمعدل حسم 17%)، فهذا يعني أن موجودات الدولة تقدّر بـ 72 مليار دولار في مقابل دين صافٍ قدره 88 مليارا (الدين الإجمالي ناقص حسابات الدولة الدائنة في القطاع المصرفي زائد المستحقات المتأخّرة على الدولة)، أصبح ينمو بمتوسط 5 مليارات دولار سنوياً منذ 2015. من هذا المنطلق، لا يجوز لعميل متعثر أن يغرق أكثر في تعثره، والأجدى الإنطلاق فورا الى إعادة هيكلة وضعيته".

في الشق الاقتصادي، يوضح باز أن "احتياط القطع المتبقي لدى المصرف المركزي لا يتجاوز 24 مليار دولار، وهو يكفي لفترة قصيرة من أجل تأمين الامن الغذائي والصحي للمواطنين، إضافةً الى حاجاتهم الدنيا للسيولة بالدولار. فكيف للدولة أن تأخذ قرارا بتقصير هذه الفترة أكثر في حال قررت تسديد ديونها؟".

أما المنطق السياسي، فيقضي بعدم تجاهل الشارع وما يعانيه المودعون، إذ يستند باز الى توزّع الودائع في المصارف بحسب الشرائح، فيوضح أن "ثمة 2,2 مليوني مودع من أصل 2,8 مليوني مودع، أي 78% من المجموع لديهم ودائع دون 30 مليون ليرة لبنانية، ما مجموعه 5,4 مليارات دولار، أي ما يقارب فاتورة "الأوروبوند" في العام 2020 (4,5 مليارات دولار كأساس دين وفوائد). ثم يسأل: هل يمكن أن نسير بعكس مطالب الشارع ونعطي الأفضلية لعدد قليل من حاملي سندات الأوروبوند على حقوق 2.2 مليوني مودع؟ أيّهما أجدى، أن نرضي عددا قليلا من حملة سندات الدين أو أن نحرّر كلياً التزامات المصارف تجاه 2,2 مليوني مودع ونخفف الإحتقان والحرمان الشعبي؟".

مواضيع ذات صلة
سيناريوات الهيكلة: توزيع الخسائر ونسبة دَين إلى الناتج بـ 80%

خفض الدعم يفاقم أزمة الكهرباء
هل نموذج "كهرباء زحلة" هو الحل الأمثل للخلاص؟

بدء حفر أول بئر استكشافية والنتائج خلال 60 يوماً عــون: يوم تاريخي وبدايـة تحقيـق الحلـم...
ماذا عن الرأي القانوني؟ وفق باز، فإن الكثير من القانونيين الذين عملوا على إعادة هيكلة ديون دول عدة، يحكمون على أنه في حال قررت الدولة عدم الدفع، فإنه يمكن طبعاً لحملة سندات الأوروبوند أن يرفعوا دعاوى عليها، ساعين الى وضع اليد على موجودات المصرف المركزي كونها الأكثر مادية، لكن حظوظ نجاحهم محدودة، لأنه بحسب القوانين الأميركية ثمّة تمييز بين موجودات الدولة وموجودات المصرف المركزي.

بعدما عرض الواقع المالي والاقتصادي والسياسي، تطرق باز الى "الحلول المتاحة والتي تتلخّص بإعادة هيكلة الدين بالتوازي مع إجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية وسياسية، تمثّل شرطاً مسبقاً لإعادة هيكلة الدين والقطاع المالي، وبدونها يصبح كل هذا النقاش بلا طائل". في التفاصيل، يشير باز الى أن "نسبة الدين الصافي تمثل نحو 176% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تمثل خدمة الدين نحو 12% من الناتج ونحو 47% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة". وتماشياً مع موقفه بعدم السداد، يقترح باز "إعادة هيكلة المديونية العامة لخفض حجمها الى 65% من الناتج، وفق معايير "ماستريخت" ومعايير صندوق النقد لتأمين استدامة المديونية، وذلك من خلال اجراءين:

- إلغاء "المركزي" محفظة سندات الخزينة لديه بالليرة والتي قد تصل قيمتها الى ما يعادل 38 مليار دولار.

- اقتطاع Haircut بنسبة 60% على سندات الأوروبوند البالغة قيمتها 30 مليار دولار، ما سيوفر على الدولة 18 مليار دولار".

هذان الاجراءان، وفق باز، سيخفضان الدين الصافي الى 32 مليار دولار، بما يوازي 65% من الناتج. وعليه، ستنخفض خدمة الدين من 6 مليارات دولار حاليا الى ما دون 3 مليارات دولار.

لكن إعادة الهيكلة سترتب تداعيات على صعيد ميزانية مصرف لبنان وميزانية المصارف، وهو أمر يدركه باز جيدا، لذا يقترح "التخفيف من التزامات مصرف لبنان، عبر تحريره من الديون المتوجبة عليه بقيمة 38 مليار دولار. والمقصود هنا شهادات إيداع وودائع لأجل بالليرة، بمعنى آخر يجب أن تلغى الهندسات المالية ومفاعيلها بما مقداره 38 مليار دولار (الحجم الإجمالي أكبر). وبذلك، سيتحرر "المركزي" من شهادات ايداع كان يدفع عليها 10.5% في مقابل ما خسره من سندات كان يقبض عليها نحو 6 الى 7%".

هذه العمليات التصحيحية برأي باز، "ستنقي ميزانية مصرف لبنان وشروط استثماره وتعيد التوازن الى حساباته التي من المفترض أنها تسجل خسائر سنوية بمليارات الدولارات، وستزيل الورم من ميزانيته التي هي موضع انتقاد دائم من صندوق النقد بسبب تضخمها حيث وصلت الى 180 مليار دولار في كانون الأول 2019، قبل تنزيل عمليات الهندسات المالية"، لافتا الى أنه "بعد كل هذه العمليات، ستنخفض الميزانية الى 140 مليار دولار". وستنجم حكماً عن هذا التصحيح خسائر في المدى المتوسط، لكنها خسائر ذات نوعية أفضل بكثير من خسائر الإستثمار التي يتكبدها المصرف المركزي حاليا.

إلا أن هذا التصحيح سيرتب أيضا خسائر على المصارف، وهو أمر لا ينفيه باز الذي يقارب موضوعها بطريقة مختلفة وأشمل. فالمصارف لديها انكشافات ذات مخاطر عالية وخصوصا الانكشافات بالدولار (130 مليار دولار التزامات المصارف بالدولار: 120 مليار دولار ودائع للزبائن، و10 مليارات ودائع للقطاع المالي غير المقيم) تستخدمها كالآتي: 72 مليار دولار ودائع لدى المصرف المركزي، و34 مليارا تسليفات للقطاع الخاص، و14 مليارا سندات أوروبوند، ولديها سيولة متوافرة بقيمة 7 مليارات دولار مودعة لدى المصارف المراسلة). ويرى باز أن أي اختبار ضغط على نوعية موجودات المصارف يفضي الى احتمالات تحقيق خسائر على هذه الإنكشافات تستلزم ربما تخصيص مؤونات للمدى القصير قد تصل الى 55 مليار دولار(20 مليارا على محفظة التسليفات للقطاع الخاص بكل العملات، 8 مليارات على محفظة الأوروبوند من جراء الإقتطاع أو الهيركات، و27 مليارا على الودائع بالدولار لدى مصرف لبنان).

أمام هذا الواقع، لا يرى باز حلا إلا بتخصيص مؤونات بنحو 55 مليار دولار بغية الحفاظ على الحجم الحالي لرساميل المصارف. فكيف نؤمّنها؟ يجيب بأن "المساهمين الحاليين ، بناء على طلب مصرف لبنان، سيضخّون 4 مليارات دولار، والى ذلك يفترض تحويل 5 مليارات دولار من الديون المرؤوسة والأسهم التفضيلية الى أسهم عادية، كما تلحظ عقود هذه الأخيرة". أما الــ 45 مليار دولار المتبقية، فيقول باز إن "لا خيار آخر متاحا سوى اقتطاع 40 الى 55% من الودائع فوق المليون دولار بشكل ضريبة استثنائية وتحويلها الى أسهم عادية كما حدث في قبرص". ويستطرد أن أصحاب الودائع الكبيرة هم في غالبيتهم مودعون مؤهلون (qualified depositors) يدركون جيداً حجم المشكلة ولديهم ثقافة المخاطر والمرونة الكافيتين للقبول بمثل هذا الحلّ حفاظاً على حقوقهم المتبقّية، كما أن أفق تحقيق عوائد مقبولة على مساهماتهم في المستقبل تبقى متوافرة.

بعد هذه العملية، ستنخفض ميزانية المصارف المجمّعة الى 158 ملياراً من 250 مليار دولار، ما يساهم في استئصال الورم وتحويل المصارف الى مصارف جيدة Good Banks، قابلة للحياة. فما هي شروط ديمومة الحياة؟ بما أن معدلات الفوائد في لبنان أصبحت موجّهة ولم تعد حرّة، "فما يهمّنا هو تحقيق هوامش فوائد كافية للمصارف. من هنا يجب خفض معدلات الفوائد المرجعية: سندات الخزينة بالليرة الى 5%، شهادات الايداع والودائع بالليرة في مصرف لبنان الى 4,5% من 10,5%، شهادات الايداع والودائع بالدولار من 6.5 الى 3.5%. في موازة ذلك، يتعيّن على المصارف أن تدفع كحدّ أقصى 3,5% فوائد على الودائع بالليرة و2,5% على الودائع بالدولار وأن تستوفي كحدّ أقصى 6,5% على التسليفات بالليرة و5% على التسليفات بالدولار. ومن شأن معدلات الفوائد هذه أن تؤمّن للمصارف مداخيل حقيقية كافية لتغطية أعبائها التشغيلية المتناقصة بحكم التقشف المفروض وتأمين تغطية كافية أيضاً لمخاطرها".

ويختم باز: "إعادة هيكلة القطاع المالي من خلال عملية جراحية هي السبيل الوحيد لحماية ما تبقى من حقوق ولتجنب المزيد من القيود والقهر بغياب أي حلول في الأفق. وإن أحسنّا تنفيذ هذه العملية الجراحية، فإن المسار سيتصحح تدريجا، خصوصاً أن الأسواق بحاجة فقط الى إشارات ايجابية كي تسترجع الثقة. وتبقى العبرة في الإنطلاق فوراً في الإصلاح السياسي والإداري والإقتصادي".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

MyRelatedش

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأم العاملة المتضرر الأكبر

العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأ…

نيسان 02, 2020 130 مقالات وتحقيقات

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان" : الإعلان مخالف للنص العام ولقانون انشاء المؤسسة الخاص

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة…

نيسان 02, 2020 6 مقالات وتحقيقات

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الرواتب

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الروا…

نيسان 01, 2020 23 مقالات وتحقيقات

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجامعيين عاطلون عن العمل... سركيس: السبب فوضى الجامعات وعدم مواءمة السوق

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجام…

نيسان 01, 2020 14 مقالات وتحقيقات

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

آذار 31, 2020 32 مقالات وتحقيقات

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في الضمان فهل يكون الشرارة التي تفجر الشارع بعد "الواتساب"؟

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في ال…

آذار 31, 2020 30 مقالات وتحقيقات

على الحكومة أن تدفع... فوراً

آذار 30, 2020 25 مقالات وتحقيقات

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب!

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب…

آذار 27, 2020 56 مقالات وتحقيقات

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتات للفقراء...

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتا…

آذار 27, 2020 48 مقالات وتحقيقات

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل الكابيتال كونترول الاجراءات حتى نهاية 2020 في انتظار الآلية التنفيذية

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل …

آذار 19, 2020 122 مقالات وتحقيقات

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل في ظل "كورونا"  العمّال يدفعون الثمن ... والحكومة لا تحميهم

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل…

آذار 17, 2020 119 مقالات وتحقيقات

المصارف تستولي على دولارات المودعين

المصارف تستولي على دولارات المودعين

آذار 17, 2020 98 مقالات وتحقيقات

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

آذار 16, 2020 131 مقالات وتحقيقات

كابوس "الكابيتال كونترول" بات واقعاً.. إليكم تفاصيله

كابوس "الكابيتال كونترول" بات …

آذار 16, 2020 110 مقالات وتحقيقات