مجلس شورى الدولة: الضرر المعنوي الشخصي أهم من الصالح العام

تشرين1 13, 2016

مجدّداً، ينحو مجلس شورى الدولة نحو تكريس دوره في حماية المصلحة الشخصية على حساب المصالح العامّة. اصدر المجلس اخيرا قراره بوقف تنفيذ قرار وزير الصحة بتعيين لجنة مؤقتة لإدارة مستشفى فتوح كسروان الحكومي، بذريعة وقوع ضرر معنوي على موظّف برتبة مدير عام ورئيس مجلس إدارة، علما ان وزير الصحّة بدا في هذه القضية كما لو انه أصدر قراراً لا يريد له الحياة، والدليل إكتفاء هيئة القضايا في وزارته بطلب ردّ مراجعة وقف التنفيذ دون تعليل أسباب اتخاذ القرار بالأدلّة والمستندات التي بحوزتها

فيفيان عقيقي

 

عادت قضية ادارة مستشفى "فتوح كسروان الحكومي" الى الصفر. فبعد مرور ثلاثة أشهر على صدور القرار 1338/1 (في تاريخ 15/7/2016) عن وزير الصحة وائل ابو فاعور، الذي قضى بتعيين لجنة مؤقّتة لتسيير أعمال المستشفى، برئاسة الدكتور أندريه قزيلي، أصدر "مجلس شورى الدولة" قراراً يقضي أولاً بوقف تنفيذ قرار الوزير بناءً على الاعتراض الرقم 21615/2016 المقدّم في 27/8/2016 من رئيس مجلس إدارة ومدير عام المستشفى الدكتور شربل عازار، وثانياً بقبول تدخّل قزيلي استناداً إلى "طلب التدخّل في الدعوى" الذي قدّمه في 28/9/2016.

حفاظاً على معنويات موظّف

يتبيّن من خلاصة القرار أنه استند إلى المادة 77 من قانون المجلس، التي تتيح له وقف أي قرار إذا ثبت الضرر الحاصل. وهو نظر إلى "ضرر معنوي" إدّعت الجهة المستدعية بأنه لاحق بها، متغافلاً عن الضرر الحقيقي الذي يمكن ان يصيب سكان قضائيين (جبيل وكسروان) وحقّهم بالحصول على خدمات طبيّة واستشفائيّة، من المفترض أن يقدّمها مستشفى حكومي في محيطهم، اذا ثبتت الادعاءات بوجود سوء ادارة للمستشفى يعطّل وظائفها.

 

يحمل القرار تناقضاً في مضمونه، فهو اعترف بصفة اللجنة المؤقّتة التي شكّلت لتسيير المرفق العامّ (المستشفى) وقبل تدخّلها في القضية، ولكنّه أوقف تنفيذ القرار. كما أتى مفتقراً إلى التعليل لكونه لم يناقش صحّة قرار الوزير، ولم يتطرّق إلى أصل المشكلة والنقاط المتنازع عليها قانوناً ليصدر قراراً بالأساس، فأوقف تنفيذ قرار الوزير، بدل تعيين خبير لإجراء استقصاء ميداني يُبنى على خلاصته.

تغاضى قرار المجلس عن صلاحية الوزير بتشكيل لجنة مؤقتة. علما ان كتاب مجلس الخدمة المدنيّة، المُرسل ردّاً على طلب أبو فاعور الذي سأل موافقته لإنهاء خدمة مجلس الإدارة والمدير ومفوّض الحكومة، اوضح ان القانون ترك للوزير هذه الصلاحيّة لتسيير المرفق العام، فيما لو تعذّر تعيين مجلس أصيل، علماً أنه سبق أن شكّلت لجان مماثلة في نحو 13 مستشفى حكومياً.

أساس المشكلة

منذ افتتاح المستشفى رسمياً في عام 2010، شهد سلسلة من الإضرابات التي قام بها الطاقمان الطبي والتمريضي، احتجاجاً على ما اعتبروه سوء ادارة، ادّى الى عدم دفع رواتبهم ومستحقاتهم. واستقال كثيرون بسبب ادعاءات عن وجود استهتار بحياة المرضى، وتفشي الأوبئة، وتعطّل المعدّات الطبيّة دون المبادرة إلى تصليحها، ما أدى إلى اعتكاف غالبية الأطباء عن ارسال مرضاهم إليها (مُسجّل في المستشفى نحو 200 طبيب يعمل منهم حوالى عشرة)، وتالياً انخفاض عدد الأسرّة العاملة فيها إلى 20 سريراً كحد أقصى.

صراع لجنة الأطباء والمستشفى المزمن أدّى إلى استحصال وزير الخارجيّة جبران باسيل من أبو فاعور على قرار بتعيين اللجنة المؤقّتة (مؤلّفة من 7 أشخاص محسوبين على التيار الوطني الحرّ والنائب السابق منصور البون) مقابل تعيين لجنة مماثلة لمستشفى شبعا، وفق مبدأ المحاصصة السياسيّة، لكن عدم حصول النائب السابق فريد هيكل الخازن على حصّته من التشكيلة، وتمسّك البطريرك الراعي برئيس مجلس الإدارة ومدير المستشفى الحالي لكونه الداعم الأوّل له بعد انقضاء ولاية ميشال سليمان، منع عمليّة التسلّم والتسليم إلى أن صدر قرار وقف التنفيذ، وهذا ما يعطي القضية ابعادها السياسية.

قرار الوزارة ليس للتنفيذ!

انطلاق من هذه الابعاد، اصدر وزير الصحّة قراره في تموز لتعيين لجنة إداريّة مؤقتة لتسيير أعمال "مستشفى فتوح كسروان الحكومي"، إلّا أنه وأجهزة وزارته لم يحرّكوا ساكناً لتنفيذ القرار، وإتمام عمليّة التسلّم والتسليم وفق الأصول.

وبحسب المتابعين، ترضخ الوزارة لتمنيات البطريرك بشارة الراعي بالمماطلة بتنفيذ قرار تعيين اللجنة حتى صدور قرار وقف التنفيذ عن القضاء الاداري. فلم تتكبّد هيئة القضايا في الوزارة عناءً ملحوظاً لصياغة لائحة جوابيّة للردّ على اعتراض عازار، بحجّة انها لم تستلم من الوزارة الأدلّة والمستندات التي تبيّن وضع المستشفى الحقيقي وأسباب الإضرابات المتتالية للجسم الطبي والتمريضي احتجاجاً على أداء الإدارة، فاكتفت بطلب ردّ "طلب وقف التنفيذ" لعدم ارتكاز المراجعة على "أسباب جديّة ومهمّة باعتبار أن القرار المطعون فيه يهدف إلى حسن سير المرفق العامّ بعدما انتهت مدّة ولاية مجلس الإدارة، وأن الضرر المُدلى به لا يمكن وصفه بالبالغ الذي لا يعوّض عنه بالمال".

 

حجج الإدارة المنتهية الصلاحية

في المراجعة المقدّمة أمام "مجلس شورى الدولة"، استندت الجهة المستدعيّة (مدير عام المستشفى ورئيس مجلس إدارته) إلى:

1- المرسوم الرقم 14254 الصادر في 28/2/2005 الذي أنشئ بموجبه مؤسّسة عامّة لإدارة مستشفى فتوح كسروان الحكومي في البوار وعيّن عازار رئيساً متفرّغاً لإدارتها (انتهت صلاحيته بعد ثلاث سنوات أي منذ عام 2008)، وإلى المرسوم الرقم 14853 الصادر في 28/6/2005 والقاضي بتعيين عازار أيضاً في مركز مدير عام المؤسّسة، ليشير إلى أن إزاحته تحتاج إلى مرسوم درءاً للضرر المعنوي الذي قد تسبّبه له، وأنه باقٍ في موقعه لتسيير المرفق العام، مشيراً إلى أن كلّ مراسيم تعيين مجالس إدارة للمستشفيات الحكوميّة ما زالت نافذة رغم صدورها قبل مرسوم تعيينه.

2- إلى تصنيف أجرته وزارة الصحّة منذ ما يقارب العام وضعَت بموجبه المستشفى في الدرجة الأولى، أي في أعلى درجة ضمن التصنيف (علماً أن شروط تصنيف المستشفيات يرتكز على الاختصاصات والأقسام المتوافرة فيها، في وقت لا يستقبل فيه المستشفى المذكور أكثر من 20 مريضاً كحدّ أقصى، وهناك أقسام لا تعمل فيه، وتنقصه الكثير من الأجهزة الطبيّة اللازمة لإجراء العمليّات الجراحيّة).

  • Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة