«اللجنة الوزارية للإصلاحات» فتحت أبواب تعديل نظام التقاعد. الخطوة الأولى كانت في الاستماع إلى عرض وزارة المالية عن الواقع الحالي، على أن يليها النقاش في الاقتراحات العملية. لن يتمكّن أحد من المسّ بحق الموظف في الحصول على معاش تقاعدي، لكن من دون ذلك يتركز البحث في كيفية تخفيف أعباء هذه المعاشات. وهنا يعود النقاش في إلغاء «التدبير رقم 3» في المؤسسات العسكرية والأمنية إلى الواجهة مجدداً، مع اقتراحات بزيادة المحسومات التقاعدية

 

بالنسبة إلى الحكومة، لم يعد من إصلاح أهم من إصلاح نظام التقاعد! فجأة تبين لها أنه إحدى أهم العقبات التي تقف في طريق خفض عجز الموازنة. وهذا «الإصلاح» لا يعني، على طريقة الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل، سوى إلغاء معاش التقاعد واستبداله بتعويض نهاية الخدمة. يدرك الطرفان أن خطوة كهذه لا يمكن أن تمرّ لما تُشكّله من تهديد للمنظومة الاجتماعية الهشّة أصلاً، لكن بحجة الانهيار المرتقب ووجوب إيجاد حلول إنقاذية، يسعى الحريري وباسيل إلى تمرير مشروعهما.

اللافت أن خط الدفاع الأول عن حقوق المتقاعدين سيكون داخل لجنة الإصلاحات نفسها. ليست كل الأطراف مؤيدة لهذا التعديل. بعضها يقف بشراسة ضد المسّ بمعاشات التقاعد. لكن في المقابل، فإن فكرة إجراء تعديلات في نظام التقاعد هي فكرة يعتقد الجميع أن وقتها قد حان، من دون أن يعني ذلك بالضرورة المسّ بجوهر النظام.

في العرض الذي قدمه مستشار وزير المالية طلال فيصل سلمان، الأسبوع المنصرم، طُرحت أفكار أولية للإصلاحات المطلوبة على هذا النظام تم إعدادها بالتعاون مع البنك الدولي. أولى الملاحظات أنه لا يمكن تبني وجهة النظر الداعية إلى استبدال معاش التقاعد بتعويض نهاية، بل على العكس يُتعامل معه كأحد أبسط الحقوق التي وجب تحصينها.
من هذا الباب، أي من باب ضمان استمرار الدولة في تأمين الموارد اللازمة لدفع هذه المعاشات، تنتقل الدراسة إلى الاقتراحات التعديلية للنظام.
بداية لا بد من الإشارة إلى أن الدولة تقتطع من راتب الموظف، منذ لحظة دخوله إلى الملاك وحتى تقاعده، ستة في المئة كمحسومات تقاعدية، هي مساهمته في المعاش التعاقدي، الذي يفترض أن يستكمل بمساهمة رب العمل، أي الدولة في هذه الحالة. عادة في بلدان أخرى، تذهب هذه العائدات إلى صندوق تقاعدي تُنشئه الدولة ويتم استثمار أمواله في السوق المالية، بغية تقليص الفارق بين ما يحصّل من الموظفين وما يدفع من الخزينة. في لبنان، تُسيء الحكومة إدارة الأموال المحصّلة وتتعامل معها كإيرادات للموازنة، ثم تشكو من عدم قدرتها على دفع كلفة معاشات التقاعد! وكأن لا قيمة لما تمّ جمعه من الموظفين على مدى عشرات السنين، ولا قيمة لمبدأ الرعاية الاجتماعية، الذي يُفترض أن يكون أولى واجبات الدولة تجاه المواطنين، بغضّ النظر إن كانوا يعملون في القطاع العام أو الخاص.
لا توارب الحكومة في تحميل مسؤولية العجز إلى القطاع العام. المبالغة في ذلك، توحي أن الهدف الفعلي ليس سوى صرف النظر عن المكمن الحقيقي للعجز، أي خدمة الدين العام. بالنتيجة، صار خنق القطاع العام على سلم أولويات الحكومة. وبعد وقف الترقيات وزيادة سنوات الخدمة وزيادة الاقتطاعات الضريبية على الموظفين والمتقاعدين على السواء، يبدو أن موازنة 2020 ستغزل على المنوال نفسه.
في موازنة 2019، قُدّرت كلفة الرواتب بـ6600 مليار ليرة، فيما بلغت كلفة معاشات التقاعد 3000 مليار ليرة، من ضمنها نحو 450 مليار ليرة تعويضات نهاية الخدمة. ووفق قانون موازنة 2019 قُدّرت الحسومات التقاعدية بنحو 270 مليار ليرة، أي أن الخزينة العامة ستسدد هذا العام نحو 2280 مليار ليرة لمعاشات التقاعد فوق قيمة الحسومات التقاعدية التي تجبيها من الموظفين. وهذا الإنفاق يمكن للحكومة أن تقلصه (لا يجب إلغاؤه انطلاقاً من أن معاشات التقاعد هي واجب على الدولة وحق للموظفين) لو أحسنت إدارة الأموال التي تحصل عليها.
هذا لا يعني أنه لا يجب إصلاح نظام التقاعد المقر في عام 1983، لكن الإصلاح على الطريقة الحكومية، يقود حصراً إلى اقتطاع المزيد من الأموال من الناس، تمهيداً لتغطية عجز الموازنة. حتى الآن لم يتم اتخاذ أي قرار جدي في هذا السياق، لكن من الأفكار التي طُرحت هي العودة لإيجاد حل للتدبير رقم ٣ تحديداً (كل سنة خدمة فعلية للعسكريين تُحتسب ثلاث سنوات).
بالعودة إلى نظام التقاعد، فهو ينص على أن العسكري يمكنه التقاعد بعد ١٨ سنة في الخدمة (زيدت في موازنة 2019 إلى 23 سنة) والمدني يحق له أن يتقاعد بعد 20 سنة خدمة (صارت 25 سنة). كما ينص النظام على أنه يحق للموظف إذا خدم بين الحد الأدنى المطلوب للتقاعد وبين 40 سنة أن يختار بين المعاش التقاعدي وتعويض نهاية الخدمة، أما في حال عمل أكثر من 40 سنة، فيحق له الحصول على الأمرين معاً.
في حالة المدني لا تُثير المسألة أي إشكالية لكن في حالة العسكري، فإن خروجه بعد الحد الأدنى من عدد السنوات المطلوب للتقاعد (أي ١٨ سنة سابقاً) يعني تلقائياً حصوله على تعويض نهاية الخدمة والمعاش التقاعدي معاً، لأن ضرب السنوات الـ١٨ بـ3 (التدبير رقم 3) يسمح بأن يكون مجموع سنوات الخدمة 54 سنة. بينما في حالة المدني، فإن خدمته لـ39 سنة فعلية تجعله لا يحصل على ما حصل عليه العسكري من جراء عمله لـ18 سنة فقط.
عندما طُرحت هذه المعادلة، يؤكد أحد الوزراء، أن الصدمة علت وجوه الحاضرين، معتبراً أنه لا بد من إيجاد حل لها بالقانون. كما يوضح أن ذلك لا يعني تأييد إلغاء التدبير رقم 3، بل يؤكد أنه لا بد من إعطائه لمن يستحق، أي إلى العسكريين الذين يخدمون في مواقع قتالية أو حدودية، يمكن الاتفاق عليها مع قيادة الجيش.

الأمر الثاني، الذي تتطرق إليه الدراسة، هو مسألة الورثة. بعد وفاة الموظف يفترض أن ترثه زوجته، إلا أن الإشكالية تتعلق بالورثة من الأبناء، فالابنة العزباء أو المطلّقة، يحق لها الاستفادة من المعاش التعاقدي بعد وفاة والديها، في حال لم يكن لديها دخل من عمل مسجّل قانوناً. وهذا الأمر يؤدي، بحسب التجربة، إلى انحرافات في التطبيق، كأن لا تسجّل الابنة المتزوجة زواجها. إلا أن الاقتراح يذهب إلى حد إلغاء توريث البنات بدلاً من معالجة التنفيذ الخاطئ.
الحريري يطالب في الورقة التي قدمها إلى مجلس الوزراء برفع الاقتطاع التقاعدي من 6 إلى 10 في المئة. ومع إدراكه أنه يصعب تسويق هذا الاقتراح، يرى آخرون أنه يمكن، بالنظر إلى المعدلات العالمية، زيادته نقطة أو اثنتين.
في الخلاصة، يعتبر العرض المقدم من وزارة المالية أنه لا بد من العمل على تعديل نظام التقاعد، في ٤ نقاط تحديداً: رفع نسبة الاقتطاع التقاعدي، تفعيل صندوق التقاعد واستثمار أمواله أسوة بما يفعل صندوق الضمان الاجتماعي على سبيل المثال، تعديل لائحة المستفيدين من التدبير رقم 3، حصر الإرث بالأزواج.
هل يمر هذا الاقتراح؟ بحسب وزراء في اللجنة فإن تعديل نظام التقاعد صار ملحاً، لكن يبقى الاتفاق على طبيعة هذا التعديل وحدوده، خاصة أن البعض مستعد للجنوح بعيداً في ضرب حقوق المتقاعدين.

المرصد
 
رابطتا متقاعدي التعليم الرسمي: الى الطعن بالموازنة والاعتصام أمام مقار الرؤساء الثلاثة لتطبيق المادة 18
عقدت الهيئة الادارية لرابطة الاساتذة المتقاعدين في التعليم الثانوي الرسمي اجتماعا في مقرها بالأونيسكو ناقشت فيه نتائج النشاطات والتحركات السابقة. وبعد الاتصالات والمشاورات مع رابطة المتقاعدين في التعليم الاساسي تم الاتفاق على اصدار البيان التالي: 
 
• توجيه التحية الى الزملاء المتقاعدين الذين شاركوا في اعتصاماتنا متحملين حرارة الشمس رغم الأوضاع الصحية للكثيرين منهم، وحث الباقين على المشاركة في النشاطات المقبلة وعدم التخلف الا لأسباب قاهرة.
 
• استنكار الظلم الذي لحق بنا من السلطتين التنفيذية والتشريعية في كل ما لحظته الموازنة من مخالفات دستورية وقانونية، والسعي مع باقي روابط المتقاعدين وبالتنسيق مع النواب الذين عارضوا الموازنة والذين جاهروا بوقوفهم معنا لتقديم طعن لدى المجلس الدستوري بالبنود التي مسّت معاشاتنا التقاعدية وقيمتها الشرائية كفرض ضريبة الدخل غير المسبوقة...إلخ 
 
 
• يبقى تنفيذ المادة 18 في صدارة اهتماماتنا؛ ولن نكلّ ولن نتعب من المطالبة بتطبيقها بحذافيرها كما وردت في قانون سلسلة الرتب والرواتب لتعطينا زيادة 85% من المعاش التقاعدي. إن تشاطر وزير المالية في تفسير القانون ببيان- رغم أن القانون لا يعدل إلا بقانون-  لم يمس مدخولنا المادي فحسب، بل *مسّ كرامتنا وكرامة كل من عمل بإخلاص لهذا الوطن المنهوب.
 
• وإيمانًا منا بمسؤوليتنا وضعنا خطة تحرك واتصالات واعتصامات امام مقرات الرؤساء الثلاثة؛ وسيُعلن عن الموعد المحدد للخطوة الاولى مع بداية الأسبوع القادم. 
 
 
فاستعدوا أيها الزملاء، وكونوا كثرة، وليكن شهر آب القادم شهر النضال لاسترداد الحقوق. فما ضاع حق وراءه مُطالِب . 
                                 
رابطة الاساتذة المتقاعدين في التعليم الثانوي الرسمي ورابطة المتقاعدين في التعليم الاساسي الرسمي .
بيروت في 

النهار-24-7-2019

 

نشرت "هيومن رايتس ووتش" تقريرا قبل ايام ابدت فيه المنظمة الدولية تخوفها من التقشف في موازنة لبنان 2019، والذي قد يصيب مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي حذرت في المدة الاخيرة من امكان إقفال بعضها، وتقليص خدمات البعض الآخر. وفي ما يأتي التقرير:

"يملك الأشخاص ذوو الإعاقة في لبنان الحق في التعليم بدون تمييز. غير أن الحكومة، بعد 19 عاما من ضمان هذا الحق في القانون رقم 220، لم تتخذ الخطوات الضرورية لتنفيذه بالكامل. وقد تؤدي موازنة لبنان الجديدة التي وافق عليها مجلس الوزراء في 27 أيار وأحيلت على الهيئة العامة لمجلس النواب في 9 تموز، إلى مزيد من التراجع. على البرلمان مراجعة الموازنة وضمان الحقوق الأساسية للأطفال ذوي الإعاقة، وليس الإمعان في تهميشهم.

يملك الأطفال ذوو الإعاقة الحق الإنساني الأساسي المتمثل بعدم التمييز ضدهم، بما في ذلك الذهاب إلى المدارس غير المخصصة لذوي الإعاقة. غير أن "هيومن رايتس ووتش" وجدت أن نظام التعليم الرسمي اللبناني يميز ضد الأطفال ذوي الإعاقة، وغالبا ما يحرمهم القبول في المدرسة بسبب إعاقتهم. أما القلة منهم التي تتمكن من التسجيل في المدرسة، فلا تحصل على التعليم الجيد الذي تستحقه بسبب افتقار المدارس عادة إلى التسهيلات المعقولة، مثل تعديل قاعات الدراسة وإنشاء مبانٍ يمكن دخولها بسهولة.

العديد من الأطفال ذوي الإعاقة لا يذهبون إلى المدرسة بتاتا، أو هم مسجلون في مؤسسات تمارس الفصل، وممولة من وزارة الشؤون الاجتماعية، وليس من صلاحياتها تأمين التعليم. ووجدنا أن الموارد التعليمية في العديد من هذه المؤسسات رديئة النوعية، وتفتقر إلى الإشراف، وتعتمد على آليات تقويم رديئة لا تحظى باعتراف رسمي، وهو ما يثير مخاوف كثيرة حول قدرة هذه المؤسسات على التزام حق الأطفال في التعليم.

مواضيع ذات صلة
مشروع قانون "الهوية التربوية" لدرغام وطرابلسي
اعتماد رقم مرمز يختصر مسار التعليم للطالب

فصل جديد من الخلاف والتهديدات ورواية غش في كلية الحقوق - زحلة

اليسوعية خرجّت طلاب الاقتصاد والحقوق والتأمين
نسناس: التضامن والعمل المؤسسي لبناء لبنان الغد
شددت اللجنة الأممية المعنية بحقوق ذوي الإعاقة على أن "التعليم الشامل لا يتوافق مع إيداع الأشخاص ذوي الإعاقة في مؤسسات". غير أن الموازنة المقترحة تخفض تمويل المدارس الرسمية، بدل زيادته لجعل المدارس أكثر شمولا، في حين أنها تزيد تمويل المؤسسات التي تعزل الأطفال ذوي الإعاقة عن محيطهم دون أن تقدم إليهم التعليم الذي يحتاجون اليه.

حللنا مشروع قانون الموازنة للعام 2019 الذي صادق عليه مجلس الوزراء وسُرِّب إلى الإعلام قبل إدخال لجنة المال والموازنة تعديلاتها عليه، فوجدنا أن مشروع القانون يرصد لوزارة التربية والتعليم مبلغا أقل بـ 138 ألف دولار أميركي – 30 في المئة أقل – من العام 2018، لتجهيز المدارس الابتدائية والثانوية، بما في ذلك الأجهزة التقنية والتجهيزات اللازمة للأطفال ذوي الإعاقة. وستُخفَّض الميزانية المرصودة لإنشاء أبنية مدارس يمكن الأطفال ذوي الإعاقة دخولها بنسبة 25 في المئة. ومن غير الواضح ما إذا كانت لجنة المال والموازنة، التي أجرت بعض التعديلات على الموازنة، قد راجعت هذه الأرقام.

تقول سيلفانا اللقيس، رئيسة "اتحاد المقعدين اللبنانيين" (وهو مجموعة مناصرة ودعم) إن الوصول إلى المدارس هو الحاجز الأهم أمام التعليم الشامل. وتضيف: "مع أن القانون 220 يفرض على الدولة إتاحة الوصول إلى الأبنية الرسمية، لم ترصد الحكومة أي ميزانية لهذا الهدف، والمدارس التي يمكن الأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية الوصول إليها قليلة جدا".

وجد مسح أجراه الاتحاد في 2009 أن 5 من أصل 997 مدرسة رسمية تم مسحها في بيروت وجبل لبنان تستوفي جميع معايير الوصول إلى المباني الحكومية في لبنان. وبحسب تقرير نشرته الأونيسكو في 2013، لم تجعل وزارة التربية والتعليم العالي إلا 5 مدارس رسمية متاحة لذوي الإعاقة في البلد بأكمله. أظهر بحثنا في 2018 أن الوضع لم يتحسن.

وتؤكد اللقيس أن الحكومة لم تقدم التسهيلات اللازمة إلى الطلاب ذوي الإعاقة لإجراء الامتحانات الرسمية في حزيران، مشيرة الى أن 3 طلاب على الأقل سجّلوا إعاقتهم مسبقا لدى الجهات المعنية، كما هو مطلوب، لكنهم اكتشفوا يوم الامتحان أنه ليست هناك أي تسهيلات لهم.

في هذه الأثناء يزيد قانون الموازنة المقترح الأموال المرصدة لبرامج وزارة الشؤون الاجتماعية بنحو 39 في المئة. وبحسب موقع الوزارة الإلكتروني، يوجه بعض هذه البرامج الطلاب ذوي الإعاقة إلى المؤسسات التي تمارس الفصل. غالبا ما تفاقم العزلة التمييز ضد هؤلاء الطلاب. غير أن وزارة الشؤون غالبا ما تراجعت عن التزاماتها المالية نحو هذه المؤسسات، ما تسبب بإغلاق بعضها وخفض بعضها الآخر برامجها بشكل كبير.

وفي حين أنه من الضروري أن تقدم وزارة الشؤون الاجتماعية خدمات الدعم اللازمة لتلبية حاجات تنموية للأطفال ذوي الإعاقة، فإن ضمان حق هؤلاء الأطفال في التعليم الشامل هو من مسؤولية وزارة التربية. يجب أن تترافق خدمات وزارة الشؤون مع سياسة تلغي الاعتماد على المؤسسات المخصصة فقط للأطفال ذوي الإعاقة، وتتضمن تعليم هؤلاء الأطفال في المدارس التي لا تفصلهم عن الآخرين.

ويجب ضمان خيارات وفرص فعلية للأطفال ذوي الإعاقة للتسجل في المدارس العادية إذا اختاروا ذلك، والحصول على تعليم جيد بالتساوي مع الأطفال من غير ذوي الإعاقة. كلما ازداد التفاعل بين الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال الآخرين، يقل التهميش الذي يعانيه الأطفال ذوو الإعاقة في لبنان اليوم، كما يساعد على إزالة الوصمة الثقافية حول الإعاقة، بما يؤدي إلى تجربة تعليمية أغنى للجميع.

وينبغي للبرلمان أن يراجع جيدا بنود الموازنة المتعلقة بذوي الإعاقة، وإعطاء الأولوية لتطبيق القانون 220 كاملا. كما عليه ضمان تخصيص الأموال الكافية لجعل الأبنية الرسمية، مثل المدارس، متاحة أكثر لذوي الإعاقة، وأن تملك المدارس الخدمات المناسبة للأطفال ذوي الإعاقة عندما يذهبون إليها".

 

- المرصد -د. سعيد عيسى
بين ١٩ حزيران \ يونيو و٢ تموز\يوليو ٢٠١٩، زارت لبنان، بعثة خبراء مشاورات المادّة الرابعة لصندوق النّقد الدوليّ (في عزّ هرج ومرج الموازنة ونقاشاتها)، وعقدت سلسلة واسعة من المناقشات مع الأطراف المعنيين في الحكومة اللبنانيّة، وخرجت ببيان أوّلي عن مشاوراتها، ضمّنته جملة من الرسائل والتوصيات والوصفات، للسّياسات الواجب اتّباعها لإخراج لبنان من أزماته، التي انعكست بشكلٍ لا لُبْسَ فيه ولا التباس، في الموازنة المقرّة مؤخّرا، شاكرة المعنيين على حسن ضيافتهم ومناقشاتهم المُثْمِرَة.
والرّسائل التي وجّهتها البعثة للمعنيين هي تقوية الاقتصاد اللبنانيّ في ثلاث مجالات:
• وضع خطّة موثوقة متوسطة الأجل للماليّة العامّة، تهدف إلى تحقيق فائض ماليّ أوليّ كبيرٍ ومستدام، من شأنه تخفيض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحليّ، بصورة تدريجية مُطّرِدَة.
• إجراء إصلاحات هيكليّة أساسيّة لتعزيز النمو، والقدرة التنافسيّة الخارجيّة، بدءا من تحسين الحوكمة، وتنفيذ خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتوصيات "رؤية لبنان الاقتصاديّة".
• اتخاذ إجراءات لزيادة صلابة القطاع النقديّ، من خلال تعزيز الميزانيّة العمومية لمصرف لبنان ومواصلة بناء رؤوس الأموال الوقائية لدى البنوك.
متبعة رسائلها بضرورة البدء بعمليّة ضبط ماليّ كبيرة (هذا ما عكسته الموازنة المقرّة)، وإصلاحات هيكليّة لاحتواء الدّين العام، للخروج من الوضع الماليّ المتردّي؛ وفي الاولويّة إصلاح قطاع الكهرباء، وتخفيض عجز الموازنة، ما من شأنه، تشجيع المانحين على صرف القروض الموعودة البالغة ١١ مليار دولار، لتمويل خطة الاستثمار الرأسماليّ، الهادفة إلى "تحسين البنية التحتيّة وتوفير فيرص عمل للاجئين السّوريين والمجتمعات المضيفة لهم وتخفيف الأثر الانكماشيّ للضبط الماليّ المُخَطّط له" (حسب البيان)، لكنّ ذلك مشروط بـ"حُسْنِ إدارة الاستثمارات العامّة في مرحلة مبكّرة من خطّة الاستثمار الرأسماليّ".
وأشار البيان إلى زيادة تباطؤ النّشاط الاقتصاديّ، وانخفاضه إلى ٠,٣٪ في عام ٢٠١٨، وبلوغ عجز الموازنة ١١٪، وتجاوز مدفوعات الفائدة ٩٪ من إجمالي النّاتج المحليّ، وارتفاع عجز الحساب الجاري إلى أكثر من ٢٥٪، وتراجع صافي تحويلات اللبنانيين في الخارج، وانخفاض احتياط مصرف لبنان بنحو ٦ مليارات دولار، وارتفاع القروض المتعثّرة، ودولرة الودائع إلى أكثر من ٧٠٪، وتخفيض مؤسّسات التصنيف الائتمانيّ للبنان مرة جديدة. وربط البيان آفاق الاقتصاد اللبناني وتقدّمه بالإصلاحات الداخليّة المقترحَة، والتطورات الخارجية، ومن ضمنها حلّ الصراع السوريّ وتطبيع العلاقات، والمشاركة في إعادة إعمار سوريا، والاكتشافات النفطيّة.
واعتبر البيان أنّ من الأولويات السياسيّة اللبنانيّة هو التنفيذ المستمرّ لبرنامج إصلاح قويّ ومترابط، من خلال ضبط ماليّ مستمرّ ومبكِر، ولكن خبراء الصندوق شكّكوا في وصول عجز الموازنة المقرّة إلى الرٌقم الذي رست عليه، بل اعتبروا انّ العجز سيكون أعلى بكثير من الرقم المستهدَف، والدّين العام سيستمر في تصاعده، ونصحوا بزيادة معدّلات الضريبة على القيمة المضافة، ورسوم المحروقات، وزيادة نسبة الامتثال الضريبيّ، وإلغاء الدّعم على الكهرباء وزيادة التّعرِفة في أقرب وقت ممكن، وتخفيض الإنفاق على الأجور والمستحقات في القطاع العام، بما فيها مجال التّعليم.
ونصح البيان بالإصلاحات الهيكليّة المُعَزِّزة للنمو والصادرات من خلال توفير الكهرباء وتحسين الحوكمة، وإصلاح قانون التجارة اللبنانيّ، وقانون الوساطة القضائيّة، وإقرار قانونٍ جديدٍ للجمارك، ولوائح منظّمة لتصفية النشاط التجاري، وقانون للإفلاس، وقانون لوكلاء الإعسار، وقانون بشأن الإقراض المضمون. ومعالجة العوائق التنظيمية أمام تطوير المناطق الصناعية التي يمكن أن تستفيد من فرصة إعادة الإعمار المحتملة في سوريا؛ ودمج إنفاق مجلس الإنماء والإعمار في الموازنة وإصدار قانون للمشتريات العامّة، واتّخاذ خطوات ملموسة للحدّ من الفساد، وتنفيذ القوانين الصّادرة والمتعلّقة بها، وملاحقة المرتكبين، والتحقيق معهم، بحيث يتناسب عدد الإدانات والمُصادَرات في قضايا الفساد مع المخاطرات ذات الصّلة، واعتماد التشريعات المتعلّقة بالإثراء غير المشروع (لفتت اللجنة إلى انّها في التقييم القادم سيكون هذا الجزء من أولوياتها باعتباره جزءا من الإجراءات الماليّة المعنيّة بمكافحة غَسل الموال ومحاربة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).
.

 

الجمهورية-23-7-2019
ايفا ابي حيدر
 
 
أُقِرّت موازنة 2019 وفي جعبتها كثير من الرسوم الإضافية على المواطنين الى جانب بعض الإعفاءات الضريبية التي اعتاد المواطن الحصول عليها في كل موازنة. فما هي هذه الرسوم؟ وما الإعفاءات التي حصل عليها.

وصف رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين كريم ضاهر موازنة 2019 بالسياسية بامتياز، أدخل اليها السياسيون ما امكن من الامور المتاحة. وتبيّن انّ في الموازنة عقبات عدة لعل ابرزها:

- ان على السلطتين التنفيذية والتشريعية الالتزام بما وعدتا به في مؤتمر «سيدر»، فالدول المانحة ومؤسسات التصنيف الدولية والمنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي...) تراقب لبنان، وبالتالي لم يعد جائراً التلاعب بالعجز الذي ارتفع الى 11% بسبب التوظيف العشوائي والانتخابات ونتائج سلسلة الرتب والرواتب... النتائج المحققة في الموازنة لا تعني اننا سنحصل على كل الاموال التي وُعدنا بها في سيدر، قد نحصل على قسم منها سبق أن وُعدنا به في باريس 3 من البنك الدولي، أما بقية الأموال فتبقى رهن «العبرة في التنفيذ» أي ان هذه الدول ستراقب لترى ما اذا كانت الدولة ستحترم تعهداتها، وستتمكن من تفعيل الرقابة، ومكافحة التهرب الضريبي والتهرب الجمركي وضبط الإنفاق ومنع التوظيف في الادارة العامة والقيام بإصلاحات بنيوية في موازنة 2020....

وأسف ان لا شيء يوحي بالجدّية في تعاطي الدولة مع الموازنة لأنها لم تقم بدراسة وقع اقتصادي لأيٍّ من البنود التي اقترحتها. على سبيل المثال، لا نعرف ما اذا كان رسم الـ3% على السلع المستوردة سيلجم الاستيراد وما سيكون وقعه على اسعار السلع، هل ستزيد فقط 5% ام سترتفع 10% وسيزيد التضخم؟ كما من غير الواضح ما اذا كان رفع الضريبة على الفوائد المصرفية من 7 الى 10 في المئة سيحقق الارقام التي رصدتها الدولة؟ وما اذا كان 25% على الشطر العالي سيحفّز التصريح ويحسّن إيرادات الدولة ام سيدفع الشركات والاشخاص والافراد نحو مزيد من التهرّب الضريبي؟ وبما أننا لا نعرف النتائج فلا يمكن التكهّن بحقيقة الأرقام. أضف الى ذلك انّ الواردات المتوقعة موضوعة على اساس سنوي، أما وقد انقضت 7 اشهر من العام فلا شك انّ الواردات ستكون اقل من المتوقع.

في المقابل، تضمنت الموازنة ورغم غياب ايّ سياسة ورؤية اقتصادية، بعض التدابير الإصلاحية الايجابية المحدودة والتي تطمح الى توسيع قاعدة المكلفين مثل الإحصاء الذي طلب من البلديات للاشخاص غير المسجَّلين في وزارة المالية، وأن يقوم كتاب العدل بالتحويل الى وزارة المالية كل عقود البيع الممسوحة وكل الوكالات غير القابلة للعزل حتى تتمكن المالية من التدقيق فيها، الى جانب تدبير يقضي بتوحيد الموازنات الملحقة وموازنات المؤسسات العامة والمصالح المستقلة التي أصبحت مشمولة بموازنة واحدة اعتباراً من العام 2021.

الضرائب الجديدة
أما الضرائب والرسوم التي أضيفت على المواطنين وتضمّنتها الموازنة فهي:
• رفع الرسوم على العمالة الأجنبية، إجازات العمل وإجازات الإقامة بهدف التحفيز على توظيف اللبنانيين (هذه الرسوم تستوفيها وزارة العمل). وفي هذا السياق، رفع الرسوم التي يتمّ استيفاؤها لموظفي الفئة الاولى من مليون ليرة الى 3 ملايين أي 3 اضعاف، الفئة الثانية من مليون الى مليوني ليرة، الفئة الثالثة ومن ضمنها عاملات المنازل من 300 الف ليرة الى مليون ليرة، والفئة الرابعة من 50 الفاً الى 300 الف ليرة.
- تطبيق نظام داخلي للشركات 100 الف ليرة (رسوم تدفع في وزارة العمل).
- تطبيق نظام عمل للشركات والمؤسسات 100 الف ليرة.
- محضر ضبط مخالفة 5 ملايين ليرة.

 

• تعديل بعض الرسوم التي تستوفيها المديرية العامة للامن العام:
- اجازة عرض دعاية تجارية تلفزيونية 350 الف ليرة.
- اجازة عمل الفنانين، فئة اولى 700 الف، فنانون فئة ثانية 350 الفاً.
- دخول مرفأ تصريح شهري 25 الفاً (رسم جديد).

• إستحداث بعض الرسوم في المديرية العامة للأمن العام:
- إجازة عن كل اعلان طرقي 50 الفاً.
- رسم 50 الفاً عن كل معاملة نقل كفيل للعمال الأجانب.
- لقاء منح تصريح سنوي للدخول الى المرافئ البحرية لكل عميل جمركي 200 الف ليرة.
- إستحداث رسم جواز سفر صالح لمدة 3 سنوات بقيمة 200 الف، الى جانب رسم جواز سفر لمدة سنة 60 الفاً، لمدة 5 سنوات 300 الف ليرة ولمدة 10 سنوات 500 الف ليرة.
- اضافة رسم 25% على ضريبة الرواتب والاجور وضريبة الدخل للمهن الحرة والصناعية والتجارية على الشطر الذي يزيد عن 225 مليون ليرة. على سبيل المثال كانت تراوح بين 2 الى 20% على الاجراء، بعد هذا الاستحداث باتت تراوح ما بين 2 و 25%، بما معناه انّ كل مَن يزيد ربحُه عن 225 مليون ليرة في السنة، بعد التنزيلات العائلية، يدفع رسم 25%.
- إضافة رسم على رواتب المتقاعدين، على أن يدفع المتقاعد نصف النسبة التي يدفعها الأجير، اي بما انّ الأجير يدفع رسماً يراوح ما بين 2 الى 25 في المئة، يدفع المتقاعد من 1 الى 12.5%، ويحظى المتقاعد بتنزيل اضافي الى جانب التنزيلات السابقة بما قيمته 10 ملايين ليرة. (والمقصود بالتنزيلات انه قبل تطبيق الضريبة التي تراوح ما بين 2 الى 20 في المئة وفق الشطور، يحسم الموظف الأعزب من راتبه 7 ملايين ونصف المليون وتُحتسب الضريبة على المبلغ المتبقي، أما المتزوج فيحسم 10 ملايين من راتبه و 500 الف عن كل ولد قاصر وتُحتسب الضريبة على المبلغ المتبقي...)
- إستحداث رسوم جديدة على لوحة السيارة العمومية.
- إستحداث رسوم على لوحات السيارات المميّزة وهي: 500 الف ليرة على الثلاثة ارقام، 250 الف ليرة للأرقام الاربعة، و 150 الف ليرة على لوحة الخمسة ارقام.

• رفع الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 7 الى 10 في المئة لمدة 3 سنوات.
• رسم 3% على السلع المستوردة الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة باستثناء البنزين والمواد الأوّلية للصناعة والمعدات الزراعية.

الضرائب المخفّضة
في مقابل سلّة الضرائب هذه، لحظت الموازنة بعض التخفيضات منها على سبيل المثال:

• خفوضات على البيوعات العقارية للبنانيين:
- خفض رسم التسجيل على العقار الذي يصل ثمنه الى 375 مليون ليرة فيدفع 2% بدل 5%، وكل عقار يزيد عن ذلك يصبح الرسم 3% بدلاً من 5%.
- إستحداث ما يعرف بـ«إعادة تقييم إستثنائية» وهو ما يسمح للفرد بأن يعيد تقييم العقار الذي يملكه، وعوض أن يدفع 15 في المئة جراء هذه الخدمة يدفع 5 في المئة فقط.
*تخفيض غرامات بنسبة 85 في المئة على المخالفات (بلدية، ميكانيك...) الى جانب تقسيط الضرائب المتوجبة على الاشخاص.

 • تسوية على الملفات العالقة امام لجنة الاعتراضات بدفع 50% من الغرامة. 

د. سعيد عيسى

المرصد:

يلوح في أفق نقاش الموازنة العتيدة، الدّائر حاليّا في مجلس النواب، بوادر توافق نيابيّ، يقضي بإقرار الموازنة، دون إقرار قطوعات الحساب السّابقة، النّائمة منذ ١٩٩٧ لغاية عام ٢٠١٧، بما يعني على الطريقة اللبنانيّة "عفا الله عمّا مضى".

هذا العفو يُفضي، إلى تغييب الشفافيّة والمساءلة عن ماضٍ الموازنات والطريقة التي صُرِفت فيها، ومدى قانونيّة ذلك الصّرف، وإلى أين ذهب، وحصّة الصّارفين منها، وتحديد الأسباب التي أوصلت الوضع الماليّ برمّته إلى ما هو عليه اليوم، وتحميل المواطنين عمّالا، ومجتمع أعمال، وِزْرَ التسيّب والفوضى الماليّة والإدارية السّابقة، كما يفتح الباب واسعًا على المعالجات المستقبليّة، وطُرقها، وإعطاء دورٍ المواطنين في تصحيح الممارسات والاختلالات القائمة، رسمًا لسياسة ماليّة واضحة المعالم، تحاسب على الماضي وتصحّح المستقبل.

وقطوعات الحسابات إن حصلت، فبإمكانها تحديد قيمة الدّين العام، والأسباب التي ادّت إلى ارتفاعاته القياسيّة، والكيفيّة التي صُرِفَ فيها، ولجيوب من ذَهبَت، ومن استفاد منه (الدّين)، والحصص التفصيليّة للقوى السياسيّة القائمة على رأس السلطة، وتبيان فشلها في إدارة الشأن العام، واستغلال مواقعها العامّة لمنفعتها الخاصة، وتحديد مكامن هدر المال العام، والفساد وجماعاته، المستظلّة بفيء السلطة والمسبّحة بحمدها ليل نهار.

إنّ توافق السّلطة السياسيّة، على تمرير الموازنة تحت جناح الوقت الدّاهم، بحجّة تسريعه، استعجالا لدفق ماليّ آتٍ من مفاعيل مؤتمر "سيدر"، هو إبقاء للقديم على قِدَمِه، والاستمرار في سياسة الإفادة الخاصّة من الحساب العام، وزيادة الثروات وتكديسها، وإمعانًا في إفقار العامّة من النّاس، وفرض ضرائب جديدة لسدّ العجز الكامن في السياسات العقيمة، المتعاقبة على لبنان، منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، التي أغرقت لبنان في مستنقع الديون، دون التفاتة ولو لمرّة وحيدة، لمصير النّاس ويأسهم وعذاباتهم اليوميّة المريرة.

        ليس جديدًا على السلطات الحاكمة الإقدام على مخالفات دستوريّة، فتاريخها حافل بالمخالفات، الماليّة، وبالصّفقات وبالهدر، وبتعيين الموظفين، وبالمحاصصة وتغييب الحدود الفاصلة بين السلطات، والتدخّل في الشؤون القضائيّة، وتدمير البيئة، وفرض الضرائب، والهجوم على حقوق العمّال والموظفين، وتدمير القطاع العام وغيرها كثير لا مجال لتعدادها...

عقد الحراك الشعبي للانقاذ  في نهاية الاسبوع الماضي مؤتمرا صحافيا في مقر الاتحاد الوطني لنقابات العمال، تلى خلاله النائب معروف سعد كلمة الحراك

------------------------------------------------------------
الإخوة الإعلاميون
كل الشكر والتقدير لحضوركم، ويشرّفنا أن نتوجّه من خلالكم إلى الرأي العام، وإلى اللبنانيين في كل المناطق ومن كل الانتماءات، باسم الحراك الشعبي للإنقاذ ومكوّناته من أحزاب وقوى وشخصيات سياسية، وهيئات واتحادات نقابية، ومن منظمات وهيئات المجتمع المدني.
ويهمّنا أن نوجّه الشكر إلى الرفاق في الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان على استضافتهم لهذا المؤتمر الصحفي.
سنتناول في هذه المداخلة أبرز التطورات والمستجدات، وعلى رأسها الموازنة التي سوف تعرض على الهيئة العامة لمجلس النواب الأسبوع القادم، ولكي نعلن موقفنا من مشروع الموازنة الذي لم يتضمن أي مراجعة جدّية لأسس النموذج الاقتصادي الريعي المتقادم الذي يتحمّل مسؤولية الأزمات الاقتصادية، فعكس هذا المشروع التمسّك باتباع سياسة التقشّف لتحميل الطبقات العاملة والوسطى تكاليف تلك الأزمات وتبعاتها الاجتماعية المريرة. بدليل الوقائع إن مشروع الموازنة - بخلاف ما يجري الترويج له راهنا - ليس مشروعاً إصلاحياً، وهو لا يستند الى أيّ رؤية اقتصادية إنمائية، كما يعبّر عن انحياز طبقي واضح للريع وللربح الرأسمالي ضدّ الأجور والحقوق الاجتماعية.
فمشروع الموازنة قد رسّخ توجهات ومقترحات إجرائية رئيسية تتميّز كلّها بطابع ضريبي رجعي، وسوف يكون لها أثر سلبي على أوسع الفئات العمالية والشعبية المتضرّرة من سياسات النظام القائم.
بناء عليه جئنا لنعلن أيضاً عن التحركات التي ندعو لها لمواجهة هذه السياسات الاقتصادية – الاجتماعية المستمرة في الموازنة والتي افقرت اللبنانيين، وهي لا تزال باقية فيها.
إلا أننا سنتطرق في البداية إلى أحداث الجبل وما نتج عنها من تعطيل للحكومة، وذلك بالنظر لخطورة تلك الأحداث وخطورة تداعياتها.
أولاً: في ما يتصل بأحداث الجبل وتداعياتها إننا نؤكد من جديد على استنكار تلك الأحداث، وعلى إدانة المسؤولين عنها، وإدانة اللجوء إلى العنف وإلى التحريض الطائفي لمواجهة أي تباين أو خلاف.
كما نؤكد على رفض منطق المحاصصة الطائفية والكانتونات، وعلى إدانة سلوك القوى السياسية الطائفية الممسكة بالسلطة، والتي تتقاسم موارد الدولة والوظائف العامة والمشاريع والالتزامات خدمةً لمصالحها الشخصية والفئوية الضيقة متذرعةً بحقوق الطوائف، وكل ذلك على حساب الدولة وحقوق المواطنين من كل الطوائف والانتماءات.
ولقد بات واضحاً للبنانيين أن تلك القوى لا تتورّع عن هز الاستقرار وتهديد السلم الأهلي والتضحية بمصالح البلد والناس خدمةً لمصالحها الخاصة. كما بات واضحاً أيضاً أن المؤسسات الدستورية وانتظام عملها ليسا أولوية لديها، فهي تقوم اليوم بتعطيل عمل الحكومة، كما قامت في السابق بتعطيل عمل المؤسسات الدستورية الأخرى.
كل ذلك يدل على وصول نظام المحاصصة الطائفية إلى درجة الفشل والاهتراء، ويؤكد على ضرورة التغيير، تغيير الطبقة الحاكمة، ومدخله قانون جديد للانتخابات خارج القيد الطائفي يرتكز على النسبية الحقيقية والدائرة الواحدة، وقانون وطني للأحزاب في إطار برنامج واضح للإصلاح السياسي والاقتصادي - الاجتماعي. فطريق التغيير هو الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان وتجنيبه خطر السقوط والانهيار.
ثانياً: أما الموازنة فنرى أنها غير قادرة على معالجة أي من الازمات الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية التي يعاني منها اللبنانيون أشد المعاناة، بل سوف تساهم في مفاقمة هذه الأزمات، كما سوف تعرّض لبنان لأفدح الأخطار وذلك للأسباب الآتية:
1- الموازنة ترتكز على الخيارات والسياسات ذاتها المعتمدة منذ التسعينيات حتى اليوم، وهي التي قادت لبنان إلى المأزق الحالي.
ومن أبرز تلك السياسات:
أ‌- الاستدانة حتى شارف الدين العام عتبة 100 مليار دولار، وباتت فوائد هذا الدين تبتلع أكثر من ثلث الموازنة.
وفي الوقت نفسه أنفقت الدولة خلال العشرين سنة الماضية حوالي 250 مليار دولار.
ولا يخفى أن مؤتمر "سيدر" يعني المزيد من الاستدانة في مقابل بيع آخر ممتلكات الدولة: كالهاتف الخلوي، وحتى الطرقات الني سيصبح السير عليها ممنوعاً إلا لمن يدفع الرسم المحدد.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين ذهبت كل تلك الأموال؟ بينما لا مياه صالحة للشرب، ولا كهرباء، ولا ضمان شيخوخة، ولا تعزيز للتعليم الرسمي أو الجامعة الوطنية، ولا نقل عام، ولا بنى تحتية جيدة، ولا معالجة لمشاكل النفايات أو الصرف الصحي، ولا .. ولا ..
لكن لغة الأرقام توضح ما يأتي:
77 مليار دولار ذهبت فوائد إلى خزائن المصارف وإلى جيوب عدد محدود من كبار المودعين.
20 مليار دولار أو أكثر ضاعت في دهاليز الصفقات والالتزامات لمشاريع الكهرباء.
ومليارات .. ومليارات استولت عليها مافيات النفايات والتعهدات والالتزامات وسواها.
بـ - تشجيع الاقتصاد الريعي على حساب الاقتصاد المنتج
تواصل الحكومة اليوم سياسة رفع سعر الفائدة خدمةً للراسمال الريعي، مما يساهم في التضييق على قطاعات الإنتاج، ويضاعف من حجم الركود والكساد. بينما لا تعتمد اي توجّه من شأنه الحد من ارتفاع الفوائد، وذلك على الرغم من أن تخفيض سعر الفائدة نقطة واحدة من شأنه توفير 900 مليون دولار على الخزينة، وتخفيض نسبة عجز الموازنة.
وعلى الرغم من أن السياسات والخيارات المالية والاقتصلدية المعتمدة منذ التسعينيات حتى اليوم قد أثبتت فشلها، وألحقت أفدح الأضرار بالأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن أطراف السلطة لا تزال متمسكة بها خدمةً لمصالحها الخاصة ومصالح حلفائها من القوى المالية والريعية.
2- محاولة تخفيض عجز الموازنة تلبية لاشتراطات "سيدر" على حساب القطاعات الحيوية ومحدودي الدخل
في هذه المرحلة، وتلبية لاشتراطات مؤتمر "سيدر" وسعياً وراء الوعود بقروض خارجية جديدة، وضعت الحكومة أولوية تخفيض عجز الموازنة. فتوجّهت إلى تخفيض موازنات قطاعات حيوية هي بأمس الحاجة إلى التعزيز؛ مثل التعليم الرسمي، والجامعة اللبنانية، والجيش، والشؤون الاجتماعية، وصناديق التعاضد، ومعاشات التقاعد للمدنيين والعسكريين وغيرها.
ونحن إذ نرفض رفضاً تاماً هذه التخفيضات والاقتطاعات، ونتضامن مع كل القطاعات المتضررة من الموازنة ونشارك في تحركاتها، كنا نتمنى لو أن الحكومة تقوم باستعادة أموال الدولة المهدورة والمنهوبة.
3- نطالب باستعادة المليارات المهدورة والمنهوبة من أموال الدولة
يجري نهب اموال الدولة من خلال رفع سعر الفائدة، والتهرّب الضريبي، والتهرّب الجمركي، والسمسرات في استيراد المشتقات النفطية، ومشاريع المحاصصة في الكهرباء، ومشاريع السدود غير المجدية مثل سد بسري وغيره، فضلاً عن الأموال الطائلة التي تذهب إلى جيوب المحظيين عوضاً عن خزينة الدولة وبرعاية أطراف السلطة.
- التهرب الجمركي تصل قيمته إلى ملياري دولار، ويكفي أن ترفع أطراف السلطة أيديها عن المعابر الشرعية وتقفل المعابر غير الشرعية حتى تزيد مداخيل الجمارك مليار دولار على الأقل.
- وإذا توقف التواطؤ الرسمي مع التهرّب الضريبي فمن شأنه أن يدخل إلى الخزينة ملياراً آخر.
ولنا أن نسأل هنا: لماذا إعفاء سندات الخزينة بالعملة الأجنبية من الضريبة، ما يجعل الخزينة تخسر 200 مليون دولار سنوياً؟ و 3 مليار دولار من سنة 2004 حتى اليوم؟
- ولماذا رفضت الحكومات المتعاقبة العرض الجزائري والعرض الكويتي لاستيراد النفط لمؤسسة الكهرباء من دولة لدولة؟ وما من شأنه أن يوفّر على الخزينة 500 مليون دولار سنوياً، ويساهم في تخفيض حجم العجز في مؤسسة الكهرباء.
- أملاك الدولة البحرية والنهرية ومشاعاتها هي إمّا مصادرة من قبل القوى النافذة، أو مؤجّرة ببدلات هزيلة. فلماذا لا تستعيد الدولة حقوقها القانونية المشروعة في هذه الأملاك؟ ما يمكن له أن يدخل مبالغ كبيرة إلى الخزينة.
ونكتفي اليوم بذكر هذه الأمثلة لأن ميادين النهب لموارد الدولة لا حصر لها. والمؤسف أن تتجاهل الحكومة استعادة هذه الواردات المنهوبة بمليارات الدولارات، لأسباب مجهولة لكن بات الجميع يعلمها !! وأن تمد يدها إلى جيوب ذوي الدخل المحدود، وإلى موازنات القطاعات الحيوية التي كان يتوجب عليها زيادة الإنفاق عليها بدل تخفيضه !!
لقد اجتهدت لجنة المال النيابية، تحت ضغط التحركات الاحتجاجية في الشارع، في الحد من الاقتطاعات والتخفيضات غير المشروعة وغير المبررة، إلا أنها التزمت بسقف أولويات الحكومة وخياراتها الأساسية، لذلك جاءت تعديلات اللجنة على الموازنة محدودة، ولا تدخل أي تغيير جوهري عليها.
4- نرفض ضرب قطاعات الإنتاج
من المعروف أن للموازنة وتوجهاتها والخيارات التي تقوم عليها التأثير البالغ على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
ومن جملة الأزمات التي يعاني منها لبنان الركود الاقتصادي والكساد التجاري، فضلاً عن التراجع والانهيار في الصناعة والزراعة..
أ- لا لتهميش الزراعة
لم تعرف الزراعة طيلة هذه المرحلة إلا الخسائر وكساد المواسم. أما وزارة الزراعة التي لم يخصص لها إلا موازنة هزيلة هي غائبة عن مآسي المزارعين.
وفي الوقت الذي يجري فيه إغراق الأسواق بالتهريب، لا أحد يهتم بالمزارعين أو يساعدهم على تسويق منتجاتهم، أو على فتح أبواب التصدير لها. وهم واقعون تحت رحمة مافيا الأدوية الزراعية المحمية من قبل السلطة.
بـ - تراجع خطير للصناعة والحرف
أما على صعيد الصناعة والحرف فإن المصانع والمحترفات تقفل يوماً بعد يوم، وألوف العمال يسرّحون لينضموا إلى جيش العاطلين عن العمل.
ومما يؤسف له أن الإنتاج الصناعي الذي كان يمثّل في أواخر الثمانينيات 24 % من الناتج المحلي، لم يعد يمثل اليوم إلا أقل من 14%. وكان 70 % من استهلاك اللبنانيين من الإنتاج الوطني، إلا أنه تراجع اليوم إلى ما دون 10 %. وبينما يستورد لبنان ما قيمته أكثر من 20 مليار دولار، فإن ما يصدره لا يزيد عن 3 مليار دولار. الأمر الذي له تأثيره السلبي البالغ على الميزان التجاري العام وعلى ميزان المدفوعات، ويساهم في ازدياد الطلب على العملات الصعبة.
ومما لا شك فيه أن توفير الرعاية للإنتاح الوطني الصناعي والزراعي، وتشجيع التصدير وتحفيزه، من شأنهما أن يحدّا من العجز في ميزان المدفوعات. غير أن الموازنة لا تولي ميزان المدفوعات ما يستحقه من اهتمام.
جـ - الموازنة تساهم في تفاقم الأزمة الاجتماعية وتدني مستوى المعيشة
الخيارات السياسية والاقتصادية والمالية للحكومات السابقة، وللحكومة الحالية، لها نتائجها الكارثية على الصعيد الاجتماعي.
وهو ما يظهر في ما يأتي:
- ارتفاع معدل البطالة إلى 30 %، وإلى 40 % وسط جيل الشباب الذين بات هاجسهم الوحيد الهجرة إلى خارج لبنان.
- تراجع مستويات المعيشة بشكل حاد، ووقوع مليون لبناني تحت خطر الفقر.
- تراجع أوضاع الخدمات العامة، ومن بينها المستشفيات الحكومية، والتعليم الرسمي، وغيرها من الخدمات.
أما التخفيضات والاقتطاعات في الموازنة فهي تساهم في مفاقمة الأزمة الاجتماعية عوضاً عن معالجتها، وهو ما ينذر باضطرابات اجتماعية خطيرة العواقب.
بناء لكل ما تقدم نحن لا نوافق على الموازنة ولا على توجهاتها ومرتكزاتها. وندعو كل أبناء الشعب اللبناني إلى التحرك الاحتجاجي، وإلى المشاركة في تحركات مختلف القطاعات المتضررة التي بات من الضروري بناء علاقات التعاون في ما بينها.
إن الحراك الشعبي للإنقاذ يصر على المطالبة بأن تقدم الحكومة إلى مجلس النواب قطوعات الحساب منذ العام 2004 ولغاية العام 2017 وفقاً لأحكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية. ونتمنى من السادة النواب عدم الولوج بمناقشة الموازنة قبل مناقشة وإقرار قطوعات الحساب عملاً بأحكام المادة 118 من نظام مجلس النواب الداخلي.
ونشدد باسم الحراك على دعوة جميع القوى الوطنية والشعبية والنقابية والقطاعية للمشاركة في الاعتصام الاحتجاجي في ساحة رياض الصلح عند الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الثلاثاء القادم الواقع فيه 16 تموز الجاري.
مع التأكيد على أن التحرك الذي ندعو إليه هو تحرك سياسي تحت شعار: من أجل الإنقاذ ومواجهة مخاطر سياسات الانهيار الاقتصادي والمالي، ومن أجل بناء الدولة الوطنية الديمقراطية. وفي الوقت نفسه نطلق الدعوة لعقد المؤتمر الوطني للإنقاذ بهدف توحيد جهود كل المعارضين الحقيقيين لنظام المحاصصة الطائفية وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كل الشكر لحضوركم، والسلام عليكم.
------------------------------------------

 

 

المرصد

د. سعيد م. عيسى- يبدو انّ رئيس جمعيّة تجار بيروت السيّد نقولا شمّاس على يقين من انّ المجلس النيابي ماضٍ في إقرار بنود حمائية للصناعة الوطنيّة، من خلال إقرار ضريبة على المستوردات التي ينتج لبنان مثيلا لها، لذلك يسارع بين الفينة والأخرى إلى التحذير منها، تحت ذريعة أنّ إقرارها سيعرّض الأمن الاقتصادي للاهتزاز، وسيتعكّر معها صفو السّلم الأهلي، معتبرا ذلك جريمة موصوفة ومرتكبيها معروفون.

طبيعي أن ينبري السيّد شمّاس للدّفاع عن مصالحه ومصالح من يمثّل، ولكن أن يَسِمَ إقرار البنود الحمائيّة او الضرائبيّة بما وصفه، لهو استعداد لشنّ حرب اقتصادية، سيدفع ثمنها المواطنين، غلاء وارتفاعا في الأسعار، خصوصا منها المواد الحياتيّة، التي يحتاجونها في يوميّاتهم، وطبعا ستكون تحت ذريعة أنّ الحكومة والمجلس النيابي، زادا الضرائب الجمركيّة على المستوردات، والمسؤولية تقع عليهما، ويبدو أنّه يهدّد بدفع المواجهة قدمًا، من خلال الأدوات التي ذكرناها، ودائما عبر الضغط على المواطنين، والضعفاء والمهمّشين منهم، والعمّال، في خطوة استباقية، ضاغطة لمنع إقرار البنود الحمائيّة في مرحلة نقاش الموازنة، وفي خطوة ثانية ارتداديّة، عبر الرفع الفعلي للأسعار إذا لم تنفع الخطوة الأولى، بعيد إقرار الموازنة، إذا لم تنفع الخطوة الأولى.

من المفيد هنا، تذكير السيّد شمّاس، أنّ الدراسة الأخيرة التي أجراها المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين في لبنان، بيّنت أن مؤسّسات القطاع التجاري فيها مخالفات بالجملة على صعيد تطبيق قانوني العمل والضمان الاجتماعي ومرسوم طوارئ العمل، ولا يجري الالتزام بهم إلا بما ندر، وانّ العمال يعملون ٩ ساعات يوميّا كمعدّل وسطي، ولا يتقاضون أجورهم عن ساعات العمل الإضافية، وبعضهم لا يمنح إجازات أسبوعيّة او سنوية، وحوالي ٥٠ ٪ من العاملين في المؤسّسات غير مسجلين في الضمان الاجتماعي، ويقع استشفاءهم على عاتقهم الخاص، أو على عاتق الحكومة اللبنانيّة عبر وزارة الصّحة، وان ما يقارب من ٥٠ ٪ من المؤسّسات عملها غير نظامي، ومتهرّبة من ضريبة الأرباح، واكثر من نصف العمالة في القطاع التجاري هي غير لبنانية، وغير مصرّح عنها لوزارة العمل، واكثر من ٥٠ ٪ من النساء العاملات لا تدفع لهن بدلا من إجازات الولادة، وعقود العمل غير موجودة او مخالفة لأدنى أصول القواعد القانونيّة، والالتفاف على القوانين قائم من كل حدب وصوب.

إنّ ما تقدّم يبيّن حجم الكتلة النقديّة التي يوفّرها القطاع التجاري ورئيسه السيّد شمّاس، على حساب العاملين في القطاع، ويدخلونها في دائرة أرباحهم وتهرّبهم الضريبي، وكلفة التشغيل المنخفضة، ومن ثمّ ينبري عبر التهديد المبطّن بتقويض الأمن الاجتماعي، وهو ومن يمثّل من مقوّضيه الأساسيين، وسبب من ابتلاء البلاد والعباد بالمستنقع التي تغرق فيه، والأوان قد آن لوضع حدّ لهم ولأمثالهم، ولكن هل من يستجيب؟

قرّر العسكريون المتقاعدون مواجهة مناقشة مشروع موازنة الـ2019، والبنود التي يعتبرونها تمسّ حقوقهم، عبر إعلان قطع كلّ الطرق الرئيسية التي تربط المناطق بالعاصمة، قبل ظهر الغد

 

سياسة الهروب إلى الأمام، التي تعتمدها قوى السلطة في لبنان، شراءً للوقت وهرباً من حلّ الأمور الخلافية، لا تؤدي عملياً إلا إلى تفاقم الأزمات. نقاشات مشروع الموازنة، وتحديداً ما يتعلق بموازنة وزارة الدفاع، والبنود التي تطاول معاشات التقاعد ومخصصات العسكريين، خير دليل على ذلك. الأمور تسير نحو التصعيد، وجديد فصولها سيكون غداً، مع «عزل» بيروت عن بقية المناطق اللبنانية. فالعسكريون المتقاعدون يعودون إلى صلب الصورة، مع إعلانهم قطع كلّ الطرقات الرئيسية التي تربط بيروت بالمناطق، منذ الساعة الخامسة صباحاً حتى العاشرة صباحاً، ولن يُسمح إلا بمرور الآليات التابعة للقوات المسلحة والدفاع المدني والصليب الأحمر والهلال الأحمر وسيارات الإسعاف التابعة للبلديات والجمعيات وآليات قوات الأمم المتحدة التي تحمل شعارها. خطوة العسكريين تأتي ردّاً على «إصرار الحكومة على هضم حقوق المواطنين»، بحسب البيان الصادر عن «حراك العسكريين المتقاعدين»، مُحذِّرين من أنّ هذه الخطوة «تُعتبر تحذيرية لأنّ الخطوات اللاحقة ستكون أشدّ قسوة وإيلاماً».

في كلّ التجارب السابقة، كانت قوى السلطة تصمّ أذنيها تجاه الاعتراضات والتحركات الشعبية، وغالباً ما تنجح في امتصاصها وتحويلها إلى مادّة لصراع المكونات الشعبية فيما بينها. لكنّ المشهد الحالي يكتسب دلالات أخرى، مع وجود العسكريين المتقاعدين على الأرض. وهم أكدوا في بيانهم توسّع دائرة تحركهم، «وأمام تعنّت السلطة وإصرارها على المضي قدماً في موازنة الذلّ والعار، التي تخالف الدستور والأنظمة والقوانين وشرعة حقوق الإنسان وتُهدّد الأمن الاجتماعي للمواطنين وتطيل أمد الهدر والفساد ومعاناة العباد، فإنّ حراك العسكريين المتقاعدين والتزاماً منه بالقسم الوطني، أصبح ملزماً بتجاوز المطالبة بحقوقه المادية والمعنوية إلى المطالبة بالحفاظ على أمن المواطن والوطن بإسقاط الموازنة المسخ، ورفض الاستدانة باسم الشعب اللبناني والارتهان والإذعان لإملاءات الصناديق الدولية». وورد في البيان أنّه سيتمّ «محاصرة وعزل مجلس النواب، وتدريجياً عزل لبنان عن الخارج، تزامناً مع انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون الموازنة، ولن يثنيه عن ذلك إلا إعلان رسمي في أقرب وقت ممكن يتضمن إسقاط كلّ المواد والبنود التي تطال حقوق المواطنين على اختلاف شرائحهم، تفادياً لأخذ الوطن إلى الانهيار التام الذي وصل إليه بفضل السياسة الاقتصادية المجرمة للحكومات المتعاقبة منذ عام 1990 وحتى اليوم».

واحدة من نقاط الخلاف هي منع الإحالة على التقاعد في السنوات الثلاث المقبلة

 

اعتراض المتقاعدين العسكريين، يدور حول ثلاث نقاط: الأولى تتعلق بفرض ضريبة دخل على التعويضات الإضافية، التي يحصل عليها العسكريون المتقاعدون، ومنها مثلاً بدل ألبسة وتجهيزات... هذه «المتممات»، يُفترض بها أن تكون في أصل الراتب، إلا أنّه منذ تسعينيات القرن الماضي، اتُّفق على أن تُدفَع من خارج الراتب، حتى لا تشملها تعويضات نهاية الخدمة، التي تُحتسب على أساس الراتب. اقترح وزير المال علي حسن خليل، أن تُفرَض ضريبة دخل عليها. في حين أنّ الجيش وبقية الأجهزة الأمنية، يعتبرون أنّ هذه الخطوة تمهيدية، لتُفرض أيضاً على العسكر في الخدمة.

نقطة الخلاف الثانية، هي المادة 76 من مشروع قانون الموازنة، التي تمنع الإحالة على التقاعد في السنوات الثلاث المقبلة، إلا لمن بلغ السن القانونية للتقاعد. يتمسك بها وزير المال، لقوله إنّ كلفة التقاعد المبكر كبيرة على الدولة كبيرة جداً، وقد كلفت الخزينة في الـ2018 أكثر من ألف مليار ليرة، وأنّ المادة تشمل الجيش والقوى الأمنية وكلّ المؤسسات الرسمية والإدارة العامة. أما موقف وزير الدفاع الياس بو صعب، فمغاير، لاعتقاده أنّ إقرار هذا الاقتراح (الوارد في المادة 76 من مشروع الموازنة) سيُحدث إرباكاً في المؤسسة العسكرية، التي تريد خفض عديد العمداء إلى أقل من 150 عميداً، ومنع التقاعد المبكر سيؤدي إلى مضاعفة مبالغ التقاعد أكثر من 3 مرات عند انتهاء صلاحية المادة 76.

النقطة الثالثة، أقلّ تسبباً للخلاف بسبب وجود تلاقٍ بين موقفَي وزيرَي الدفاع والمال، وهي رفع نسبة بدل الطبابة التي يدفعها العسكريون من 6% إلى 9%، أسوةً ببقية الموظفين في الإدارة العامة، فيُحاول بو صعب تمريرها بين العسكريين، من منطلق أنّها «منطقية، ومساواة العسكريين بالإداريين».

ايلي الفرزلي- الأخبار

إذا كانت مواد قانون الموازنة قد بنيت على قاعدة أن البلد في أزمة تهدد مستقبله المالي والاقتصادي، وهو ما بررت به الحكومة مدّ اليد على مستحقات الموظفين وحقوقهم وفرض الرسوم الإضافية التي تطاول الفقراء، فقد بدا واضحاً أمس أن هذه الرؤية لم تنعكس على النفقات المقررة لعدد كبير من الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة، والتي سبق أن وصفها نواب بالمحميات، إذ إن التخفيضات التي أجريت على هذه الموازنات جاءت محدودة، لا بل تبيّن وجود ألغام عديدة فيها. ففي عز الحديث عن الإجراءات التقشفية، يتبين، على سبيل المثال، أن رئاسة مجلس الوزراء رفعت موازنة المجلس الأعلى للخصخصة من مليار ليرة إلى 14 مليار ليرة، علماً بأن الشغور يتحكم بأمانتها العامة منذ استقالة أمينها العام زياد حايك. ولأن بعض البنود تتضمن زيادات غير مبررة، طالب عدد من النواب بتخفيض يطاول، على الأقل، المبالغ المرصودة للمواد الاستهلاكية، التي ارتفعت من دون مبرر في أكثر من هيئة أو مؤسسة تابعة لرئاسة مجلس الوزراء، إلا أن هذا الطلب سرعان ما رفض. كذلك رفض اقتراح بأن تتم الموافقة على كل البنود التي تتضمن إنفاقاً لا يزيد على موازنة عام 2018، وأن يصار إلى إعادة كل إنفاق يزيد على موازنة 2018 إلى ما كان عليه.

وفي ظل تكرار رئيس الحكومة سعد الحريري أن الموازنة تضم مواد إصلاحية عديدة، لم يكن مبرراً كيف يذهب من يريد الإصلاح إلى حصار الأجهزة الرقابية عبر خفض موازناتها المنخفضة أصلاً أو عبر إلزامها بقرار منع التوظيف، وهي التي تعاني شغوراً يتخطى الخمسين في المئة من ملاكاتها. فالتفتيش المركزي، على سبيل المثال، انخفضت موازنته لتصبح الرواتب والإيجارات وغيرها من المصاريف الثابتة تقدر بـ 97.5 في المئة من مجمل المبلغ المرصود. أما ديوان المحاسبة، الوحيد التي ارتفعت موازنته من بين الهيئات الرقابية، فلا يزال بحاجة ماسة إلى تعزيز كادره الوظيفي، وخاصة أن رئيس الديوان اعتبر أن أهم أسباب التأخير في إنجاز الحسابات هو الشغور في الملاك. والشغور الذي يعتبر ظاهرة عامة في المؤسسات الرقابية، تبشر الحكومة بأنه سيستمر لفترة طويلة، ربطاً بقرار وقف التوظيف لثلاث سنوات. المهم أن المطلوب تخفيض العجز، وليس مهماً أن يُسمع رئيس التفتيش المركزي جورج عطية وهو يقول إنه في عام 1959، عندما كان عدد الموظفين في الدولة لا يتخطى الـ 4000 موظف، كان ملاك الهيئة يضم 150 مفتشاً، بينما هو حالياً، بعدما وصل عدد الموظفين إلى 100 ألف موظف، لا يضم سوى 70 مفتشاً!

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
حكومة الواتساب: 6 دولارات على كل مشترك زيادة الضرائب على الاتصالات والبنزين والدخان... ولا مسّ بالأثرياء

حكومة الواتساب: 6 دولارات على كل مشترك ز…

تشرين1 17, 2019 53 مقالات وتحقيقات

موظفو شركتي الخليوي "كبش محرقة"؟

موظفو شركتي الخليوي "كبش محرقة…

تشرين1 17, 2019 53 قطاع عام

حاسبوا جامعات الأمر الواقع أولاً؟

حاسبوا جامعات الأمر الواقع أولاً؟

تشرين1 16, 2019 56 مقالات وتحقيقات

هل تستورد الدولة القمح؟ ربطة الخبز رهينة

هل تستورد الدولة القمح؟ ربطة الخبز رهينة

تشرين1 14, 2019 66 مقالات وتحقيقات

تعليق العام الدراسي للتلامذة السوريين

تعليق العام الدراسي للتلامذة السوريين

تشرين1 14, 2019 62 تربية وتعليم

نظام التقاعد في خطر!

نظام التقاعد في خطر!

تشرين1 10, 2019 106 أخبار

التعاقد والتفرّغ والملاك في «اللبنانية»: هل تُتخذ القرارات الجريئة؟

التعاقد والتفرّغ والملاك في «اللبنانية»:…

تشرين1 09, 2019 112 مقالات وتحقيقات

عاملات المنازل ضحايا الدولار أيضاً

عاملات المنازل ضحايا الدولار أيضاً

أيلول 23, 2019 182 مقالات وتحقيقات