جريدة الجمهورية | بروفسور جاسم عجاقة | الاثنين 18 حزيران 2018

تسارعت وتيرة الزيادة في الدين العام في الأشهر الثلاث الأولى من العام 2018 حيث بلغت 3 مليارات دولار مقارنة بمُعدّل سنوي يبلغ 3.1 مليار دولار! هذه الوتيرة تُنذر بدخول الزيادة مرحلة التصاعد «الإسّي» والتي بغياب إجراءات فعلية ستكون لها تداعيات كارثية.

يُشكّل الدين العام مع الضرائب، الوسائل المُتوفّرة أمام الحكومات لتمويل موازناتها، وتنصّ النظرية الإقتصادية أن هذه المداخيل هي الوحيدة المُتعارف عليها في ظل غياب موارد طبيعية. وبالتالي فإن تغطية إنفاق الدولة المؤلّف من الإنفاق العام وخدمة الدين العام يفرض أن تكون هذه المداخيل أعلى من إنفاق الدولة كي لا يكون هناك عجز في الموازنة.

مُشكلة التموّل من خلال الإستدانة تفرض إدارة دقيقة للإنفاق العام من ناحية أن عدم السيطرة على هذا الإنفاق يزيد من قيمة الدين العام وبالتالي خدمة الدين العام، مما يعني إنفاق الدولة الإجمالي. هذا الأمر يُدخل مالية الدولة في حلقة مُفرغة تفرض الإستدانة وتزيد الإنفاق مما يعني زيادة الإستدانة، ليدخل الدين العام في مرحلة تسارع «إسّي» (Exponential) يصعب معه لجم هذا التسارع إلا بواسطة إجراءات تقشفية شبيهة بتلك التي تحصل في اليونان والتي تفرض واقعا إجتماعيا تعيسا.

بلغت قيمة الفوائد على الدين العام التي دفعها لبنان منذ تشرين الثاني 1998 وحتى نهاية العان 2017، 71 مليار دولار أميركي! وقد بلغت قيمة خدمة الدين العام في العام 2017، خمسة مليارات دولار مقارنة بـ 195 مليون دولار تسديد أقساط ديون، مما يُظهر سرعة تسارع زيادة الدين العام الناتجة عن تحوّل خدمة الدين العام إلى دين عام.

تسارعت وتيرة الزيادة في الدين العام في الأشهر الثلاث الأولى من العام 2017، مع مُعدّل شهري بلغ مليار دولار مقارنة بـ 185 مليون دولار في العام 1998 و400 مليون دولار في العام 2016. هذا التسارع في الوتيرة هو نذير شؤم يتوجّب على الدولة اللبنانية عمل ما يلزم بهدف لجم الإنفاق وتحفيز النمو الإقتصادي لزيادة حصيلة مداخيلها من الضرائب.

ولإثبات صحّة هذا الطرح، قمنا بمقارنة الزيادة السنوية للدين العام بقيمة الميزان الأوّلي على عدّة سنوات (الرسم البياني).

تُظهر هذه المُقارنة أن إرتفاع الميزان الأوّلي يؤدي إلى خفض وتيرة زيادة الدين العام إذ يكفي رفع هذا الميزان إلى 1.5 مليار دولار لتنخفض وتيرة زيادة الدين العام إلى 1 مليار دولار سنويًا (خلال الفترة موضوع الدراسة).

هذا الأمر تُثبته أيضًا النظرية الإقتصادية بقولها أن الإنضباط في المالية العامة يتمّ من خلال القيود على ميزانية الدولة وذلك عبر تمويل النفقات الإجمالية في الميزانية لكل سنة مالية من الضرائب أو من الإصدارات لسندات خزينة والتي يُمكن وضعها في المعادلة التالية: الإصدارات الجديدة (أو زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام.

هذه المعادلة تسمح بتفسير وتيرة إرتفاع الدين العام الذي يزيد إمّا لأن الدولة تُسجِّل عجزاً أولياً (أو أقلّ من قيمة خدمة الدين العام)، أو لأن الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النمو يزيد. وتطبيق هذا التحليل على الواقع اللبناني يُظهر أن إرتفاع وتيرة زيادة الدين العام اللبناني هو بسبب تسجيل الميزان الأوّلي قيمة أقلّ من قيمة خدمة الدين العام ولكن أيضًا لأن الفائدة على الدين العام هي بحدود الـ 7% في حين أن النمو الإقتصادي هو بحدود الـ 1.8%. بمعنى آخر أن الفوائد على الدين العام هي بحدود 6.6 مليار دولار مقارنة بزيادة في الناتج المحلّي الإجمالي بقيمة 1 مليار دولار! يأتي تردّي وضع المالية العامّة في لبنان من أربعة عوامل رئيسية:

أولًا: سياسة الدين العام التي اتّبعتها الحكومات المُتعاقبة والتي إنعكست في خدمة الدين العام.

ثانيًا: الوضع الإقتصادي الحالي والذي لجم مداخيل الدولة من الضرائب على النشاط الإقتصاد أي بمعنى أخر أن عجز الموازنة إرتفع بحكم الوضع الإقتصادي الحالي بمعزل عن الخيارات الهيكلية في الموازنة (مُعدّل الضرائب ومستوى الإنفاق).

ثالثًا: غياب أي خطط إصلاحية إقتصادية لزيادة حجم الإقتصاد وخفض عجز الميزان التجاري مما أدّى إلى تآكل هيكلي في الإقتصاد نتج عنه تحويل هذا الإقتصاد إلى إقتصاد ريعي.

 

رابعًا: سياسة إنفاق عامة أخذت منابعها من ثقافة «الوفاق الوطني» بُعيد الحرب الأهلية والتي رفعت مستوى الإنفاق الهيكلي في الموازنة إلى أرقام تفوق قدرة الدوّلة. هذا الأمر بالتزامن مع حرمان الخزينة العامّة من مليارات الدولارات نتيجة التهرّب الضريبي والفساد المُستشري مما ألغى أي قدّرة للدولة للقيام بأية إستثمارات بهدف تحفيز النمو الإقتصادي بحسب ما تنصّ عليه نظرية «كينز».

يؤيّد «كينز» بشدّة فكرة السياسات المالية المُضادّة للدورات الإقتصادية والتي يُمكن إعتبارها من أهمّ طروحات «كينز». فبالنسبة لهذا الأخير العجز في الموازنة بهدف الإستثمار والتحفيز الضريبي في فترات الركود الإقتصادي هو أمر يتوجب على الدولة القيام به على أن تكون زيادة الضرائب في فترات النمو القوي للجم التضخم وتهدئة الإقتصاد ومنعه من الغوص في أزمات إقتصادية ومالية، من الأمور الواجب القيام بها. ويُبرر «كينز» ذلك بقوله أن توازن المالية العامة للدولة (أي عجز الموازنة) ليس بالمقياس الصحيح لسياسة الحكومة المالية.

تثبت أرقام الموازنة عدم قدرة الدولة على القيام بأية إستثمارات ولا حتى أي تحفيز ضريبي يُذكر، كما أن إستمرار الوضع على ما هو عليه يعني وبدون أدنى شكّ إرتفاع الضرائب في الأشهر والأعوام القادمة عملا بالمبدأ الإقتصادي «دين اليوم هو ضرائب الغد». لذا نرى أن أمام الحكومة إجرائين يتوجّب عليها القيام بهما:

أولًا: تفعيل جدّي وشفاف للشراكة بين القطاعين العام والخاص في كل ما يخصّ المشاريع العامة وعلى رأسها الطاقة ولكن أيضًا البنية التحتية التكنولوجية وحتى مشاريع لها صفة عامة-خاصة. هذا الأمر يسمح للدولة بتفادي الإستدانة بهدف القيام بإستثمارات، لكن في المقابل المفروض تدعيم الشفافية، محاربة الفساد وتحسين مناخ الأعمال.

ثانيًا: وضع سياسة ضريبية تحفيزية لجذب الإستثمارات مع سقف ملياري دولار أميركي كحدّ أقصى لقيمة إستثمارية تبلغ أقلّه 13 مليار دولار أميركي. والعجز الناتج عن هذا الإستثمار يُمكن تعويضه بزيادة الضرائب في فترات النمو الإقتصادي العالية (أكثر من 4%).

في الختام لا يسعنا القول إلا أن الوضع المالي الحالي للدولة اللبنانية هو أمر غير مقبول ويتطلّب إجراءات سريعة. وإذا إستطاع مصرف لبنان بفضل سياسة الثبات النقدي، المحافظة على مستويات مقبولة من الفائدة مُقارنة بنسبة المخاطر، إلا أن إستمرار الوضع المالي على ما هو عليه سيكون كارثي على كل الأصعدة.

 

سلوى البعلبكي

النهار-4-12-2017

أمّا وقد أقرت سلسلة الرتب والرواتب ومعها الضرائب المموِّلة لها، وتخطى لبنان بنجاح كل ما خلّفته من صخب وضجيج، أصبح في الامكان مقاربة تأثيراتها في الاقتصاد على نحو عقلاني وموضوعي، بعيداً من الاعتبارات الانتخابية والشعارات الشعبوية.  

 

قبل أيام قال وزير التربية مروان حمادة في معرض حديثه عن سلسلة الرتب والرواتب في المدارس الخاصة ما حرفيته: "ما يزيد الطين بلة أن مشكلة الرواتب والاقساط جاءت في وضع اقتصادي سيئ وفي أجواء سياسية ضبابية". وما ينطبق على المدارس التي سيدفع تكاليفها الطلاب ينطبق على كل القطاعات التي ستتأثر بإقرار السلسلة والتي سيدفع تكاليفها أولا وأخيرا المواطن اللبناني. فما هي أبرز تأثيراتها الاقتصادية؟

لم يجد رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني حرجاً باعتبار السلسلة "رشوة انتخابية تُدفع من جيب الشعب الكادح وتذهب إلى قطاع عام فضفاض وغير منتج". واستنادا الى توقيت السلسلة واخراجها (إقرارها قبل بضعة أشهر من الانتخابات، وتصوير النقابيين لها كأنها هدية سياسية لموظفي القطاع العام)، فإن هدفها وفق ما يؤكد مارديني انتخابي بحت. وبعيدا من هذا الهدف، يركز مارديني على "ان عجز الموازنة للعام 2017 سيرتفع إلى 9.54%، ما يعني أنه ينبغي خفض نفقات الدولة 5.2 مليارات دولار بغية العودة إلى التوازن المالي الذي أصبح ضرورة وطنية في ظل ارتفاع الدين العام إلى 76.5 مليار دولار أي 149% من الناتج القومي. وفي حين أنه كان على الدولة عصر النفقات، عمدت الحكومة إلى زيادتها عن طريق إقرار السلسلة، ما يضع لبنان في خطر مواجهة أزمة دين مماثلة لليونان. وما خفض التصنيف الائتماني للبنان، إلّا دليل إضافي على التهور في إدارة الشؤون المالية للبلاد وعلى توجهها الحتمي نحو الإفلاس المالي"، وفق ما يؤكد مارديني.

في الحالات الطبيعية، عندما يعاني الاقتصاد من جمود أو انخفاض في الناتج المحلي، تقوم الدولة بتسهيلات أو تحفيزات لعل إحداها الخفوضات الضريبية، مثل الخفوضات التي قامت بها بريطانيا أخيرا لجبه انخفاض النمو. فماذا عن لبنان؟ يوضح المحلل الاقتصادي مجدي عارف، ان لبنان يعاني من أزمة كبيرة منذ العام 2011 عندما انخفض النمو الاقتصادي من 10.1% في العام 2009 إلى 0.9% في العام 2011، وبقي لبنان على هذه الحال السيئة حتى اليوم. وبدل أن تقوم الدولة بتسهيلات لتسريع عجلة النمو، قامت بعكس ذلك تماما، إذ فرضت قيوداً إضافيةً على النمو الاقتصادي وعلى الشعب من أجل تمويل السلسلة. وقد أدى إقرار الضرائب في معظم الدول الّتي أقرت فيها بحسب دراسة لمنظمة التعاون والتنمية الى انخفاض الإنتاجية وانخفاض الاستثمارات وانتقال رؤوس الأموال الأجنبية إلى دول أخرى تجذب الاستثمارات بالتسهيلات والخفوضات الضريبية، كما اختفت بعض السلع من الأسواق نهائياً نتيجة ارتفاع أسعارها، فيما انخفضت نسبة الادخار الذي هو ركيزة للنمو الاقتصادي والاستثمار المحلي.

وما غاب عن أذهان صانعي القرار، وفق عارف، هو ان الضرائب تشكل نسبة من الناتج المحلي، ومعظم الضرائب التي أقرت تتأثر بشكل مباشر بحجم هذا الناتج، أي ان ايرادات الدولة من هذه الضرائب تزداد عند ارتفاع الناتج المحلي وتنخفض عند انخفاضه. فعند ارتفاع الضريبة على الإسمنت ومواد البناء بكلفة 6 آلاف ليرة، فإن الطلب عليها سينخفض، وسيتباطأ القطاع بأكمله، وتاليا فإن الإيرادات الضريبية للدولة من هذه السلعة ستنخفض أيضا. وهكذا لن يكون مردود الضرائب على الدولة كما كان متوقعاً، بل سيكون أقل من ذلك بكثير. لذا ينبغي، برأي عارف، ان تكون دراسة مردود الضرائب مبنية على الناتج المحلي المتوقع بعد فرض الضرائب، لا قبلها.

بحسب البنك الدولي كان يفترض أن يصل نمو الناتج المحلي في لبنان لسنة 2018 الى2.9%، ولكن مع الضرائب الجديدة، يرى عارف أن هذه النسبة ستنخفض بشكل ملحوظ إلى نحو 1.8% فقط، أي بنسبة 62%، لذا ستكون إيرادات الدولة للسنوات المقبلة أقل من التوقعات بكثير. وتاليا فإنه مع الغلاء المعيشي الذي سيطاول الجميع، فإن الموظفين سيطالبون مجددا بسلسلة جديدة. فهل تقرر الحكومة رفع الضرائب مرة أخرى لتؤمن هذه الرواتب على حساب القطاع الخاص؟

أما بالنسبة الى القطاع الخاص، فإنه سيعاني الأمرّين، إذ سيتعرض لخسائر بسبب انخفاض مبيعاته وارتفاع تكاليف إنتاجه، وسيضطر إلى دفع 2% من الضرائب الإضافية على أرباحه المنخفضة أصلا بسبب سوء الوضع الاقتصادي، بدل أن تستثمر في مشاريع جديدة أو تذهب الى الادخار. فالتاجر الذي سيدفع الضرائب التي فرضت على المستوعبات المستوردة، سيضطر الى رفع سعر السلع والمنتجات بنسبة كبيرة. ليس هذا فحسب، فقد تكون السلعة الواحدة خاضعة لأكثر من ضريبة. فالكحول المستوردة مثلا ستكون خاضعة لثلاث ضرائب: الضريبة المفروضة على الكحول، وضريبة المستوعبات المستوردة، والضريبة على القيمة المضافة.

كذلك، سترتفع كلفة التصنيع. فعند شراء المصانع للمواد الأولية، ستدفع الضريبة على القيمة المضافة. وسيؤدي ذلك طبعا إلى انخفاض القدرة التنافسية للسلع المحلية، التي تعاني أصلا من ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب الفاتورة المزدوجة للكهرباء وتردي البنى التحتية وصعوبة ممارسة الأعمال في لبنان.

كل هذا سيضطر الشركات الى تسريح عدد من عمّالها، وهذا ما أثبتته دراسة لجامعة كنتاكي وكارولينا الشمالية أن كل ارتفاع بنسبة 1% للضرائب على الشركات يؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة بين 0.2 و0.5%.

ولكن أمَا من ايجابيات للسلسلة؟ يلفت عارف الى ان الزيادة في الأجور ستفيد موظفي القطاع العام الذين يبلغ عددهم 270 ألف موظف، إلا أنها في المقابل ستضر بموظفي القطاع الخاص البالغ عددهم أكثر من 4 أضعاف موظفي القطاع العام، موضحا أن "الضرائب تطاول فعليا الشعب اللبناني أو 6 ملايين نسمة بحسب التقديرات، وخصوصا ذوي الدخل المحدود، لخدمة 270 ألف موظف أو 4.5% من اللبنانيين".

وعلى رغم توافر العديد من الحلول للمشاكل التي يواجهها القطاع العام، قرر صانعو القرار معالجة العوارض بدل معالجة المشكلة نفسها. من هنا فإن مارديني وعارف يؤكدان أن المشكلة ستتفاقم وتصبح أكثر سوءا، كونها تكمن في حجم إنفاق القطاع العام، وما السلسلة إلّا زيادة كبيرة لهذا العجز الذي سيشعر بأعبائه كل اللبنانيين من دون استثناء.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

المصدر: جريدة النهار

 

موريس متى

 

 

شكل الحديث عن إرتفاع الاسعار في الاسواق اللبنانية، الملف الابرز خلال الايام الماضية بعد إقرار مجلس النواب سلة ضرائب جديدة تطاول بمعظمها كل الشرائح وليس الاغنياء فقط.

 

اختلفت الآراء بين جمعية المستهلك ووزارة الاقتصاد والتجارة حول التغيّرات التي شهدتها الاسعار في الوقت الذي يؤكد فيه وزير المال علي حسن خليل أن الضرائب والرسوم التي اقرت لا تمسّ الفقراء الا بنسبة 22% وان 87% منها تطاول الاغنياء والمؤسسات والمصارف. وتؤكد وزارة الاقتصاد انها تقوم بإعداد تقارير حول اسعار السلع الغذائية كل شهر، ويتم تعميمها على الموقع الالكتروني للوزارة. وفي مقارنة بين شهري تموز وآب 2017، تبين انخفاض اسعار سلة السلع الغذائية والاستهلاكية بنسبة 0.17%، وبالمقارنة مع شهر آب 2016 تبين انخفاض بنسبة 0.82%. كما ان تقرير حركة اسعار السلع الغذائية لشهر ايلول 2017 الصادر عن وزارة الاقتصاد والتجارة اظهر انخفاضاً عاماً في الاسعار بنسبة 0.08% مقارنة بشهر آب 2017 وبنسبة 0.70% مقارنة بشهر ايلول 2016. وبالمقارنة بين الاشهر التسعة الاولى من عامي 2016 و2017، تبين وجود انخفاض في اسعار السلة الغذائية بنسبة 2%. وتؤكد الوزارة وجود شبه استقرار في اسعار السلع الغذائية باستثناء السلع الموسمية من خضروات وفواكه، وهذا عائد الى عوامل عدة منها ارتفاع المنافسة بين المؤسسات التجارية وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن اللبناني.

 

الاسعار إرتفعت

ردت جمعية حماية المستهلك على هذه الأرقام، واكدت نائبة رئيس الجمعية الدكتورة ندى نعمه ان الجمعية تقوم منذ 10 سنوات بإصدار مؤشر الاسعار الذي يحوي على 145 سلعة وخدمة ذات الاستهلاك شبه اليومي للعائلات، والذي لاحظ في الاشهر الاولى من هذه السنوات إرتفاع قارب الـ 4.33%، و لم تكن السلسلة والضرائب يومها قد أقرت. واليوم، بعد إقرار الضرائب والرسوم من المنتظر تسجيل المزيد من الإرتفاعات على الاسعار بالاضافة الى مخاوف من حصول فوضى في الاسواق خاصة نتيجة زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10% الى 11% والتي تشمل كل المستهلكين، من فقراء وأغنياء ومتوسطي الحال، اذ انها تُستثنى من بعض المواد الغذائية والاستهلاكية، ولكن تدخل في كلفة انتاجها مما ينعكس إرتفاعاً في الاسعار. وتعتبر نعمه ان سلسلة الضرائب التي أقرت تطاول كل الشرائح الاجتماعية وأكثرها يشمل الفقراء. وتؤكد ان مؤشر سلة الاسعار سجل خلال الفصلين الاولين من هذه السنة إرتفاعا قارب4.1%، وهذه الزيادات لم نشهدها خلال الأعوام الماضية عندما كانت الارتفاعات التي تُسجل على مؤشر الاسعار شبه معدومة.

 

الضريبة على القيمة المضافة

تؤثّر الضريبة على القيمة المضافة على كل السلع والخدمات باستثناء تلك المنصوص عليها في قانون الضريبة على القيمة المضافة، اذ تحدد المادتان 16 و17، السلع والخدمات المعفية من الضرائب على القيمة المضافة والتي لا تطاولها نسبة 1%. وتشمل الخدمات الطبية، التعليم، التأمين، خدمات مصرفية، الجمعيات التي لا تبغي الربح، النقل المشترك، المراهنات، تأجير العقارات السكنية، أعمال المزارعين، المواشي والدواجن والاسماك واللحوم، المواد الزراعية والغذائية غير المصنّعة، الخبز والطحين والالبان والاجبان والحليب، البرغل، السكر، الملح، المعكرونة، الارز، الكتب والمجلات والصحف، الطوابع البريدية والمالية، الغاز، المبيدات والآلات الزراعية، المعدات الطبية، الاحجار الكريمة، النقود الورقية والمعدنية، اليخوت، ووسائل النقل الجوي. ورغم أن الضريبة على القيمة المضافة لا تشمل هذه السلع والخدمات، الاّ ان اسعارها ستتأثر ارتفاعاً لكون كلفة التصنيع سترتفع. لذا تظهر مخاوف من ان ترتفع اسعار غالبية السلع والخدمات من 10 الى 15%، مما سيفقد المواطن جزءاً من قدرته الشرائية وبالتالي سينعكس سلباً على الايرادات المتوقعة من رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% والمقدرة بنحو 300 مليار ليرة. مع الاشارة الى أن زيادة الـTVA لن تدخل حيّز التنفيذ قبل 1 كانون الثاني 2018.

 

المراقبة الخجولة

أما في ما يتعلق بالمراقبة، فتؤكد وزارة الاقتصاد والتجارة بأنها كسائر الادارات العامة تتحرك وفق الصلاحيات المعطاة لها بموجب النصوص القانونية النافذة وفي ظل النظام الاقتصادي الحر الذي يتمتع به لبنان، لذا فان الوزارة تستطيع التدخل في موضوع الاسعار من خلال المرسوم الرقم 73/83 وخصوصاً المادة 7 منه التي تحظر ان يتجاوز سعر البيع للسلعة في حده الاقصى، ضعف سعر الكلفة. كما يقوم مراقبو الوزارة بالتأكد من الالتزام بأسعار بعض السلع او الخدمات التي تصدر قرارات تسعيرية بشأنها من بعض الادارات العامة مثل المحروقات (وزارة الطاقة والمياه)، وبطاقات تعبئة الخطوط الخليوية المسبقة الدفع والخطوط الخليوية (وزارة الاتصالات)، والخبز والفروج (وزارة الاقتصاد والتجارة)، والتبغ (ادارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية)، والاشتراكات الشهرية للمولدات الكهربائية الخاصة (وزارة الطاقة والمياه) وتعرفة مواقف السيارات (محافظتي بيروت وجبل لبنان). وتؤكد وزارة الاقتصاد ان الرقابة على بعض القطاعات الخدماتية التي شهدت ارتفاعاً في الاسعار لا تدخل ضمن صلاحياتها، كأقساط المدارس واسعار بطاقات السفر.

وفي هذا الاطار، تقوم الوزارة بإجراء عمليات الرقابة في الاسواق للتأكد من التزام النصوص القانونية النافذة، وفي حال المخالفة يتم تنظيم محاضر ضبط بالمخالفين واحالتها على القضاء المختص الذي له وحده صلاحية تحديد العقوبة وفرض الغرامات المالية، وذلك عملاً بأحكام قانون حماية المستهلك. وقد قامت المديرية العامة لوزارة الاقتصاد والتجارة عليا عبّاس بجولة على المؤسّسات التجاريّة برفقة مراقبي الوزارة للاطلاع على الأوضاع في الأسواق، وللتأكّد من الأسعار ومراقبة أي تلاعب بها من التجّار بعد اقرار القوانين الضريبيّة، مؤكدة تكثيف جولات مراقبي مصلحة حماية المستهلك في كل المناطق. ولفتت عباس الى ان المراقبين يقومون بمراقبة اسعار السلع قبل اقرار الضرائب وبعدها لاجراء المقارنات ثم يطلبون الفواتير من التاجر للتأكد من مصدر رفع الاسعار. ودعت عباس المواطنين الى أن يكونوا شركاء للوزارة وأن يبلغوا عن المخالفات عبر الاتصال على الرقم 1739 أو عبر تحميل التطبيق Consumer Protection Lebanon أو تقديم الشكوى شخصياً في الوزارة. وفي الختام، يبقى السؤال: أي رقابة سيُكتب لها النجاح مع عدد مراقبين يقارب الـ 100 مراقب لتغطية كل الاراضي اللبنانية، والى متى يبقى المواطن مرة جديدة ضحية جشع بعض التجار ولا مبالاة بعض أهل السياسية؟.

طَرَحَ قرار إبطال قانون الضرائب في #المجلس_الدستوري جملة من القضايا دفعة واحدة. 

 

-1-

البلد أشلاء.

اشلاء لا يجمع بينها سوى فرضيّة انها تنتمي الى جسد واحد لا يزال حيًّا.

القوانين لا تحترم الدستور والممارسة الفعليّة لا تحترم القوانين.

السياسة والأمن، غريبان.

السلطة التنفيذيّة والسلطة التشريعيّة، شقيقان عدوّان.

السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، كلٌّ يغني على ليلاه.

العمّال وأصحاب العمل والدولة، حوار الضرورة القصوى والاستخفاف المتبادل.

#السلسلة والموازنة العامة والضرائب، فصل ما لا يمكن فصله.

-2-

لم يتحوّل البلد الى أشلاء بالمصادفة. العنف الفعلي والرمزي للميليشيات والقوى الخارجيّة ابان الحرب. العنف الفعلي والرمزي للاحتلال الاسرائيلي والوصاية السورية ما بعد الحرب. الممارسات المكتسبة، المسلّحة وغير المسلّحة، ما بعد إنسحاب الاسرائيليين والسوريين.

خلال عهد الوصاية السوريّة سميّت سياسة الأشلاء "سياسة التخصيص": الحريري و"المستقبل" للاقتصاد، بري و"أمل" للقطاع العام، "حزب الله" للمقاومة والتحرير، جنبلاط والاشتراكي للمهجرين. الجميع متخصص. وحدها الوصاية السورية قادرة على تأمين النصاب و"المشترك" بين المتخصصين، وإلاّ لا نصاب.

هذا اللانصاب يعاني منه البلد منذ إنسحاب الجيش السوري. وبدل العودة الى الدستور والاحتكام اليه في عمل المؤسسات واتخاذ القرارات، لجأت الاحزاب المذهبيّة الحاكمة الى "التفاهمات" والصفقات في ما بينها أو بعضها ضدّ بعض، كبديل عمّا ينص عليه الدستور. وليس مصادفة ان تتضمّن "التفاهمات" مبادئ عامة وليس برامج، فهي في ذهنيّة واضعيها قواعد بديلة عمّا ينص عليه الدستور. وقد توّجت هذه التفاهمات بمسارين سياسيين مخالفين للدستور؛ التمديد لمجلس النواب والفراغ الرئاسي. تقاطع المساران وهما يتحكّمان اليوم بآليات الحكم في لبنان.

كلمة دستور بالفرنسية (Constitution) مشتقّة من اللاتينيّة: cum وتعني "معًا" و stature وتعني "إنشاء"، ويصبح المعنى العام للدستور هو ان ننشئ معًا.

أمّا كلمة دستور في العربيّة فهي مشتقّة من الفارسيّة المركّبة، "دست" بمعنى القاعدة و"وَر" أي صاحب.

عندما يغيب الدستور، تغيب معه الـ"معًا" و"القاعدة" فيصبح البلد أشلاء.

-3-

لافتٌ ومحزن عدم حساسية الكثير من النقابيين والناشطين في المجتمع المدني حيال مسألة عدم دستورية القوانين وقرارات السلطة.

أفهم انهم خائفون على السلسلة. او ان المصارف تستفيد من إبطال قانون #الضرائب. أو ان بعض النواب مقدّمي الطعن قد يكونون متواطئين مع المصارف. أو ان بعض أعضاء المجلس الدستوري قد لا يكونون بهذه الصدقيّة ولا سيّما انهم مرّروا الكثير من القوانين غير الدستوريّة. أو ان قرار المجلس الدستوري هو جزء من الصراع بين الرئاستين الأولى والثانية.

لكن أهم ما في قرار المجلس الدستوري انه يطرح قضية الموازنة العامة بطريقة جازمة: "كان ينبغي ان تصدر الموازنة في مطلع كل سنة وان تشتمل على جميع نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة... ولا يجوز للدولة الجباية إلاّ بصكّ تشريعي يتحدّد سنويًّا وهو بالتحديد الموازنة... وبما انه في الانظمة الديموقراطية لا شرعية للضريبة إلاّ إذا كانت قد اقرّت جبايتها بحرية من قبل الأمة، ويعود لمجلس النواب ان يعبّر عن هذه الموافقة التي لا يمكن إلاّ ان تكون مؤقتة والتي يجب تجديدها دوريًّا (من خلال إدراجها في الموازنة وإقرارها سنويًّا)"، وهذه الموازنة لا يمكن ان تصدر بدون "إجراء قطع حساب في نهاية كل سنة مالية".

طبعًا، لقد خالفت السلطات المتعاقبة منذ أكثر من عقد كل هذه القواعد الخاصة بالموازنة العامة. لكن هنا ايضًا قد لا يهتم النقابيون بلا دستوريّة ممارسات السلطة حتى في ما يتعلّق بالموازنة العامة، بحكم ارتباط هذه الممارسات بعوامل محليّة وإقليميّة لا قدرة لهم على التحكّم بها. وهم لذلك يفضلون التركيز على الهمّ المعيشي. وهنا الطامة الكبرى.

-4-

فهم لا يبالون فقط بلا دستوريّة الموازنة العامة بل بتفاصيلها أيضًا: إنفاقها، مواردها، عجزها. فالموازنة العامة ليست حاليًّا على جدول أعمال الحركة النقابيّة.

قد يكون هذا مبرّراً نسبيًّا لو كنّا نتكلّم عن زيادة معاشات في القطاع الخاص. لكنّنا نتكلّم عن سلسلة رتب ورواتب للقطاع العام وستدفع من الموازنة العامة. قد يكون هذا مبرّراً نسبيًّا لو كنّا في حالة وفر أو توازن في الموازنة. لكنّنا في حالة عجز كبير نتيجة الفساد والهدر والديون وغيرها. ممّا جعل الكثير من الخبراء يحذّرون من انهيار مالي وإنخفاض خطير في سعر صرف الليرة اللبنانيّة، إذا لم تبادر الدولة لوضع سياسة خفض للعجز وتنفيذها تدريجيًّا وعلى سنوات. ولا حاجة للبرهنة أن من سيدفع ثمن الانهيار المالي، هم في الدرجة الأولى العمّال والموظفون الذين يعيشون من أجورهم بالعملة الوطنيّة. ولنا أمثلة على ذلك في ما حصل لهذه الأجور في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات نتيجة التراجع المخيف لسعر صرف الليرة اللبنانيّة. في حين ان الطبقة السياسيّة الحاكمة والميسورين سيتمكنون من الصمود لا بل من زيادة ثرواتهم، من خلال عملاتهم الأجنبيّة في الداخل وفي الخارج.

الأمر نفسه ينسحب على قضيّة الضرائب. حتى الآن لا تتعاطى النقابات المعنية بجديّة مع هذه المسألة، باستثناء ما طرحته القيادة السابقة لهيئة التنسيق النقابية في هذا الخصوص. ولا تُطرح الضرائب أيضًا بجديّة على جدول أعمال الإتّحاد العمّالي العام كما انه جرى التعامل معها بعشوائيّة خلال الحراك المدني الأخير الذي حاول التصدّي لهذه القضيّة، لكنّه عجز عن الاتفاق على سلة مطالب وعن التفاوض مع الحكومة على رغم ان هذه الأخيرة كانت في موقف بلبلة وضياع مما دفع رئيسها الى زيارة الاعتصام ودعوة قيادة الحراك الى التفاوض.

إضافة الى ان الضرائب هي مصدر أساسي من مصادر تمويل الموازنة العامة ومن ضمنها السلسلة، أشارت دراسات معاصرة الى الترابط الوثيق بين الضرائب من جهة ومستوى الديموقراطيّة ومؤشر التنمية البشرية والعدالة الإجتماعيّة من جهة ثانية. كلّما ارتفع ثقل الأولى في الناتج المحلّي، ارتفع ثقل الثانية والثالثة والتأثير متبادل بين الثلاثة.

بغض النظر عن الجدال الدستوري، حول ما إذا كانت الضرائب يجب ان تُدمج في الموازنة العامة أو تُطرح من خارجها، على النقابات الاّ تشيطن الضرائب بحدّ ذاتها، بل على المطلب أن يكون ذا شقّين: ضد الضرائب الجائرة ومن أجل سياسة ضرائبيّة عادلة. والشق الأخير هو ما يجب ابداعه والضغط من اجل تحقيقه.

-5-

لقد احسن الاتحاد العمّالي العام وهيئة التنسيق النقابيّة باستعجال الضغط على الحكومة ومرافقة اجتماعاتها بالاضراب والاعتصامات، لإجبارها على تطبيق قانون السلسلة. كذلك احسنت المعارضة النقابيّة المتمثلة في التيار النقابي المستقل والاتحاد الوطني للنقابات، بالمشاركة في التحرّك، وهي كانت قد استبقت الآخرين بالنزول الى الشارع.

المطلوب متابعة الضغط لكن ضمن استراتيجيا أوسع، تشمل الى جانب تطبيق قانون السلسلة، إجبار الحكومة على الحوار والتفاوض في شأن الموازنة العامة والسياسة الضرائبيّة.

قد تلجأ الحكومة الى احتكار مسألة بت الموازنة العامة والضرائب بمعزل عن مشاركة النقابات، مستفيدة من "الارتياح" الذي سيلقاه قبولها بتطبيق السلسلة، ومستفيدة أيضًا من الاهمال التاريخي لهاتين المسألتين من جانب الحركة النقابية.

على الحركة النقابيّة، في المقابل، الاّ تخشى المفاوضة على الموازنة العامة والضرائب، مخافة ان تضطر الى المساومة على السلسلة في حال توسيع مروحة المطالب. فالسلسلة أصبحت حقًّا مكتسبًا نصّ عليه القانون، والظرف السياسي العام لا يسمح بالتراجع عنها ولا بتعديلها، وبالتالي تصبح الطريق مفتوحة للتفاوض على القضيتين الأخريين.

هذا يفترض بالطبع هامشاً من الاستقلاليّة لدى القيادات النقابية في الاتحاد العمالي العام وهيئة التنسيق النقابيّة تجاه احزاب السلطة، التي تهيمن عليهما.

أحبّ ان أصدّق ان هذه الفرضيّة، وبحكم تطوّر البشر بفعل حراكهم الجماعي، قد تحمل احتمالات ولو ضعيفة، بالتحقق.

في جميع الحالات، على المعارضة النقابيّة ان تدفع في اتجاه المفاوضة على الموازنة العامة والسياسة الضريبيّة، حتى ولو أكملت مسيرتها وحيدة وبالتحالف مع قوى إجتماعيّة أخرى...

(خبير وباحث اجتماعي- اقتصادي)

المصدر: جريدة الجمهورية
 
رنا سعرتي
 
 
بعد أن أغرقت الدولة نفسها في مأزق سلسلة الرتب والرواتب وضرائب تمويلها، أصبحت أطراف الانتاج مرغمة على الاقتناع بضرورة دفع السلسلة وفرض الضرائب، إلا ان الضرائب التي يقبل بها ارباب العمل، يرفضها العمال.

يعقد مجلس الوزراء جلسة اليوم للتوصل الى حلّ لأزمة سلسلة الرتب والرواتب التي «طيّر» المجلس الدستوري ضرائب تمويلها، والتي يستنفر موظفو القطاع العام لمواجهة اي قرار حكومي قد يؤجل دفع رواتب الشهر الحالي وفقا للسلسة الجديدة.

 

ورغم ان وزير المالية علي حسن خليل أعلن امس أن الوزارة حضّرت جداول دفع الرواتب وفق السلسلة الجديدة التزاماً منها بالقانون النافذ، يبقى أن تبتّ الحكومة اليوم هذا الأمر وتختار بين إعادة الضرائب من خلال اقرار الموازنة او عبر صياغة قانون ضرائب جديد يراعي الثغرات التي سطّرها المجلس الدستوري، حيث ان وزير المالية اعلن انه أنجز التعديلات المتعلقة بالضرائب التي أشار اليها قرار المجلس الدستوري تمهيداً لإقرارها وفق الاصول.

 

وفيما يبلغ معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان 148 بالمئة، وعجز الموازنة 4.9 مليار دولار، لن تستطيع الحكومة العدول عن السلة الضريبية التي ستدرّ إيرادات قدرها 1.1 مليار دولار من اجل تمويل سلسلة الرتب والرواتب المقدّرة بـ 917 مليون دولار سنوياً، وإلا ستواجه خللا في التوازن المالي ومزيدا من الارتفاع في الدين العام مما قد يشكل خطرا على تصنيف لبنان الائتماني.

 

وفق هذه المعطيات، تتجه الحكومة الى تعديل الضرائب وتصحيح النقاط التى أثارها المجلس، لأنه السبيل الوحيد لدفع زيادة الاجور، أي انها، وفقا لاحد المسؤولين، «ستعيد إقرار الضرائب نفسها مع إجراء عملية تجميلية في الصياغة».

 

في هذا الاطار، يجمع الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية على ضرورة دفع السلسلة وعلى وجوب اقرار الضرائب، إلا ان طرفي الانتاج يختلفان على نوعية الضرائب التي يجب اقرارها.

 

وتعمل الهيئات الاقتصادية على تقديم ورقة تتضمن اقتراحات لموارد تغطي كلفة سلسلة الرتب والرواتب.

 

ورأى رئيس الجمعية اللبنانية لتراخيص الإمتياز شارل عربيد لـ«الجمهورية» ان لا احد من المواطنين أكان من ارباب العمل او العمال، يؤيد اقرار ضرائب جديدة بالمطلق، «لان اي ضريبة بشكل مباشر او غير مباشر ستؤدي الى انكماش في مكان ما، أو الى ارتفاع الاسعار». لكنه اشار الى ان الجميع في مأزق اليوم، ويجب ان نجد وسيلة للخروج من هذا الواقع.

 

أضاف: المشرّع هو من يقرّ الضرائب وليس المكلَّف، لأن الاخير يفضل عدم فرض المزيد من الاعباء عليه، خصوصاً انه يرزح اليوم تحت اعباء اقتصادية داخلياً وخارجياً.

 

ودعا عربيد للاستفادة من هذا المأزق «الذي وصلنا اليه من اجل ايجاد الحلول، بعيداً من التقنية الحالية المتّبعة والمتعلّقة بالضرائب.

يجب التفكير في تحفيز النمو وتكبير حجم الاقتصاد من اجل رفع الايرادات الضريبية».

 

وأكد عربيد انه من المتحمسين جدّاً لمحاصرة الهدر في الموازنة، مما يؤمن ايرادات كافية لتمويل السلسلة وغيرها، لكنه عبرّ عن اعتقاده بأن معظم الضرائب سيعاد طرحها بصيغة مصحّحة، «مما سيعيدنا الى نقطة الصفر، لأن الوضع المالي والاقتصادي يحتاج الى سياسات أبعد وأعمق من موضوع الضرائب».

 

وتخوّف عربيد من ان تجتاز الحكومة هذا «القطوع» بفذلكة او هندسة معيّنة من دون الاستفادة من المأزق التي اوقعت نفسها فيه، ومن دون ان تجد حلولا أبعد لانقاذ الاقتصاد «لأن الاستحقاق اليوم مرتبط بالسلسلة والضرائب، لكن المستقبل يحمل استحقاقات عديدة من نوع آخر، في حين ان الوضع الاقتصادي مترنّح وصعب».

 

في المقابل، أكد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر على مسؤولية الحكومة في إيجاد مخارجها لمشاكلها المالية من دون المساس بالفئات الشعبية التي طالب بإلغاء جميع الضرائب التي طالتها في المشروع السابق بما فيها ضريبة القيمة المضافة.

 

وقال لـ«الجمهورية» ان الاتحاد العمالي يؤيد فرض الضرائب على الفئات المقتدرة وعلى الريوع الكبيرة من مصارف وشركات مالية وعقارية ورؤوس الاموال التي سطت على الأملاك البحرية والنهرية.

 

ورفض الاسمر رفضاّ قاطعاً ما يتم اقتراحه حالياً حول رفع الضريبة على القيمة المضافة الى 12 في المئة، معتبرا ان النقاش حول الضرائب اليوم هو تهرّب من دفع السلسلة هذا الشهر.

 

واعلن ان الاتحاد العمالي سيمهل الحكومة 3 ايام من اجل دفع الرواتب الجديدة، وانه بعد ذلك سيدخل في الحوار القائم حول اي قانون ضرائب يطال الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود.

الاخبار

اللقاء الذي عُقد أمس في قصر بعبدا، كان أقرب إلى جلسة استماع منه إلى حوار، إذ خُصص كل مدعو بـ10 دقائق للتعبير عن موقفه من السلسلة والضرائب أمام كبار مسؤولي الدولة: رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير المال وحاكم مصرف لبنان ونحو عشرة وزراء. لم يناقش أحدٌ أحداً، ولم تكن هناك أي مفاجآت على صعيد المواقف المعروفة مسبقاً، إذ إن غالبية المدعوّين من معارضي السلسلة والضرائب. ولولا موقف وزير المال علي حسن خليل، المدافع عن فرض الضرائب على المصارف، لما كان هناك أي موقف مغاير لموقف المصارف وتجار العقارات والمدارس الخاصة

محمد وهبة
 

خرج عدد من المدعوين باعتقاد مفاده «أن الدعوة التي وجّهت من القصر الجمهوري للقاء الحواري كانت مجرّد منصّة اتكأ عليها رئيس الجمهورية ميشال عون، لتبرير قراره الذي سيعلنه لاحقاً». يقول أحد المدعوين إن «توقيت الدعوة ونوعية الحضور ومسار الجلسة، تعزّز الاعتقاد أن موقف الرئيس عون متخذ مسبقاً، وأن إعلانه كان يتطلب حدثاً أكبر من بيان صحافي، أو حتى من مؤتمر صحافي أو رسالة إلى مجلس النواب».

فاللقاء لم يحصل فيه أي حوار من أي نوع كان، على الرغم من أن أفكاراً عدّة طرحت. ما حصل كان تكراراً لمواقف معلنة منذ البداية.
هذا الاعتقاد الذي خرج به المجتمعون ناتج من الهمس المتداول، وهو أن الرئيس، بعدما سمع مواقف المعترضين أو المتضررين الذين تدفقوا إليه في الأيام الماضية، يتجه إلى توقيع قانوني السلسلة والضرائب، على أن يترافق هذا الأمر مع الإيعاز إلى كتلة التغيير والإصلاح بتقديم اقتراحات قوانين معجّلة مكرّرة لإجراء تعديلات تتلاءم مع بعض المطالب، وأبرزها ما يتعلق ببعض مطالب القضاة، وتجارة المواد الكحولية، والازدواج الضريبي للمهن الحرّة، واستثناء أولاد الشهداء من تقسيط السلسلة. وبحسب مصادر مطلعة، فإن النائب ابراهيم كنعان ووزير المال علي حسن خليل يعكفان على انهاء اقتراحات القوانين بتكليف من رئيس الجمهورية وأنه ربما تدرج هذه الاقتراحات في جلسة المجلس النيابي غداً الاربعاء.

الهدف جمع الآراء ودراستها

بدأ اللقاء عند الحادية عشرة من قبل ظهر أمس برئاسة رئيس الجمهورية، وحضره رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وعدد من الوزراء المعنيين، ورئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وممثلون عن نقابات المهن الحرة والهيئات الاقتصادية واتحاد المؤسسات التربوية وهيئات صناعية واجتماعية والاتحاد العمالي العام وأساتذة الجامعة اللبنانية. وبحسب بيان صادر عن القصر الجمهوري، فإن الهدف من الاجتماع هو «البحث في أوجه الخلاف والتناقض واختلاف الآراء بعد تصديق مجلس النواب على قانوني سلسلة الرتب والرواتب في القطاع العام واستحداث بعض الضرائب لغاية تمويل السلسلة المذكورة». وقال عون: «سوف نجمع الآراء وندرسها بالتفصيل لاتخاذ الموقف المناسب من القانونين»، مشيراً إلى أن «هناك مطالب محقّة سوف تحترم، وما نسعى إليه هو تعديل لبعض الأخطاء التي وقعت. إن الإمكانات محدودة، والوضع الاقتصادي دقيق، مع وجود عجز في الميزان التجاري، لذلك لا بد من معالجة مسؤولة وشاملة، وإننا جاهزون لنستمع إليكم بانفتاح ونقيم حواراً حقيقياً يبرز القواسم المشتركة بين الأفرقاء المعنيين».
أما الحريري، بحسب مصادر الحاضرين في اللقاء، فقد التزم تقديم مشروع موازنة 2018 في الموعد الدستوري، مشيراً إلى «أننا نعمل على Capital Investement Plan (خطّة الاستثمار الرأسمالي) التي ستُقام لها جولة على بعض الدول لإطلاقها». وتقول المصادر إن هذه الخطّة هي عبارة عن مؤتمر جوّال يطلب فيه لبنان ضخّ استثمارات رأسمالية من الدول المانحة، أي إنه أحدث نسخة من مؤتمرات باريس، أو بديل من مؤتمر باريس 4. أما موقفه من السلسلة والضرائب، فكان على النحو الآتي: «صحيح أن هناك انقساماً حيال سلسلة الرتب والرواتب، لكن هي المرة الأولى التي تصدر فيها السلسلة مع إصلاحات وعدد من الضرائب».

رياض سلامة

تحدث سلامة عن مؤشرات ارتفاع أسعار الفائدة في الخارج، وقال إن مصرف لبنان «سيتابع السياسات نفسها التي أمّنت الاستقرار سابقاً، ويهمنا استقرار سعر الصرف واستقرار الفوائد. هناك اتجاه خارجي لرفع أسعار الفوائد العالمية وسط منافسة على اجتذاب الودائع في منطقة الشرق الأوسط من ثلاثة مصادر أساسية، هي: تركيا، مصر، قطر». ولفت إلى وجود «أثر سلبي لارتفاع أسعار الفوائد على قطاع السكن، فيما الطلب على القطاع العقاري في أدنى مستوياته لانعدام السيولة الناتجة من انخفاض أسعار البترول في الدول التي يعمل فيها لبنانيون، ولا سيما الخليج وأفريقيا». وقال إن «الوضع الاقتصادي دقيق»، لذلك إن «المقاربة في موضوع السلسلة هي لإبقاء الثقة لدى القطاع المصرفي».

موقف المصارف

لم يخرج كلام طربيه عن موقف جمعية المصارف المعلن مما تسمّيه «ازدواجاً ضريبياً». وقال طربيه: «لسنا ضدّ السلسلة. نحن قطاع مصرفي خاص، ولدينا ودائع بقيمة 180 مليار دولار، لكننا ندير أموال القطاع العام». وأضاف: «نحن ضد الازدواج الضريبي الوارد في الضرائب، وضدّ أن تقرّ الضريبة بمفعول رجعي». ما يقصده طربيه، هو تلك العبارة التي وردت في المادة المتعلقة بزيادة الضريبة على الفوائد ووقف حسمها من ضريبة الدخل. المصارف ترى أن إخضاع المصارف لضريبة الفوائد وإلغاء حسمها من ضريبة الدخل هو ازدواج ضريبي، وأنه لا يجب أن تفرض الضريبة على الالتزامات السابقة للمصارف، بل على الالتزامات الجديدة.
وتكرّر الموقف ضدّ الازدواج الضريبي على لسان نقيب المحامين أنطونيو الهاشم، الذي تحدث أيضاً عن موقف معارض لإبقاء مرور الزمن مفتوحاً لتحصيل الضرائب من الشركات.

المدارس الخاصة

ظهرت الشراسة ضدّ السلسلة عندما طالب الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار بردّها وضرائبها «ردّاً كاملاً وشاملاً»، مشيراً إلى وجود تناقض مع القانون 515 الذي يحدّد تمويل رواتب الأساتذة من الأقساط المدرسية. ولفت إلى أن «السلسلة وضرائبها ليس فيهما أي إصلاح»، علماً بأن تطبيق السلسلة يعني أن «كل مدرسة فيها أقل من 600 تلميذ ستقفل».


طالب رئيس المجلس الوطني للاقتصاديين اللبنانيين صلاح عسيران، بوقف التهرّب الضريبي وعدم تعميم صورة الفساد على التجار بسبب اكتشاف تاجر فاسد، وضرورة وجود مركزية في الجباية لدى الدولة، بالإضافة إلى ضرورة تنفيذ دراسة اكتوارية عن المتقاعدين في القطاع العام لمعرفة قدرة هذا النظام على الاحتمال والاستمرار، مشيراً إلى ضرورة إحياء لجنة المؤشر وتفعيلها.
وطالب رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، بردّ السلسلة وضرائبها، فيما رفض رئيس جمعية تراخيص الامتياز شارل عربيد زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 11%، وشاركه في هذا الموقف رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، الذي أعلن موقفاً مماثلاً لعربيد. وفي المقابل، طالب رئيس نقابة المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود، بتوقيع السلسلة والضرائب، رافضاً كل ما من شأنه أن يؤدّي إلى فصل التشريع بين القطاع الخاص والقطاع العام.
أما الوزراء الحاضرون، فقد التزموا مواقف سريعة. وزير التربية مروان حمادة، قال: «صحيح أننا تحفظنا على السلسلة، لكنني قلباً وقالباً معها». وقال وزير الدفاع يعقوب الصراف: «نحن مع السلسلة، ومع تقسيط الديون للمتقاعدين، لأن الصيغة الحالية مسيئة للاقتصاد».

 

موقف وزير المال

في المقابل، كان هناك موقف من وزير المال علي حسن خليل للردّ على كل المواقف التي أُطلقت على السلسلة والضرائب المستحدثة لتمويلها، سواء تلك المواقف الحادة أو تلك المواقف المكرّرة. الحاضرون لحظوا حدّة خليل بالردّ على المصارف، قائلاً: «أنتم حققتم أرباحاً استثنائية، وما تدفعونه للخزينة من ضرائب ليس منّة من أحد». وقال: «لسنا في مواجهة مع أحد ونحن حريصون على القطاع الخاص، رغم أننا نختلف على بعض التفاصيل. القطاع الخاص يشمل 880 ألف موظف والقطاع العام 270 ألفاً، لكننا معنيون بموظفينا، أي موظفي القطاع العام». وأوضح خليل أنه يرفض «رفضاً كاملاً موضوع الحقوق المكتسبة التي أوصلت اليونان إلى الإفلاس، لكن في لبنان لم يجرِ أي إصلاح ضريبي منذ 15 سنة، والبنك الدولي وصندوق النقد وافقا على السلسلة والإجراءات الضريبية».

خلاصة عون

في النهاية ختم عون الاجتماع بالقول: «سنعمل معاً على إقرار خطّة تؤمن استقراراً اقتصادياً بموازاة الاستقرار الأمني والسياسي الذي تنعم به البلاد. كذلك سنسعى معاً إلى إنجاز الإصلاحات الضرورية والمضي في مكافحة الفساد. على هيئات المجتمع مسؤولية أيضاً في هذا المجال لإنهاء واقع مؤسف جعل من مجتمع الفساد يتغلب على مجتمع الإصلاح. القاعدة التي يُبنى عليها الإصلاح والاستثمار في لبنان، هي تطوير البنى التحتية المناسبة في مجالات الكهرباء والمواصلات والاتصالات والمياه والطرق، وهذه كلها تتكامل مع أمن مستقر وقضاء نزيه وعادل».

-المرصد

أسعد سمور- مازالت الهيئات الاقتصادية تقاتل لمنع إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب، وقانون الضرائب الذي طال ولأول مرة الارباح الخيالية لأصحاب المصارف، بعد أن كانت الضرائب تنصب بشكل رئيسي على كاهل اللبنانيين الأكثر فقرا.

وبالرغم من الضرائب الجديدة التي تطال أرباح المصارف والرساميل لا تزال خجولة جدا إلا أن الهيئات الاقتصادية لا تريد التنازل عن فلس واحد من أرباحها في سبيل تحسين الوضع الاقتصادي الخانق الذي تعيشه البلاد.

 لقد خاضت الهيئات الاقتصادية حربا ضروسا ضد إقرار سلسلة الرتب والرواتب،  وسارعت إلى إتهام الموظفين بالفساد وعدم الانتاجية وادعت أن إقرار السلسلة سوف يؤدي إلى إنهيار الاقتصاد الوطني، وتناست الهيئات الاقتصادية أن أرباحها الضخمة مصدرها العمليات الريعية وليس الانتاج، وأن الاستمرار في عمليات تضخيم الاسعار ورفعها بغية تحقيق أرباح أعلى سيؤدي إلى انهيار الاقتصادي.

هذه الهيئات وجدت في رئيس الجمهورية ميشال عون حليفا قويا يساندها، حيث عقد لقائين حواريين استثنى منهما القوى النقابية الفاعلية. وأبدى قصر بعبدا تجاوبا واسعا مع مطالب الهيئات الاقتصادية فأعلن الرئيس عون في افتتاح اللقاء الحواري الثاني أنه يجمع الآراء لدراستها واتخاذ الموقف المناسب من القانونين (الضرائب والسلسلة)، مع العلم أن هذه القضايا ليست مستجدة، بل كانت قضايا مطروحة من مدة تزيد عن سنتين ونوقشت أكثر من مرة في لجان المجلس. إن إعادة إطلاق الحوار مجددا هو بمثابة العودة إلى المربع الأول بعد أن قطع الموظفون والاساتذة شوطا طويلا في الصراع من أجل إقرار حقوقهم، بالإضافة إلى ذلك فإن أطراف الحوار لا تعبر عن تمثيل حقيقي لكل أطياف المجتمع اللبناني. وهذا الحوار غير المتوازن من الممكن أن يركز العبء الضريبي على الفئات الاجتماعية الاكثر فقرا ويعفي أصحاب الرساميل من الضرائب على الارباح.  وفي هذا السياق أعلن رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس أنه مع إقرار السلسلة ولكنه ضد إقرار قانون الضرائب، داسا السم في العسل، حيث يدفع بذلك إلى تحميل الفقراء عبء تمويل عجز الموازنة في سبيل حماية أرباح أصحاب الرساميل من أي زيادة ضريبية مهما كانت طفيفة.

الحوار المنعقد في قصر بعبدا انعكس في مجموعة تحركات في الشارع حيث دعت هيئة التنسيق النقابية للاعتصام أمام مقر جمعية المصارف في وسط بيروت دفاعا عن إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ورفض تحميل الفقراء الأعباء الضريبية لتمويل العجز في الموازنة العامة، وتحميل جزء من هذه الاعباء لأصحاب الرساميل الذي يحققون أرباحا عاليا ولا يريدون المشاركة في سد ولو جزء بسيط من هذا العجز.

تحرك هيئة التنسيق النقابية قابله تحرك للعسكريين المتعاقدين الذين بدأ تحركهم من الخامسة صباحا فمنعوا موظفي الجمارك من الدخول إلى مراكز عملهم كما أغلقوا الطريق أمام مصرف لبنان، وبدت تحركات العسكريين المتعاقدين وكأنها متكاملة مع اللقاء الحواري في بعبدا حيث طالب هؤلاء المتعاقدون برد السلسلة بحجة تسوية أوضاعهم قبل إقرارها. كذلك بدا وكأنه بمواجهة تحرك هيئة التنسيق النقابية التي تصر على اقرار السلسلة والضرائب.

ويبدو أن هيئة التنسيق تواجه تحديا جديدا، ولكنها هذه المرة لم تكن كما اعتاد عليها اللبنانيون حيث أن تحركها هزيل جدا، هذا ما يضعها أمام ضرورة إعادة تجهيز نفسها لمعركة محتملة من أجل الوصول بمشروع إقرار السلسلة والضرائب إلى حيز التنفيذ.

 

الاخبار

تنفذ هيئة التنسيق النقابية إضراباً، اليوم، في الإدارات العامة، وتعتصم أمام جمعية المصارف في وسط بيروت، رداً على استبعادها من اللقاء الحواري في القصر الجمهوري وممارسة الضغط المضاد على الرئيس ميشال عون من أجل توقيع قانون سلسلة الرتب والرواتب. تصرّ قيادات الهيئة على أن التحرك ليس موجهاً ضد رئيس الجمهورية، بل لمساعدته في مواجهة ضغوط الهيئات الاقتصادية وأصحاب المدارس الخاصة

فاتن الحاج
 

بينما يدخل، اليوم، المعترضون على قانوني سلسلة الرتب والرواتب والتعديلات الضريبية قصر بعبدا للمشاركة في اللقاء الحواري الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، ميشال عون، واستبعد منه هيئة التنسيق النقابية... يخرج أصحاب الحقوق، من معلمين وموظفين في الإدارة العامة وعسكريين متقاعدين، في الوقت نفسه، إلى الشارع لمطالبة الرئيس عون بتوقيع القانونين ونشرهما في الجريدة الرسمية فوراً، بعدما تطلب إقرارهما في مجلس النواب أكثر من 5 سنوات من الصراعات والحوارات والتسويات والتنازلات... حتى لم يبقَ هناك أمر يمكن التفاوض عليه.

مَن يحاور مَن؟

سيدخل المعترضون إلى حوارهم كمجموعات ضغط منظمة ومؤثّرة وصاحبة قرار، وسيشكلون تحالفاً قوياً، قادراً على قلب الأمور راساً على عقب. سيجتمع أصحاب الرساميل وكبار المودعين والمضاربين العقاريين والتجار وأصحاب المدارس الخاصة والمهن الحرّة... كطرف واحد لا يقابله أي طرف آخر محدد، إذ إن سطوة هذه المجموعات واضحة على الأحزاب الممثلة في السلطة، وليس هناك شك بقدرتها على تطويع المؤسسات الطائفية والإعلام ومنظمات «المجتمع المدني»، أمّا دعوة الاتحاد العمالي العام ليمثل الطرف الآخر، فهي تثير السخرية في ظل انصياعه لمصالح «الهيئات الاقتصادية»، وهذا ينطبق على نقابة المعلمين في المدارس الخاصة التي لم تمتلك قدرات تفاوضية في أي وقت، ولم تحظ بأي مكاسب إلا من خلال نضالات الأساتذة والمعلمين في المدارس الرسمية.

على ماذا سيتحاورون؟

بحسب المعلومات، ستُستغَل مطالب القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية كمدخل لطرح بقية الاعتراضات. فالمطالب المتعلقة بالحفاظ على مكاسب القضاة وأساتذة الجامعة في سلسلتيهما وصندوقي التعاضد الخاصين بهاتين الفئتين، التي يمكن الاستجابة لها ببساطة عبر تعديل قانون سلسلة الرتب والرواتب من دون ردّه أو تعليق نفاذه، ليست هي السبب الفعلي للحوار، باعتبار أن الجميع أبدى الاستعداد لتبني هذه المطالب ومنع تفاقم اعتكاف القضاة. الأسباب الفعلية تتعلق بضغوط تمارَس على المدارس الخاصة من أجل استثناء المعلمين فيها من قانون السلسلة، وإلا فزيادة الأقساط المدرسية وتأليب الأهالي على المعلمين وحقوقهم أو انتزاع المزيد من الدعم على حساب المال العام لتعزيز ربحية المدارس، إذ توجد اقتراحات في هذا الشأن تتحدث عن دعم مباشر لكل تلميذ يوازي ما تنفقه الدولة في المدارس الرسمية والمدارس المجانية. كذلك تتعلق الأسباب الفعلية للحوار برفض «الهيئات الاقتصادية» أي تعديل ضريبي يصيب الثروات الفاحشة لمن تمثلهم أو يمسّ حصتهم الضخمة من الفائض والأرباح والريوع المحققة، في ظل النموذج الاقتصادي اللبناني القائم. فالهيئات الاقتصادية لم تقبل بهزيمتها وواصلت التهويل بالخراب والدمار والانهيار في حال اقتطاع، ولو قدراً محدوداً جداً، من الضرائب الإضافية على الأعمال المربحة، لإعادة توزيعها على السكان الرازحين تحت أعباء خدمة العجز المالي الداخلي والمديونية العامة وسعر الصرف الثابت وربحية المصارف وفورة الأسعار العقارية وتمويل الاستيراد وعجز الحساب الجاري... المفارقة في هذا اللقاء الحواري أن من سيتحاورون هم الذين راكموا ثرواتهم من هذه الأعباء تحديداً (الفوائد، الأقساط المدرسية، كلفة السكن...) وهم الذين يتمتعون بمعدّلات ضريبة منخفضة جداً (ويسجلون أعلى معدّلات التهرّب الضريبي) ويحظون بإعفاءات ضريبية هائلة وبمبالغ دعم خيالية على حساب المال العام وميزانيات الأسر والاقتصاد الحقيقي، وليس آخر هذا الدعم المباشر نقل نحو 5.6 مليارات دولار من المال العام إلى أرباح المصارف وكبار المودعين في ما عُرف باسم «الهندسة المالية» في العام الماضي، بالإضافة إلى شفط نحو 5 مليارات دولار سنوياً من الموازنة العامة مباشرة لتسديد الفوائد للمصارف ودعم فوائد القروض لأصحاب الرساميل.

 


ليس للناس من يمثلهم

في المقابل، سيخرج المتضررون إلى الشارع قليلين ومشرذمين وخاضعين... وبلا أمل. فليس لدى أكثرية اللبنانيين من يمثلهم في هذا اللقاء الحواري، حتى تلك الأحزاب «المعارضة»، التي انزلقت نحو مطالبة رئيس الجمهورية بردّ القانونَين بحجّة أنهما ظالمان للناس الفقراء والمتوسطي الحال، ليست مدعوة ولا صوت لها أصلاً. في حين أن أساتذة التعليم الثانوي والمعلمين في التعليم الأساسي والمهني والموظفين في الإدارات العامّة، وطيفاً واسعاً من الجنود ورجال الأمن والأُجراء والمتعاقدين والمتقاعدين، وجدوا أنفسهم الآن يسددون فاتورة تغليب خياراتهم الحزبية على مصالحهم الاجتماعية... فلم تعد روابطهم تحظى بالثقة، وليس لديها المشروعية الكافية لاستعادة مشهد ربيع عام 2013.
اختارت هيئة التنسيق النقابية مكان اعتصامها، عند الحادية عشرة ظهراً، أمام مقر جمعية المصارف في وسط بيروت. هذا المكان ينطوي على رمزية فائقة في الصراع الدائر، إذ إن جمعية المصارف هي التي تقود الهجوم لإسقاط قانونَي السلسلة والتعديلات الضريبية، كي لا يسقط واحد من أهم الإصلاحات الضريبية منذ عام 1998، الذي قضى بإلغاء الإعفاء الذي تحظى به المصارف من الضريبة على الفوائد (التي رفعت من 5% إلى 7% فقط لا غير)، علماً أن المصارف ستبقى مُعفاة من أي ضريبة على أرباحها السخية من التوظيفات في سندات الدين بالعملات الأجنبية، وستسدد فقط الضريبة على أرباح الفوائد من توظيفاتها بالليرة اللبنانية، بعدما سمح لها القانون سابقاً بحسم هذه الضريبة من الضرائب على الأرباح.
لكن اختيار الهيئة لموقع اعتصامها لم يكن وليد نية لتأجيج الصراع الاجتماعي ودفعه إلى الأمام من أجل إيجاد قوّة اجتماعية على طاولات الحوار، بل كان مخرجاً من مطالبات البعض في الهيئة بالاعتصام أمام قصر بعبدا، على غرار الاعتصام الشهير الذي نفذته الهيئة بقيادة النقابي حنا غريب يوم 21 آذار 2013 وأفضى إلى إجبار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على إحالة مشروع قانون السلسلة على مجلس النواب لأول مرّة.
بُرِّر استبعاد روابط المعلمين والموظفين من اللقاء الحواري بأنها ممثلة بالوزراء المختصين. ليس بصفتهم يمثلون الإدارات والأسلاك، فهم بهذه الصفة يمثلون الدولة كصاحبة عمل، بل بصفتهم يمثلون أحزابهم التي سيطرت على هذه الروابط. سيكون حاضراً اللقاء إلى جانب الرئيس ميشال عون، رئيس الحكومة، سعد الحريري، بصفته أيضاً رئيس تيار المستقبل. وسيحضر نائب رئيس مجلس الوزراء، غسان حاصباني، بصفته يمثل حزب القوات اللبنانية، ووزير التربية، مروان حمادة، بصفته يمثل الحزب التقدمي الاشتراكي، ووزير العدل، سليم جريصاتي، بصفته يمثل التيار الوطني الحر، وكذلك وزير الاقتصاد والتجارة، رائد خوري، كذلك سيحضر وزير المال، علي حسن خليل، بصفته يمثل حركة أمل، وهو استبق اللقاء بمناشدة رئيس الجمهورية توقيع قانون السلسلة، قائلاً: «نحن مستعدون لأن نناقش بعدها أي تعديل تفرضه الوقائع والمعطيات العلمية»... البعض اعتبر أن تصريح خليل يرسم صراعاً سياسياً بين الرئيسين عون ونبيه بري سيجد تعبيراته على الأرض.

ستسقط كل المحرمات

رأت هيئة التنسيق النقابية، في بيان أصدرته بُعيد اجتماع طارئ عقدته السبت الماضي، أن استبعادها جزء من «محاولات ضرب كيانها، وهي التي خاضت نضالات واسعة ضد الهدر والفساد والتسيّب وسرقة المال العام، والضغط لانتظام عمل المؤسسات الدستورية، ولا سيما رئاسة الجمهورية».
ينفي رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي نزيه جباوي لـ «الأخبار» ما قيل عن أن التحرك مسيَّس ويعكس الخلاف بين الرئاستين الأولى والثانية، وبالتالي التجاذبات بين الأحزاب المكونة لروابط هيئة التنسيق، فالمعلمون والموظفون على اختلاف توجهاتهم السياسية، ولا سيما معلمو التيار الوطني الحر وموظفوه، سيشاركون في الإضراب والاعتصام اللذين «سيساعدان ربما رئيس الجمهورية في مواجهة الضغوط التي تمارسها كل من المصارف والهيئات الاقتصادية وأصحاب المدارس الخاصة».
لماذا اخترتم جمعية المصارف مكاناً للاعتصام، في حين أن بعض النقابيين طرح أن يكون القصر الجمهوري؟ يجيب جباوي: «إن رئيس الجمهورية لم يتخذ أي موقف من قانون السلسلة حتى الآن، وبالتالي لا مبرر للاعتصام أمام القصر الجمهوري، أما إذا قرر الرئيس بعد الاجتماع الموعود ردّ السلسلة إلى المجلس النيابي، عندها ستسقط كل المحرمات وسنلجأ إلى تنفيذ كل الخطوات التصعيدية من إقفال للإدارات العامة، وصولاً إلى عدم البدء بالعام الدراسي في المدارس الخاصة والرسمية ومدارس اللاجئين السوريين على السواء. أما لماذا جمعية المصارف؟ فلأنها تمثل أحد الأطراف التي تقود حملات تجنٍّ على أصحاب الحقوق في السلسلة». ويقول: «هذا القانون ليس آخر القوانين، فمن لديه ملاحظات أو تعديلات يمكن رفعها بقوانين معجلة مكررة، ونحن مع التعديل، ولا سيما في موضوع الضرائب، وخصوصاً أن جميع المسؤولين ينتمون إلى كتل نيابية وازنة، والمجلس النيابي مفتوح للتشريع».
رئيس نقابة المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود، الذي دُعي إلى اللقاء الحواري إلى جانب الاتحاد العمالي العام لتمثيل أصحاب الحقوق، يقول: «إننا سنحضر إلى طاولة الحوار والاعتصام على حد سواء، ولا صحة لما يقال عن أن التيار الوطني الحر لن يحضر في الشارع». ويعرب عبود عن اعتقاده بأن حوار بعبدا لن يناقش الحقوق في سلسلة الرواتب، بما هي أرقام ودرجات، بل سيقارب المسائل الخلافية، ولا سيما في ما يتعلق بالمواد الضريبية والتقديمات الاجتماعية.


روابط السلطة فقدت ثقة الناس

فور إعلان هيئة التنسيق النقابية الإضراب والاعتصام، سارع التيار النقابي المستقل (الجناح المعارض في رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي) إلى دعوة مناصريه لالتزام التحرك، وإن أتى متأخراً، ما دام ينطلق من حقوق الناس في مواجهة حيتان المال، داعياً هيئة التنسيق إلى التزام القرار النقابي المستقل الذي ينتزع الحقوق والكرامة، وعدم الرضوخ للضغوط السياسية. وأثنى التيار على اختيار جمعية المصارف مكاناً للاعتصام، «وهو المكان الذي لطالما دعونا الهيئة إلى التحرك باتجاهه».
مع ذلك، يرى القيادي في التيار جورج سعادة، أنّ «روابط السلطة» فقدت ثقة الناس لجهة عدم مواكبة حدث سلسلة الرتب والرواتب يوماً بيوم على الأرض والدفاع عن الحقوق والمكتسبات لكل مكوناتها، ولا سيما الفئات المغبونة منها، أي أساتذة التعليم الثانوي الرسمي. بحسب سعادة، هيئة التنسيق ببنيتها الحالية غير قادرة على قيادة عمل نقابي جماهيري، لكن قد يقتصر دورها على مواكبة أحداث عابرة تأخذ وجهاً نقابياً من باب رفع العتب وليس فيها تراكم نضالي من أجل انتزاع الحقوق، لأن أعضاءها يخضعون لأجندات أحزابهم السياسية والتجاذبات التي قد تنشأ في ما بينها.


موظَّفو الإدارة العامة: تلويح بالتصعيد

استبقت رابطة موظفي الإدارة العامة موقف هيئة التنسيق النقابية بإعلان الإضراب منذ مساء الجمعة، أي قبل يوم واحد من اجتماع الهيئة، ملوحة بخطوات لاحقة متدرجة تصاعدية، وصولاً إلى الإضراب المفتوح، في حال استمرار نهج التهويل والتعالي على الموظف الإداري وحقوقه، وقالت إنّ «السلسلة حق لا رجوع عنه»، منتقدة «الهجمة الشرسة التي تقودها الهيئات الاقتصادية وعمودها الفقري أصحاب المصارف وأصحاب المدارس الخاصة والقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية وتهدف إلى إلغاء السلسلة».
ودعا «تجمّع الموظفين المستقلين» إلى المشاركة الكثيفة في الإضراب والاعتصام أمام جمعية المصارف، مطالباً رئيس الجمهورية بتوقيع القانون، ومن ثم معالجة المواضيع الخلافية في أُطرها الدستورية. وناشد التجمع الموظفين والمعلمين والقوى العسكرية وكل الروابط والتجمعات مهما كانت مسمياتها الوقوف صفّاً واحداً بوجه هذه الطغمة المالية وأصحاب المصارف لتحصين ما أُنجِز من حقوق.


اعتصام مفتوح للمتقاعدين العسكريين

تداعى المتقاعدون العسكريون إلى التجمع منذ السادسة صباحاً في ساحة الشهداء، تمهيداً للانطلاق باتجاه عدد من الأهداف، وفيما تكتمت مصادر الهيئة الوطنية لقدامى القوات المسلحة على الأهداف التي تنفذ تحركاتها عليها، تردد أن إقفال مصرف لبنان سيكون أحدها. وقالت الهيئة إنها ستنفذ اعتصاماً مفتوحاً إلى حين إقرار قانون تعديل المادة 79 من قانون الدفاع الوطني لجهة تثبيت حقوق المتقاعدين العسكريين وتصحيح المواد المتعلقة في قانون السلسلة. وقال العميد الركن الطيار أندريه بو معشر، المسؤول الإعلامي في الهيئة: «إن الاعتصام ليس موجهاً ضد رئيس الجمهورية، بل ضد الجهات التي تضغط عليه»، سائلاً: «ما الذي يمنع من أن يجري تثبيت الحقوق اعتباراً من 1 أيلول 2017 وينظر في ما بعد في تاريخ صدور القانون بعد مناقشة الحلول الممكنة التي قد يكون أحدها تجزئة السلسلة لكل القطاعات الوظيفية؟»

نص المؤتمر الصحافي للتيار النقابي المستقل حول قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي أقر في المجلس النيابي، بيروت 2/8/2017

 

نبدأ بالسؤال لماذا السلسلة؟ السلسلة حق من أجل تعويض نسبة التضخم البالغ 121% منذ سنة ١٩٩٦ عندما ثُبِتَت الرواتب ولا زالت لتاريخه مثبتة على مدى 20 عاما، حتى نهاية سنة ٢٠١١، ( ناهيكم عن التضخم الحاصل منذ نهاية العام ٢٠١١ ولتاريخه وقد تخطى ال٣٠٪)‏.

واستناداً على ذلك أعطت الدولة القضاة وأساتذة الجامعة نهاية سنة ٢٠١١ سلاسل تعوض نسبة التضخم الحاصل، والبالغ 121%. وطبقت منذ أوائل سنة ٢٠١٢ بينما بقي كل موظفي الدولة، اساتذة ومعلمين وموظفين مدنيين وعسكريين يطالبون على مدى خمس سنوات بسلاسل عادلة اسوةً بالقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية، وقد ملؤوا الشوارع بتظاهراتهم واعتصاماتهم، والدولة تصم آذانها؛ ولما أصبحت حركة هؤلاء تزعج السلطة وأحزابها (وبخاصة تظاهرة ١٤ ايار ٢٠١٤ حيث نزل الى الشارع أكثر من ١٠٠ ألف متظاهر)، قررت أحزاب السلطة الانقضاض على كل الروابط وتدجينها، مما أدى الى حالة السكون التي سادت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وان تحركت هذه الروابط، فإن تحركها كان فقط لرفع العتب وذر الرماد في العيون، ما عدا التحرك اليتيم أواسط آذار الماضي والذي فرضته ارادة أساتذة التعليم الثانوي، وضغط التيار النقابي المستقل من اجله. لكن سرعان ما تراجعت قيادة رابطة الثانوي وأوقفت التحرك بكل أشكال الترهيب والترغيب، خلافا لإرادة الأساتذة وسمعا وطاعة لإملاءات قياداتها السياسية.

 

ورغم كل الجهود والطاقات التي قامت بها هيئة التنسيق النقابية قبل مصادرة قرارها المستقل، ورغم كل ما بذله التيار النقابي المستقل وما قدمه من تضحيات حفاظا على حقوق أصحابها جميعا على مستوى المواقف النقابية وعلى مستوى التحركات وفي خوض الانتخابات النقابية للروابط من الموقع المستقل عن القوى السلطوية المستمرة في مناوراتها، فقد بقي التيار النقابي المستقل حتى يوم إقرار السلسلة في الشارع معتصما ومطالبا بتعديل السلسلة وإقرارها، بما يرضي كل القطاعات الوظيفية اسوة بالقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية بينما قيادات الروابط بقوا خلف مكاتبهم لا يتحركون.

 

لم يأتِ إقرار السلسلة بما لها وما عليها من إيجابيات وسلبيات سنأتي على ذكرها لاحقا، منحة أو هبة من هذه السلطة السياسية، بل جاء أولا وأخيرا، بفضل نضالات كل القطاعات الوظيفية دون استثناء من أساتذة ومعلمين في القطاعين الرسمي والخاص ومن اداريين واجراء ومتقاعدين مدنيين وعسكريين ومتعاقدين، ومن قطاعات ومؤسسات عامة وهيئات مدنية واتحادات نقابية عمالية ومهنية ونسائية وشبايية وشعبية، كلها وقفت الى جانبنا ودعمت تحركنا في العديد من المحطات. هؤلاء جميعا هم الذين اضربوا ونزلوا بالآلاف المؤلفة الى الشوارع، وهؤلاء هم الذين فرضوا السلسلة امرا واقعا على المسؤولين منذ احالتها من مجلس الوزراء وصولا الى المجلس النيابي، الى هؤلاء نتوجه اليوم بالتحية والتقدير ونقول لهم: انتم ام السلسلة وابوها ولا يمكن لأحد مهما علا شأنه ان يأخذ منكم تعبكم ويمحو نضالاتكم. انها بصمتكم المدموغة بالعرق والتعب والراسخة في تاريخ اشرف تحرك نقابي شهدته الحركة النقابية في تاريخها المعاصر.

 

إن ما فرض على حيتان المال من ضرائب مباشرة على أرباحهم من الريوع المصرفية (2%)، وعلى أرباحهم من الريوع العقارية (2%)، رغم ضآلتها، شكل خرقا لنظامنا الضريبي غير العادل، ما أثار انزعاجهم ليندفعوا في محاولاتهم للتملص من هذه الضرائب وتحميلها لأصحاب الدخل المحدود، وهنا نحذر السلطة من السماح لحيتان المال برفع الأسعار وزيادة أقساط المدارس الخاصة والتلاعب بأكلاف المعيشة.

 

اما المسؤولون الذين يحاولون تجييرها اليهم، فهم الذين ماطلوا وسوفوا لسنوات وسنوات في محاولة للتهرب من تعديلها وإقرارها بما يرضي جميع القطاعات الوظيفية. لقد استخدموا كل الوسائل في سبيل تحقيق غاياتهم، استخدموا سياسة التمييز بين القطاعات، عبر إعطاء نسب زيادات متفاوتة بين قطاع وآخر، واستخدموا نهج تسييس العمل النقابي والاصطفافات السياسية والطائفية في الانتخابات النقابية لشق الحركة النقابية وضرب استقلاليتها وإلغاء ما تبقى من دولة الرعاية الاجتماعية بما تضمنه مشروع السلسلة من مواد قانونية خطيرة تطال التقديمات الاجتماعية من منح ومساعدات مرضية واستشفائية الخ... وها هم يستمرون بالقيام بمسرحيتهم القديمة-الجديدة للالتفاف عليها والتهرب من دفعها، بحجة وجود مشكلات هم الذين وضعوها لا نحن وبالتالي هم المسؤولون عنها، ويريدون استخدامها حجة للتملص مرة عاشرة من اعطائها.

 

خمس سنوات وانتم تتمعنون بها وتمحصون، فلو كان التمعن والتمحيص استجابة لمطالبنا لفعلتم ذلك منذ زمن بعيد يربو على الخمس سنوات.

 

ولنفترض ان نواياكم حسنة، ونحن المخطئون ، فنحن نطالبكم بـ :

1 - توقيعها وصرفها لأصحابها قبل كل شيء، فنحن نعتبرها مجرد دفعة على الحساب.

 

2- إصدار قانون لاحق يأخذ بعين الاعتبار السلبيات التي لحظناها بما يرضي كل القطاعات المغبونة التي لم تحصل على 121% وتلك التي سلبت حقوقها الاجتماعية والوظيفية وغيرها...

 

اننا ندعو كل الروابط والنقابات للتحرك على هذا الأساس. ومن هذا المنطلق نحن متمسكون دوما بالسلسلة العادلة التي ترضي القطاعات كافة مع التأكيد على ادانة هذه السياسة الضاربة عرض الحائط بحقوق الناس والممعنة بفرض الضرائب غير المباشرة على أصحاب الدخل المحدود إرضاء لحيتان المال واستمرارا بنهج الهدر والفساد، ومن اجل اقرار نظام ضريبي عادل ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز دولة الرعاية الاجتماعية مطالبين باعتصام امام جمعية المصارف يحدد بأسرع وقت.

 

 

سنقسم هذه السلسلة بايجابياتها وسلبياتها الى ثلاثة محاور:

أولا- الحقوق المادية:

 ١- الايجابيات

     أ) انصاف الاداريين إذ حصلوا على أكثر من ١٢١٪‏ ( وصلت النسبة الى حدود ال٢٠٠٪‏). وهذا حقهم، مبروك.

    ب) الغاء الزيادة للمتقاعدين حسب شطور الراتب، وانتزاع الزيادة على كامل الراتب، وهذا جزء من حقهم. إن من خدم المجتمع أكثر من ٣٥ سنة يجب تكريمه لا اذلاله. ( المادة ١٨).

    ج) الحفاظ على وحدة التشريع بين اساتذة ومعلمي الرسمي وزملائهم في التعليم الخاص. (المادة ١٣)

    د) فرض اقرار السلسلة حتى ولو ولدت مسخا.

    ه- افادة الموظف المتوفى من المعاش التقاعدي وافادته من تقديمات التعاونية اذا انجز ١٠ سنوات خدمة. (المادة ٢٦)

   و) الدوام النصفي للموظفة المتزوجة، حيث تستفيد من نصف راتب اذا نفذت نصف دوام، وتستفيد من كل التقديمات. (المادة ٢٤).

 هذه الايجابيات تحققت نتيجة نضالات الأساتذة والمعلمين والموظفين ، نتيجة عرقهم وتعبهم، مما فرض على السلطة تحسين السلسلة، لأننا تعودنا أن الحقوق تنتزع ولا تعطى.

 

٢- السلبيات:

    أ) ضرب المفعول الرجعي لكل المستفيدين من السلسلة حيث ستطبق منذ نشرها في الجريدة الرسمية؛ علماً أن مساواة المواطنين امام الدستور يقتضي اعطاء كل المستفيدين من السلسلة مفعولا رجعيا منذ ٢٠١٢/١/١ اسوةً بالقضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية (هكذا يخسر كل استاذ او موظف عشرات ملايين الليرات اللبنانية).

   ب) معلمو التعليم الأساسي حصلوا على نسبة ١٠٠-١٠٥٪‏ من راتب ١٩٩٦، مما جعلهم يخسرون جزءا من الدرجات ال١٠،٥ التي هي حق لهم منذ ١٩٧٠ حسب القانون ١/٧٠، وهي ليست جزءا من تصحيح الأجور.

    ج) اساتذة التعليم الثانوي هم اكبر الخاسرين حيث حصلوا على نسبة وسطية حوالي ٨٦٪‏, مما جعلهم يخسرون موقعهم الوظيفي، وقد حصل ذلك على الشكل التالي: 

     ♦️ خسارة موقعه مقارنة بموقع أستاذ الجامعة فأصبح الفارق معه ١١ درجة بعدما كان ٦ درجات قبل اقرار سلسلة الجامعة نهاية سنة ٢٠١١.

    ♦️ خسارة حقوقه المكتسبة منذ ١٩٦٦ حسب القانون ٥٣/٦٦ الذي يعطي الاستاذ الثانوي ٦٠٪‏ بدل زيادة ساعات عمله ٥ ساعات سنة ١٩٦٦، ليتبقى له منها حوالي ٨٪‏ فقط.

    ♦️ خسارة موقعه بالمقارنة مع المعلم الأساسي نظراً للفارق بالفئة الوظيفية (الثانوي فئة ٣ اما الأساسي ففئة ٤)، اذ أصبح ٤ درجات، علماً أن الفارق كان ١٠ درجات قبل اقرار القانون ٢٢٣ في نيسان ٢٠١٢.

  د) واقع المتقاعدين:

         

-المرصد

أسعد سمور- انتهت اجتماعات مجلس النواب خلال اليومين الماضيين إلى إقرار سلسلة الرتب والرواتب ووضع سلة ضرائبية. قرارت مجلس النواب أتت مفارقة لما اعتاد عليه اللبنانيون. السلسلة التي أقرت لم تكن مثالية، ولكنها أيضا لم تكن هزيلة أو مجحفة بحق الموظفين والأساتذة.

السلسلة المقرة ردمت جزء من هوة الدرجات بين أستاذ التعليم الثانوي وأستاذ التعليم الجامعي حيث أن الفارق يجب أن يكون 6 درجات في حين أن الفارق الحالي 14 درجة، واذا ما اقر زيادة 6 درجات للتعليم الثانوي فإن ذلك يعتبر خطوة إلى الامام في ردم الفارق بين الدرجات.

وتعتبر الزيادة التي نالها الموظفون في الادارة العامة من أكبر الزيادات التي حصل عليها العاملون في القطاع العام في سلكيهم المدني والعسكري، إلا أن هذه الزيادة  (140%) ترافقت أيضا مع رفع ساعات العمل من 30 ساعة أسبوعيا إلى 35 ساعة أسبوعيا.

لقد حققت السلسلة جزء من المطالب المحقة للأساتذة والموظفين. هذه المطالب المحققة أتت بفضل التحركات النقابية التي خاضها المعلمون في التعليم الرسمي والخاص القطاع العام. والتي يجب أن يبني عليها للاستمرار في معركة تصحيح الرتب والرواتب. لقد أخذ القطاع العام جزء من حقوقه وعليه أن يطالب بالباقي، وفق مبدأ خذ وطالب. فلا معنى اليوم لرفض السلسلة المقرة وانتقادها، بل يجب السير قدما بها باعتبارها انتصارا في معركة شرسة من حرب طويلة.

الضرائب: الوجه الآخر للسلطة في إدارة المعركة

الوجه الآخر لسلسلة، أي الضرائب، حمل الكثير من المفاجآت أيضا. لقد سجل انكسارا للهيئات الاقتصادية التي طالما رفعت شعار "الأمر لي" و "نحن نطاع ولا نطيع"، ولا يعني هذا الانكسار للهيئات الاقتصادية انتصارا لتيار العدالة الاجتماعية.

القرارات الضريبية الجديدة التي أقرت مازالت تحمّل اللبنانيين الجزء الأكبر من الضرائب حيث زيادة 1% إلى ضريبة القيمة المضافة TVA وفرض رسوم على الطوابع المالية وفواتير الهاتف والسجل العدلي والفواتير التجارية،  وهذه الضرائب تحمل اللبنانين من أصحاب المداخيل المحدودة أعباء ضريبية غير عادلة.

إلى جانب القرارات الضريبية غير العادلة بدت بعض الضرائب المقرة وكأنها تعبير عن تخبط وعدم دراية بحجم العوائد لمثل هذه القرارات الضريبية، فعلى سبيل المثال أثناء مناقشة بند فرض رسم 5000 ليرة على المغادرين برا، تبين أن مجلس النواب لا يعرف حجم حركة النزوح بين سوريا ولبنان ليبني عليها حجم عائدات المغادرة برا، هذا التخبط في اقرار الضرائب وعشوائيتها سينعكس سلبا لاسيما على القطاع السياحي الذي طاولته الضرائب بنسبة 7% من مجموع القرارات الضريبية.

أما أكثر القرارات تخبطا، وحماية للفساد قرارات فرض غرامات التعديات على الاملاك العامة البحرية والنهرية حيث أن ايرادات التعديات على الاملاك العامة البحرية والنهرية تصل إلى 150 مليار ليرة، في حين أن تسوية أوضاع المخالفات قد تؤمن إيرادات تصل إلى حوالي 1300 مليار ليرة. وبمعنى آخر فإن تصحيح المخالفات وسد مزراب الهدر والفساد في الاملاك البحرية والنهرية فقط كفيل بتغطية 77% من سلسلة الرتب والرواتب التي تقدر قيمتها بحوالي 1700 مليار ليرة. إن التوسع في سد مزاريب الهدر وسرقة المال العام لا يؤدي إلى تأمين سلسلة رتب ورواتب فقط، بل يوفر ايرادات كبيرة للحكومة اللبنانية تمكنها من تنفيذ مشاريع تنموية واسعة.

التحول النوعي في القرارت الضريبية كان تحميل الشركات المالية حصة من الضرائب خصوصا فرض ضريبة بنسبة 15% على ربح التفرغ عن العقارات، ورفع الضريبة على أرباح شركات الأموال من 15% إلى 17%، ورفع الضريبة على الفوائد من 5% إلى 7%  وضريبة 2% على عقود البيع العقاري وتساهم هذه الضرائب في تأمين إيرادات كبيرة للخزينة العامة، وتساهم في تعزيز التوزيع العادل للدخل. كما أنها تعبر عن نكسة كبيرة للهيئات الاقتصادية التي ارغت وازبدت في رفضها تحميل هذه المؤسسات أي ضريبة.

السلسلة والضرائب:  نضالات المعلمين والموظفين تنتصر

إقرار السلسلة والضرائب بهذا الشكل لم يكن منة من أحد، بل كان نتيجة لنضال طويل كانت قد خاضته هيئة التنسيق النقابية وقيادتها لاسيما حنا غريب، ونعمة محفوض. وإذا كان من الصحيح أن القوى السياسية تحالفت واستطاعت إقصاء حنا غريب في انتخابات روابط التعليم الثاني، ومن ثم ابعاد نعمة محفوض من نقابة المعلمين في القطاع الخاص. إلا أنه لا يمكن أن ننسى دور الرجلين في الصراع المر.

لقد تحملا  نتائج مكيدة عدم تصحيح الامتحانات ومنح التلاميذ إفادات نجاح، وتحملا مسؤولية الخيبات بعد كل جولة تفاوضية ووعود بإقرار السلسلة، وواجها انتقادات كثيرة وقاسية سواء من التقارير التي أصدرها المرصد اللبناني لحقوق العمال، أو من ناشطين نقابيين، وأساتذة ومعلمين. لكن اليوم لهما الحق في أن يفتخرا بما أنجزت قيادتهما.

لقد بات كل من القائدين النقابيين خارج مواقع القيادة اليوم، ولكن هذا الانتصار الذي تحقق يحتم عليهم الاستمرار في العمل من مواقعهم الجديدة، والانطلاق نحو أفق أوسع من خلال تحسين البرامج التعليمية في القطاع العام، وتعزيز دور الادارة العامة باعتباره الركيزة الاساس التي يستفيد منها المواطن. وفي الوقوف بوجه زيادات الأقساط في التعليم الخاص، خصوصا أن الزيادات السابقة كانت بحجة زيادة رواتب المعلمين الذين لم يحصلوا على أي زيادة أنذاك.

تصحيح السلسلة والقرارات الضريبية، أثبتت أن الحركة الاعتراضية في لبنان قادرة على التأثير في القرارات الحكومية وإن طالت فترة النضال السياسي والمطلبي. فهل تستغل القوى النقابية  وقوى الحراك المدني هذا الانتصار لإعادة إطلاق نضالها بغية إحداث تغيرات أكثر شمولية تحقق المزيد من العدالة الاجتماعية؟

  1. الأكثر قراءة