فضيحة تزوير الشهادات تكشف قمة جبل الجليد في التعليم العالي

آب 06, 2018

يعتبر بيان "رابطة جامعات لبنان" الذي دعا وسائل الاعلام الى "ضرورة توخّي الدقة في نشر الاخبار عن الجامعات والشهادات المزوّرة، وعدم توزيع التهم جزافاً بما يسيء الى سمعة المؤسسات وكرامة القيّمين عليها"، نوعاً من التواطؤ الضمني، اذ ان للجامعات التي تحافظ على كرامتها ان تسمي الاشياء بأسمائها بعدما تفاقمت المشكلة، وان تطالب باخراج جامعات "مزورة" من رابطتها، او ان تعلق انتسابها الى حين الانتهاء من التحقيق، وفي الحد الادنى ان ترفض الاجتماع اليها فتشير بإصبع البنان الى مكمن الخلل وتدل اللبنانيين على الفاسدين والمفسدين.

فضيحة الشهادات المزوّرة التي كشفها الجيش اللبناني لدى مجندين ورتباء طلبوا الترقية بغير استحقاق لا تزال تتفاعل. هؤلاء دفعوا الثمن مرتين. مرة للجامعات ثمن شهادة غير مستحقة، ومرة ثانية باكتشاف أمرهم وافتضاحه ومعاقبتهم على فعلتهم وفق النظام العسكري الذي يأخذ اجراءات صارمة من دون الاعلان عنها للملأ حفاظاً على معنويات العسكريين، علماً أن كشف العقوبات سيساهم في اطلاع آخرين عليها وتالياً تحذيرهم من تكرارها، ويزيد الثقة بالمؤسسة العسكرية والمؤسسات الأمنية لدى المدنيين الذين يعتبرون أن القيادة تلتف على مخالفات أعضاء المؤسسات الأمنية وتظلم المدني في كل تشابك أو حادث مع عسكري.

لكن بعيداً من فضيحة العسكريين. فإن الفضيحة الكبرى تكمن في مكان آخر، ولها تداعياتها على مجمل العملية التربوية والمجتمع.

1 – ان افتضاح أمر تلك الشهادات انما يكشف عورة في النظام التعليمي الجامعي ككل، اذ إن بيع الشهادات يحصل باستمرار من دون رقابة فعلية، وفي هذا تقصير مزدوج تتحمل مسؤوليته وزارة التربية الوطنية عبر المديرية العامة للتعليم العالي التي يجب أن تمسك بالسجلات التي تظهر اسماء المسجلين في الجامعات وفق اختصاصاتهم وسنوات الدراسة. وثانياً عبر لجنة المعادلات والمصادقات التي عليها أن تحقق في علامات الشهادة وعدد الأرصدة السنوية وعدد سنوات الدراسة قبل إصدار المعادلة أو تصديق الشهادة. وإذا تمّ غير ذلك فمعناه أن تلك المديرية مقصّرة او متواطئة، وان تلك اللجنة متورطة وثمة رشى تدفع من خلالها وثمة تزوير يمر عبرها.

2 – ان افتضاح أمر الشهادات يجعل القطاع الجامعي كله في دائرة الشك، خصوصاً أن خبر التزوير انتشر في العالم. وفي هذا ظلم لجامعات عريقة وأخرى حديثة اعتمدت الجدية والمهنية في طريقها. وبالتالي فإن من غير الجائز أن تتساوى تلك الجامعات، وأن لا تخضع لتقويم سنوي تقوم به لجنة متخصصة من خبراء في التعليم الجامعي وآخرين في الادارة وغيرهم في القانون، وتكون قادرة على اتخاذ قرارات، أو رفع تقاريرها الموثّقة الى القضاء لاتخاذ اجراءات حاسمة في اقفال جامعات، أو اقفال فروع، أو اختصاصات لا تنطبق عليها المواصفات الدقيقة وفق دفتر شروط واضح.

3 - ان امر الشهادات غير الصحيحة ليس جديدا. وهو بدأ منذ العام 2000 عندما اعطيت تراخيص لعدد كبير من معاهد التعليم العالي، تحولت لاحقا جامعات في العام 2009 من دون ضوابط حقيقية. وفي العام 2012 سُمح للجامعات بفتح فروع لها في المحافظات لا تراعي الشروط الضرورية بالحد الادنى للتمايز عن معاهد مهنية، بل تحوّل بعضها "دكاكين" او "بوتيكات" كما كان يحلو آنذاك للوزير غسان سلامه ان يسميها، خصوصا متى تخلت الجامعة الأم عن الاشراف المباشر عليها، وباعت الاسم كامتياز تجاري لأحد التجار الذين يبحثون عن كسب مادي سريع، ويتنافسون على اجتذاب اكبر عدد ممكن من الطلاب بأسعار تنافسية من دون شروط، إلا دفع ثمن الشهادة.

4 - من المعلوم ان احدى مهمات التعليم العالي هي تخريج كادرات بشرية تتسلم مقدرات البلد، فأيّ كفاءات تخرّج هذه الجامعات؟ وما هو مصير المؤسسات التي يتسلمها قادة اميون؟ ظننا ان هذه الصفحة طويت مع الحرب عندما سيطرت ميليشيات على فروع جامعية ونال المقاتلون وزعماء الزواريب شهادات خصوصا في الحقوق جعلتهم يتسلمون مراكز ادارية متقدمة وفق الشهادة وليس الكفاءة، وهو ما جعل الادارة اللبنانية في ادنى مستوى من المسؤولية، وفي اعلى مستوى من الفساد القائم على فاسدين ومزوّري شهادات. وقلة الكفاءة هذه تدفع الى مزيد من البطالة في لبنان لان المؤسسات الخاصة غالبا ما تفضح أمر هؤلاء وتقصيهم.

5 – تؤثر الجامعات التي تبيع شهادات على الجامعات العريقة التي تجتهد لتقدم التعليم العالي الجيد بسبب انسحاب عدد كبير من الطلاب من الجامعات الجيدة والالتحاق بالاخرى لسهولة الحصول على الشهادة او تدنّي الالتحاق بالجامعات الجيدة، ما دفع العديد منها الى خفض شروط القبول وكذلك شروط النجاح، وهذه مشكلة تجعل لبنان بين الدول المتدنية المستوى العلمي بعدما كان في طليعة الدول المتقدمة في هذا المجال.

6 - أثّر الامر على الجامعة اللبنانية التي انخفض عدد طلابها، ما دفع بعض الكليات المشهود لها بالمستوى الجيد الى تسهيل امتحانات الدخول لضمان استمرارها وتوفير ساعات لعدد المتعاقدين والمتفرغين فيها فلا يصبحوا أعداداً مكدسة لا لزوم لها فيما تبقى الجامعة مركزا جيدا للتوظيف السياسي.

7 - اما الطامة الكبرى فتكمن في شهادات الدكتوراه التي باتت "اشباه الجامعات" تصدرها، وهو ما دفع ايضا معهد الدكتوراه للعلوم الانسانية والادارية والحقوق في الجامعة اللبنانية ومن باب منافسة الجامعات التجارية الى زيادة عديد طلابه وتقديم تسهيلات واعطاء دكتوراه بالجملة، من دون ان ينشر الدكاترة الجدد ابحاثا في مؤتمرات علمية عالمية او مجلات

محكمة قبل نيلهم الشهادة، ولو اجري احصاء لعدد الذين حصلوا على دكتوراه في العلوم الانسانية والادارية والحقوق لا نجد لمعظمهم بحثاً منشوراً، واذا وجد القليل ففي منشورات محلية لا قيمة علمية لها. واذا دققنا اكثر نجد ان معظم المشرفين على اطروحات الدكتوراه هم ممن جرى ترفيعهم على اساس منشورات محلية، وهذه ايضا مشكلة تجعل مستوى الدكتوراه ليس اعلى من مستوى الماجستير. ومعظم حاملي الدكتوراه يلتحقون بالتعليم في الجامعة اللبنانية كمتعاقدين بالساعة، وبعد فترة يجري تفرغهم، طبعا هذا الى جانب العديد من حاملي الدكتوراه من الجامعات التجارية.

هل ننتظر غداً معاقبة المزورين واغلاق الجامعات التجارية الفاسدة، ام ستدخل الوساطة السياسية والمذهبية لطمس مشكلة اهميتها بقدر اهمية ضبط الامن لان التعليم هو الضبط والامن الاجتماعيان؟

المتهمون

تمكنت مخابرات الجيش من إلقاء القبض على 9 من أصل 12 متورطاً في عملية بيع الشهادات المزورة وهم:

عمر الجمّال، هاني عبدالله، محمد اسماعيل، سامر الحجوني، الدكتور عبد المجيد عبد الغني، حسن عساف، الياس كبرية، علي الجمّال، سامر الحجاب.

وأُخليت السيدة لميس عبد الرزاق وأبقيت رهن التحقيق ولا يزال 3 أشخاص فارين : طارق الجمال، علي العرب، وحسين زنيط.

 

المصدر: "النهار | غسان حجار | 6 آب 2018

  1. الأكثر قراءة
برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة الفقر؟

برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة ال…

تشرين1 19, 2018 4 مقالات وتحقيقات

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

تشرين1 19, 2018 5 مقالات وتحقيقات

لبنان يصوّت ضدّ حقوق المثليين

تشرين1 19, 2018 5 المجتمع المدني

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصاص: فتشوا عن القطاع الخاص بدل القروض... وصوّبوا النهج

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصا…

تشرين1 19, 2018 4 مقالات وتحقيقات

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

تشرين1 18, 2018 11 مقالات وتحقيقات

وزارة البيئة: قلّة دراية أم أجندات خفية؟

تشرين1 16, 2018 7 المجتمع المدني

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

تشرين1 15, 2018 9 مقالات وتحقيقات

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطالة الشباب 36%

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطال…

تشرين1 12, 2018 16 مقالات وتحقيقات

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى الوراء الكهرباء، المياه، النفايات، النقل: أزمات قديمة كبّدت لبنان المليارات لتبقى

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى ا…

تشرين1 12, 2018 19 مقالات وتحقيقات

متمرنو «الثانوي» إلى الإضراب مجدداً

تشرين1 09, 2018 22 تربية وتعليم

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشاملة؟

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشامل…

تشرين1 09, 2018 16 مقالات وتحقيقات

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

تشرين1 08, 2018 15 مقالات وتحقيقات

التفتيش المركزي لخفض التعاقد: الدولة تدف…

تشرين1 05, 2018 18 مقالات وتحقيقات

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجلس التعليم بإقفالها؟

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجل…

تشرين1 05, 2018 18 مقالات وتحقيقات

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا عن السنوات المقبلة؟

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا …

تشرين1 04, 2018 23 مقالات وتحقيقات

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

تشرين1 04, 2018 22 مقالات وتحقيقات

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء لم تعد مجانيّة

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء …

تشرين1 02, 2018 24 المجتمع المدني

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

تشرين1 02, 2018 20 مقالات وتحقيقات

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمولدات: 60 محضر ضبط!

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمو…

تشرين1 02, 2018 21 مقالات وتحقيقات