العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأم العاملة المتضرر الأكبر

نيسان 02, 2020


عزة سليمان-دكتوراه في الحقوق

2-4-2020

كشفت مرحلة تفشي وباء كورونا العورات في النظام الاقتصادي الاجتماعي العالمي إلا أن كوارث الواقع اللبناني عصية على المنافسة. ليس غريبا عن المرحلة الحالية في مجتمعات الاقتصاد الحر والعولمة والنيوليبرالية أن نطرح القضايا المتعلقة بقوانين العمل. هذه القوانين، التي تعرف بالقوانين الاجتماعية، طرحت نظاما عاما يحمي فئات العاملين في المجتمع، كل وفق طبيعة عمله، عرف بالنظام العام الاجتماعي، وهو نظام عام حمائي يضمن للعامل حداً أدنى من الحياة الكريمة، حققت له الحقوق والضمانات الاجتماعية والاقتصادية والاسرية والصحية. غالباً ما يتم التركيز على الأبعاد الاقتصادية والضمان الصحي ويتم تغييب الطبيعة الاجتماعية-الأسرية لهذه الحقوق. فرابطة التبعية التي تميز عقد العمل، وفقاً لما اعتمدته المحاكم اللبنانية، هي خضوع العامل لإشراف وتوجيهات صاحب العمل ضمن إطار زماني ومكاني يحدد دوام العامل ومكان العمل مقابل راتب شهري يضمن استقرار حياته وحياة اسرته اقتصادياً واجتماعياً. ما زال إذن مكان العمل وساعاته من المعايير الأساسية المعتمدة لتحديد طبيعة العلاقة بين طرفي العقد. وعندما يتناول قانون العمل الحد الأقصي لساعات العمل والعطل الاسبوعية والسنوية، فهي وإن كانت تتعلق بالراحة الجسدية للعامل إلا أنها تقصد تأمين حياة أسرية مستقرة ومتآلفة. هذه الأبعاد التي تشكل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، يتم التغافل عنها في موضوع العمل عن بعد.
نهج معتمد وغياب تشريعي
لا يمكننا اعتبار دخول الوسائل الرقمية وبيئتها على العلاقات الاقتصادية وبالتالي على نظام العمل أمراً طارئاً على الواقع في لبنان. إلا أن الواقع أيضاً يظهر غياب الدولة عن مواجهة هذا الواقع. لن نتغاضى عن أن الاقتصاد اللبناني قائم على مبدأ الاقتصاد الحر سنداً لمقدمة الدستور اللبناني إلا أن المقدمة نفسها تؤكد أيضاً على العدالة الاجتماعية وعلى مبادئ الحقوق الاقتثصادية والاجتماعية للمواطن اللبناني. ولكن النهج الاقتصادي الذي اجتاح المجتمع اللبناني منذ ثلاثة عقود، اتجه في منحىً مختلف، مركزاً على المبدأ الأول ومتجاهلاً البعد الثاني، وهذه التحولات الرقمية التي أدخلت عملياً إلى المؤسسات منذ أكثر من عشرة أعوام، لم يواكبها تطور تشريعي منظم لها وضامن للعمال.
وعلى غرار كل توجهاته، استحدث المجلس النيابي –بعد طول انتظار- نصوصاً اعترفت من خلالها بالتجارة الالكترونية بموجب التعديلات التي أدخلتها على قانون التجارة البرية اللبناني بتاريخ 29/3/2019، وتجاهلت كل الأثار الناتجة عنه على مستوى العامل، ما يشي بتوجه مضمر يتجاهل هذه الفئة من المنتجين، تماشياً مع كل التوجهات النيوليبرالية.
طرحت الأزمة المستجدة الناتجة عن ضرورة الحجر المنزلي الموضوع من بابه الواسع، وفي غياب أي تخطيط مسبق ورؤى واضحة وتشريع منظم منذ بداية الثورة الرقمية اضطر أصحاب القرار- في الحكومة وأصحاب المؤسسات الاقتصادية- إلى تفعيل عملية العمل عن بعد دون تحديد لأي إطار مرتبط بدوام العمل وطبيعته ودون الاخذ بعين الاعتبار للحد الادنى من الحقوق الاساسية، في محاولة استغلال واضحة من قبلها وقضم جزء من الحقوق الأسياسية. تشترك هذه الاشكالية بين العاملين في القطاع العام الخاضعين أصلاً لنظام الموظفين وعمال القطاع الخاص الخاضعين لقانون العمل. وإذا كان تفعيل العمل وتضافر الجهود في إدارة القطاع العام أمراً ضرورياً تطبيقاً لمبدأ استمرارية المرفق العام، وخضوع العلاقة مع الإدارة العامة لأحكام خاصة وبنود خارقة للقواعد العامة، فلا مبرر أمام أصحاب المؤسسات الخاصة بتجاهل كل الأحكام الإلزامية التي ما زالت قائمة في النظام القانوني اللبناني.
وإذا كانت المنظومة النيوليبيرالية قد هدفت بشكل أساسي إلى تحرير علاقات العمل من مختلف الضوابط عبر خلقها هامشاً واسعاً من العمل غير المنظم، فقد ساهمت منظمة العمل الدولية في تأطير حقوق العمال عبر ما أنتجته من مفهوم العمل اللائق. هذا الإطار لم ينجح لغاية الآن في خلق إطار يحفظ أي من الضمانات الاقتصادية والاجتماعية والعائلية، ما يجعل حقوق العاملين في هذا النمط الاقتصادي في مهب الريح. ما يفترض تأكيده أن هذه المنظومة النيوليبرالية نجحت، أمام كل أزمة اقتصادية واجتماعية في العالم، في التأقلم وإعادة إنتاج نفسها عبر بث جذورها واستغلال الظروف ضد أي قيود إنسانية.
غياب الوزارات المعنية
إن انفتاح أصحاب العمل ووزارة التربية على هذا النمط من العمل في أزمة كورونا ساهمت في استسهال طرح الحلول دون أي اعتبارات لكل الضمانات والأطر، في غياب غير مبرر لوزيرة العمل. وزيرة العمل وهي القادمة من الجامعة الرسمية، والتي خبرت في تعاقدها مع الجامعة اللبنانية الأزمات التي يعاني منها العاملون بموجب عقد مؤقت أو عمل بالساعة، يفترض أن تدرك هذه المخاطر التي تهدد العامل بكل أشكال الانتهاكات. فتوجهت الحكومة العتيدة للبحث في الأزمة الاقتصادية في وجهتها المالية والمصرفية وغيبت الوزارات الأساسية المعنية بالبحث عن خطة واضحة شاملة. غياب وزارة العمل ووزارة العدل عن الحلول في هذا الوضع الدقيق ليس إلا تجاهلاً لما تطرحه مسألة العمل عن بعد من مشكلات ذات طبيعة قانونية أساسية. وفي حصر البحث عن مواجهة الأزمة مع وزارة الشؤون الاجتماعية تأكيد على التعامل مع المشكلات الاقتصادية-الاجتماعية للمجتمع اللبناني من منظور الشفقة والتسول، وهذا بذاته مخالف للقيم الاساسية لمنظومة حقوق الانسان بمسها بالحق بالكرامة الانسانية. واللافت أن هيئات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات إعلامية وبلديات دخلت في هذا البزار بعيداً عن أي دور مرجو للمؤسسات وأي خطاب واضح مرتبط بدولة القانون.
الأم العاملة الطرف الأضعف
في مرحلة العمل عن بعد، مع كل ما يواكبها من ظروف نفسية وعائلية ولوجستية واقتصادية لغالبية الأسر اللبنانية، تجد المرأة – الام نفسها الفئة الاكثر تضررا من هذا الواقع. فهي التي يتطلب منها هذا الظرف أن تكون ربة أسرة وفقاً للدور النمطي المتعارف عليه، ومعلمة متخصصة في كل المواد المدرسية لأطفالها في المنزل وعاملة في مؤسسة مع كل ما يتطلبه واجبها الوظيفي من انتاجية، ما يعيدنا إلى نقطة الصفر في البحث عن توازن للعلاقات والأدوار، ويتطلب منهجاً مختلفاً في أداء الحكومة لمواجهة الأزمة.
فمع اعتماد المدارس التعليم عن بعد دون تخطيط أو تنظيم أو إدراك لمختلف الأبعاد الأخرى، ومع توجه المؤسسات إلى المطالبة بالعمل والانتاجية وضغوط العمل بغض النظر عن ساعاته وتنظيمه، ومع تآكل الراتب أو اقتطاعه بحجة الأزمة الاقتصادية وهي حجة غير واقعية للعديد من المؤسسات، تجد المرأة اللبنانية نفسها مرغمة على تقديم عمل ثلاثي الأبعاد بشكل متزامن، دون الأخذ بعين الاعتبار لأوقات الراحة وضرورات العائلة ومتابعة الصحة النفسية لأطفالها واستقرارها الاسري ....

خطاب موبوء على أنقاض المسؤولية الاجتماعية
لا نغفل عن استثنائية الظرف الذي نمر به، ما يتطلب جهودا استثنائية من قبل الجميع، إلا أن هذه الجهود يجب ألا تتغافل عن ما هو مكرس ضمن الأساسيات الطبيعية للعلاقات الانسانية، وألا نتغافل عما تقوم به المؤسسات من قضم لمكتسبات العمال المختلفة، في غياب للصوت النقابي والخطاب الحقوقي والمؤسساتي.
وفي هذا الظرف، وعلى غرار التوجهات الدولية الحديثة، نجد تعبير المسؤولية الاجتماعية أو المجتمعية يطرح بقوة في الخطاب العام وخطاب الشركات التجارية والمؤسسات الإعلامية. هذا التعبير/المصطلح الذي ارتبط بالإدارة الرشيدة وبهدف تحقيق التنمية المستدامة، يتطلب من القطاعات والمواطنين أن يقدموا من أموالهم أو حقوقهم أو مكتسباتهم في سبيل العدالة الاجتماعية التي أصبحت متلازمة مع التنمية المستدامة. فالإدارة الرشيدة أو الحوكمة بما تعنيه من مشاركة كل الأطراف المعنية في عملية اتخاذ القرار وتنفيذه تبنى على أسس تطبيق القانون والشفافية والمحاسبة ضمن دولة القانون والمؤسسات القوية. ولا تقوم المسؤولية الاجتماعية في الدول إلا بعد احترام كل معايير دولة القانون والمؤسسات وكنتيجة لاحترام القواعد السلوكية والأخلاقية ضمن القطاعات الاقتصادية أو الإدارة العامة. وهذا ما قصدته خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة عند إدخالها مفهوم العمل اللائق في هدفها الثامن لمواجهة أثار العمل غير المنظم. وهذا لا ينفي، في أي سياق تجاوز القوانين اللبنانية المرتبط بحقوق العامل الخاضع لقانون العمل.
إن مشاهدة الترويج للمسؤولية الاجتماعية في دولة منهارة على مستوى المؤسسات والقانون ليس إلا ذراً للرماد في العيون ولعبة إعلامية خطيرة بإدخال المواطن اللبناني في مفاهيم غير دقيقة وضمن سياق غير مفهوم، عن جهل أو عن علم لا يهم، ويشي بتوجه لإدخال النظام الاقتصادي الاجتماعي في مرحلة ما بعد الأزمة في مرحلة أشد خطورة تحت شعار مواجهة الواقع الاقتصادي المنهار.
فوزيرة العمل التي أبدعت منذ توليها الوزارة في مرحلة الثورة، باتخاذ قرار يدعو العمال إلى قبول ما هو دون الحد الادنى من رواتبهم، متخطية بذلك كل القيم التي تكرست عالمياً للعمال، تغيب عن أي موقف يعكس اختصاص وزارتها. ووزيرة العدل، وهي تواجه قضية السجون المتراكمة ضمن ما يسمح لها القانون من صلاحيات، غائبة عن الخطاب الحقوقي المرتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي ومتلهية بقضاء مشتت على قياس زعامات طائفية. هذا القضاء الذي تجاهل كل التجاوزات بحق دولة القانون والحقوق المكرسة، يسعى للقضاء على أي أمل في بناء مجتمع سليم. والهواء متروك لإعلام لا يفقه من الأخلاقيات إلا الرقم والحساب. وتحولت المسؤولية الاجتماعية وفق الخطاب العام إلى تزلف وترويج لمنطق التسول، والكورونا يفتك بكرامة المواطن وبالقانون والمؤسسات.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
مليون لبناني تحت خط الفقر الغذائي

مليون لبناني تحت خط الفقر الغذائي

حزيران 03, 2020 10 مقالات وتحقيقات

ست سنوات على دورة خفراء الجمارك: لا قائمة ولا ملغاة

ست سنوات على دورة خفراء الجمارك: لا قائم…

حزيران 03, 2020 8 مقالات وتحقيقات

«الكارتيل» يتهرّب من التدقيق في الموازنات: مشاريع قوانين لإعفاء المدارس من الاشتراكات

«الكارتيل» يتهرّب من التدقيق في الموازنا…

حزيران 02, 2020 19 مقالات وتحقيقات

العودة إلى الشارع السبت: سباق بين «الكتائب» والمجموعات

العودة إلى الشارع السبت: سباق بين «الكتا…

حزيران 02, 2020 20 مقالات وتحقيقات

ثلاثة ماية مليار ليرة للتعليم الخاص: ممنوع انهيار «الكارتيل»!

ثلاثة ماية مليار ليرة للتعليم الخاص: ممن…

أيار 29, 2020 53 مقالات وتحقيقات

قانون تعليق المهل يشمل مهلة صرف المعلّمين

قانون تعليق المهل يشمل مهلة صرف المعلّمي…

أيار 29, 2020 51 مقالات وتحقيقات

زيادة الـ«خوّة» على الشيك المصرفي!

زيادة الـ«خوّة» على الشيك المصرفي!

أيار 29, 2020 49 مقالات وتحقيقات

التعيينات «الخنفشاريّة»: معالج فيزيائي للاقتصاد وقاضية معاقَبة للخدمة المدنيّة

التعيينات «الخنفشاريّة»: معالج فيزيائي ل…

أيار 29, 2020 43 مقالات وتحقيقات

سلعاتا تجدّد رفضها بناء معمل الكهرباء على أراضيها... سلوم لـ"النهار": خفايا وراء صرف النظر عن حنوش

سلعاتا تجدّد رفضها بناء معمل الكهرباء عل…

أيار 29, 2020 71 مقالات وتحقيقات

الأستاذ الجامعي مظلوم مرتين!

الأستاذ الجامعي مظلوم مرتين!

أيار 27, 2020 59 مقالات وتحقيقات

الكارتيل يضرب عرض الحائط بقرار إعادة درس الموازنات: المدارس الخاصة تستفرد بالأهالي والمـعلمين

الكارتيل يضرب عرض الحائط بقرار إعادة درس…

أيار 27, 2020 56 مقالات وتحقيقات

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوضى وهدر منظم بفضل التوارث الوزاري

حصة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوض…

أيار 22, 2020 82 مقالات وتحقيقات

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل المدارس»: الأمر لنا!

نفوذ سياسي وديني خارج الرقابة : كارتيل ا…

أيار 20, 2020 105 مقالات وتحقيقات

كفى تمويهاً

كفى تمويهاً

أيار 15, 2020 331 مقالات وتحقيقات

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بالدولار وتدفع باللبناني

تعليم أطفال النازحين: «التربية» تقبض بال…

أيار 13, 2020 154 مقالات وتحقيقات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

نحو مدارس بديلة بإدارة الأهل والبلديات

أيار 13, 2020 160 مقالات وتحقيقات

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود مقبلة تراجع مستوى التعلم يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي

أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود م…

أيار 13, 2020 231 مقالات وتحقيقات

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلاحية للحكومة مرقص: "الورقة" تدمّر القطاع المصرفي وتضرب الدستور

قراءة قانونية في ما تضمّنته الخطة الاصلا…

أيار 12, 2020 145 مقالات وتحقيقات

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء الصحيين!

المجذوب خضع للمدارس رغم تحذيرات الخبراء …

أيار 11, 2020 145 مقالات وتحقيقات

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ على خطى المصارف وبغطاء من وزير التربية

«كارتيل» المدارس الخاصة يحتجز التلاميذ ع…

أيار 11, 2020 160 مقالات وتحقيقات

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاعبين جدد عقود جديدة... وموظفون في المنشآت "كبش محرقة

ملف الفيول المغشوش نحو اللفلفة بدخول لاع…

أيار 06, 2020 242 مقالات وتحقيقات

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية": لجنة الأحزاب لا تمثلنا

متعاقدون مستقلون في "اللبنانية…

أيار 05, 2020 214 مقالات وتحقيقات