ربّات المنازل: عاملات رعاية من دون أجر

تموز 11, 2018

«بنفس الطريقة التي خلق الله بها حواء لإعطاء المتعة لآدم، خلق رأس المال ربّة البيت لخدمة العامل جسدياً وعاطفياً وجنسياً، ولتربية أبنائه (أبنائه هو) وإصلاح جواربه ودعم وتعزيز أناه المسحوق في العمل والعلاقات الاجتماعية (التي هي غالباً علاقات وحدة وعزلة) التي خصّصها له رأس المال»  - سيلفيا فيديريتشي

تُخصص النساء في الدول العربية 320 دقيقة يومياً على عمل الرعاية من دون أجر، في مقابل 70 دقيقة فقط للرجال، وبذلك تُسجّل المنطقة الهوّة الأعلى عالمياً في هذا المجال، وفقاً للتقرير الأخير الصادر عن منظّمة العمل الدولية بعنوان «عمل الرعاية ووظائف الرعاية من أجل مستقبل العمل اللائق». ويُشكّل هذا العامل السبب الأهمّ لخروج النساء من سوق العمل، إذ إن 73% من النساء في الدول العربية هن خارج سوق العمل لأنهن مُنخرطات في عمل الرعاية من دون أجر، بينما هذا السبب هو شبه غائب بالنسبة إلى الرجال غير الناشطين. فتلك النساء يُعتبرن في الإحصاءات غير ناشطات اقتصادياً وربّات منازل، فيما هنّ عاملات يعملن من دون أي مقابل.

وفق منظّمة العمل الدولية، يشمل عمل الرعاية نوعين متقاطعين من الأعمال: النشاطات الرعائية المباشرة الشخصية والعلاقاتية كإطعام الأطفال أو الاعتناء بأفراد الأسرة المرضى، والنشاطات الرعائية غير المباشرة كالطبخ والتنظيف. وتكون هذه الأنشطة غير مدفوعة الأجر حين يقوم بها أحد أفراد الأسرة، وفي معظم الأوقات النساء، أي لا تحتسب ضمن الناتج المحلي وتبقى عملاً غير مرئياً. ولكن عندما يقوم بها أحد من غير أفراد الأسرة مقابل بدل مالي تصبح عملاً، وتحتسب ضمن مؤشّرات سوق العمل والحسابات الوطنية. وتُقدّر منظّمة العمل الدولية، بناءً على بيانات 53 دولة تمثّل 63.5% من السكان عالمياً، أن قيمة العمل المنزلي من دون أجر تصل إلى 9% من الناتج العالمي إذا احتُسِبَت قيمة ساعة العمل على أساس الحدّ الأدنى للأجور.

لا ينحصر تأثير عمل الرعاية من دون أجر بقرار أو إمكان دخول الأشخاص، ولا سيما النساء، إلى سوق العمل، بل يؤثر أيضاً بظروف عمل الأشخاص الناشطين اقتصادياً. ففضلاً عن العمل العاطفي والنفسي الذي تؤدّيه مُقدّمات الرعاية من دون أجر، تواجه عاملات الرعاية من دون أجر ظروف عمل أسوأ من سائر العاملين الذين لا يؤدّون أعمال رعاية. على سبيل المثال، تواجه النساء غرامة الأمومة، إذ إن الأمّهات يوجَدن أقل في سوق العمل من غير الأمّهات، وبطبيعة الحال أقل بكثير من الآباء في العالم وفي المنطقة العربية. كذلك إن النساء الموجودات في سوق العمل واللواتي يقدّمن الرعاية من دون أجر يواجهن ظروف عمل أسوأ من أقرانهن الرجال. في الدول العربية 49% فقط من النساء في سوق العمل اللواتي يقدّمن الرعاية، هنّ أجيرات في مقابل 65% من الرجال، و35% منهن يعملن لحسابهن الخاص في مقابل 23.8% للرجال. وتبيّن هذه الأرقام انعدام الاستقرار في سوق العمل للنساء، حيث إن أقل من النصف فقط لديهن أجر ثابت، ونسبة كبيرة منهن يعملن في أعمال لا نظامية وهشّة متمثلة بالعمل لحسابهن الخاص، وهي أعمال تضمن لهن المرونة في ساعات العمل كي يتمكنّ من التوفيق بين توفير دخل وتأدية الأعمال المنزلية.

ولكن أبرز ما تبيّنه دراسة منظّمة العمل الدولية دون ذكره، هو التأثير المحدود، أو حتى الهامشي، لدخول النساء إلى سوق العمل على تقسيم الأعباء المنزلية، ما يطيح ما كانت وما زالت تروّج له المنظومة النيوليبرالية بأن إدخال المرأة إلى سوق العمل والتوعية وحدهما كفيلان بإصلاح الاختلال في علاقات القوة بين النساء والرجال. ففيما لم يتغيّر تقسيم الأعباء المنزلية بين الرجال والنساء بين عامي 1997 و2012، حيث إن 63% من الدقائق اليومية المُخصّصة للأعمال المنزلية تؤديها النساء مقابل 37% للرجال، ارتفعت حصة النساء من الوقت المُخصّص يومياً للعمل بأجر أو للربح من 29.6% إلى 32.5% أي ما يوازي ساعة وأربعين دقيقة يومياً. أي بمعنى آخر، انخرطت النساء أكثر في سوق العمل، ولكن لم يؤثّر ذلك بعملهن الرعائي من دون أجر. ويبيّن التقرير مجدّداً دون ذكر ذلك، أهمية العمل الرعائي من دون أجر للنظام الرأسمالي. إذ إن التقسيم الجنسي للعمل، وتخصيص النساء للعمل الرعائي من دون أجر يوفّر على رأس المال كلفة إعادة إنتاج القوى العاملة وضمان عودة العمّال إلى عملهم وإنتاجيتهم، وغيرها من الأمور التي يوفّرها عمل الرعاية من دون أجر. فحتى مع انخراط النساء أكثر في سوق العمل، ما زالت مهمّة إعداد وإعادة إنتاج القوى العاملة موكلة إليهن. فليس من قبيل الصدفة أن تكون البلدان التي تشهد المشاركة الأكبر بالأعباء المنزلية بين النساء والرجال كالسويد (%57 للنساء مقابل 43% للرجال) والنرويج (%58 للنساء مقابل 42% للرجال) هي نفسها البلدان التي لديها حصة الضرائب نسبة للناتج المحلي الأعلى بالعالم (%44.1 للسويد و41.9% للنرويج)، ما يمكّنهما من تنفيذ سياسات رعائية عميقة، حيث تصل نسبة الإنفاق العام على الرعاية في السويد والنرويج إلى 9% و7% من الناتج المحلي وهي من الأعلى عالمياً أيضاً.

إصلاح الاختلالات في علاقات القوة وتقسيم الأعباء الرعائية بين الرجال والنساء لا يمكن أن يُختزل بثنائية مشاركة المرأة في سوق العمل والتوعية، بل يمرّ حتماً بمقاربة العمل المنزلي من دون أجر من منظور الوظيفة التي يؤدّيها لخدمة رأس المال.

 

المصدر: جريدة الأخبار  | نبيل عبدو  | الإثنين  9 تموز 2018

  1. الأكثر قراءة
برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة الفقر؟

برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة ال…

تشرين1 19, 2018 2 مقالات وتحقيقات

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

تشرين1 19, 2018 2 مقالات وتحقيقات

لبنان يصوّت ضدّ حقوق المثليين

تشرين1 19, 2018 3 المجتمع المدني

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصاص: فتشوا عن القطاع الخاص بدل القروض... وصوّبوا النهج

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصا…

تشرين1 19, 2018 2 مقالات وتحقيقات

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

تشرين1 18, 2018 9 مقالات وتحقيقات

وزارة البيئة: قلّة دراية أم أجندات خفية؟

تشرين1 16, 2018 7 المجتمع المدني

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

تشرين1 15, 2018 8 مقالات وتحقيقات

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطالة الشباب 36%

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطال…

تشرين1 12, 2018 14 مقالات وتحقيقات

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى الوراء الكهرباء، المياه، النفايات، النقل: أزمات قديمة كبّدت لبنان المليارات لتبقى

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى ا…

تشرين1 12, 2018 15 مقالات وتحقيقات

متمرنو «الثانوي» إلى الإضراب مجدداً

تشرين1 09, 2018 21 تربية وتعليم

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشاملة؟

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشامل…

تشرين1 09, 2018 14 مقالات وتحقيقات

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

تشرين1 08, 2018 14 مقالات وتحقيقات

التفتيش المركزي لخفض التعاقد: الدولة تدف…

تشرين1 05, 2018 18 مقالات وتحقيقات

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجلس التعليم بإقفالها؟

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجل…

تشرين1 05, 2018 15 مقالات وتحقيقات

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا عن السنوات المقبلة؟

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا …

تشرين1 04, 2018 21 مقالات وتحقيقات

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

تشرين1 04, 2018 21 مقالات وتحقيقات

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء لم تعد مجانيّة

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء …

تشرين1 02, 2018 22 المجتمع المدني

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

تشرين1 02, 2018 20 مقالات وتحقيقات

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمولدات: 60 محضر ضبط!

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمو…

تشرين1 02, 2018 19 مقالات وتحقيقات