القانون يحظر إلزام التلميذ بشراء الكتب من المدرسة ومنعه من استخدام كتب مستعملة

أيلول 09, 2019

الأخبار- فاتن الحاج 

الكتب المدرسية الصادرة عن دور النشر الخاصة اللبنانية تسعّرها نقابة الناشرين بالدولار بموافقة وزارة الاقتصاد، فيما لا تتوقف المدارس عن «التحايل» على القانون والأهالي عبر «تغيير» الطبعات و«تنقيحها»، ومنع الطلاب من استخدام الكتب المستعملة، أو تجزئة الكتاب الواحد الى سبعة كتيبات بذريعة التخفيف من ثقل الحقيبة المدرسية

كما كل عام، تشغل كلفة الكتب الجديدة بال أهالي تلامذة المدارس الخاصة. حملات تبادل الكتب المستعملة التي ينظمها البعض داخل المدارس أو خارجها لا تفلح في خفض الفاتورة. إذ أن امكانية اعتماد هذه الكتب المستعملة التي يُقبل عليها، بحسب نقابة الناشرين المدرسيين، بين 50% و70% من أولياء الأمور، تكاد لا تتجاوز 30% من مجموع الكتب. والأسباب كثيرة، تتعلق إما بتغيير الطبعات أو منع المدرسة التلميذ من استخدام كتب مستعملة، أو عدم امكانية تبديل كتب التمارين التطبيقية، أو بسبب ما باتت تلجأ إليه دور النشر، أخيراً، لجهة تجزئة الكتب إلى ما يصل الى 7 كتيبات وبيعها سلة واحدة (package)، ما يجعل استخدامها في العام التالي متعذراً. ويزيد الطين بلّة أنّ أصحاب المكتبات يشترون الكتب المستعملة بربع سعرها!

محمود قطايا، منسق الشؤون المالية في اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة، يلفت على سبيل المثال الى أن فاتورة كتب ابنه، التلميذ في الرابع أساسي، تلامس الـ 700 ألف ليرة. ويشير خصوصاً إلى سعر كتاب اللغة الأجنبية الثانية مع تطبيقاته (أي الإنكليزي لتلامذة القسم الفرنسي) الذي يصل الى نحو 100 ألف ليرة (56 ألف ليرة للكتاب و42 ألفاً للتطبيقات)، وكذلك مجموعة كتيّبات اللغة العربية المجزئة إلى محاور ويبلغ ثمنها 86 ألف ليرة (في مقابل 36 ألفاً عندما كانت كتاباً واحداً مع تطبيقاته). يجزم قطايا أن ابنه لن يستخدم كل هذه الكتب هذا العام، ولن يستفيد منها أخوه من بعده!

نقابة الناشرين المدرسيين تقلل من حجم المشكلة، باعتبار أنّ حصة الكتب لا تتجاوز 5 في المئة من سلة كلفة التعليم التي تتضمّن القسط والزي المدرسي والقرطاسية والنقل وغيرها. وتؤكّد أنّ «تعديل الطبعات يجب أن يكون منطقياً ومبرراً بالمستجدات العلمية، وهو ضروري لمواكبة المفاهيم التربوية وطرائق التعليم الحديثة والتوصيف الذي يطرأ على اسئلة الامتحانات». وتشدّد على أنّ 95 في المئة من دور النشر المدرسية تحترم عملها المهني، فيما تعتمد 5% منها فقط التغيير الشكلي. إلا أن اللافت هو تأكيد النقابة أنّها تبقي على الأسعار نفسها للكتب التي لا تتغيّر جذرياً، علماً أن جولة بسيطة على المكتبات تثبت عدم الالتزام بذلك.

أما الأهالي، فمعظمهم مقتنع بأن تجديد الطبعات يتم غالباً لأهداف تجارية لا تربوية، خصوصاً أن غالبية الطبعات الجديدة من الكتب تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن سابقتها، وغالباً ما ينحصر «التجديد» بتغيير الغلاف والأوراق الأولى من كل محور و«شقلبة» بعض المحاور.

ما لا يعرفه كثيرون أن نقابة الناشرين المدرسيين، وبموافقة مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد (!)، تسعّر الكتاب المدرسي بالدولار الأميركي، وتقرّشه المكتبة أو المدرسة بالليرة، شرط الالتزام بسعر الصرف الرسمي. لكن لماذا بالدولار ومن يراقب التزام الناشرين والمكتبات بالسعر الرسمي؟

يوضح رئيس دائرة مكافحة الغلاء والاحتكار في وزارة الاقتصاد، موسى كريّم، أنّ تسعير الكتب كان من مهمة لجنة في وزارة الاقتصاد قبل عام 2004، عندما أصدر وزير الاقتصاد آنذاك مروان حمادة قراراً جعل الأمر من مهمة لجنة متخصصة في النقابة، وفق معايير تتصل بكلفة الصناعة الفنية للكتاب (نوع الورق، الكرتون، الطباعة والتجليد...)، مع إعطاء الوزارة سلطة الموافقة أو الرفض. ويجزم بـ«استحالة أن يصدر أي ناشر كتاباً مدرسياً قبل أن يقدّم نسخة منه مع جدول تكاليفه إلى النقابة والوزارة. وتدرس النقابة تحت رقابة الوزارة الطلب وتحدد سعر المبيع وتبلغه للناشر». وعما إذا ما سبق أن خفّضت الوزارة سعراً وضعته النقابة، أقرّ كريّم بأن «السعر يبقى كما هو في معظم الأوقات».

"منذ 2004 سُحب تسعير الكتب من وزارة الاقتصاد وأُوكل الى نقابة الناشرين!"

كريّم لفت الى أنّ النقابة أصرت على التسعير بالدولار باعتبار أن هناك تكاليف تدخل في صناعة الكتاب (كالورق والمواد الأولية) تُدفع بالعملات الأجنبية. إلاّ أنّه أكد أنّ المكتبات «ملزمة التسعير باللبناني وفق سعر الصرف الذي لا يتجاوز 1515 ليرة للدولار (...) والدائرة تنظّم في هذا الوقت من العام جولات ميدانية على المكتبات ودور النشر ويدقق مراقبوها، على قلّتهم، في الفواتير وبالتقيد بالأسعار، ويُنزلون غرامات بالمخالفين، وقد يصل الأمر إلى الإحالة إلى النيابة العامة».

وفي ما يتعلق بشكوى المكتبات من منافسة المدارس التي تبيع الكتب والقرطاسية في حرمها، قالت مصادر في المديرية العامة لوزارة الاقتصاد إنّ المدارس تقع تحت وصاية وزارة التربية، «ونحن حاضرون كوزارة اقتصاد لتنفيذ دوريات مشتركة مع وزارة التربية لمراقبة هذه العملية». إلاّ أنّ كريّم يقرّ بأنّ بعض المدارس «تساوم الناشرين تجارياً وتطلب حسومات تفوق النسبة المعتمدة في معايير التسعير (أي 20%)، أو تتفق مع مكتبات في محيطها». وإذ يشير إلى أن لا مانع من أن تبيع المدرسة الكتب في حرمها، يلفت الى أن المادة 7 من القانون 515 /1996 تمنع عليها في نص صريح وواضح احتكار لوائح الكتب. إذ أن «للمدرسة أن تحدد لوائح الكتب ومواصفات اللوازم المدرسية، غير أنه لا يجوز الزام التلميذ بشراء هذه الكتب واللوازم من المدرسة أو أي مرجع خاص آخر. كما لا يجوز منعه من استعمال كتب مدرسية مستعملة صالحة للاستعمال...». كما أنّ المادة 50 من قانون حماية المستهلك تنص على عدم الزام المستهلك بأي سلعة لا يرغبها.

أمين سر اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، فرنسوا حبيقة، ينفي أن تكون الالزامية موجودة في مدارس الاتحاد بالحد الأدنى، لكن «ما يحصل هو أن إدارات المدارس تسهّل على الأهالي الحصول على الكتب فتؤمنها لهم في المدرسة، كي لا يتكلفوا عناء البحث عنها في المكتبات لا سيما بالنسبة إلى الكتب الأجنبية المستوردة». وهو ما يؤكده مدير دار الفكر اللبناني جاد عاصي مشدداً على أن «لا مكان للصفقات التجارية في غالبية المدارس الخاصة الكبيرة، لكونها مؤسسات تغلّب المعيار العلمي على أي اعتبار مادي، وما يحصل بين دار النشر وإدارة المدرسة يدخل ضمن المنافسة المشروعة». ويلفت الى أن دار النشر ليست مطبعة أو مكتبة، بل «مؤسسة تضم لجاناً تربوية متخصصة في المواد التعليمية كافة ومراكز أبحاث لتأليف كتب توافق المناهج الرسمية الصادرة عن وزارة التربية». وفيما يعتبر أن تجزئة الكتب «تخفف من ثقل الحقيبة المدرسية»، يشدد على أن «تجارة الكتب خاسرة». إذ أن «20% من سعر الكتاب هي عبارة عن حسومات تعطى للمدارس ولأصحاب المكتبات وبين 15 و20% حقوق تأليف و5% هدراً (نماذج مجانية تعطى للمدارس للاطلاع عليها تمهيداً لاعتمادها)، ويبقى للناشر 30% ربحاً غير صافٍ لكونه يتضمن رواتب موظفين وإيجار مستودعات وغيرها من المصاريف»، ناهيك عن «المنافسة غير المشروعة من المكتبات المتنقلة والمكتبات التي تبيع على الفايسبوك ودور النشر التي ليس لديها سجل تجاري».

الكتب الأجنبية خارج الرقابة

يُقر رئيس دائرة مكافحة الغلاء والاحتكار في وزارة الاقتصاد، موسى كريّم، بأن مستوردي الكتب الأجنبية لا يحضرون الاجتماعات التي تعقد لتنظيم قطاع الكتب المدرسية، في حين أن «هناك حاجة إلى ضبط أكبر للكتب الأجنبية والتشدد في الرقابة من جانب وزارتي التربية والاقتصاد، إن لجهة السعر أو لجهة المضمون الذي يجب أن يتوافق مع خصوصيتنا الثقافية». كما «لا تخضع هذه الكتب لأسعار نقابة الناشرين المدرسيين ووزارة الاقتصاد اللتين تتأكدان فقط من أن المستورد يلتزم أسعار بلد المنشأ في اوروبا أو أميركا. والسعر يجب أن لا يتجاوز ضعف الكلفة. لكن المشكلة تكمن في ارتباط سعر هذه الكتب بسعر صرف الدولار أو اليورو».

واللافت أن بعض المدارس الخاصة التي تحتكر بيع الكتب المستوردة، تطلب من الوكيل المستورد (دار نشر) عناوين معينة وتسليمها عدداً محدداً من الكتب، لا سيما بالإنكليزية، وبالتالي لا يعثر التلامذة عليها في المكتبات. والمفارقة أنّ الكتاب الأجنبي القديم يصبح خارج التداول بمجرد انتهاء العام الدراسي. إذ أن دور النشر تعمد كل سنة إلى تغيير الطبعة أو تبديل الكتاب نفسه.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
كبار المودعين يُصادرون أموال اللبنانيّين: سحب 27 مليار دولار في سنة

كبار المودعين يُصادرون أموال اللبنانيّين…

شباط 14, 2020 82 مقالات وتحقيقات

الدولة أمام «فخّ» سلامة

الدولة أمام «فخّ» سلامة

شباط 14, 2020 61 مقالات وتحقيقات

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة…

شباط 13, 2020 87 مقالات وتحقيقات

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهكونه

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهك…

شباط 13, 2020 85 مقالات وتحقيقات

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائر

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائ…

شباط 13, 2020 83 مقالات وتحقيقات

الضمان يبتزّ الأُجراء

الضمان يبتزّ الأُجراء

شباط 13, 2020 81 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 72 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 80 مقالات وتحقيقات

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة ا…

شباط 12, 2020 87 مقالات وتحقيقات

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين…

شباط 12, 2020 96 مقالات وتحقيقات

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

شباط 12, 2020 78 مقالات وتحقيقات

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت التحقيقات؟

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت الت…

شباط 10, 2020 95 مقالات وتحقيقات

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020 86 مقالات وتحقيقات

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال المودعين: اطردوا رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال ال…

شباط 10, 2020 86 مقالات وتحقيقات

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القروض 6 أشهر المادة 36 تغطي القروض المدعومة من مصرف لبنان فقط!

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القر…

شباط 10, 2020 100 مقالات وتحقيقات

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تعذيب وإخــفاء قسري!

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تع…

شباط 07, 2020 117 مقالات وتحقيقات

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد الناشطين «بالمفرّق»

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد ال…

شباط 07, 2020 108 مقالات وتحقيقات

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأملاك البحرية

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأمل…

شباط 07, 2020 100 مقالات وتحقيقات

المصارف تسهم في موت الصناعة

المصارف تسهم في موت الصناعة

شباط 07, 2020 121 مقالات وتحقيقات