رأي 

من موقع " لحقي"

ماهر أبو شقرا

12 شباط 2019
تقول نظرية والتر كانون أن الكائنات الفقارية، ومنها الإنسان، تستجيب للخطر أثناء مواجهات الحياة أو الموت عبر استنفاذ الجهاز العصبي تماماً. ينشغل الجهاز العصبي باحتمالي الكر أو الفر، الكفاح أو الهروب، بشكل شبه كامل وذلك على حساب وظائف أخرى في الجسم. تستأثر العضلات والأعضاء المطلوبة في عملية الكر والفر بالكثير من الدم والأوكسيجين والانتباه، بينما يتبقى للوظائف الأخرى في الجسم القليل الضروري لبقائها فحسب...

كان هذا حالنا وحال الثورة في الفترة الأولى، فترة المد وارتفاع الموجة الثورية. بالنسبة للثورة كانت مواجهة حياة أو موت، وكانت كل طاقاتها وانتباهها وجهازها العصبي مستنفذة لتلبية مهام ووظائف المواجهة اليومية والمتغيرات السريعة، وذلك على حساب التفكير والتنظيم والانتظام. كانت دفة القيادة بيد الحدس الثوري الذي كان أصدق من أي تفكير وأطهر من أي تنظيم.
مثل كل ثورة، فإن الصيرورة الثورية تأتي على شكل موجات متعاقبة تضرب جدران النظام الحاكم، وكل موجة يتبعها انحسار. وإذا كانت مرحلة المد والارتفاع هي مرحلة مواجهة حياة أو موت، مواجهة تستنفذ الجهاز العصبي للثورة على حساب وظائف أخرى، فإن مرحلة الانحسار هي مرحلة التنظيم والبناء.
لكن عن أي بناء نتحدث وعن أي تنظيم؟
قبل البدء بالحديث عن تنظيم الثورة، ينبغي تحديد الهدف من هذا البناء ومن هذا التنظيم. الأمانة والإخلاص تقتضي بأن يكون الهدف الأساسي والأسمى من التنظيم هو حماية مكتسبات الثورة السياسية، وليس استثمار هذه الثورة. إن الثورة في فترة المد، في فترة ارتفاع الموجة الثورية، تحقق مكتسبات وتفرض شروطاً جديدة للصراع السياسي مع السلطة. وبالتالي فإن الهدف الأساسي من البناء هو حماية هذه المكتسبات لتحسين الشروط في المواجهات المقبلة عند الموجة الثورية القادمة.
فما هي المكتسبات الأساسية التي تحققت في المرحلة الأولى؟
المكتسب الأول الذي حققته إنتفاضة ١٧ تشرين هو استعادة الحيز العام واستعادة المساحات العامة المفتوحة على شكل خيم نقاش ولقاء وتفكير وتضامن شعبي ومنطلق للتحركات.
قبل ١٧ تشرين كانت خيم كخيم الثوار ستعد تعدياً على الأملاك العامة. بعد ١٧ تشرين استعاد الناس الحيز العام، ومشهد الخيم أمسى مشهداً طبيعياً.
المكتسب الثاني الذي حققته الثورة هو تثبيت مبدأ اللامركزية في مواجهة النظام. فالثورة لم تواجه النظام في قلعته المركزية في قلب بيروت فحسب، بل واجهته في الحدائق الخلفية: في المناطق، فتحركت أقضية ومدن وبلدات لبنان؛ وفي القطاعات أيضاً، فتحرك الطلاب والأساتذة والمهندسين/ات والأطباء والفنانين/ات انطلاقاً من قطاعاتهم، وتوج المحامون انتظامهم القاعدي بانتصار كبير جاء بملحم خلف نقيباً للمحامين.
بعد ١٧ تشرين تثبتت فاعلية وأهمية المواجهة اللامركزية الشاملة مع النظام، مناطقياً وقطاعياً. فهو شكل المواجهة الذي يستنزف النظام ويستفيد من كثرة الناس بأفضل شكل ممكن، فضلاً عن الحماية السياسية للثورة: فكل المناطق تواجه كل قوى المنظومة الحاكمة.
أما المكتسب الثالث فهو التثبيت الحاسم للانقسام السياسي-الاقتصادي بين الناس ومصالحهم وحقوقهم من جهة وبين الأوليغارشية الحاكمة: بين حقوق ال٩٩٪ ومصالح ال١٪ المهيمنين، بين الشعب اللبناني وقيادات ٨ و١٤ آذار مع حلفائهم الاقتصاديين كجمعية المصارف ومصرف لبنان وكبار المحتكرين. هذا الانقسام لم يكن يوماً بهذا الوضوح على أرض الواقع وفي أذهان الناس. وما شعار كلن يعني كلن الذي تمسكت به إنتفاضة ١٧ تشرين إلا تجسيداً واقعياً لهذا الانقسام.
وما العمل لحماية هذه المكتسبات الأساسية الثلاث؟
قبل أن نبحث فيما يجب أن نفعله ينبغي أن نفكر فيما يجب ألا نفعله.
أولاً، يجب ألا نعلن أو حتى نعتقد بأن الثورة انتهت وبأنه حان وقت استثمارها سياسياً وانتخابياً، فهذه خيانة للثورة وللناس. بل نقول الثورة مستمرة، ستعلو أمواجها حيناً وستنحسر أحياناً، إنما الثورة مستمرة!
ثانياً، هناك آلاف الثوار الذين انضموا إلى ركب الحياة السياسية حديثاً بعدما أعادت الثورة تعريف السياسة في أذهانهم. يجب ألا ننسلخ، كمنظمين/ات سياسيين/ات، عنهم ونذهب إلى طاولات إئتلافية سرعان ما ستتحول إلى فقاعات جديدة منسلخة عن الثورة والناس والواقع.
ثالثاً، يجب ألا نقدم على خطوات سياسية قائمة على تدوير الزوايا وطمس الفروقات السياسية بين المجموعات السياسية في الثورة بهدف خلق بديل جامع. فهذا البديل السياسي الجامع سيرتكز على القواسم المشتركة، وهذا في الغالب سينتج عنه متوسط باهت للاختلافات السياسية، وسينتج عنه عموميات تعجز عن اجتذاب أحد وتخنق أية جدلية فكرية. ثم إن تشكيل خيار سياسي بناء على نقاط الالتقاء هو الخيار الأقل ديمقراطية. هو دكتاتورية الاتجاه الوسطي، دكتاتورية الخيارات الوسطى مهما كان تمثيلها قليلاً؛ إنها دكتاتورية التوفيقيين!
اليوم نعيش وضعاً غير مسبوق من الحركة السياسية وابتكار واختبار الأفكار، وإن دفن هذا التنوع جريمة لا تغتفر! يجب إذكاء التنوع والتعددية والحركة.
اليوم، ومن أجل حماية مكتسبات ثورة ١٧ تشرين بالدرجة الأولى، يجب أن نصرف أنظارنا عن المجموعات والتنظيمات السياسية وأن نتجه للقواعد والأرض. أفضل ما يمكن أن نفعله كثوار منظمين هو التالي...
أولاً، أن نقوم بتثبيت خيم وساحات الثورة كمساحات عامة مفتوحة، وتكثيف النشاطات فيها، والابتكار في هذا المجال ضروري ومطلوب.
ثانياً، أن نقوم بحماية لامركزية الثورة من خلال تثبيتها عبر انتخاب مجالس ثورية محلية مناطقية يتمثل فيها الثوار، وأيضاً مجالس ثورية للقطاعات والنقابات البديلة. ولتجتمع هذه المجالس الثورية في مجلس وطني يمثل الثورة على أسس واقعية مرتبطة بالأرض والعمل وليس بفضاء الأفكار وفقاعات الناشطين السياسيين.
ثالثاً، أن نقوم بحماية المكتسبات السياسية للثورة، أي حماية الانقسام الأفقي الذي تثبت بعد ثورة ١٧ تشرين. شخصياً، أفضله على شكل قسم أو تعهد موقع من جميع الثوار. التعهد باستكمال الثورة ومواجهة جميع حكومات النظام الحاكم. التعهد بالالتزام بالعمل الثوري من أجل أن لا يدفع الناس، بدلاً من الأوليغارشية الحاكمة والمنتفعين، ثمن الأزمة التي قادتنا إليها المنظومة السياسية-الاقتصادية الحاكمة. التعهد بعدم تنزيه أي من أطراف المنظومة الحاكمة التي شكلت الحكومة السابقة وأمنت نصاب جلسة الثقة بالحكومة الحالية، وجلسة إقرار الموازنة

الاخبار-14-2-2020

رجانا حمية


انتهى الجزء الأول من قضية الطفلة صوفي مشلب في القضاء، بعد صدور القرار الظني، أمس، والذي قضى بالظن بنقيب الأطباء السابق ورئيسة لجنة التحقيقات في النقابة بجرم «إصدار تقرير كاذب». هذا القرار سابقة. فأن يصدر قرار قضائي، ولو ظني، يجرّم رأس النقابة في معركة إثبات خطأ طبي، ليس تفصيلاً وإنما «انتصار»في مواجهة المنظومة

«(...) تقرّر وفقاً لمطالعة النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، الظن بالمدّعى عليهما ريمون بشير صايغ وكلود ملحم سمعان، المبيّنة كامل هويتهما أعلاه، بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 466 من قانون العقوبات».
تكفي هذه الفقرة التي اختُتم بها القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق في جبل لبنان، ساندرا المهتار، للقول إن الجزء الأول من قضية صوفي مشلب على درب القضاء انتهى بـ«انتصار». صوفي التي «شُلّت» حياتها بسبب خطأ طبي مرة أولى، ومرة ثانية بسبب تقرير كاذب صادر عن لجنة التحقيقات في نقابة الأطباء، استطاعت أمس أن تنتزع أول حقّ بالاعتراف بأن نقابة الأطباء، بنقيبها السابق ريمون صايغ ورئيسة لجنة التحقيقات كلود سمعان، هي أيضاً شريكة في «الجرم» الذي تسبب به مستشفى الروم وأربعة أطباء آخرين. بعد تلك الخطوة، لم يعد مهماً البحث في التفاصيل التي سلبت ابنة السنوات الخمس طفولتها، فالأولى بالأهمية الآن أن ثمّة قراراً قضائياً جريئاً يجرّم «رأس» النقابة ولجنة التحقيق فيها، بتهمة إصدار تقريرٍ كاذب لحماية أطباء «مرتكبين»، عن سابق تصور وتصميم، سنداً لمادة قانونية من قانون العقوبات (466)، تصل عقوبتها إلى السجن سنتين. وهذه المرة الأولى يحدث فيها مثل هذا الأمر، في مواجهة نقابة الأطباء التي دأبت على حماية المنتسبين إليها، برغم ارتكابهم أخطاء طبية ومخالفتهم لقانون الآداب الطبية.

 


هكذا، بعد عامٍ من صدور مطالعة المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون، والتي طلبت فيها «الادّعاء على صايغ وسمعان بجرم إعطاء تقارير طبية كاذبة»، جاء القرار الظني مؤكداً، مسنوداً إلى مجموعة قرائن كافية للسير فيه نحو الإدانة. وإن كان هذا الدرب لن يعوّض الخسارة التي تعيشها عائلة مشلب كل يوم مع طفلة فقدت حواسّها كافة، بعدما شُلّ دماغها، إلا أنه سيكون «الهدية التي تقدمها صوفي إلى من ستخذلهم النقابة بعدها»، يقول الوالد فوزي مشلب. يعرف الأخير بأن المعركة التي يحملها ثقيلة جداً، لسببين، أولهما أنها قضية ابنته وثانيهما أنه يواجه مارداً بأمه وأبيه «ما حدا طلع راس معو». ولكنّه وصل، على الأقل «من خلال إثبات الجرم». ولئن كان يتمنى لو أن أحداً غيره خاض تلك المعركة و«ما صار ببنتي هيك»، لكنه من جهة ثانية يأمل بأن يكون أول من يثبت حق ابنته وحقوق الضحايا الآتين بعدها.
هذا أول الغيث في الشكوى المرفوعة منذ ثلاثة أعوام، حيث ينتقل الملف بعدها إلى القاضي المنفرد الجزائي في المتن لبدء جلسات المحاكمة. صحيح أن الدرب طويل بعد للوصول إلى الحق الكامل، ولكن على الأقل «بلشت العدالة تاخد مجراها»، يقول مشلب. وأول بداية هي الرسالة التي وصلت، بحسب القرار الظني، إلى النقابة بأنه ليس مسموحاً الاستهتار بتلك القضايا «فقط لأجل منح الحصانة لأطبائها».
هذا ما قاله القرار. في التفاصيل، توقفت القاضية المهتار - في الوقائع المتعلقة بالتقرير الطبي الكاذب - عند «حدثين» كانا نافرين، أولهما تعمّد لجنة التحقيقات إخفاء السبب الأساس الذي أدى إلى الخلل الدماغي الذي تعاني منه الطفلة، حيث «لم تعط اللجنة رأياً واضحاً، واكتفت بتعداد الأسباب التي قد يكون هذا الخلل ناجماً عنها وحصرتها في خمسة أسباب أساسية». ولم تكتف بذلك، بل اتبعت من جهة أخرى سياسة استنسابية في انتقاء الآراء الطبية حيث «إن بعض الأسباب المعدّدة في التقرير أخفت آراء طبية مخالفة وأغفلت مناقشة تبريرات علمية جدية تناقضها كما خالفت في جزء منها مضمون تقارير طبية صادرة عن الأطباء المعالجين أنفسهم (...) وذلك بهدف منع ظهور هذه الأسباب من ضمن الأسباب المحتملة للضرر الدماغي اللاحق بالطفلة». وما يعني ذلك حكماً من «إخفاء للصلة السببية التي قد تكون متوافرة بين تلك الأسباب والضرر المحقّق وما قد يستتبعه أو لا يستتبعه ذلك من تأثير على تحديد المسؤوليات». أما الثاني، فهو ما يتعلق بـ«لا مبالاة ولا مسؤولية» سمعان وصايغ تجاه «وظيفتهما» كطبيبين قبل أن يكونا مسؤولين. فسمعان عندما ووجهت بأن صورة الرنين المغناطيسي للطفلة تؤشر إلى أن المشكلة الدماغية حدثت قبل العملية الجراحية الثانية، ردّت بأن «تاريخ الصورة (...) مجرّد خطأ مطبعي»، وهو ما اعتبرته القاضي المهتار في قرارها «إدلاء غير مقبول، نظراً إلى أن التقرير صادر عن لجنة تحقيق مهنية رفيعة المستوى (...)». أما صايغ، فاعتبر أن توقيعه على التقرير كان فقط بهدف إحالته إلى مجلس النقابة، وليس لأنه مسؤول. هكذا، بتصريحٍ «لا مسؤول» يضرب صايغ مبدأ قانون إنشاء نقابتي الأطباء الذي يعتبر أن «وظيفة» النقيب والموقع الذي يشغله «لا يقتصران في مهامه على مصالح المهنة وحقوق الأطباء بل يمتدان إلى الدور الذي أولاه إياه المشترع في مجال الصحة العامة والسعي لحل النزاعات التي تقع بين الأطباء أو بينهم وبين مرضاهم».
لكل تلك الأسباب، كانت المادة 466 عقوبات التي تصل عقوبتها إلى سنتين سجناً لكلّ «من أقدم حال ممارسته وظيفة عامة أو خدمة عامة أو مهنة طبية أو صحية على إعطاء شهادة كاذبة معدّة لكي تقدم الى السلطة العامة أو من شأنها أن تجرّ على الغير منفعة غير مشروعة أو أن تُلحق الضرر بصالح أحد الناس (...)».

الاخبار-14-2-2020


«بلّوها واشربوا ميّتها»، بهذه العبارة ردّ الصحافي الاقتصادي الزميل محمد زبيب، أمس، على الرسالة التي أُريد إيصالها إليه. شكل الرسالة اتّخذ البعد الأعنف والأوقح والأكثر شبهاً بمرسليها، ضدّ من يواجه بالكلمة والأرقام والوثائق منذ سنوات طويلة، وعبر شرح الاقتصاد للجميع وتبسيطه لشعب يمرّ بـ«أكبر أزمة اقتصاديّة في تاريخه»، كما وصفها زبيب، أمس، خلال «الوقفة الشعبيّة» التي نظّمت دعماً له أمام مصرف لبنان.
شبّان ثلاثة بوجوه مكشوفة وعصا، محترفون من حيث الأداء وعدم التلميح لفظاً إلى أي جهة أرسلتهم، انتظروا زبيب ليل الأربعاء، قرب سيارته في أحد مواقف شارع الحمرا، ليعتدوا عليه بالضرب ويغادروا «مؤقّتاً».
المعتدون راقبوا الموقف قبل الحادثة وبعدها، وهو ما أظهرته كاميرات المراقبة، وتصرّفوا بـ«راحة تامة» في شارع «مزروع» بالكاميرات، وهو ما يفرض على الحكومة الجديدة، ووزير الداخلية محمد فهمي تحديداً، كشف هويّات الفاعلين الكاملة والجهات التي تقف خلفهم. الاعتداء نُفِّذ، إثر ندوة عقدها زبيب في الحمرا، بعنوان «اقتصاد السلطة ينهار: من يدفع الثمن؟»، فنّد فيها ارتكابات جمعيّة المصارف والمصارف وحاكم مصرف لبنان، وكذلك شرح فيها نتائج اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وقيام 1% من كبار المودعين بسحب 98% من الودائع وتبخّر 49 مليار دولار من ودائع الناس. إضافة إلى ما قاله في الندوة، فإن زبيب، الماركسيّ المعروف بنضاله وكتاباته التي تفضح سلطة رأس المال، يمثّل تهديداً حقيقياً لاستمرار عملية تهريب أموال كبار المودعين ودفع الديون من أموال الطبقات الدنيا. لذلك، ولأسباب أخرى، قرّرت «الطبقات العليا» وأذرعها إيصال رسالتها بالشكل الذي تتقنه، وكأنها تقول عبرها «إن من سيدفع الثمن هم الأحرار وأصحاب الخطط البديلة المنحازة للشعب والفقراء وذوي الدخل المحدود». لكنّ الجواب جاء على لسان زبيب نفسه، في الوقفة أمس، إذ كرّر عبارته «سيُهزمون، سيُهزمون، سيُهزمون!».
زبيب قال أيضاً، إن «كل دولار يُدفع لخدمة الدين أو تسديده، يُدفع من ودائع الناس وأجورها، وعلى حساب القمح والخبز والغذاء والدواء والحاجات الأساسية. سنقول لهم لن ندفع، بل أنتم من ستدفعون الخسائر التي تسببتم بها والفواتير التي راكمتموها، وهذه الانتفاضة لن تنطفئ إلا بتحقيق أهدافها». وتابع: «المطلوب موقف واضح من هذه السلطة التي فقدت شرعيّتها، في أن تتوقف عن سداد كلّ الديون الجائرة وأن تبدأ بالاهتمام بهذا المجتمع الذي يعاني أكبر أزمة في تاريخه. الدائنون راكموا أرباحاً باهظة ومكلفة جداً على المجتمع اللبناني وأدّوا إلى إفقاره وتهجير شبابه ولا يمكن الاستمرار والقول إن الأمور بتمشي، لا الأمور مش ماشية!».
وعن الكلام عن قانونيّة تحويل الودائع من لبنان إلى الخارج، ردّ بالقول: «هذه جريمة، تحويل ودائع الأوليغارشيين بملايين الدولارات إلى الخارج جريمة، ويجب أن يُعاقب عليها المصرف والمودع الكبير والنظام الذي يحميهما والسلطة القمعية والأمنية التي تقمع الشعب لأنّه يطالب بحقوقه. إذا كان التحويل شرعياً، فليتفضّلوا ويدفعوا ودائعنا ومدّخراتنا وأجورنا وتعويضات الضمان الاجتماعي وصناديق التعاضد للمهندسين والأطباء وسواهم... السطو على حقوقنا ومدّخراتنا وأجورنا هو الأمر غير الشرعي، وقد حان الوقت ليوقف الشعب هذه العمليّة من النهب المنظّم الذي نشهده على مرّ سنوات».
وبشأن تعميم حاكم مصرف لبنان، أمس، أجاب «إن إعادة رسملة المصارف، العبارة التي أعيد صياغتها في البيان الوزاري مرات عدة، تعني أن كل الفوائد على الودائع ستنخفض إلى متوسّط 3 أو 3.5 بالمئة، في وقت تُبقي فيه قرارات حاكم مصرف كل الفوائد على سندات الخزينة بالليرة وبالدولار على نفس مستوياتها وهي تقارب 7 إلى 8 بالمئة... وتالياً وبحساب بسيط، يصل هامش العائد الذي ستجنيه المصارف إلى 4% ويساوي إيرادات بمليارات الدولارات ستضخّ من حساباتنا وأموالنا لترميم رساميل المصارف وتكبيرها وإكمال عمليّة النهب... هذا كلّه سيؤدي إلى زيادة الأزمة وإفقار الناس وتركّز الثروة والدخل والملكيّة لدى الأوليغارشيّة».

تحويل ودائع الأوليغارشيّين إلى الخارج جريمة يجب أن يُعاقَب عليها المصرف والمودع والنظام الذي يحميهما

خلف زبيب، ارتفعت أصوات من دعوا إلى الاعتصام: تجمّع مهنيّين ومهنيّات، تجمّع نقابة الصحافة البديلة، المفكرة القانونية، ومجموعات يساريّة وغيرها. المعتصمون قالوا: «إلكن رياض (سلامة) وإلنا زبيب (محمد)»، وردّدوا مفاهيم ساهم زبيب في ترسيخها: يسقط حكم المصرف، تسقط الأوليغارشية الحاكمة، لن ندفع... وذلك بغياب نقابتَي المحرّرين والصحافة، وبشأن هذا الغياب، علّق زبيب بالقول: «سمعتُ ببيان صدر عن نقابة المحررين، هذه النقابة تخلّت عن كل أدوارها بتمثيل العاملات والعمّال في الصحافة وخدمت مصالح رأس المال والنفوذ السياسي والأوليغارشية، وقد حان الوقت لأن تسقط. نقابة الصحافة البديلة ستولد وستعبّر عن مصالح العمال والعاملات في مختلف مجالات الإعلام». وهو لم ينسَ التذكير بـ«الاعتداءات والممارسات الإرهابية التي يتعرّض لها الناس والصحافيون والمصوّرون، وسنواجهها بكل الوسائل. وهذه فئة لديها وسائلها لممارسة الضغط». وحذّر بالقول: «إذا لم تنجح هذه الانتفاضة في أن تتحوّل إلى حركة ثوريّة ذات طابع اجتماعي طبقي، في عمليّة صراع محدّدة لإزالة هذه الطبقة التي جرّبناها على مدى مئة سنة منذ نشوء ما يسمّى دولة لبنان الكبير»، فإن كل المؤشّرات تدلّ على أن المجتمع يزداد فقراً وأن الوقت ينفد قبل أن «نتحوّل إلى مجتمع غير قادر على تجاوز أزماته، وقد يعيش فترة طويلة في حالة بؤس».
وقد اختتم التضامن مع زبيب بانتقال المعتصمين من أمام مصرف لبنان إلى مدخل وزارة الداخلية

الاخبار-14-2-2020

نشر الخبير الاقتصادي الزميل محمد زبيب وثيقة صادرة عن لجنة الرقابة على المصارف، تُظهر «التركيز في شرائح ودائع الزبائن». يُقسّم الجدول الوارد في الوثيقة توزّع الودائع بين مجموعتين: «أ» تضمّ 2 مليون و847 ألف حساب، أو 99%من الزبائن (تتفاوت ودائعهم بين أقل من 5 ملايين ليرة و1500 مليون ليرة)، و«ب» تضمّ 25 ألفاً و137 حساباً، يُشكّلون طبقة الـ 1% (لديهم ودائع بين 1500 مليون ليرة وما فوق الـ 150000 مليون ليرة). ويُحدّد الجدول حجم الودائع، بالعملة المحلية والعملات الأجنبية، في الفترة الممتدة بين 31 كانون الأول 2018 و28 كانون الأول 2019، كاشفاً كيف أنّ «طبقة الـ 1%» مسؤولة عن قرابة 98% من سحوبات الودائع بالعملات الأجنبية، وقد بلغت في العام الماضي وحده 15.3 مليار دولار. كما أنّ الجدول يُبيّن نسبة الحسابات في الفئة «ب» التي أقفلها أصحابها، ما يعني أنّهم سحبوا كلّ الأموال المودعة فيها، وقد بلغت 2631 حساباً. ماذا يعني ذلك؟ كَشفُ كذبِ الجهات المصرفية التي كانت تدّعي بأنّها «عمليات حسابية»، وحسابات يستخدمها التجّار من أجل إتمام عمليات الاستيراد والتصدير. لو سُلّم جدلاً بأنّ ذلك صحيح، ما الداعي إلى إفراغ الحساب من الأموال وإقفاله؟ «النزف» طاول حسابات أخرى يملكها كبار المودعين، ولكنّ الفرق أنّ هؤلاء لم «يهربوا» بكامل أموالهم، وأبقوا على حساباتهم مفتوحة.
ونشر زبيب جدولاً ثانياً يظهر فيه مجموع الودائع والفوائد المدفوعة وكيفية تطورها بين نهاية عام 2018 ونهاية عام 2019. وبحسب هذا المستند، باعت المصارف 15 مليار دولار أميركي لكبار المودعين، في الفترة بين 31 كانون الأول 2018 و28 كانون الأول 2019، ليتمكنوا من تحويل قسم من ودائعهم من الليرة إلى الدولار. وبلغ الانخفاض الفعلي في الودائع نحو 27 مليار دولار، 98% منها قام بها أغنى المودعين في المصارف. بتوصيف آخر، إذا كُنت مودعاً صغيراً تملك حساباً بالدولار، فقد قامت إدارات المصارف ببيع مالك الخاص بالعملة الأجنبية، إلى أصحاب «طبقة الـ 1%»، ليتسنّى لهم تحويل قسم من ودائعهم من الليرة إلى الدولار، وإخراجها من البلد لتجنيب أنفسهم الانهيار وخسارة الودائع. هي عملية جرمية، مسؤولة عنها المصارف التي رهنت نفسها لأمر المساهمين بها، ورؤساء مجالس إدارتها وأعضائها، والأغنياء، الذين ما اغتنوا إلا بفقر عامة الشعب. غطّت المصارف عملية نهب غير شرعية، فيما هي تذلّ صغار المودعين وأصحاب حسابات «توطين» الرواتب، للحصول على 100 دولار أسبوعياً، قد لا يتمكنون من الحصول عليها في معظم الأحيان. وتُكشف هذه الأرقام، بالتزامن مع «التهديد» المُستجدّ باقتراب التوقّف نهائياً عن تزويد المودعين بالدولارات التي يملكونها، وتحويلها إلى ليرة لبنانية. ولكنّ المصارف، مع البنك المركزي، يُحاضرون بأهمية الحفاظ «على سمعة لبنان» لتسويق ضرورة تسديد مليار و200 مليون دولار من سندات اليوروبوندز التي تستحق في آذار المقبل.
مبلغ 27 مليار دولار التي أخرجها كبار المودعين من المصارف، كانت كافية لتسديد حسابات ما يُقارب المليونين و300 ألف زبون. على الأقل، 25 مليار دولار من المبلغ المسحوب من المصارف هُرّب إلى الخارج. ففي 4 شباط الحالي، قال مدير شركة مكتّف لشحن الأموال، ميشال مكتّف لـ«المدن» إنّ «أرقامنا تشير إلى ما يُقارب مليار دولار «كاش» (نقداً) خلال عام 2019، ذلك يعني أنّ حجم النقد الإجمالي في لبنان يبلغ مليارَي دولار فقط. وكل الحديث عن وجود 2 أو 3 أو 4 مليارات دولار في أيدي الناس هو كلام غير صحيح».

الاخبار14-2-2020

بلال جاويش

 

سندات «اليوروبوندز» هي الشغل الشاغل للسلطة. هل تدفع أم لا تدفع؟ لا قرار لدى الحكومة حتى اليوم. لقاء القمة الذي عقد في بعبدا وتبعه اجتماع الحكومة لم يتوصل إلى أي نتيجة. وحده رياض سلامة سعى إلى إيقاع الجميع بالفخ. يريد أن يستمر بالسياسات التي أوصلت البلد إلى الانهيار، متجنّباً إعادة هيكلة الدين. آخر ألعابه دفع الديون الخارجية والتوافق مع المصارف المحلية على تمديد آجال ديونها مقابل أرباح عالية

لم يُسفر اجتماع بعبدا عن أيّ حلول. لا يزال النقاش على حاله: ندفع استحقاق آذار من الدين أو لا ندفع؟ لكن صورة رئيس جمعية المصارف سليم صفير في اجتماع يضم رئيس الجمهورية ورئيسَي مجلس النواب ومجلس الوزراء، إضافة إلى عدد من الوزراء، تثير الاستغراب. ليس هو صاحب منصب رسمي، بل هو يمثل القطاع الخاص، وتحديداً حملة سندات الدين. هل بهذه الصفة يُشارك؟ إن كان كذلك، فلماذا لم يُدعَ دائنون أجانب إلى اجتماع القصر الجمهوري؟ في الأساس، دور صفير لا يختلف عن دور رياض سلامة. كلاهما يتوليان مهمة إقناع السياسيين بخطورة التخلف عن سداد الدين. كرر الطرفان الأمر نفسه أمس: عدم الدفع يؤدي إلى ضرب المصارف. أما الحل «الفخ» الذي يطرحه سلامة ويوافق عليه أصحاب المصارف، فهو دفع مصرف لبنان للديون التي يحملها دائنون أجانب في استحقاق آذار 2020، المقدرة قيمتها بـ 700 مليون دولار، مقابل استبدال للدين المحمول من المصارف المحلية (تمديد آجال التسديد)، والذي يُقدّر بنحو 500 مليون دولار. بالنسبة إليه، فإن هذا الاستبدال، ذا الكلفة العالية، سيؤدي إلى حماية القطاع من خطر توقّف المصارف المراسلة عن التعامل معه أو تعريض لبنان لمزيد من التخفيض في تصنيفه. تلك الوصفة التي ستدرّ، مجدداً، أرباحاً طائلة على المصارف، لن تؤدي عملياً إلا إلى شراء الوقت، إذ سرعان ما سيتلاشى تأثيرها مع الاستحقاقات المقبلة، حيث ستكون قد ازدادت مخاطر انخفاض مجموع احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية.
مقابل رأي سلامة والمصارف، بدأ يتشكل رأي غالب بين الكتل السياسية. إن كان من مكروه سيصيب القطاع المصرفي فهو سيصيبه عاجلاً أو آجلاً. وبعنى آخر، إن كانت إعادة الهيكلة ستكون حتمية بعد أشهر، فلماذا تبديد موجودات مصرف لبنان اليوم؟ فاقتراح سلامة يعني عملياً إهدار نحو 10 في المئة من موجوداته القابلة للاستخدام، والتي ينبغي الحفاظ على كل «سنت» منها لتأمين استيراد المواد الأساسية، كالقمح والدواء والمحروقات. مع ذلك، فإن خليّة أزمة يفترض أن تُشكّل، مهمتها الأساسية تبدأ منذ اليوم الذي يلي يوم الاستحقاق (9 آذار)، وخاصة أن لأي قرار سيُتخذ تداعياته التي يفترض التحضير لها. لكن التركيز على الدَّين وحده مقلق. الاقتصاد منهار، بالإضافة إلى القطاعَين المالي والنقدي، ولذلك لا حلول بدون البدء بمداواة الاقتصاد، بالتوازي مع شطب جزء من الديون. لكن مع ذلك، فإن «اجتماع القمة» الذي استضافه قصر بعبدا انتهى كما بدأ. لا قرارات حاسمة، بل مزيد من هدر الوقت ريثما تشكل لجنة تقنية، من القطاعين الخاص والعام، تكون مهمتها الاتفاق على الإجراءات التي ستتخذ قبل نهاية شباط، علماً بأن توجّه الحكومة صار شبه محسوم، بعدما طلبت، بشكل رسمي، مساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي (إرسال وفد تقني للمساعدة في إعداد خطة اقتصادية ونقدية ومالية شاملة لإنقاذ البلاد من الأزمة). وهو الطلب الذي سرعان ما ردّ عليه المتحدث الرسمي باسم الصندوق غاري رايس، مؤكداً تلقي طلب من السلطات اللبنانية للحصول على الاستشارة والخبرات التقنية. وقال: إننا جاهزون للمساعدة، موضحاً أن «أي قرار بخصوص الديون السيادية يجب أن يؤخذ من السلطات اللبنانية نفسها».
هذا الأمر، تناولته أمس مؤسسة الدراسات البريطانية «كابيتال إيكونوميكس»، إذ أشار باحثوها إلى أنه قد يتعين على حائزي السندات اللبنانية شطب 70 بالمئة من استثماراتهم، وخفض قيمة عملة البلاد للنصف بموجب خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي. وسيلتهم ذلك، بحسب المؤسسة، رؤوس أموال البنوك، إذ ستصل كلفة إعادة رسملتها إلى حوالى 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تفيد مساعدة فنية من صندوق النقد في الحدّ من الضغوط. كما أشارت الدراسة إلى أنه «ستكون هناك حاجة أيضاً إلى تقليص الإنفاق الحكومي بين ثلاثة وأربعة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لمنع تصاعد عبء الديون». وسيتركز التقشّف في كبح الزيادة في رواتب القطاع العام وإصلاح شركة الكهرباء بالبلاد. خلاصة الأمر أن صندوق النقد صار حاضراً بقوة. ومن غير المفهوم أصلاً سبب طلب استشارته، لأن مشورته الدائمة معروفة، ويكررها على مسامع المسؤولين، ويعلنها في تقاريره، وتتركز على التقشف والخصخصة وزيادة الضرائب المباشرة على الاستهلاك وخفض حجم القطاع العام، وأي إجراءات تؤمن استدامة الدين العام.

اقتراح سلامة يعني عملياً إهدار نحو 10 في المئة من الموجودات القابلة للاستخدام

بعد الاجتماع المالي الذي سبق اجتماع الحكومة، قال الوزير غازي وزني، في تصريح، إن الاجتماع تناول استحقاق «اليوروبوند»، والـ«كابيتال كونترول». أضاف: في ما خص استحقاق «اليوروبوند»، هناك خيارات متعددة طرحت، وقد تمّت دراسة كل خيار بعمق، سواء لناحية الدفع أو عدمه، واتُّفق على استمرار البحث في المرحلة المقبلة لاتخاذ القرار المناسب، لأن المسألة مهمة للغاية بالنسبة إلى البلد والمودعين والمصارف، كما للقطاع الاقتصادي وعلاقاتنا الخارجية على حد سواء. أما بالنسبة إلى «الكابيتال كونترول»، فأوضح أنه «تم التوصل الى تفاهم يقضي بأن يصدر تعميم واضح في اليومين المقبلين من قبل مجلس الوزراء لوضع حد للاستنسابية في التعاطي بين المصارف والعملاء، وبما يؤمن حماية للعملاء في الدرجة الأولى، سواء المقترضين منهم أو المودعين».
والنقاش انتقل إلى جلسة مجلس الوزراء، حيث أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن «المطلوب من الجميع العمل بوتيرة سريعة في كل الظروف الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية الاستثنائية التي نعيشها، والبدء بتنفيذ مضمون البيان الوزاري لجهة إعداد خطة الطوارئ وخطتَي المرحلة الأولى والمرحلة الثانية».
من جهته، طلب رئيس الحكومة من الوزراء «إعداد ملف يتضمن المشاريع الملحّة والضرورية التي يفترض أن تعرض خلال زيارات إلى الخارج أو مع الزوار العرب والأجانب عندما يزورون لبنان، وكذلك مع الجهات المانحة، على أن تكون هذه الملفات جاهزة خلال الأسبوع المقبل».

في تطوّر خطير لجهة انعكاسه على الحريّات الإعلاميّة، تعرّض الزميل محمد زبيب لاعتداء بالضرب من قبل ثلاثة مجهولين، مساء أمس، في أحد الشوارع المتفرعة من شارع الحمرا ببيروت. فبعد انتهائه من ندوة قدّمها في «B. Hive» في الحمرا بدعوة من النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت، انطلق زبيب راجلاً نحو سيارته في أحد المواقف. وما إن دخل الموقف، حتى هاجمه ثلاثة أشخاص، وانهالوا عليه ضرباً باللكمات وبعصا كان يحملها أحدهم. ووجّه المعتدون شتائم لزبيب، من دون أن يذكروا ما يؤشّر إلى خلفيّتهم. وبعد سقوطه أرضاً، غادر المعتدون إلى جهة مجهولة. ونُقِل الزميل زبيب إلى مستشفى الجامعة الأميركية، حيث خضع لفحوص طبية، قبل أن يغادر قرابة الواحدة فجراً.
«الأخبار» تعتبر أن الاعتداء على الزميل زبيب هو اعتداء عليها، وعلى الجسم الإعلامي كافة، وتطالب الأجهزة الأمنية بكشف المعتدين وإحالتهم إلى القضاء لمعاقبتهم. وتحضّ الجسم الإعلامي على عدم إمرار ما جرى، كونه يؤشّر إلى نمط جديد وشديد الخطورة، من ترهيب الإعلاميين، وخاصة منهم ذوي الأصوات العالية التي لا تلتزم بسقوف الطبقة المهيمنة.

النهار-13-2-2020

رأي:

غسان صليبي


لا يطرح هذا النص استراتيجيا، ولا يزعم ان من حقّه ان يفعل. لا يمكن الاستراتيجيا ان تكون الا نتاج حوار ديموقراطي بين مكونات الإنتفاضة. ليس فقط لأن "الديموقراطيّة" تتطلّب ذلك، بل "الفعّاليّة" أيضًا. فالاستراتيجيا تحدد الخطوات العمليّة التي ستخطوها الإنتفاضة، وهذا لا يكون إلاّ على قياس "خطوات" المنتفضين وطاقتهم.

لكن هذا النص يطرح في المقابل اسئلة لمنتفض، يعتقد انها تساعد على مناقشة بعض الخيارات التي يمكن ان تكون مطروحة على المنتفضين.

يوم الثلثاء في 11 شباط 2020، أعطى النواب المتسللين خلسة الى مجلس النواب، الثقة للحكومة الجديدة، بحماية الجيش وجدران الإسمنت، فيما كان المنتفضون في الخارج يعلنونها "لا ثقة" صارخة ومدويّة.

يُدخل هذا الحدث عنصرًا مفصليًّا في مسار الإنتفاضة ويطرح عليها اسئلة صعبة ومصيريّة.

مواضيع ذات صلة
السؤال الشائك أمام السياج الشائك

سنة 2020: زمن "الإنتفاضة المستدامة"
إعطاء الثقة لحكومة بالمفهوم الدستوري، يعني انها أصبحت شرعية. فهل عدم إعطاء الانتفاضة الثقة للحكومة يعني عدم إعتبارها شرعيّة والتعامل معها على هذا الأساس؟

إذا لم تعترف الإنتفاضة بالحكومة فسيكون عليها عدم الإعتراف بمقرّراتها وصولاً الى إسقاطها. عدم الإعتراف بمقرراتها يعني نوعًا من العصيان المدني، وإسقاطها في الظرف الحالي قد يستلزم إسقاط العهد ومواجهة من يسمح له بالوقوف على رجليه، رغم كل هذه الإنهيارات، أي "حزب الله".

أما إذا اعترفت الإنتفاضة بالحكومة، حتى ولو لم تصرّح بذلك، فعليها ان تجد صيغة للتعامل معها. لن تقول لها بالطبع انها تعطيها "فرصةً"، فالفرصة لا تُعطى لمن لا تثق به. لكنها في المقابل يمكنها ان تتصرّف معها، ليس على أساس الإعتراف بشرعيتها السياسيّة، بل على أساس العلاقة القائمة بين الدائن والمديون. الدائن هو الشعب والمديون هي السلطة التي نهبت أمواله وتحتجز ما تبقّى منها في المصارف.

قد تقوم بين الدائن والمديون علاقة هدنة وخاصة في البداية. وهذا ما يسمّونه بـــ"فترة السماح" أي الفترة التي يمكن المديون الاّ يسدّد خلالها ديونه، في إنتظار ان يسوّي أوضاعه. لكن على المديون بعد ذلك ان يسدّد دينه قسطًا بعد قسط.

على الإنتفاضة عندها ان تحدّد فترة السماح هذه وماذا يمكنها ان تفعل خلالها، حتى يحين الوقت للضغط من أجل تسديد الديون. وأعتقد أن الانتفاضة بحاجة الى فترة هدوء تراجع خلالها ما قامت به حتى اليوم.

لكن هل يتم الضغط تحت شعار "كلن يعني كلن" أم انه يجب على الإنتفاضة تعديل شعارها حتى يتلاءم مع مواصفات الحكومة الحالية التي تضم الأكثرية النيابية حصريًّا، فيما القوى الأخرى التي يشملها شعار "كلن يعني كلن" بقيت خارجها؟

شعار "كلن يعني كلن" أكثر جذريّة بحيث انه يطال تركيبة الحكم بأكملها لكنّه أقل فعّاليّة وراهنيّة في الضغط على حكومة من لون واحد.

في الحالتين، هل سيبقى الضغط متقطّعًا، وبحسب الظرف، ام انه سيُدرج من ضمن خطة طويلة الأمد؟

هل ستقتصر الخطة على الضغط على الحكومة، ام عليها ان تشمل أيضاً عمليّة تحرير مؤسسات المجتمع من هيمنة "كلن يعني كلن"، كما جرى في نقابة المحامين، وكذلك ان تشمل مسألة التحضير للمشاركة في الإنتخابات النيابيّة المقبلة؟

أليس من الضروري أيضًا ان تشمل الخطة، كيفية تحويل الإنتفاضة من قوّة داخليّة صرف، الى مفاوض على المستوى الدولي، لا سيما في ما يتعلّق بمشاريع "سيدر" والحوار مع صندوق النقد الدولي، والاثنان يفترضان في نصوصهما، مشاركة لقوى المجتمع المدني. مع العلم ان السلطة تنظّم اتصالات مستمرة بهذه الجهات وتسعى جاهدة لتأمين مصالحها ومصالح شركاتها من خلال هذه الاتصالات، التي ستحدّد على الأرجح كيفية لجم الإنهيار المالي والإقتصادي.

الضغط على الحكومة في قضايا محدّدة، وكذلك فتح قنوات إتصال مع الخارج المعني بالازمة الماليّة والإقتصاديّة، يفترضان إعداد ملفات متوافق عليها ولجوء الإنتفاضة الى التفاوض. وهذا يتطلّب تطويرًا للصيغة التنسيقية للانتفاضة ولأشكال القيادة. فهل تذهب الإنتفاضة في هذا الاتجاه أم انها ستستمر في الاحجام عن ذلك تفاديًا لتعرضها للاستقطاب او للقمع كما تعتقد؟ مع العلم ان القمع والاستقطاب جاريان على قدم وساق والقيادات الاساسية معروفة ومراقبة.

الثورات الكبيرة التي حصلت في التاريخ (الفرنسيّة والأميركيّة والروسيّة) لم تجرِ في ظروف إنهيار مالي وإقتصادي بل على العكس. حتى ان الانتفاضات العربية أبان الربيع العربي، جاءت نتيجة انسداد في عملية النمو أكثر منها نتيجة لأزمة إقتصاديّة إجتماعيّة حادة من مثل التي يشهدها لبنان.

هذا الفارق الكبير بين الواقع اللبناني وظروف الثورات الأخرى، يحتّم الحذر في مسائل إقتباس المقاربات الملائمة للإنتفاضة اللبنانيّة. حتى لو كان بالإمكان الإفادة من بعض التجارب.

التجربة الأقرب الى حالتنا، في ما خصّ الإنهيار المالي، هي التجربة اليونانيّة التي تمخّض عنها تكوين حالة سياسيّة معارضة لسياسات التقشّف والفساد، تحت اسم حزب "سيريزا"، الذي تمكّن من الوصول الى السلطة. لا تشبه التركيبة الإجتماعيّة السياسيّة اللبنانيّة تلك القائمة في اليونان، لكن طغيان عامل الإنهيار المالي والإقتصادي على كل ما عداه في وضعنا الحالي، يدفعنا الى الإلتفات بإهتمام الى التجربة اليونانيّة، في ما خصّ التنظيم السياسي للانتفاضة، وخصوصًا ان الخزّان الشعبي لـ"سيريزا" تشكّل من الفئات المهمّشة صاحبة الأجور الهشّة والدوام الجزئي والعاطلة عن العمل، وهي الفئات التي من المتوقّع ان تصبح أكثرية في الواقع اللبناني في ظل إقفال المؤسسات وتسريح العمّال والتضييق على الودائع في المصارف

الاخبار-13-2-2020

عمر نشابة 


ان تكرار مشاهد قيام بعض العسكريين والامنيين بضرب المتظاهرين والمتظاهرات في الطرقات وسحلهم وشتمهم يظهر الدولة بمظهر المعتدي، ويوحي بأن في لبنان دولة بوليسية تستخدم العنف المفرط لقمع شعبها. لكن الاهم من ذلك هو ان سلوك قوى الامن الداخلي يبدو مخالفاً للقانون وضارباً عرض الحائط بالمدونة السلوكية التي وضعتها قوى الامن نفسها. إزاء ذلك، أمام وزير الداخلية خياران: اما ان يتجاهل مقتضيات القانون ويستمر بتوفير الغطاء لقيادة قوى الامن مانعاً مساءلة قيادتها ومعطلاً لمراجعة جدية لأداءها، أو ان يفرض سلطة القانون فوق كل اعتبار ويعيد بعض الامل في تصحيح سلوك بعض الضباط المفرط باستخدام العنف والاعتداء على كرامات الناس.

 

(هيثم الموسوي)

تحدث رئيس مجلس الوزراء حسان دياب، أول من أمس، مباشرة من مجلس النواب، بينما كان بعض ضباط قوى الامن الداخلي وعناصرها ورتباؤها يستخدمون القوة المفرطة بحق المتظاهرين والمتظاهرات في محيط ساحة النجمة. قال دياب: «نحن نطلب الثقة من مجلسكم الكريم، لكن قلوبنا في الخارج، تنبض إلى جانب مطالب الناس الذين نحن منهم. ونحن نتبنّى مطالب الانتفاضة - الثورة التي أحدثت زلزالاً في البلد...».
قد لا يكون مطلب «الانتفاضة - الثورة» إحداث «زلزال»، بقدر ما هو وجوب احترام الدولة لكرامات الناس. ولا شك ان أحد اهم اوجه احترام الناس يأتي من خلال التزام ضباط القوى الأمنية والعسكرية ورتباؤها وعناصرها واجباتهم الدستورية والقانونية.
قبل عرض بعض التجاوزات التي يبدو ان بعض الضباط والعناصر ارتكبوها اول من أمس بحق المواطنين والمواطنات العزّل، لا بد من توضيح ثلاث مسائل أساسية:
- اولاً، ان ما ورد في نص البيان الوزاري، وحرفيته التزام الحكومة «حماية حق التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي واحترام حقوق الانسان. وفي المقابل، تلتزم (الحكومة) أيضاً القيام بواجبها بدعم القوى العسكرية والأمنية المولجة حفظ الأمن والنظام العام، والتنسيق الدائم بين الاجهزة الأمنية والعسكرية» يخالف موجبات الدستور وتعهدات الجمهورية اللبنانية. إذ أن الدستور (الفقرة باء من المقدمة) ينص على ان لبنان «عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات من دون استثناء». وبالتالي، فان احترام حقوق الانسان ليس مشروطاً، ولا يأتي مقابل أي عمل آخر. ومن واجب قوى الامن احترام حقوق الناس بغض النظر عن سلوكهم. كما أن من واجب الحكومة الزام قوى الامن احترام حقوق الانسان حتى لو تعذر تقديم الدعم للقوى الأمنية والعسكرية. ولا يجوز، دستورياً، ربط واجب احترام حقوق الانسان بأي عمل آخر. والمستغرب ان نائباً من أعضاء اللجنة البرلمانية لحقوق الانسان لم يقم بأبسط واجباته بالتنبيه الى احترام الموجبات الدستورية والاعتراض على هذه الفقرة من البيان.
- ثانياً، ان وظيفة الضابط والرتيب والعنصر في قوى الامن الداخلي هي وظيفة مهنية تتطلب الاحتراف. ولا يجوز ان يكون هؤلاء سلطة مسلحة متفلتة تستدعي، عند إصابة أي من رجالها، العطف والاستعطاف. ولا يجوز ان تكون قوى الأمن معفية من واجباتها المهنية بسبب الظروف والصعوبات مهما بلغت حدّتها. فالضابط كالطبيب، لا يجوز ان يسمح لانفعالاته العاطفية بالتأثير على أدائه. ولا ينبغي ان يُسمح لقوى الامن باستخدام وسائل او أسلحة او سلوكيات لا يجيزها القانون. وعلى الضباط والرتباء والعناصر ان يخضعوا للرقابة الدائمة من قبل السلطة المسؤولة عنهم، ومن قبل جهاز التفتيش والأمن العسكري.
- ثالثاً، ان مسؤولية التعامل مع التجمعات المدنية غير المسلحة وحركات الاحتجاجات الشعبية تعود حصرياً لقوى الامن الداخلي. ويفترض ان تقتصر مهمة الجيش اللبناني على تقديم الدعم والمؤازرة ضمن اختصاصه الحربي. فلو استخدم المتظاهرون السلاح، لكان طلب وزارة الداخلية المؤازرة من الجيش ضرورياً. إذ ان مواجهة المسلحين تقتضي خبرات قتالية حربية. أما استقدام قوات عسكرية خاصة مدجّجة بالسلاح وبآليات حربية وعتاد مصمم للاستخدام على الحدود ولمواجهة العدو الإسرائيلي او ارهابيي داعش وجبهة النصرة، لقمع المتظاهرين والمتظاهرات، فبدا مخالفاً لأبسط أصول تعامل السلطة مع المواطنين والمواطنات.


(مروان بوحيدر)

اضف الى ذلك، انه قد يشكل احراجاً لضباط ورتباء وعناصر الجيش المدربين على استخدام كل ما اوتوا به من قوة في مواجهة العدو. فكيف يُطلب من هؤلاء منع اطباء واساتذة جامعيين وطلاب وعمال وفلاحين من ممارسة حقهم بالتظاهر والتعبير؟ وكيف يمكن ان تنال حكومة دياب ووزير الداخلية محمد فهمي ووزيرة العدل ماري كلود نجم ثقة الناس بعد قيام بعض العسكر بضربهم وسبّهم وتهديدهم وتدفيشهم بحجة فتح الطرقات لوصول النواب الى ساحة النجمة؟ الن يشعر الضابط بالخجل من تدفيش امرأة، أم لثلاثة أطفال، كانت تعبّر عن غضبها من فساد الدولة؟ الا يشعر بالعيب بعد استخدام الشدة مع رجل مسن او بعد تهديد طالب جامعي يمارس لأول مرة حقه الدستوري بالتظاهر؟ وماذا عن مستقبل علاقة الشعب بالجيش وبالدولة؟
ان عرض بعض ما بدا جرائم ارتكبها ضباط ورتباء وعناصر قوى الامن يستند الى ملاحظات ومشاهدات وقرائن بالصوت والصورة سجلت طوال اول من يوم امس في محيط مجلس النواب، وتحديداً قرب برج المرّ وفي زقاق البلاط وفي ساحتي الشهداء ورياض الصلح، ومشاهدات ووقائع من الجولات السابقة من استخدام قوى الامن العنف المفرط بحق الناس في عدة اماكن. أما المرجع الذي سننطلق منه فهو ما جاء في مدونة قواعد سلوك عناصر قوى الأمن الداخلي التي صدرت عنها عام 2011، بدعم من مفوضية حقوق الانسان في الامم المتحدة. هذه المدوّنة تهدُف الى تحديد واجبات عنصر قوى الأمن والمعايير القانونية والأخلاقية التي عليها الالتّزام بها أثناء أداء واجباته، كما تنِّظم علاقاته مع الأفراد والمجموعات وكافة السلطات، وتسعى الى ضمان احترام حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة وفقاً للدستور اللبناني والمعايير الدولية.
وجاء في المدونة ان عنصر قوى الأمن يجب ان «يلتزم ويتقّيد بها وُيبِّلغ عن أي انتهاك لها، وتّتخذ بحق المخالفين التدابير المسلكية والقانونية المناسبة». فلننتظر قيام وزير الداخلية والبلديات ووزيرة العدل بواجباتهم في هذا السياق ولننتظر استدعاء مدير عام قوى الامن الداخلي وسائر ضباط القيادة الى التحقيق بدل إصرار البعض على الحفاظ على المحميات الطائفية والمذهبية والسياسية بحجج تؤدي الى استمرار خراب البلد وتدمير ما تبقى من امل في المستقبل.
يلتزم عنصر قوى الأمن بحسب المدونة بالموجبات التالية:

الواجب المهني
«يحفظ الأمن والنظام ويحمي الحريات العامة ويسهر على تطبيق القوانين والأنظمة وتأمين الراحة العامة ويحافظ على الممتلكات العامة والخاصة».
ان استمرار قوى الامن باستخدام النهج نفسه المخالف للأصول المهنية في التعامل مع المتظاهرين والمتظاهرات منذ أكثر من ثلاثة أشهر من دون البحث عن نهج أكثر فعالية في حفظ الامن وحماية الحريات العامة وتأمين الراحة العامة والحفاظ على الممتلكات قد يدل الى مكابرة وتعنت أو الى عجز فاضح. فلا يدل الأسلوب العنيف الذي انتهجه بعض ضباط وعناصر قوى الامن من خلال الاعتداء الجماعي على المتظاهرين بسبب قيام قلة قليلة منهم برمي الحجارة على رجال الامن، الى أي نية جدية لتحمل المسؤولية وتطبيق القانون. مع التأكيد ان لدى قوى الامن وسائل مراقبة وكاميرات ومخبرين بإمكانهم تحديد المشاغبين من بين المتظاهرين والتعامل معهم قانونياً بإشراف القضاء المختص.
على عنصر قوى الامن ان «يحترم الكرامة الإنسانية ويصون حقوق الإنسان. يمتنع عن استغلال السلطة ويتقّيد بالقوانين بحيث يكون قدوة للآخرين».


(هيثم الموسوي)

ان قيام بعض عناصر قوى الامن بشتم الناس وتهديدهم والتعامل معهم بقلة احترام وضربهم على وجوههم وشدّ شعرهم ولبطهم ودعسهم لدى وقوعهم ارضاً يدل الى تجاوزات معيبة وفاضحة، وهي مسجلة بالصوت والصورة، وقد بثت التلفزيونات بعضها اثناء النقل المباشر. فكيف يمكن ان يكون عنصر قوى الامن الذي شتم الاعراض وعبّر عن غضبه وجنونه بالعنف والاذلال قدوة لشباب وشابات، طلاب مدارس وجامعات يشاركون للمرة الأولى في مظاهرة؟ كيف يكون قدوة لأي مواطن من مئات المواطنين الذين تعرضوا للضرب والسحل والاختناق المتكرر منذ اكثر من ثلاثة اشهر في الشوارع؟
«يلبي نداءات الاستغاثة وطلبات النجدة بسرعة وفعالية» و«يعمل على تأمين الإسعافات الأولية لجرحى الحوادث الطارئة».
سقط عدد من المتظاهرين ارضاً بعد اختناقهم من كثافة الغاز المسيل للدموع او بعد اصابتهم بالرصاص المطاطي، وقد شوهد بعض عناصر قوى الامن يعتدون بالضرب المبرح على هؤلاء الجرحى. ولم تقدم قوى الامن اسعافات أولية لهم، كما ان ضباطها وعناصرها لم يستجيبوا لنداءات الاستغاثة وطلبات النجدة التي صدرت عن بعض المتظاهرين اثناء تعرضهم للاعتداء من اشخاص حزبيين نقل ان بعضهم مسلحون في منطقة زقاق البلاط.

واجبات الرئيس
«يتوّجب عليه ان يكون القدوة والمثال لمرؤوسيه في التقّيد ببنود المدونة والعمل بروحيتها»، و«ينمّي معلومات مرؤوسيه المهنية ويوجههم للوصول الى أداء أفضل».
وقد شوهد أول من أمس ضابط من قوى الامن الداخلي يصرخ باتجاه أحد العناصر الذين كانوا يطلقون الرصاص المطاطي على المتظاهرين والمتظاهرات. سأله «من اعطاك الامر باستخدام الرصاص المطاطي؟». وبدل ان يتخذ اجراء قانوني ومسلكي فوري بحقه بعد تعذر الجواب، طلب منه ان يعود الى الخلف. ولم تعلن قوى الامن لاحقاً عن فتح أي تحقيق مسلكي. كما ان وزير الداخلية لم يأمر المفتش العام في قوى الامن الداخلي بفتح تحقيق رغم وقوع أكثر من 200 جريح خلال يوم واحد بحسب الصليب الأحمر اللبناني. فكيف يكون الوزير نفسه قدوة للجميع بوجوب احترام القانون قبل أي اعتبار وانتظار نتائج التحقيق، بعد ان قام هو، بنفسه، قبل ان ينال ثقة مجلس النواب، بمنح الغطاء السياسي لمدير عام قوى الامن وحمايته من أي ملاحقة قانونية؟ الا يمكن ان يكون ذلك الغطاء هو ما سمح لتمادي تجاوزات بعض ضباط وعناصر قوى الامن بحق المتظاهرين والمتظاهرات؟
واجب قوى الامن احترام حقوق الناس بغض النظر عن سلوكهم

«يراقب أعمال مرؤوسيه ويتأكد من تقّيدهم بهذه المدونة ويتّخذ التدابير المناسبة بحق المخالفين».
ان احدى الوظائف الأساسية لفرع المعلومات في قوى الامن الداخلي هي الامن العسكري ومراقبة أداء الضباط والرتباء والعناصر. فأين كان الأمن العسكري اثناء هجوم اكثر من أربعة عناصر من قوى الامن على متظاهر شاب وضربه بشكل وحشي على مختلف انحاء جسده في وسط بيروت أول من امس؟ لماذا لم يتدخلوا فوراً لوقف هذا التجاوز الواضح للقانون ولمدونة السلوك؟ واذا كانوا غير موجودين في المكان فمن كان الضابط الذي يفترض ان «يراقب» اعمال هؤلاء العناصر؟

السلوك
«يتحّلى بالأخلاق والتهذيب ويتصرف بلياقة وادب مقرونين بالحزم دون غطرسة اثناء ممارسة الوظيفة» و«يقيم أفضل العلاقات مع الآخرين لكسب ثقتهم والتعاون معهم».
بدا واضحاً اول من أمس كما خلال التظاهرات والتحركات الاحتجاجية السابقة ان بعض ضباط قوى الامن فقدوا السيطرة على أعصابهم وأطلقوا الشتائم بحق المتظاهرات والمتظاهرين ورموا الحجارة عليهم وحاولوا اذلالهم وسعوا الى ترهيبهم واخضاعهم للقوة المفرطة. كل ذلك يدل الى نقص حاد في التدريب والاخلاقيات المهنية والى مفهوم خاطئ لوظيفة ضباط وعناصر قوى الامن. فعلى هؤلاء ان يدركوا انهم موظفون لخدمة المواطنين والمواطنات وليسوا سلطة متفلتة لإرهاب الناس بقوة السلاح وتهديد الشباب بالضرب والسحل والاعتقال. ولا يمكن ان تكسب قوى الامن ثقة الناس الا من خلال التعامل الاخلاقي ومن خلال الاحتراف المهني والسيطرة على الاعصاب والانفعالات في اصعب الظروف.

الضابط كالطبيب لا يجوز ان يسمح لانفعالاته العاطفية ان تؤثر على أدائه

«يمتنع عن القيام بأي عمل من اعمال التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاانسانية أو المهينـة أو التحريـض عليـه أو التغاضي عنه أثناء اجراء التحقيقات أو اثناء تنفيذ المهام الموكلة اليه».
ان سحل الموقوفين وضربهم على وجوههم وسبهم اثناء نقلهم الى أماكن التوقيف التي لا يتناسب وضعها مع ادنى المعايير الانسانية يمكن ان يعد تعذيباً يفترض ان يعاقب المسؤولون عنه قانونياً.

استخدام القوة واستعمال السلاح
«يمتنع عن استخدام القوة إلا في حالة الضرورة بشكل يتناسب مع الوضع وبعد استنفاد كافة الوسائل غير العنفية المتاحة وضمن الحدود اللازمة لأداء الواجب»، و«لا يلجأ الى استعمال السلاح الا في حالات الضرورة القصوى وفقًا للقانون وبشكل يتناسب مع الخطر وبعد استنفاد كافة الوسائل المتاحة».
لم يسع ضباط قوى الامن الداخلي الى استنفاد كافة الوسائل اللاعنفية المتاحة فلم يدعوا المتظاهرين والمتظاهرات الى التفاوض والى التنسيق والتحاور ولم يحاولوا اقناع الناس بتهذيب، بل باشروا بشكل مفاجئ احياناً برمي قنابل الغاز المسيل للدموع وبضرب الناس ودفعهم وشتمهم. وفي بعض الحالات كان بعض ضباط قوى الامن هم من يفتعل المشاكل من خلال التصعيد فيما بدا عكس ما تقتضيه المعايير المهنية. فان السعي لتخفيف الاحتقان والغضب هو أساس العمل الأمني المحترف. والعكس صحيح.
في منطقة برج المر وبينما كان عدد من المحتجين ومن بينهم أطباء وطلاب وعمال يتجمعون سلمياً امام الشارع الذي يصل الى بيت الوسط، امر احد الضباط جميع عناصره بالتأهب وبوضع كمامات الغاز على وجوههم. وعد ذلك تصعيداً لا لزوم له ما استفز المتظاهرين. ولدى الطلب من الضابط التوقف عن التصعيد والتعامل بشكل حضاري مع المتظاهرين السلميين، واجههم بالمكابرة والسلوك السلطوي المتعجرف بدل ان يباشر التفاوض معهم. هذا الضابط كما بعض من زملائه يتصرف وكأن في لبنان ديكتاتورية بوليسية. فهل في أروقة مؤسسة قوى الامن من يساهم في تشجيعه على المكابرة؟

الاخبار-13-2-2020

محمد وهبة

بشكل مباشر ووقح، دخلت جمعية المصارف على خطّ النقاش الحكومي بشأن إعادة هيكلة الدين والتوقف عن سداده ريثما تتفق الحكومة مع الدائنين. ما قالته الجمعية أمس هو ترجمة لانطلاق معركة توزيع الخسائر وسعي المصارف لنيل إعفاء منها، بمؤازرة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

ما إن تسرّب خبر اتصال وزارة المال بصندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة التقنية من أجل تحديد موقف الحكومة من مسألة التخلّف عن سداد الدين وإعادة هيكلته، حتى أطلقت المصارف حملة تهويل تطالب بسداد استحقاق آذار 2020 الذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار، بالاستناد إلى حماية مصالح المودعين. هي نفسها الجمعية التي اتخذت قراراً بالتخلّف عن سداد أموال المودعين فيما كانت تواظب على تهريب أموال مساهميها وأعضاء مجالس إدارتها وكبار المودعين إلى الخارج.
برّرت الجمعية موقفها بأنه يأتي «حماية لمصالح المودعين»، و«محافظة على بقاء لبنان ضمن إطار الأسواق المالية العالمية»، ثم «صون علاقات لبنان مع المصارف المراسلة وجلّها من الدائنين الخارجيين». لهذه الأسباب ترى «وجوب سداد استحقاق آذار في موعده والشروع فوراً في الإجراءات المطلوبة لمعالجة ملف الدين العام بكامله». ولم تكتف الجمعية بهذا المقدار من الوقاحة، بل وجّهت تهديداً مباشراً للحكومة ملوّحة بورقة المجتمع الدولي بوجه الرئيس دياب لثنيه عن خطوة إعادة هيكلة الدين العام: «التعامل مع هذا الحدث المالي الكبير من قبل حكومة الرئيس حسان دياب الجديدة يشكّل مؤشراً مهماً إلى كيفية التعامل مع المجتمع الدولي مستقبلاً».
إذاً، بالنسبة إلى المصارف، فإنّ ما يهمّها أولاً هو حماية مصالح المودعين. إعلانٌ ينطوي على غشّ موصوف. فهذه المصارف، هي الطرف الذي أساء ائتمان المودعين عندما وظّف أكثر من 70 مليار دولار من أموالهم في مصرف لبنان سعياً وراء الربح السهل والسريع من دون درس مخاطر هذا التوظيف. والفضيحة أنه تبيّن للمصارف أنها لا تملك القدرة على استرجاع قرش من هذه الأموال من مصرف لبنان الذي فرض عليها الاستدانة بالدولار بفائدة 20%. والأسوأ من ذلك، أنه بحسب اعترافات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الأخيرة، تبخّر أكثر من 40 مليار دولار من الأموال الموظّفة عنده من المصارف، أي من أموال المودعين.
في المقابل، تتعامل المصارف مع المودعين بازدراء واستنسابية لا مثيل لهما، إذ إنها ترفض إعطاءهم ودائعهم وتقنّن عمليات سحب الدولار النقدي إلى حدود ضيّقة جداً وصلت في مطلع الأسبوع الجاري إلى 200 دولار في الأسبوعين.
أما بالنسبة إلى ذريعة «المحافظة على بقاء لبنان ضمن إطار الأسواق المالية العالمية»، فهذه الكذبة باتت باهتة جداً، لأنه في ظل الإجراءات والتدابير التي اتخذتها المصارف طوعاً بهدف تقييد حريّة عمليات السحب والتحويل والقطع بشكل غير نظامي أو ما يسمى «كابيتال كونترول» غير النظامي، تضرّرت سمعة لبنان في الأسواق المالية العالمية وتوقفت التدفقات إلى لبنان خوفاً من دخولها إلى سجن عشوائي يحكمه أباطرة المصارف. بفضل المصارف، ورفض سلامة إقرار الكابيتال كونترول النظامي، لحق ضررٌ هائل بالنظام المالي كلّه في لبنان وبات يصعب إصلاحه على مدى سنوات مقبلة. بل على العكس، أثبت الكثير من الدراسات والتجارب التي خاضتها بلدان كثيرة عمدت إلى تقييد عمليات السحب والتحويل بشكل رسمي وإجراء عمليات إعادة هيكلة واضحة، أن القيام بخطوات ثابتة لتنفيذ إعادة هيكلة منظّمة، يؤدي إلى استعادة الثقة الدولية بالنظام المالي خلال سنتين كحدّ أقصى.
وفي ما خصّ «صون علاقات لبنان مع المصارف المراسلة وجلّها من الدائنين الخارجيين»، فإن هذه المسألة بالتحديد تتعلق أساساً بأداء المصارف وليس بديون الدولة اللبنانية المنوي إعادة هيكلتها. فلو حافظت المصارف على سيولة خارجية كافية، لكانت قد تمكّنت من التعامل مع مصارف المراسلة في هذه الأوقات الصعبة. فبحسب المعلومات، هناك أكثر من مصرف تخلّف قبل بضعة أسابيع عن سداد ديونه أو التزاماته للمصارف المراسلة، وهناك عدد أكبر من المصارف المهدّدة بالتخلّف عن سداد التزاماتها مع مصارف المراسلة بسبب ضحالة سيولتها الخارجية وعدم قدرتها على سداد المستحقات.

بفضل المصارف وسلامة، لحق ضررٌ هائل بالنظام المالي وبات يصعب إصلاحه قريباً
هذا الأمر يثير الاستغراب في قطاع مصرفي يفترض أنه كان الأكثر تطوراً في المنطقة: لماذا لم تحافظ المصارف على سيولتها الخارجية بمستويات كافية تحسّباً لأزمة مرتقبة منذ سنوات؟ يقول مصدر مصرفي، إن الجشع والطمع دفعا المصارف إلى تحويلها سيولتها الخارجية إلى لبنان لتوظيفها في هندسات مصرف لبنان التي انطوت على أرباح سخيّة للمصارف أغرتها من دون دراسة المخاطر المترتّبة على ذلك. هذا الجشع هو الذي سيقفل أبواب المصارف المراسلة أمام المصارف اللبنانية وليس إعادة الهيكلة. صحيح أن ما هو مطروح اليوم من عملية إعادة هيكلة سيؤثّر في رساميل المصارف، إلا أنه يجب أن يكون نتيجة تلقائية للجشع والطمع وسوء الإدارة. وهذا يعني أن المصرف الذي يفلس يجب تصفيته ووضع اليد عليه من قبل مصرف لبنان لإنقاذ أموال المودعين لا لإنقاذ مساهميه بأموال صغار المودعين.
ما تطلبه جمعية المصارف في بيانها الأخير، هو أن ندفع للدائنين بأموال المودعين، فيما يرفض مالكوها أن يدفعوا مدّخرات الناس المودعة لديهم من أموالهم الخاصة التي تراكمت من الأرباح الطائلة المحقّقة على مدى عقدين ونصف عقد؟ ولماذا لا تدفع المصارف بأموال كبار المودعين الذين استفادوا أيضاً من الهندسات وضاعفوا رساميلهم مرات ومرات على حساب الاقتصاد الوطني؟
يقول مصدر وزاري إن الحملة التي تقودها المصارف في اتجاه مواصلة السداد للدائنين بأموال المودعين، هي الحملة التي يقودها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ فترة ملوّحاً بأن لبنان سيتعرّض لأقصى العقوبات المالية إذا امتنع عن سداد الديون، كما أنه سيتعرّض لحجز أصول الدولة وموجوداتها من ذهب وطائرات وعقارات وسواها… عملياً يتغافل سلامة والمصارف بأن الحصار المالي واقع على لبنان منذ سنوات، وأن عقود اليوروبوندز تعطي الدائنين حصانة ما بقوة محاكم نيويورك، لكنها تستثني الأصول السيادية أو الأصول المملوكة من مصرف لبنان.


احتساب ضمان الودائع
طلبت لجنة المصارف من المصارف تزويدها لمرّة واحدة فقط وضمن مهلة أسبوعين، بالمعلومات المتعلقة بشرائح الودائع وعدد العملاء على أساس ميزانية المصرف الشهرية في نهاية 2019، وحدّدت شرائح الودائع بقسمين: لغاية 75 مليون ليرة، وما فوق 75 مليون ليرة. بحسب مصادر مطّلعة، فإن هذا القرار اتّخذ من أجل معرفة عدد المودعين وقيمة ودائعهم التي تصل إلى 75 مليون ليرة. يتيح هذا الأمر للجنة الرقابة احتساب أمرين بالاستناد إلى التعديلات الأخيرة التي أجريت في موازنة 2020 على القانون 110 ورفع قيمة الضمانة على كل وديعة من 5 ملايين ليرة إلى 75 مليون ليرة:
ــــ الأمر الأول يتعلّق بالمبالغ التي سيدفعها كل مصرف لمؤسسة ضمان الودائع عن عدد العملاء وودائعهم لديه ضمن الحد الأقصى للوديعة.
ــــ الثاني يتعلّق باحتساب قيمة الضمانات المترتّبة على كل مصرف في حال إفلاسه.

 

الاخبار-13-2-2020

محمد وهبة

 

ثمة جريمة ترتكب في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عنوانها ربط التقديمات بالاشتراكات. فمنذ أسبوعين، قرّر رئيس مصلحة المحاسبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أحمد بوصالح، بتغطية من الإدارة العامة في الصندوق، إبلاغ المحاسبين في مراكز الضمان، كونهم مرؤوسين منه، التوقف عن تسديد الفواتير للأجراء العاملين لدى شركات لم تسدّد الاشتراكات المترتّبة عليها عن عام 2018. مستخدم صغير في الصندوق بات يتحكّم بمصير تقديمات تخصّ ثلثَي اللبنانيين ويحدّد الرهائن التي على الضمان أخذها لابتزاز أصحاب العمل ودفعهم لتسديد الاشتراكات

خلال الأسبوعين الماضيين، فوجئ المضمونون بأن عدداً من رؤساء مراكز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يرفضون تسديد الفواتير المستحقّة لهم مقابل الأعمال الطبيّة المصرّح عنها. وبوقاحة، أُبلغ المضمونون بأن السبب يعود إلى كون الشركات التي يعملون فيها لم تسدّد الاشتراكات المتوجبة للصندوق عن عام 2018. هذا القرار ظهر في اجتماع للمحاسبين في مراكز الضمان دعا إليه رئيس مصلحة المحاسبة في الصندوق أحمد بوصالح. أبلغهم بوضوح أن الضمان يعاني شحّاً في التدفقات المالية، وأنه يجب القيام بنوع من «الكابيتال كونترول» على عمليات الدفع من خلال الامتناع عن تسديد الفواتير المستحقة للمضمونين إلا إذا أبرزوا ما يثبت تسديد الاشتراكات المترتبة عليهم.
عندما تبلّغ رؤساء المراكز في الضمان القرار الشفهي لرئيس مصلحة المحاسبة، انقسموا: قسم يرفض تطبيق القرار من دون تعليمات خطيّة من المدير العام للضمان محمد كركي تلزمهم بهذا الأمر؛ وقسم رضخ للقرار وباشر تنفيذه مثل رؤساء مكاتب طريق المطار وشحيم وسواها.
قرار تعسّفي كهذا، اثار الشكوك بأن يكون عفوياً أو إفرادياً صادر عن بوصالح وحده، وخصوصاً أنه قبل فترة كانت هناك محاولة من المدير المالي في الصندوق شوقي بونصيف (معيّن خلافاً للأصول) تهدف إلى إلزام أجراء المؤسسات العامة بإثبات دفع الاشتراكات عنهم كشرط لحصولهم على تعويضات نهاية الخدمة، إلا أنها سرعان ما سقطت «لأنها جريمة» بحسب رئيس اللجنة الفنية سمير عون.
أياً تكن الجهة التي تغطّي قرار بوصالح الشفهي، سواء في الإدارة العليا أو في غيرها، فهو يعدّ جريمة موصوفة، كونه لا يستند إلى أي نصّ قانوني أو نظامي يفرض ربط الاشتراكات بالتقديمات. فمن المثير للاستغراب أن تكون هناك قدرة لدى مستخدم في الفئة الرابعة معيّن بالإنابة في الفئة الثالثة في مركز رئيس مصلحة، مهما كانت صلاحياته المالية واسعة ونفوذه أوسع، اتخاذ قرار «ميليشيوي» يمسّ ثلث اللبنانيين. هو وحده بات يتحكّم بمصير طبابتهم وتعويضات نهاية خدمتهم. بحسب مشروع موازنة 2019 في الضمان، فإن عدد الأجراء المنتسبين إلى الضمان يبلغ 465954 أجيراً يستفيد على عاتقهم 174489 زوجة/ زوج، 402117 ابناً / ابنة، 101919 والداً/ والدة، أي أن مجموع الأجراء ومن هم على عاتقهم يبلغ 1144479 فرداً (هذا الإحصاء لغاية 17/7/2018، أي أن الأعداد تغيّرت قليلاً بحسب حركة الاستخدام والترك).
في الواقع، إن خطوة بوصالح تضرب فلسفة الضمان في أساسها والقائمة على حماية حقوق الأجراء من تعسّف أصحاب العمل، لا اتخاذ تدابير تعسّفية بحقّ الأجراء ورهنهم لابتزاز أصحاب العمل. فكرة إنشاء مؤسسات الضمان الاجتماعي، في لبنان والخارج، أن تكون إلى جانب حقوق الأجراء التي يمكن أن يسطو عليها أصحاب العمل. الصندوق في الحالة اللبنانية، يمثّل الضمانة لهؤلاء الأجراء من أي ظلم يلحق بهم من أصحاب العمل. فمن الثابت أن صاحب العمل يقتطع من رواتب الأجراء حصّتهم من الاشتراكات لحساب الضمان، وعليه أن يدفع حصّته هو أيضاً، فإذا امتنع صاحب العمل عن تسديد الاشتراكات، يضمن الصندوق حصول الأجير على تقديماته، وأن يحصّل الاشتراكات من صاحب العمل. بمعنى آخر، تقاعس صاحب العمل لا يلغي استفادة صاحب الحق (المضمون ومن هم على عاتقه)، بل يكشف عن تقصير إدارة الضمان في جباية الاشتراكات من أصحاب العمل. لا يمكن منع التقديمات عن الأجراء، بل على الصندوق ملاحقة المتقاعسين عن تسديدها وبذل جهد للحصول عليها، ولا ينصّ القانون أو العرف على أن يأخذ الصندوق رهائن من الاجراء لإجبار أصحاب العمل على تسديد الاشتراكات. هل يتحمّل بوصالح أو بوناصيف أو أي مدير في الضمان مسؤولية التوقف عن سداد الفواتير المستحقة؟ ألا يعرّضهم هذا الأمر للملاحقة القانونية؟
عملياً، يحصل هذا الأمر في عز الأزمة المالية ــــ الاقتصادية ــــ المصرفية الراهنة، أي أن التقديمات تُمنع عن الأجير رغم أنه قد يكون بأمسّ الحاجة إليها، وقد تشكّل المبالغ التي يحصل عليها الأجراء مقابل الفواتير المقدّمة من المضمون ملاذاً أخيراً لحمايتهم من الجوع ومن تآكل رواتبهم بفعل ارتفاع سعر صرف الليرة في السوق الموازية وتضخّم أسعار السلع المستوردة بدولارات الصرافين.

على الضمان أن يحمي حقوق الأجراء من تعسّف أصحاب العمل لا أن يتعسّف هو تجاههم

يجزم عضو مجلس الإدارة رفيق سلامة أن ربط التقديمات بالاشتراكات «مخالف للقانون»، وهو قرار «لم يعدّه المدير العام للضمان محمد كركي ولم يرفعه إلى مجلس الإدارة لدرسه واتخاذ ما يلزم بشأنه». ويشير إلى أن هذا التدبير هو عبارة عن «كابيتال كونترول» مماثل للذي تمارسه المصارف بشكل استنسابي وغير شرعي، «فالمشكلة في الضمان هي في ضعف الإيرادات المحصّلة، لكن لا يمكن معالجتها عبر مخالفة القانون ولا بتدابير جزئية، فالظروف الاستثنائية تستوجب حلولاً استثنائية تتلاءم مع القوانين».
إذاً، المشكلة أن الضمان يعاني شحّاً ماليّاً في التدفقات وعجزاً في فرع ضمان المرض والأمومة. عملياً، تشير الإحصاءات المالية الصادرة عن بوصالح نفسه، إلى أن الاشتراكات المحصلة في عام 2019 بلغت 835 مليار ليرة مقارنة مع 948 مليار ليرة في 2018 و846 مليار ليرة في 2017. ما يعني أن حجم التراجع في الاشتراكات المحصّلة ليس كبيراً ولا يبرّر مخالفة قانون الضمان. لكن هناك من يبرّر الأمر بالعجز المتراكم في ضمان المرض والأمومة الذي بات يشكّل 23% من الاشتراكات المحصّلة، لكن اللافت أن هذا العجز بدأ يظهر منذ 2001 وهو يتراكم منذ ذلك الحين، فهل هذا هو الحلّ المطلوب للضمان؟ أن يستمر ترهّل الإدارة والهدر والفساد؟
في الواقع، تنصّ المادة 66 من قانون الضمان على الآتي: «إذا زادت مصاريف فرع ضمان المرض والأمومة، فيقرر رفع معدّل الاشتراكات ... ويمكن للدولة خلال السنة المالية أن تقدم سلفات إلى الصندوق لتحقيق التوازن في موازنته، تحدّد بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء شروط هذه السلفات وكيفية تسديدها. وإذا حدثت كارثة وطنية أدت إلى عجز بالغ في الصندوق، يمكن للدولة ان تمنح الصندوق مساعدة استثنائية تحدّد على أساس إعادة التوازن المالي بدون زيادة الاشتراكات».

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الدولة أمام «فخّ» سلامة

الدولة أمام «فخّ» سلامة

شباط 14, 2020 23 مقالات وتحقيقات

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة…

شباط 13, 2020 37 مقالات وتحقيقات

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهكونه

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهك…

شباط 13, 2020 33 مقالات وتحقيقات

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائر

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائ…

شباط 13, 2020 38 مقالات وتحقيقات

الضمان يبتزّ الأُجراء

الضمان يبتزّ الأُجراء

شباط 13, 2020 39 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة ا…

شباط 12, 2020 44 مقالات وتحقيقات

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين…

شباط 12, 2020 50 مقالات وتحقيقات

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت التحقيقات؟

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت الت…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال المودعين: اطردوا رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال ال…

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القروض 6 أشهر المادة 36 تغطي القروض المدعومة من مصرف لبنان فقط!

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القر…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تعذيب وإخــفاء قسري!

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تع…

شباط 07, 2020 78 مقالات وتحقيقات

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد الناشطين «بالمفرّق»

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد ال…

شباط 07, 2020 57 مقالات وتحقيقات

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأملاك البحرية

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأمل…

شباط 07, 2020 63 مقالات وتحقيقات

المصارف تسهم في موت الصناعة

المصارف تسهم في موت الصناعة

شباط 07, 2020 79 مقالات وتحقيقات

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

شباط 07, 2020 69 مقالات وتحقيقات

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشبكة وعقدا الصيانة والتشغيل في مهبّ الريح

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشب…

شباط 06, 2020 71 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 68 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 98 مقالات وتحقيقات