قيامة الجامعة...

آب 16, 2018

أياً يكن السجال حول الجامعة اللبنانية وأزماتها، فإنه لا يمكن القفز فوق ما تعانيه وما تواجهه من مشكلات تطال وظيفتها وحتى وجودها. لا أحد يستطيع الجزم بأن الجامعة اليوم تمارس استقلاليتها الأكاديمية والإدارية بلا تدخلات سياسية. صحيح أنها جامعة رسمية، إلا أن هامشها الاستقلالي سمح لها بالتطور منذ تأسيسها، وذلك ما كان ليحصل من دون رؤساء وأكاديميين وأساتذة تميزوا خلال مسيرتها منذ التأسيس ورفعوا إسمها وتركوا بصماتهم المتنورة في أرجائها، فضلاً عن نضال حركتها الطالبية التي عززت الديموقراطية فيها. وهي خرّجت أفضل الطلاب ونافست الجامعات الخاصة العريقة واحتضنت وعلّمت كل الفئات من اللبنانيين الذين وجدوها واحة للعلم والتخصص العالي.

اليوم يعترف الجميع بأن الجامعة تعاني، ليس في ما يتعلق بصلاحيات هنا وهناك، إنما في عمق رسالتها، وهي التي لا تزال تحتضن طاقات أكاديمية وعلمية مشهود لها، لكن العامل السياسي يخترق اليوم بنيتها ويؤدي إلى فساد يعترف به كل أهلها، فأين الجامعة اليوم من نسختها التاريخية؟ وماذا عن مجلسها ووحداتها والمعايير الأكاديمية فيها؟

ليس الكلام تقويماً للجامعة. هذه مهمة أهلها بالدرجة الأولى. فأن يرفع رئيسها على سبيل المثال شعار الإصلاح، فذلك اعتراف بأن هناك شوائب كثيرة وتراكمات سلبية في بنيتها مالياً وإدارياً وأكاديمياً، وعلى مستوى علاقاتها أيضاً، وإقراراً بحجم التدخل السياسي في شؤونها. لكن أن يبقى الأمر مجرد شعار، ثم نتحدث عن الإنجازات، فيعني ذلك أننا أمام منعطف قد نهدر فيه ما تبقى مما هو مضيء فيها، بدءاً من كلياتها التي لا تزال تتمتع بمستوى أكاديمي مميز إلى أساتذتها ونخبها الأكاديمية، لكن لم نشهد نقلة نوعية في الإصلاح المطلوب لتستعيد الجامعة حصانتها وتمارس وظيفتها البحثية والأكاديمية على أكمل وجه.

كل الجامعات تتعرض لمشكلات وتعاني من تراجع في المستوى، والامثلة كثيرة على ذلك، حتى في الدول الأوروبية. وليس كل كلام عن الجامعة مثلاً نواجهه بالتشكيك، وإن كان يتعلق برئيسها وبمجلسها. هو فرصة للوقوف أمام الذات والتقويم لتصويب الأمور وإعادة النهوض، بالإفادة من ثغر الإخفاقات واستثمار النجاحات. وبالتالي لا معنى للكلام نفسه الذي نسمعه عن الجامعة الوطنية التي تحتضن 70 ألفاً من طلاب لبنان، وغير ذلك من كلام يقفز فوق المشكلات والتحديات التي تواجهها، إنما الواجب التصدي لقضاياها التي تعنى باستقلاليتها واصلاح قانونها، ووقف التدخل السياسي في شؤونها، ودور مجلسها، ووظيفتها في البحوث والشهادة. والأمر يحتاج إلى جرأة لقول الكلام الفصل في شؤون الجامعة ووظيفتها والنظر إلى مستقبلها بعين نقدية، ووضع النقاط على الحروف إذا كان الهدف استعادة نبضها وحيويتها الأكاديمية.

 لا أحد يستطيع أن يمس بشهادة الجامعة، لكن حمايتها بحاجة إلى قرارات وإجراءات والتزام معايير جديدة. فلنستعد المبادرة، والسير بالإصلاح الأكاديمي، لقيامتها...

 

المصدر: "النهار | ابراهيم حيدر |  15 آب 2018 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
خطة وزارة العمل: حل أزمة التشغيل عبر خلق أجواء العنصرية

خطة وزارة العمل: حل أزمة التشغيل عبر خلق…

تموز 16, 2019 60 مقالات وتحقيقات

صفقة بين القوى السياسيّة لإقرار الموازنة

صفقة بين القوى السياسيّة لإقرار الموازنة

تموز 16, 2019 684 مقالات وتحقيقات

«انتفاضة» فلسطينية ضد وزارة العمل

«انتفاضة» فلسطينية ضد وزارة العمل

تموز 16, 2019 19 مقالات وتحقيقات

قسم الأخبار إلى المواجهة الشاملة: الأزمة تتفاقم في "المستقبل"

قسم الأخبار إلى المواجهة الشاملة: الأزمة…

حزيران 19, 2019 203 عمالية ونقابية

قرار الأحزاب يهتز: العودة عن الاستقالات "تنعش" إضراب "اللبنانية"

قرار الأحزاب يهتز: العودة عن الاستقالات …

حزيران 19, 2019 183 تربية وتعليم

غليان في اللبنانية رفضاً للضغوط واستقالات نقابية وقف الإضراب الموقت الخميس غير محسوم

غليان في اللبنانية رفضاً للضغوط واستقالا…

حزيران 18, 2019 203 مقالات وتحقيقات

العمالة الأجنبيّة»: الوزارة تحبّ «المكافحة» لا «التنظيم»!

العمالة الأجنبيّة»: الوزارة تحبّ «المكاف…

حزيران 17, 2019 341 مقالات وتحقيقات