سأفقأ عين الفيل.. هذه قصتي

كانون2 19, 2017

-المرصد

ديانا المجذوب- اسمحوا لي أن أحكي لكم قصتي التي قد تكون أقرب إلى جردة حساب، أو محاسبة للنفس لموظفة عملت في مؤسسة إعلامية يفترض أنها رائدة.

لا أدعي أنني موظفة مثالية، نعم لست مثالية ربما لأنني في مؤسسة  استنزافت من قبل القيمين المتواترين على ادارتها منذ نشأتها، وتعاملوا معها كبقرة حلوب  تدر على جيوبهم أموال السمسرة والصفقات، لست مثالية ربما لأن الادارات المتعاقبة في مؤسستي التي أحببت، لم تقدم لي ولغيري من الموظفين ما يساهم في تطوير مهاراتنا الفنية، لست مثالية  لأن إدارات مؤسستي سعت إلى التقليل من شأن العاملين فيها وتعمدت تقزيم قدراتهم، وطمس ما يحتكمون إليه من كفاءة وأهلية، لست مثالية لأن الإدارة حولت العاملين في مؤسستي مؤخرا إلى متسولين على أبواب المدراء لاستجداء رواتبهم، ومستحقاتهم المادية المستحقة منذ سنتين.

لم أستطع أن أدرك ألم الحقيقة إلا بعد أن أحسست أن الطموح في داخلي قد قُتِل، إحساسي أنني مجرد رقم غير فاعل على هذه البسيطة يؤرقني، يطاردني، ويمد بأصابع الإتهام صوبي، أنا لست بريئة من وزر ما لحق بي، نعم أنا لست مثالية  لأنني تواطأت مع سياسة المؤسسة ضد نفسي، فإستسلمت و خضعت تحت وطأة حجج ومسميات اقتصادية واجتماعية ، فالاستسلام والخنوع أسهل من عبء المقاومة.

هنا تبدأ القصة

بدأت القصة بعد الحديث عن تراجع تدفقات الأموال النفطية في المؤسسة، وبالرغم من ما يقال عن تراجع الدعم المادي إلا أن هذه المؤسسة  استمرت تبث برامجها بالرغم من الكلفة العالية لهذا التشغيل المتمثل بإيجارالاستديوهات، والأقمار الصناعية، وشراء المسلسلات التي تصنف في خانة العرض الأول وخاصة في شهر رمضان، هذه التكاليف الباهظة لم تكن لتحافظ على إستمرارية عمل المؤسسة لولا جهود العاملين والموظفين الذين بالرغم من الضيم المهني والغبن وامتناع المؤسسة المحترمة عن دفع اجورهم ما زالوا يقومون بواجبهم الوظيفي.

الموظفون في هذه المؤسسة يا سادة يا كرام يعانون من شظف العيش، ومشاكل اجتماعية وصحية نتيجة الضغوط النفسية، فالعديد منهم عاجز عن تسديد الأقساط المدرسية وإيجار منازلهم مما يضطرهم إلى مغادرتها ، والمحظوظ منهم عاد إلى بيت والديه ،ولا أبالغ اذا اضفت أن عددا من الزوجات هجرن بيوت الزوجية، ولولا أن مجتمعنا ما زال قائما على التعاضد وصلة الرحم لكانت أكثر الأسر تعاني التشرد، ومشاكل إجتماعية لا تعد ولا تحصى.

المأساة تصبح مهزلة

خلال الشهور العجاف عقد المدير المسؤول عن المؤسسة اجتماعا مع الموظفين اقترحت فيه كاتبة هذه السطور اتخاذ موقف لصالح الموظفين، وإعلام أصحاب المؤسسة بأننا سنوقف البث لحين دفع المتوجب عليهم للعاملين، لكن المدير رفض طبعا، لانه لم يكن  في هذا الموقع الا ليحمي مصالح اصحاب العمل، والوقوف في وجه اي تحرك يضمن حقوق من استأمنوه على قوت اسرهم، واستمر استنزاف طاقات الموظفين بدون أي مقابل ، والكل يعيش في قلق على المصير، وأمل أن يمن أصحاب المؤسسة على العاملين بأجر شهر او حتى جزء منه يقيهم شر العوز، إلى أن تمكن اليأس من الجميع وأصبح منتهى طموحهم أن يصرفوا من العمل مع وعد بتقسيط المكسور من أجورهم على دفعات.

في خضم هذه المعمعة وصل الى المؤسسة المفترض انها متعثرة ماليا وبقدرة قادر ما يقارب 400 حلقة تلفزيونية تمد في عمر المؤسسة لفترة طويلة، عندها تجرأت وطلبت من الادارة  أجري وأجر زملائي في القسم  مقابل عملنا في إنجاز هذه المواد ، ولكن الجواب كان إما العمل وإما الإستقالة.

ولأنني  أجهل ان قانون العمل يحميني ويمنحني حق الامتناع عن أداء واجبي الوظيفي ، واعتبار عدم تقاضي الأجر بمثابة صرف تعسفي كون صاحب العمل أخل بأهم بند في عقد العمل وهو دفع الأجر، تقدمت بإستقالتي. هنا بدأ عذاب من نوع آخر مع الادارة التي رفضت دفع مستحقاتي المادية، أو حتى التعهد كتابيا بسدادهاعلى دفعات في تواريخ محددة، لا وبل أتهمت بأقبح التهم منها قلة الوفاء وسواد القلب، وعدم الثقة بالمؤسسة التي منعت من دخولها، كل ذلك لأنني طالبت بحقوقي التي حرمت منها  طيلة سنتين، الأسوأ من ذلك أن المؤسسة استمرت في غيها عندما حاولت جاهدة استخدام الترهيب لأفوض مندوب المؤسسة في الضمان الاجتماعي لسحب تعويضي لأسباب لا تخفى على أحد، ثم محاولة ارغامي على توقيع معاملات الضمان وفيها بند يتضمن عبارة تفيد انني تقاضيت كل أجوري المستحقة، حينها اعترضت وقلت لا، فحجزوي أوراقي لإيقاف معاملتي.

التمرد طريق المعرفة

إحساسي بالظلم دفعني للبحث عن الخلاص، تمردت على إستسلامي، و صار عبء المقاومة لذة، وجدت ضالتي في المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين استزدت من المعرفة وبدأت معركتي، أردت أولا وقبل كل شيئ أن استعيد طموحي كي لا أكون ذلك الرقم غير الفاعل، فتوجهت الى الضمان الاجتماعي الذي تكفل قوانينه حقوق المضمونين، أبلغت الصندوق قصتي، لأحفظ ما تبقى لي في ذمة المؤسسة من حقوق وأجور وتعويضات ومنح مدرسية ورصيد من الإجازات، وبالفعل تدخل الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي وأجبرهم على الإفراج عن أوراق المعاملة، تشجعت أكثر ورفعت دعوى قضائية أمام مجلس العمل التحكيمي الذي لا يحمل العامل أية كلفة مادية، باستثناء جهد التوجه إلى قصر العدل.

أعرف أن معركة  استرداد حقوقي في بدايتها، وأن الطريق قد تطول، وأعرف أنني قد أواجه عقبات كثيرة، لكنني أعرف أيضا أنني مصممة على إستعادة حقي، وأعرف تماما ما هو حقي، كلنا يجب أن نعرف حقوقنا، وأن نطلع على قانوني العمل والضمان الإجتماعي. أعرف أنني كسرت  الافكار الجاهزة والنمطية حول قوة أرباب العمل الذين لا يقهرون، فقد حان للنملة ان تفقأ عين الفيل.

  • Leave a comment

    Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

    1. الأكثر قراءة