النهار-19-10-2018

سلوى بعلبكي

 


يتنافس الكثير من الخبراء الإقتصاديين على تحليل الوضع الإقتصادي في لبنان، منهم من يطرح نظريات بعيدة عن الواقع، أو يركز على جانب محدد من دون النظرة الشاملة للأوضاع، ومنهم من يكتب ويصرّح نسبة للإرتباط والدعم المالي الذي يحصل عليه من جهة أو جهات سياسيّة ما، وهناك من يطرح ويعبّر عن واقع ملموس ضمن نظرة شاملة معتمداً أيضاً على التجارب والوقائع التي مرّت على لبنان خلال الفترة من العام 1993 ولغاية اليوم.

بمراجعة بسيطة للتحليلات والإقتراحات التي صدرت عن خبراء إقتصاديين وماليين، والتي وصلت مباشرة أو عبر الإعلام للمسؤولين المعنيين كرئيس الجمهورية ووزير المال ورئيس لجنة المال النيابيّة، يلاحظ الخبير في الشؤون الضريبيّة جمال القعقور ان ثمة تجاهلاً تاماً للمواضيع المطروحة "على الرغم من أن التصاريح الإعلاميّة لهم تتناغم مع الحلول والإقتراحات لكن التطبيق يأتي على عكس ما تشتهي رغبات المخلصين الهادفين إلى إنقاذ الوطن من الأزمات المتفاقمة التي تؤثر سلباً على الحياة اليوميّة للمواطن".

من هنا يرى القعقور أن ثمة ضرورة لإقتناع المسؤولين بضرورة "تصويب النهج الضريبي المعتمد حاليا عبر إقرار قانون الضريبة التصاعدية على الدخل وتخفيض الضريبة على الاستهلاك رحمة بذوي الدخل المحدود ومن أجل تعزيز القوة الشرائية للمواطن"، وهو ما يوافق عليه الخبير الاقتصادي لويس حبيقة الذي يشير الى أهمية عدم فرض ضرائب جديدة من الآن حتى سنة 2020 في انتظار "تقليعة" مناسبة للاقتصاد فور تشكيل الحكومة.

لكن حبيقة يرى أن الأولوية هي لتأليف الحكومة على نحو عاجل، لأنه "من دون حكومة النزيف سيستمر ويصعب وقفه". بعد الانتهاء من تأليف الحكومة ثمة الكثير من الملفات التي تتطلب المعالجة والتي تحتاج الى وقت.

جريصاتي لـ"النهار": لا تراجع عن قرار العدّادات وعمّمنا على القضاة التشدد في المخالفات
في الموازاة، يرى القعقور ضرورة الاقتناع بكبح جماح شهية المسؤولين على جلب قروض جديدة وزيادة حجم الدين والفوائد، "لأن حجم الدين الحالي يشير إلى هدر ونهب وفقدان للخدمات والمشاريع وما الضمانات والشروط التي يتحدّث عنها المسؤولون للدول المانحة إلا أضغاث أحلام حيث سيتمكن المسؤولون بسبب خبرتهم الطويلة منذ العام 1993 ولغاية اليوم على الإلتفاف عليها ونهب ما يمكن نهبه. ثم أنّ لدينا في لبنان رؤوس أموال مجمّدة ومتعطّشة للدخول مع الدولة في الكثير من المشاريع الإستثمارية، وبالتالي يمكنها أن تكون البديل عن الديون الخارجيّة".

وفيما يعوّل حبيقة على ضخ الكثير من الاستثمارات الخاصة في السوق فور تشكيل الحكومة، بدليل ان الكثير من استثمارات القطاع الخاص مجمدة في انتظار بصيص أمل، يؤكد القعقور ضرورة "تفعيل وتحديث العمل في الإدارات الرسمية وتعزيز الرقابة ومحاربة الفساد، والتحول إلى نظام المكننة في الإدارات الرسمية وعبر التعاون مع جمعية المصارف لإعتماد نظام تسديد موحد، بالإضافة إلى التعاون مع "ليبان بوست" كوسيط للمراسلات الناتجة من هذا النظام".

ثمة اجراءات عاجلة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، واجراءات تتعلق بالكهرباء والمياه والنقل والنفايات وتلوث المياه... ففي الكهرباء يشدد القعقور على ضرورة "رفع اليد عن قطاع الكهرباء والتوقف عن الحلول الجزئيّة التي أصبحت مادة إفادة للمسؤولين، وضرورة التعاون مع القطاع الخاص المحلي و/ أو الخارجي لبناء المعامل والشبكة الكاملة التي لن تكون عبئاً على الدولة، بل ستشكل مصدر دخل مهماً يرفع عنها العجز الدائم ويوفر للمواطن الكهرباء على نحو دائم".

أما معالجة مشكلة تلوث الأنهار، فتكون عبر القروض والمنح الدولية، إذ من غير المقبول وفق القعقور "أن يتم مثلاً تزويد بيروت بمياه الليطاني- بسري - الأوّلي عبر منحة البنك الدولي وهي في الواقع مياه ملوثة مسرطنة غير قابلة للإستخدام".

وللقطاع الخاص دوره المهم في معالجة البنى التحتية فإضافة الى قطاع الكهرباء، يرى القعقور ضرورة تعاون الحكومة مع القطاع الخاص لبناء شبكة نقل متكاملة تربط المدن الرئيسية بعضها بالبعض من خلال شبكة المترو وشبكة الباصات التي تخصص لها طريق خاصة، ومن خلال شبكات المترو المعلق ضمن المدن الرئيسيّة.
ولا ينسى القعقور الضمان الاجتماعي الذي هو اساس الحماية الاجتماعية، إذ على الدولة تسديد إلتزاماتها للصندوق كي يتمكن من تطوير وتحديث وتسريع خدماته للمواطن. ويمكن أن تقدم الدولة الى الضمان مباني وأراضي تملكها في جميع المحافظات مقابل جزء من الدين المستحق عليها، وتالياً يتم تجهيز مراكز حديثة معززة بإداريين وأطباء تخدم المواطن بكل إحترام وسرعة، ويتم تطبيق نظام اللامركزية الإدارية للموافقات على بعض الأعمال الطبية".

فاقتصاد لبنان يحتاج إلى إطلاق يد البلديات لحل مشكلة النفايات ضمن خطة مركزيّة تحدد معايير الحل.

وفي ملف إستخراج النفط والغاز، يحضّ القعقور على ضرورة تعامل المسؤولين بشفافية والإقتناع بأن أرباحهم يمكن أن تتحقق عبر المنافسات المشروعة كي يبقى شيء للوطن.

ولكن حبيقة الذي يوافق على الاجراءات التي اقترحها القعقور، يعتبر أن هذه الاصلاحات يمكن أن تحتاج الى وقت، وتاليا يجب الحض على تأليف حكومة التي ما أن تبصر النور حتى ستبدأ ضخ الاستثمارات من القطاع الخاص. فمليار دولار كاف للمساهمة بإنتاج 5 مليارات دولار، بما يفسح المجال أمام تحريك العجلة، خصوصاً وان المجتمع الدولي على استعداد لمساعدتنا".

فاقتصاد لبنان يمكن أن يتعافى شيئاً فشيئاً ليصل الى حالة النمو والنجاح، في حال إتفق المسؤولون على ضرورة وقف تقاسم الحصص التي تخدم مصالحهم وجيوبهم والعمل لمصالح الناس وحاجاتهم اليوميّة، وفي المقابل يحتاج إلى وعي المواطن ومحاسبة زعيمه الطائفي أو المذهبي إذا ظلّ يعمل أو يوافق على إجراءات تخدم الطبقة الحاكمة أو المسيطرة على البلد من دون الأخذ في الإعتبار المصلحة العامة للمواطن، وفق ما يقول القعقور.

في إختصار، تحتاج البلاد إلى أشخاص مخلصين ورجال تحكم بعدل وتعاون (ضمن ضوابط تحمي مصلحة الدولة) مع القطاع الخاص، وتالياً تبدأ مسيرة الإصلاح والنمو ويتعافى الإقتصاد والوطن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

سلوى بعلبكي

النهار-12-10-2018


يطوي لبنان بعد شهر ونيف عقده السابع على نيله الاستقلال بحلم راود أبناءه وهو العيش بوطن حسده الاقربون والأبعدون لما فيه من نعم وعطايا خصه الله بها... فأحبطوا.

وطن كان هواؤه دواء لكل عليل، وجباله مستشفى لكل سقيم، ومياهه التي كان البعض يخطط لتصديرها مقابل النفط لنقاوتها وغزارتها، وغابات تنفرد باخضرارها في هذا الشرق الصحراوي، وكهرباء تفيض عن مستهلكيها فتباع الى الخارج مقابل عملات صعبة، ومرفأ ربط الغرب بالشرق وأمد العرب بمستورداتهم، وسكة حديد كانت تصل بيروت بالحجاز، مروراً بالشام وعمان.

في أمكنة أخرى، تحلم شعوب العالم المتحضر بمستقبل لأجيالها المقبلة، وتخطط الحكومات لخمسين أو مئة سنة الى الامام، فيما نحن "الشعب العظيم" نحلم بالعودة 50 عاماً الى الوراء علنا نشرب مياهاً عذبة لا يختلط بها البراز، ونتنشق هواء غير مسرطن، ونتأمل جبالاً لم تبتلعها حيتان الكسارات وأطماع المسؤولين، وغابات تشع نضرة لا نار تأكل أخضرها واليابس، ونُصَدِّر او نستورد عبر مرفأ وفقاً للقانون من دون المرور بألف عمولة، ونأمن لما يدخل عبره من مواد استهلاكية وحياتية، ولا نخاف من تسلل بعضها الفاسد أو آخر انتهت صلاحيته، ونسير على طرق مضاءة ومنظمة، ونسهر الليالي على كهرباء من دون انقطاع، لا يُعكر هناءنا صراع "الديكة" على المفاضلة بين "الديجانتير" أو العداد، او يُمنِننا وصيُّ على "إسراء" أو "فاطمة غول" او يبتزنا احد عناتر المولدات.

نحلم بالوصول الى أشغالنا ومقاصدنا بوسائط النقل العام الحديثة كالحافلات والقطارات التي كانت موجودة عندما تأسس لبنان - من دون محاصرتنا ساعات في زحمة لم يعد لها توقيت، أو الغرق في مستنقعات اول شتوة على طرق محفرة وفوضوية، على الرغم من تسديدنا كمكلفين فاتورة رواتب لعديد موظفي مصلحة سكك الحديد "الأثرية".

مواضيع ذات صلة
فرنسَبنك يحصد جائزة "النخبة لتقدير جودة عمليات المقاصة بالدولار الأميركي من JP Morgan

غازات المحارق ستحوّل تربتنا حامضة وتهدد غذاءنا
خسائر من حرق النفايات والانتاج العضوي يتقلّص

اقتراح قانون الموارد البترولية على البر إلى الواجهة معدّلاً
هل تصبح موافقة مجلس النواب...
نحلم بحماية أنوفنا ورئاتنا من روائح وانبعاثات غاز نفايات الموت البطيء، الذي تطالعنا اكوامها، عند مداخل المدن، وعلى المفارق، وحماية عيوننا وارواحنا من التلوث البصري والنفسي الذي فاق في "سويسرا الشرق" أكثر المدن تخلفاً في العالم. نحلم ببحر كان قبلة السياح الأجانب والعرب الهاربين من حرِّ الصحراء وقيظ الصيف، فحولته العمولات والصفقات والصناديق السوداء مكباً ومزبلة يرفع القبعة تحية لأترابه "المغدورين" نهر الليطاني وبحيرة القرعون المغمورين بالتلوث والامراض، وبقايا المصانع والبشر التي تغذي المياه الجوفية بكل صنوف الامراض والاوبئة المميتة، بسعر ليس أكثر من قلة ضمير مواطن متواطىء مع مسؤول. وطن سلَّمه الغريب المحتل الى حكام ودولة ليصونوه منارة علم وثقافة، وقيماً حضارية في شرق مظلم، فحوّلوه باستهتارهم وانانياتهم وغلوهم في التطيف، التمذهب، مزرعة في شرق يضاء ويتقدم وينافس في كل الميادين بسواعد وعقول لبنانيين هجروا لقلة الفرص، فيما لبنان يغرق في العتمة، والعجز، وشعبه في الاذلال.

الكهرباء، المياه، النفايات، النقل، أزمات ليست قديمة متجددة فحسب، بل نجد أنها تزداد تفاقما مع تعثر الحلول المرتجاة بالرغم من الاعتمادات التي تخصص لمعالجتها!

الكهرباء: خاصرة رخوة للابتزاز!

قبل الحرب الاهلية كان اللبنانيون ينعمون بالكهرباء على مدار الساعة وصدروا الفائض عنهم الى سوريا. واليوم بعد أكثر من 25 عاماً على انتهائها لا تزال معضلة الكهرباء عصيّة على الحل، على الرغم من تعاقب أكثر من 10 وزراء على وزارة الطاقة من مختلف الانتماءات السياسية، وإن كان غالبيتهم من قوى 8 آذار. الخاصرة الرخوة للكهرباء أتاحت دخول أطراف أخرى على خط الازمة بذريعة توفير البدائل لتصبح هي الآمرة الناهية والمتحكمة برقاب العباد.

فالمولدات أصبحت حاجة ملحة للمواطنين تزيد من أعبائهم المادية، إذ يصل معدل الفاتورة الشهرية للمواطن (كهرباء الدولة والمولدات) الى 250 الف ليرة على أساس 150 م2 مساحة البيت، فيما كبدت بواخر الطاقة الدولة نحو 1.8 مليار دولار على 5 سنوات، من دون احتساب كلفة الفيول التي هي على نفقة مؤسسة الكهرباء، في حين كان بالامكان بناء 4 معامل بكلفة تقارب الـ 2.5 ملياري دولار (على اساس أن كلفة الميغاواط الواحد 800 ألف دولار).

ويبقى الامل، في تقدم الحوار بين وزارة الطاقة وشركة "سيمنز" الالمانية الذي يبدو أنه مؤشر على سعي جدي لمعالجة ازمة الكهرباء بسرعة يُرجى لها ان تكون قياسية للتخلص من عبء ملياري دولار سنوياً عجز مؤسسة كهرباء لبنان، وتوفير مليار و200 مليون دولار سنوياً على المواطن جراء فاتورة المولدات.

النفايات: محارق مسببة للسرطان

أزمة النفايات في لبنان ليست أزمة طارئة أو غير معروفة. فلبنان نفذ خطة طوارئ للنفايات في بيروت وجبل لبنان منذ العام 1997 حتى العام 2015!. وفي 16 تموز 2015 تفاقمت الأزمة وأغرقت البلاد في بحر نفاياتٍ، بعدما أغلق مطمر الناعمة (المطمر الاكبر في لبنان) أبوابه، وانتهى العقد مع سوكلين. فبدأت النفايات غير المُفرَزة (أكثر من 3000 طن) تتكدَّس وتتعفّن بشكلٍ يومي في الشوارع وتنتشر عشوائياً في الغابات والوديان وعلى الشواطئ مسببة كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة. وهذا ما حدا بعدد كبير من البلديات إلى حرق النفايات المتراكمة في الهواء الطلق، مما أدى ايضاً إلى ارتفاع معدل تلوث الهواء إلى مستوياتٍ مقلقة.

ولكن في الواقع، هذه الأزمة هي ثمرة سنوات من فشل الحكومة وسوء إدارتها لملف النفايات. في أواخر التسعينات، وقّعت الحكومة عقدًا طارئًا مع شركة سوكلين / سوكومي لإدارة قطاع النفايات المتعثّر منذ سنوات الحرب الأهلية. ثمَّ أعيد تجديد العقد المذكور في العام 2010. وبدل إعداد خطةٍ ملائمة لإدارة النفايات لوضعها موضع التنفيذ فور انتهاء عقد سوكلين، فشلت الحكومة في التعاطي مع الأزمة باقتراح حلولٍ سيِّئة، كتصدير النفايات المتراكمة على سبيل المثال وإنشاء مطامر متعدِّدة منتشرة عبر البلد. وبعد مرور ثمانية أشهر على هذا الوضع الكارثي، وتكدّس أكثر من 350 الف طنّ من القمامة المتعفّنة، اعتمدت الحكومة خطةً جديدة لإدارة النفايات، تقوم على مرحلة انتقالية تمتد الى 4 سنوات، يُصارُ خلالها إلى (إعادة) إنشاء مطمرَيْن ساحليَّين، هما برج حمود وكوستا برافا، على أملاك بحرية عامة، من خلال ردم البحر الأبيض المتوسط ومن دون وضعٍ تقيِّيم سليم ومناسب لمستوى التأثير البيئي والاجتماعي المترتب على هذه الخطوة.

اليوم تتجه بلدية بيروت الى اعتماد المحارق تحت ما يسمى "التفكك الحراري" لحل أزمة النفايات، كما ان المحرقة المنوي إنشاؤها تستوعب من 750 الى 1280 طناً في اليوم، وهي تاليا أكثر من الكمية التي تنتجها مدينة بيروت يومياً (600 طن/اليوم). تقضي الخطة بحرق مجمل النفايات المنتجة يومياً من دون فرزها وخصوصاً الورق والكرتون والبلاستيك. مع الاشارة الى ان الجزء العضوي، غير القابل للاحتراق، يشكل أكثر من 60% من مجمل نفايات بيروت. وينتج من هذه العملية ملوثات هوائية سامة تتسبب بأمراض مميتة مثل السرطان وأمراض القلب والرئة والتشوهات الخلقية، وستنتشر هذه الملوثات فوق المناطق المحيطة بها، والتي تمتد على قطر 2-3 كلم. يعتبر خيار المحرقة، بإجماع الخبراء البيئيين وذوي الاختصاص من الخيارات الأغلى والأسوأ، فبالاضافة الى الـ250 مليون دولار، كلفة إنشائها، ثمة نحو 66 مليون دولار سنوياً كلفة تشغيلها وصيانتها.


ADVERTISING

inRead invented by Teads
المياه: فاتورتان وتلوث

اعتاد اللبنانيون دفع الفواتير المزدوجة شهريا، واحدة للوزارة المختصة وأخرى للمستفيدين من تقصير الدولة، ويشمل هذا التدبير مياه الاستخدام والشرب التي فالفاتورة الشهرية لمنزل مساحته 150 م2 تبلغ نحو 130 الف مع زيادة تصاعدية خلال فصل الصيف لتصل إلى نحو 170 ألف ليرة. والمشكلة، لا تتوقف عند الفاتورة، إذ أن المشكلة الاكبر تتعلق بتلوثها. فنتائج الدراسات الرسمية تشير الى نسب متفاوتة تلوثاً جرثومياً وكيميائياً وفي المعادن الثقيلة. إذ تؤكد بعض الدراسات أن نسبة التلوث تجاوزت 70% في المياه اللبنانية، فيما 90% من المياه المعبأة مصابة بالتلوث.

وفيما ترتفع نسبة المخاطر من تلوث المياه في المدن والأحياء المكتظة بسبب كثرة شبكات الصرف الصحي، يبدو أن مشكلة النفايات التي عانى منها لبنان أخيرا أثرّت بشكل كبير على نظافة المياه، وهو ما أثبتته دراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت التي أظهرت تسرّب عصارة النفايات إلى المياه الجوفية بما تحمله من سموم ومواد مسرطنة.

أما نهر الليطاني الذي أصبح من أخطر الأنهر في العالم، وعلى الرغم من كثرة التقارير عن تفاقم الآثار البيئية والصحية والاقتصادية لتلوث النهر، لا تزال خطط معالجته تراوح مكانها منذ إقرار مجلس النواب الخطة الرسمية لذلك منذ أكثر من عامين، والتي رصد لها ألف ومئة مليار ليرة.

النقل: خطط في الادراج

ترتكز سياسة النقل في لبنان على تشجيع وسائل النقل الفردية ودعمها، بدل الاعتماد على سياسة نقل عام مشترك يخفف عن كاهل المواطنين ويقوم على وصل المناطق بوسائل سريعة وفعالة، على نحو يخفف الطلب على السكن في المدن ويساهم في بقاء العدد الأكبر من السكان في قراهم.

وقد برزت أخيرا الخطة الوطنية لتنظيم وإصلاح النقل البري التي أعدّتها وزارة الأشغال العامة والنقل بالتنسيق مع قطاع النقل البري ولكنها تقبع في ادراج مجلس الوزراء منذ شباط الماضي.

وتتضمّن الخطة التي تبلغ كلفتها نحو 53 مليون و640 ألف دولار، خطوات مرحلية لتحسين واقع قطاع النقل العام وآلية تنفيذها والأعباء المالية المترتبة عليها. وهي تشمل عناوين تنظيم مزاولة مهنة النقل العام للركاب وتطوير أدائه، وإدخال نظام النقل السريع على الخطوط الرئيسية، وإقرار سياسة قطاع النقل البري، وتنظيم أماكن وقوف السيارات الخاصة ضمن المناطق في مدينة بيروت، وتشغيل محطات التسفير عند مداخل العاصمة وتنظيم إدارتها، وإعادة هيكلة إدارة قطاع النقل البري، ومعالجة وضع مصلحة سكك الحديد والنقل المُشترك، وأخيرا الدعم المالي للعاملين في القطاع.

في المحصلة، ليس خافياً ان حجم المشكلات والمعوقات الاقتصادية والاجتماعية ضخم ومزمن، ويتطلب للخروج منها فريقاً لإدارة الدولة برؤية وقرارات حازمة وشفافة، ويعتنق مبدأ تقديس المصلحة العامة، في مواجهة عقيدة الاستئثار والنكايات والمصالح الخاصة. لكن المشكلة ان الموكل اليهم حل مشكلة الوطن، هم انفسهم المشكلة... "صار وقت نوعى".

2 مليار دولار العجز السنوي لمؤسسة كهرباء لبنان

70 % نسبة التلوث تجاوزت في المياه اللبنانية

90 % من المياه المعبأة مصابة بالتلوث.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


النهار-10-4-2018
سلوى بعلبكي
النمو مشروط بعودة السياح.


توقّع مسحٌ أجرته وكالة "بلومبرغ" Bloomberg مع خبراء ومحللين اقتصاديين أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان إلى 2,1% في 2018، مقارنة بتوقّع سابق في أيلول 2017 بلغ 2,4%، وأن يرتفع إلى 2,6% في العام 2019. وقد راوحت توقعات النمو للمحللين الفردية ما بين 1,5% و3,3%، في حين تم التوافق بالإجماع بين 77,8% من المشاركين على أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيرتفع بنسبة 2% أو أقلّ هذه السنة. وأشارت نتيجة المسح إلى توقع بلوغ متوسط (median) نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان نسبة 2% في 2018. وتستند نتائج المسح الى آراء تسعة خبراء ومحللين اقتصاديين مستقرين في لبنان وخارجه.


"النهار" بدورها استطلعت رأي الخبيرين لويس حبيقة وايلي يشوعي. الاول لم يجد في كل ما توقعته الوكالة ما هو "منطقي"، في حين ان الثاني لاحظ "منطقية الى حدّ ما" مع تسجيله تحفظات عن بعضها.

يقر حبيقة بأن "الوضع الاقتصادي عموما غير مريح، إلا أنه ليس كارثيا أو يتجه نحو الافلاس كما يشاع. الوضع المالي في حاجة الى جهد لكي ننهض به. التوقعات بأن النمو سيصل الى 2،1 % هي توقعات منطقية". وإذ حبّذ أن يصار الى بثّ توقعات تفاؤلية عن الاقتصاد، شدد على "ضرورة ان نعمل جهدنا في الموازاة على تحسين النمو، علما أن الحديث عن توقعات استثمارية في البلاد، اضافة الى مؤتمر سيدر، هو بحد ذاته أمر يدعو الى التفاؤل".

لكن التفاؤل الذي يبديه حبيقة لا ينسحب على يشوعي الذي يشكك في إمكان تحقيق لبنان نموا هذه السنة "اللهم إلا اذا كان موسم الصيف زاخرا بوجود الخليجيين، حينئذ يمكن أن نتحدث عن نمو 2%. وعدم التفاؤل بالنمو مرده الى أن استهلاك اللبناني ضعيف وصادراته أضعف، أضف الى ذلك عدم ضخ استثمارات".
وتوقع المشاركون في المسح الذي أجرته الوكالة بين 18 آذار 2018 و21 منه، (أوردته النشرة الأسبوعية لمجموعة بنك بيبلوس Lebanon This Week)، أن يصل معدل التضخم إلى 3,8% في العام 2018 و3,2% في العام 2019. وقد اختلفت آراء الخبراء الاقتصاديين المشمولين بالمسح على نحو كبير في ما يخص اتجاه مؤشر أسعار المستهلك في العام 2018، إذ راوحت توقعاتهم ما بين 2,2% و6%، فيما توافق 77,8% من المشاركين في المسح على معدل تضخم يبلغ ما بين 2,5% و4,5% لهذه السنة. وأظهر أن متوسط (median) معدل التضخم بلغ 4% للعام 2018. إلا ان حبيقة رأى في هذه التوقعات مبالغة، مستندا في ذلك الى عوامل عدة منها "أن اقتصاد لبنان يعتمد على استيراد النفط الذي لم ترتفع اسعاره في الفترة الماضية ولا توقعات لارتفاعه في الفترة المقبلة"، كما يشير الى أن "سعر الليرة مرتبط بالدولار، وتاليا بما أن التضخم في أميركا لا يزال ضمن المعقول، فإن ذلك يعني أن التضخم في لبنان لن يزيد". أما يشوعي فلا يجد أن العجز مسألة جديدة، "خصوصا في ظل الاحتكارات والحصرية للتمثيل التجاري"، متوقعا أن يصل العجر من الناتج الى 10%، "لسبب بسيط هو اننا نلتزم توقعات الانفاق".

في موازاة ذلك، توقع الخبراء أن يصل عجز الموازنة في لبنان إلى معدل 8,7% من الناتج المحلي الإجمالي هذه السنة، وإلى 7,8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019. وأظهرت نتائج المسح أن متوسط عجز الموازنة العامة وصل إلى معدل 8,6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018. وفيما جاءت توقعات حبيقة موازية لتوقعات خبراء "بلومبرغ"، أكد في المقابل انه "لا يمكن لبنان الاستمرار على هذا النحو"، مشيرا في الوقت عينه الى أن "معالجة العجز ليست سهلة، خصوصا ان الامر قد يجبرنا على الدخول في معالجة الاجور وخدمة الدين العام". وإذ سأل: "هل يمكننا خفض حجم الموظفين في القطاع العام، خصوصا أن عددهم يناهز الـ 250 الف موظف"، إقترح "تشجيع هؤلاء على العمل في القطاع الخاص لمدة 5 سنوات مع التعهد بعودتهم الى مناصبهم إذا لم يعجبهم العمل في القطاع الخاص".

على صعيد عجز الحساب الجاري، توقع الخبراء أن يصل معدله الى 18,3% من الناتج المحلي الإجمالي هذه السنة وإلى 19,4% في العام 2019. وهذا ما لم يوافق عليه حبيقة و"كأنهم يراهنون على انهيار البلد، أو أن لديهم أجندة خارجية، أو أنهم يفترضون أننا لا نصدّر، والخدمات انهارت"، لافتا الى ان العجز "يمكن أن يصل الى 10% في حده الاقصى".

وفي حين توقع المشاركون في المسح أن يراوح العجز ما بين 15,7% من الناتج المحلي الإجمالي و21,2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018، أظهرت نتائج المسح أن متوسط عجز الحساب الجاري وصل إلى 18,2% من الناتج في العام 2018.

ورأي حبيقة ينطبق أيضا على مسألة الانكماش الاقتصادي، خصوصا أن الخبراء توقعوا أن تبلغ نسبة احتمال دخول لبنان في انكماش اقتصادي 16,7% في الأشهر الـ12 المقبلة. واختلفت آراء الخبراء المشمولين بالمسح، إذ راوحت نسبة الاحتمالات ما بين %10 و%20، علما ان النتائج أظهرت أن "متوسط نسبة احتمال دخول لبنان في انكماش اقتصادي تبلغ %20 في العام 2018". وفيما اعتبر حبيقة أن النمو في لبنان ايجابي ولكنه غير كاف، أكد يشوعي أن "دخول لبنان في انكماش اقتصادي هو امر بديهي في ظل نسبة الفوائد المعتمدة والسياسة التي تعتمد على الريع ومردود المال السهل وإثراء الثري وإفقار الفقراء، وعدم وجود سياسة ضريبية عادلة".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


سلوى بعلبكي
26 آذار 2018 | 00:00

في العام 2004 كانت دولة جورجيا تعاني من 19 ساعة من التقنين اليومي ونسبة الجباية لديها لم تكن تتجاوز الـ 30% من الجباية الفعلية، كما كانت تستورد الكهرباء من الدول المجاورة، بالإضافة إلى دين وفساد كبيرين. ولكن هذا المشهد انقلب رأساً على عقب في العام 2006، فاستطاعت جورجيا عبر تحسين الشفافية وتحرير القطاع من الحصول على 24 ساعة من الكهرباء ونسبة 96% من الجباية الفعلية. وأكثر، فقد توصلت جورجيا الى أن تصبح مصدرة للكهرباء.

وضع جورجيا في العام 2004 يشبه الى حد كبير وضع لبنان اليوم، فهل يمكن أن يفيد لبنان من تجربة هذا البلد؟ يشرح الخبير الفرنسي في سياسات المنافسة البروفيسور بيار غاريلو لـ"النهار" أنه بعد عامين من الثورة الوردية في جورجيا وضعت الحكومة الجديدة في أولوياتها اصلاح قطاع الكهرباء الذي تم على مرحلتين. المرحلة الاولى كانت بضبط الفساد عبر تسليم القطاع الى جهة واحدة بهدف ضبط المسؤولية وعدم توزيع التهم بالفشل يميناً ويساراً. وفي الموازاة اتخذوا اجراءات عدة منها استبدال ادارة شركة كهرباء بعناصر جديدة من الشباب لم تنخرط بأجواء الفساد، مع الاستعانة بموظفين أجانب. ووضعوا عدادات في كل الاحياء، وعمدوا في المقابل الى قطع التيار عن الحي بأكمله إذا تجرأ أحدهم بسرقة الكهرباء أو تمنع عن الدفع، وهذا ما دفع بسكان الحيّ الواحد الى ضبط بعضهم البعض. كما قطعوا التيار عن المؤسسات التي لا تدفع ومن بينها مستشفيات. ومن الاجراءات ايضاً استبدال الموزعين المحليين الفاسدين بآخرين أجانب. وقسموا شبكة الكهرباء الى 50 منطقة وعينوا مديراً على كل منطقة مع تحفيزهم بمكافآت مالية ضخمة كلما كانت الجباية جيدة، أو أن مصيرهم سيكون الطرد في حال لم يكن أداءهم جيداً في الجباية. وهذا الامر ادى الى تضاعف الجباية مرات عدة".

أما المرحلة الثانية من الاصلاح، يتابع غاريلو، فكانت بتحرير قطاع الكهرباء اي أنهم سمحوا للمستهلكين أن يشتروا كهرباء من الموزعين مباشرة. كما أنهم حرّروا الأسعار، وخصخصوا جزءاً كبيراً من الانتاج. كما التزمت الحكومة خطة تمتد على 12 سنة لطمأنة المستثمرين وتحفيزهم على الاستثمار.

وإذ يقر غاريلو أن هذا التحول في لبنان صعب، إلا أنه يؤكد في الوقت عينه أنه "غير مستحيل"، لافتاً الى أنه "بات ضرورياً فتح الأسواق للمنافسة وإعادة وضع تسعيرات جديدة حتى يكون الزبائن والمنتجون على بيّنة أين يستثمرون ومتى يرشدون من استهلاكهم. وينبغي كذلك إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة عن القوى السياسية".
الحل في لبنان يحتاج الى "نفس طويل" لكي يؤتي بالنتائج المتوخاة، يقول غاريلو، مستنداً في ذلك الى تجارب أوروبية وأميركية. إذ إرتأت معظم الدول إعادة فتح بعض أقسام سلسلة إنتاج الكهرباء للمنافسة بعد تأميم استمر لسنوات، فسمحوا للشركات الخاصة بإنتاج الكهرباء وتوزيعها للمستهلك النهائي مباشرة. ولم يبق تحت الاحتكار سوى نقل الكهرباء على اعتبار أنه يتطلب بناء وصيانة شبكة من خطوط التوتر العالي".

وفي ظل فتح الأسواق للمنافسة، يشير غاريلو أنه "تم تقوية دور هيئات الدولة التنظيمية بعدما كان دورها يقتصر على مراقبة الأسعار التي تحددها الشركة الوحيدة لإنتاج الكهرباء، والتي غالباً ما كانت بيد الدولة، خصوصاً وان المنافسة باتت تستدعي إدارة تضمن وصول مختلف المنتجين إلى شبكة النقل والتوزيع بما في ذلك المنتجين الأجانب".

ورغم أن هذا التحول في قطاع الكهرباء قد حصل تدريجياً، وعلى أسس متينة في معظم البلدان المتقدمة اقتصادياً إلا أنه لم يخل من المشاكل وفق ما يؤكد غاريلو، "لقد ثبت أن هذا التحول أكثر صعوبة في البلدان التي كانت فيها شركات الكهرباء العامة تعاني من نقص كبير في الكفاية أو تحولت من شركة كفيّة إلى شركة غير كفيّة كما هي الحال في لبنان. ويعود ذلك لعدم قدرتها على الاستجابة لارتفاع أسعار المحروقات، ما أدى إلى تغيير جذري في بيئة القطاع. وبطبيعة الحال، فقد لجأ المستهلكون، أفراداً ومؤسسات، في البلدان التي تكون فيها خدمة الكهرباء رديئة ويكون فيها انقطاع التيار الكهربائي القاعدة لا الاستثناء، إلى "نظام دبر راسك" للحصول على هذا المورد الثمين".

وتؤدي هذه الإستراتيجية كما هي الحال في لبنان، وفق ما يؤكد رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك المارديني إلى "إفقار مطّرد لشركة الكهرباء العامة، مع استحالة تحسين الخدمة، ما يعمق عجز خزينة الدولة بشكل متواصل. وتجد الدولة نفسها مجبرة على إنقاذ شركة كهربائها أو دعمها بعد أن باتت مكلفة للغاية بسبب عدم كفاية مختلف أقسام الكهرباء (الإنتاج والنقل والتوزيع وخدمة الزبائن). وما خسائر الكهرباء المتراكمة منذ العام 1992 والتي بلغت نحو 36 مليار دولار إلاّ دليل على ذلك، ما يعني برأيه أن الكهرباء تتحمل مسؤولية 45% من الدين العام اللبناني".

ويتفق المارديني مع غاريلو على ضرورة فتح ما يمكن فتحه من أقسام الكهرباء أمام المنافسة بغية الافادة من الديناميكية والابتكار الذي يرافق هذا الانفتاح، مؤكداً ضرورة "إعادة وضع تسعيرات جديدة حتى يكون المنتجون والزبائن على بيّنة: أين يستثمرون ومتى يرشدون استهلاكهم. وشدد في الوقت عينه على ضرورة إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة عن القوى السياسية".

وكان المعهد اللبناني لدراسات السوق استضاف غاريلو ليتحدث عن قطاع الكهرباء بعنوان: "قطاع الكهرباء في لبنان: الحلول في متناول أيدينا"، في فندق لوغري. وأكد المارديني أن "قطاع الكهرباء تجاذبات سياسية ومالية قد تطيح بخطة الكهرباء التي اقترحها وزير الطاقة سيزار أبي خليل. ومشاكل هذه الخطة عديدة منها كلفة استئجار السفن وكلفة بناء معامل جديدة، والتي قد تطيح ميزانية الدولة، هذا إذا ما تم التوافق عليها أصلاً. لقد حان الوقت لتقويم حلول جديدة".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



سلوى بعلبكي

النهار-12-3-2018


ليس جديداً الحديث عن تراكم عجز الكهرباء وانعكاساته السلبية على الاقتصاد وحجم الدين العام، وتطوّر الطلب على الطاقة وغيرها من الامور التي وردت في ملخص لتقرير تمّ توزيعه الاسبوع الماضي في مجلس الوزراء. وإذا كانت بعض الارقام واقعية، إلاّ أن الاستنتاجات التي توصل اليها الملخص وفق المتابعين تبدو مستغربة في ظل غياب أي حسابات أو معلومات عن الفوترة والتحصيلات والهدر، على نحو بدت أقرب الى نظرة قصيرة المدى غلب عليها طابع التفكير في تدابير متسرّعة، وبأي ثمن، لمعالجة مشكلة مزمنة وتلبية عاجلة لحاجة ملحة في إطار سوق تجارية محدودة البدائل.

هذه النظرة تفتقر الى خصائص "الرؤية الحكومية" المسؤولة عن إيجاد معالجة مستدامة لمشكلة زاد من حدتها الإخفاق الذريع في الافادة من الإجماع الذي توفر عند الموافقة على ورقة سياسة قطاع الكهرباء وأدى إلى إقرارها في مجلس الوزراء خلال حزيران 2010، على أن تنجز خلال مرحلة تراوح بين 3 و4 سنوات. وقد تلاها موافقة الحكومة على استجرار الطاقة من البواخر لإنقاذ صيف 2010، كخطوة مرحلية موقتة. وتبعها إقرار السلطة التشريعية لقانون البرنامج المعجل للأشغال الكهربائية، رقم 181/2011، الذي ابتغى الوصول إلى تغذية كهربائية مستدامة 24/24، واشترط تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة الكهرباء، خلال مهلة أقصاها شهران، وتشكيل هيئة تنظيم قطاع الكهرباء خلال مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره، وتفعيل قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462/ 2002، وصولاً إلى تعزيز أوضاع المؤسسة، وإعادة تنظيم قطاع الكهرباء، عن طريق إشراك القطاع الخاص في مجالي التوزيع والإنتاج وتحرير المؤسسة من أعبائهما.

ويبدو الملخص للمتابعين تبسيطاً للأمور وتجاهلاً للأسباب الحقيقية "للإخفاق في تنفيذ ورقة سياسة قطاع الكهرباء ومشاريع الإنتاج المقررة بموجب القانون 181/2011. وأخطر ما فيه تلك الاحتسابات المبنية على أرقام غير موثوقة وغير مدققة، وتتعارض مع معطيات مختلفة، أقرت بها مؤسسة الكهرباء حيال نسبة الهدر، الذي يبلغ وفق تقديرات مشروع موازنتها لسنة 2018 نحو 40% من الطاقة الموزعة، وتكلفة حصة النازحين السوريين من هذا الهدر تبلغ نحو 330 مليون دولار، و5 ساعات تغذية و495 ميغاواط من مجموع الإنتاج، وفقا لما ورد على لسان وزير الطاقة!".

ويشدد هؤلاء على أن التأخير في بناء معملي الزوق والجية الجديدين وعدم تنفيذ معمل دير عمار، وفقاً لما كان مقرراً له بموجب القانون 181/2011، لم ينتج من عرقلة، بدليل أنّ أحداً لم يعترض على بناء المعامل، لا بل أن الوزير حصل من مجلس الوزراء على كل التسهيلات، وسمح له بتعيين "لجنة فنية" لتقويم العروض. وقد أدى هذا التقويم إلى فوز متعهدين كانت أسعار عروضهم أعلى من الباقين. وقد لعب هذا التقويم الغامض دوراً في إكساب المتعهدين الذين رست عليهم عبر تطبيق معادلات لم يكن لإدارة المناقصات دور فيها، وأجرت احتسابات حول الوفر في كلفة التشغيل على مدى سنوات، واعطت علامات وافضلية لمن ينفذ المعامل خلال وقت أقصر من غيره. مع التذكير بأن المعلومات غير الصحيحة، التي أدلي بها غير ذوي صفة أمام ديوان المحاسبة، أدت إلى تضمين قراره بالموافقة على نتائج المناقصة، الإشارة مرتين إلى الضريبة على القيمة المضافة، مرة اعتبر فيها السعر متضمناً الضريبة على القيمة المضافة، مستنداً في ذلك إلى دفتر شروط المناقصة وكتاب مراقب عقد النفقات، ومرة إلى "عدم احتسابها" وفقاً لإفادة "مندوبي الإدارة"، التي "دوّنت في محضر على حدة"! ووفق المتابعين لسير الامور، فإن تدخل وزير المال في مشروع الزوق والجية جاء انطلاقاً من مخالفة ارتكبها وزير الطاقة عندما تفاوض مع المتعهد على تنفيذ عرضه الفني وليس دفتر الشروط الذي رست المناقصة عليه، ووافق ديوان المحاسبة على نتائجها على أساسه. فما كان من وزير المال إلاّ أن راجع ديوان المحاسبة في هذا الشأن الذي أكد وجوب العودة إليه، للحصول على موافقته، قبل إقرار أي تعديل يجري على شروط التلزيم، بغض النظر عن أهميته.
فما المطلوب اليوم؟ تؤكد مصادر معنية بضرورة العودة عن هذه المقاربة المتسرّعة تحت وقع الخطاب الانتخابي، واعتماد حلول مستقرة لأزمة الكهرباء، تكون على حد سواء وعلى المدى البعيد، أجدى للمواطن، الذي وجد حلاً، وإن كان مكلفاً مرحلياً، وللمالية العامة، التي تحاول إجراء تخفيضات لاعتمادات موازنة 2018".

كما أكدت أهمية "تقديم تفسير مقنع للتعاطي مع الانعكاسات المالية لاستئجار البواخر وتوفير التمويل اللازم لها خلال الفترة التي تسبق ورود تدفقات رفع التعرفة. إضافة الى "ربط رفع التعرفة باستقرار زيادة ساعات التغذية بشكل مقنع، يأخذ في الاعتبار القرار المتخذ بإزالة معمل الجية القديم ومراعاة شروط ورقة سياسة قطاع الكهرباء، لناحية عدم المسّ بشرائح المستهلكين من ذوي المقطوعية المحدودة، وإلغاء بدل التأهيل المعمول به حالياً بشكل مخالف للقانون".

وحضّت على البدء في رفع التعرفة من مبدأ العدالة، "إذ لا يجوز تحميل المواطن أعباء الإهدار والفساد والعجز عن ضبط موارد مؤسسة الكهرباء، وارتفاع تكلفة العقود بالتراضي، واليد العاملة غبّ الطلب، ونتائج قصور إدارة المؤسسة والشغور الحاد والخطير في معظم مديرياتها ودوائرها، واعتمادها على الشركات الخاصة من دون توفير الجهاز اللازم، حتى للإشراف على تنفيذ عقودها مع تلك الشركات".

وأشارت الى ضرورة "تقديم تفسير مقنع لكيفية معالجة الإهدار غير الفني الناتج من سرقة الكهرباء في الوقت الذي فشلت فيه شركات مقدمي الخدمات في تخفيضه، وكذلك الإهدار الناتج من استهلاك النازحين السوريين، الذي يؤدي في الوضع الحالي وقبل زيادة الإنتاج من طريق استئجار بواخر جديدة إلى إهدار ما يزيد على 490 ميغاواط تكلف الدولة فوق الـ 330 مليون دولار وحرمان اللبنانيين من 5 ساعات تغذية، وفقاً لما ورد في المؤتمر الصحافي لوزير الطاقة والمياه".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الضمان والمستشفيات: علاقة بحاجة إلى إعادة تأهيل إنذارات بفسخ عقود ولائحة مستلزمات لم يعرها الصندوق اهتمام

 

المصدر: جريدة النهار

سلوى بعلبكي

 

يتبع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي منذ سنة تقريباً سياسة جديدة مع المستشفيات تعتمد على الرقابة المكثفة، لضبط كل انواع المخالفات بدليل التدابير التي اتخذتها مصلحة المستشفيات في الصندوق، ومنها وقف السلف للجامعة الاميركية وتوجيه انذارات بوقفها الى 4 مستشفيات أخرى هي فؤاد خوري، مستشفى كليمنصو، القديس جاورجيوس (الروم)، وقلب يسوع. الى ذلك، ثمة عدد من الانذارات والتنبيهات الشفهية التي تمّ توجيهها الى مستشفيات أفضت الى "التزام بعضها التعرفة وعدم مخالفة الانظمة والقوانين". وتبعاً لهذه الاجراءات، تمت معالجة العديد من الشكاوى واستردت مبالغ مالية للمضمونين تقارب المليار ليرة خلال فترة سنة.  

 

المخالفات التي تقوم بها غالبية المستشفيات والتي يحاول الصندوق ضبطها قدر الامكان، تتعلق أولاً بالفروقات، إذ أن بعض المستشفيات وفق ما تؤكد مصادر الضمان تستغل "الخلل المتعلّق بأسعار المواد الطبية". هذا الخلل أشارت اليه نقابة المستشفيات في كتابها الذي وجهته الى المدير العام للضمان محمد كركي رداً على الانذارين الموجهين الى مستشفيي القديس جاورجيوس الجامعي الروم ومستشفى قلب يسوع الجامعي. إذ جاء في الكتاب: "كنا قد اثرنا معكم موضوعاً في مناسبات عدة هو موضوع التعرفات والمستلزمات الطبية، ان من خلال اللقاءات او المراسلات، ونبّهنا الى ان استمرار الوضع على ما هو عليه ستكون له انعكاسات وليس بمقدور المستشفيات تحمل تبعاتها لوحدها".

واوضحت النقابة "ان سبل معالجة هذه الاسباب واضحة ونحن في مراسلة سابقة مسجلة لديكم تحت رقم 325 بتاريخ 28/1/2016 كنا قد اودعناكم لائحة بالمستلزمات الطبية التي هي بحاجة الى تعديل اسعارها في اللائحة المعتمدة من الصندوق ولائحة بالمستلزمات الواجب اضافتها نظراً الى التقنيات المستجدة وذلك لدرسها واجراء المقتضى بشأنها. كما عدنا واكدنا هذا الامر في مراسلة اخرى مسجلة لديكم ايضاً تحت رقم 2538 تاريخ 5/9/2017... وأخيراً اودعناكم كتاباً يتضمن دراسة قامت بها النقابة لكلفة الخدمات الاستشفائية وهو مسجل لديكم تحت رقم 3088 تاريخ 2/11/2017 الا انه ولغاية تاريخه لم نتلق أي رد في هذا الشأن".

ما ورد في كتاب نقابة المستشفيات، وخصوصاً حيال تعديل لائحة اسعار المستلزمات الطبية، تؤيده مصادر الضمان، وتلقي باللوم على لجنة المستشفيات التي لا تجتمع حالياً لأسباب لا تزال مجهولة، علماً أنها من المفترض أن تجتمع كل 6 أشهر لدرس اللائحة وتعديلها اذا لزم الامر. ولا تغفل الاشارة الى تحميل بعض الاطباء مسؤولية "التواطؤ" مع شركات المستلزمات الطبية التي يهمها التسويق لمنتجاتها، وتالياً لا يمكن الضمان أن يعدّل اللائحة كل فترة قصيرة. ولكن ذلك لا يمنع المصدر من الاشارة الى أن ثمة أدوات طبية متطورة وصلت حديثاً الى السوق لا تدخل في لائحة الضمان الا في حالات محددة، لكن يمكن أن توفر على الضمان مبالغ طائلة. ومن هذه الادوات تقنية جديدة للتقطيب اسمها lega sure وهي عبارة عن ماكينة تستخدم مرة واحدة تقوم بعملية القص والتلحيم في الوقت نفسه. ورغم أن سعرها مرتفع، ولكن لديها مميّزات عدة أهمها أنها تخفض نسبة الالتهابات التي يمكن أن تطرأ على المريض، كما أنها تخفف من أوجاع المريض، وتقلل من مدة اقامته. وهذه الامور يجب أن يأخذها الصندوق في الاعتبار، كونها تخفّف من الكلفة التي يتكبدها المريض وخصوصاً حيال فترة الاقامة وكلفة غرف العمليات، وتالياً من الاخطار التي قد يتعرض لها والتي قد تجبره على المكوث في المستشفى فترة أطول.

ما يحصل حالياً وفق ما يؤكد المصدر هو "ان المستشفيات تقوم بإستغلال الموضوع وتسعّر الادوات والمستلزمات الطبية بسعر يفوق سعرها مرات عدة. وفي بعض الاحيان يجري الوكيل صفقات مع الأطباء لتسويق أدوات معينة يكون سعرها في بلد المنشأ مقبولاً، ولكن عندما تصل الى لبنان تصبح اسعارها مرتفعة بسبب العمولات التي يأخذها الطبيب، اضافة الى ما تفرضه المستشفيات من نسب ارباح تصل الى 40%".

وفي موضوع الاطباء أيضاً، يلفت المصدر الى أن بعضهم، وخصوصاً المتخصصين منهم، لا يقبلون بالتسعيرة التي يضعها الضمان، فيطلبون مبالغ مخصصة لهم عن كل عملية يجرونها وخصوصاً في المستشفيات الكبيرة. وفي هذه الناحية تحديداً، يشير الى أن الاطباء لا يلتزمون العقود الموقعة مع الضمان والتي تنص على ضرورة احترامهم التعرفة وعدم تجاوزها، لأنه في حال تجاوزها سيعرضهم ذلك الى خطر فسخ العقد معهم. وقد رفعت مصلحة المستشفيات تقريرها في هذا السياق الى المدير العام، وتم تحديد اسماء الاطباء المخالفين ليتم درس وضعهم والمخالفات التي ارتكبوها ليتم بعدها اتخاذ الاجراءات المناسبة في حقهم والتي قد تصل الى فسخ العقد معهم.

النوع الآخر من الفروقات الذي تلجأ اليه المستشفيات هو فرق الدرجة. إذ يشير المصدر الى أن "بعض المستشفيات يعمد الى ادخال مرضى الضمان درجة اولى بحجة أنه لا يتوافر لديها غرف ضمان (درجة ضمان). وتعتمد المستشفيات هذا الاجراء لمرضى الطوارئ الذين لا تسمح حالتهم الانتظار، علماً أن المستشفى ملزمة ادخاله في غرفة درجة أولى على أساس تسعيرة الدرجة الثانية في انتظار توافر غرفة درجة ثانية. كما أن غالبية المستشفيات تختار مرضاها وخصوصاً الذين يحظون بغطاء تأميني، وهذا الامر تمّ التنبّه اليه في الضمان وهو يكافحه بشده، وذلك انطلاقاً من أن كل مرضى الضمان سواسية ويحق لهم الدخول الى اي مستشفى في الوقت الذي يحدده طبيبهم. وثمة مستشفيات تختار نوع العمليات التي تجريها، إذ أن بعضها يعتبر مربحاً لهم خصوصاً في ما يتعلق بالادوات الطبية التي تستخدم فيها".

وفيما يؤكد المصدر ضرورة وضع أطر للعلاقة بين الصندوق والمستشفيات، فهو يشجع المضمونين على المبادرة الى الشكوى بغية استرجاع اموالهم، إذ في حال لم يبادروا فإن الصندوق لن يكون في مقدوره كشف المخالفات الاّ صدفة. ويحضّ المضمون على طلب كشف حساب تفصيلي اضافة الى ايصال بالمبلغ الذي دفعه. فإذا ساوره أي شك، عليه أن يلجأ الى مراقب الضمان في المستشفى لتقديم شكوى خطية، أو عبر مكتب الشكاوى في المركز الرئيسي، أو الاتصال على رقم مصلحة المستشفيات: 01/826363 المخصص للشكاوى.

تشريح الوضع النقدي والمالي على طاولة "المركزي" والمصارف: رفع الفوائد على الليرة... وسؤال عن جدوى البقاء في العراق وسوريا

 

المصدر: جريدة النهار

سلوى بعلبكي

 

ليس مستغرباً أن تحدث الإستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة سعد الحريري وما رافقها من إرباكات سياسية ودستورية، خضّة في الداخل اللبناني، وأن تطرح علامات استفهام كبيرة عن مدى انعكاس هذه الخطوة المفاجئة على الاقتصاد اللبناني واستقرار سعر صرف الليرة. ولكن المفاجئ أن الاسواق المالية واجهت هذا التحدي بشيء من البرودة والثقة بالنفس، أرجعها البعض الى السياسة الاحترازية التي يتبعها مصرف لبنان والتي ساهمت في استيعاب أي ضرر كان يمكن ان ينتج من تفاعل السوق سلباً مع أي تطور دراماتيكي للإستقالة. وفي ظل تخوّف البعض من أن يطول أمد الازمة لتتحوّل أزمة حكم على نحو يضغط على العملة الوطنية أكثر، سارع المعنيون في السلطة المالية وبمباركة من اركان السلطة السياسية، الى التفكير بتطبيق سياسة جديدة أكثر مناعة للدفاع عن سعر صرف الليرة. هذه السياسة تقضي برفع الفائدة على الليرة من نحو 5% و7% حالياً الى ما بين 10 و12% في المرحلة الأولى، وهو أمر بدأ التباحث به جدياً بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، على ان تليه اجراءات اخرى تزيد من "تحصين" أسعار الليرة اذا اقتضى الأمر ذلك.  

 

واذا كانت الأسواق المالية والنقدية قد تجاوزت قطوع الاستقالة بدليل أنه "ليس ثمة ما يذكر من اموال قد خرجت من لبنان خلال فترة الأزمة"، وهو ما أكده سلامة ووافقته عليه جمعية المصارف ولجنة الرقابة، فإن ذلك لم يمنع من أن تحظى هذه التطورات بمساحة واسعة من النقاش خلال اللقـاء الشهـري بيــن الحاكم ولجنـة الرقابة وجمعيــة المصارف. فقد شدد سلامة على اهمية استمرار سياسة تثبيت القطع، وعلى قدرة مصرف لبنان بما لديه من إمكانات أن يحمي سعر صرف الليرة. وهذا الأمر كان قد اطلع عليه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري من الحاكم في الاتصالات التي اجراها الأخير معهما بعد استقالة الحريري. كما طمأن سلامة المجتمعين الى ان نتيجة الاتصالات التي أجراها أو تلك التي تلقاها من الجهات الخارجية بما فيها خصوصاً الجهات الأميركية، كانت الحرص على عدم تعريض الاستقرار في لبنان لأيّ هزة.

وفهم من النقاش المطوّل في شأن الأوضاع القائمة في سوقي القطع والفوائد، ثلاثة أمور ستدرسها المصارف جيداً وستتصرف على أساسها:

- مصرف لبنان على استعداد لتحمل الكلفة الإضافية بالفوائد التي قد تترتب على المصرف في حال حافظ المودع عند استحقاق الوديعة عليها بالليرة لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر. ويمكن المصارف أن تراجع بهذا الخصوص مديرية العمليات المالية في مصرف لبنان للاتفاق معها على الآلية لمساهمة مصرف لبنان في الكلفة الإضافية لكل مصرف. أي بمعنى آخر، شجَّع الحاكم المصارف على توسيع هوامش الفوائد بين الدولار والليرة، وشدّد في هذا الإطار على ضرورة التزام مديري الفروع تعليمات واضحة من إدارات المصارف لتشجيع منحى احتفاظ العملاء بودائعهم المحرّرة بالليرة، معوّلاً على الدور الاساسي لمديري الفروع على هذا الصعيد.

- سيدرس المجلس المركزي لمصرف لبنان في جلسته المقبلة موضوع الغرامات التي تنص عليها التعاميم والإجراءات المعمول بها، بما خصّ تجاوز مراكز القطع العملانية في اتجاه تخفيفها والتعامل الملائم مع التجاوزات على نحو يسمح للمصارف باتخاذ مراكز قطع مكشوفة وموقتة ليصبّ في مصلحة استقرار سوق القطع.

- لن يجري مصرف لبنان عمليات Repos (اعادة شراء) مع المصارف على سندات الخزينة لديها، خصوصاً أن هذه العمليات توقفت منذ 2006/2005. ولاحظ الحاكم أن المصارف أقرضت أكثر من 80% بالليرة اللبنانية في أواخر 2016 وطيلة 2017، مما ادى الى فجوة الآجال، أي مشكلة الـ Mismatch.

وتطرق النقاش الى التعميم الرقم 437 الذي أصدره مصرف لبنان في 8 تشرين الثاني 2016، والذي يفرض على المصارف الفصل بين نشاطاتها الاستثمارية ونشاطاتها التجارية، اذ ألزمت المصارف أن تقوم بهذه العمليات عبر مصارف متخصّصة (استثمارية) أو عبر شركات وساطة مالية، وتركت مراقبة العمليات المصرفية التقليدية خاضعة لرقابة لجنة الرقابة على المصارف. وتمنى مجلس الإدارة على مصرف لبنان تأجيل العمل مجدداً بهذا التعميم إفساحاً في المجال لإعادة درسه، خصوصاً وأن الاجتماعات التي عقدها فريق عمل الجمعية مع الدائرة القانونية في مصرف لبنان ومع لجنة الرقابة ومع هيئة الأسواق المالية، لم تصل إلى اتفاق على تعديلات تراعي قدرة المصارف المتوسطة والصغيرة الاستمرار في تقديم خدمات الأوراق المالية لزبائنها من دون اللجوء إلى تأسيس شركات وساطة، خصوصاً أن كلفتها غير متناسبة مع المردود لضيق حجم السوق من جهة ولصعوبة إيجاد مصارف مراسلة تتعامل مع شركات كهذه من جهة ثانية. ووافق الحاكم على تأجيل الالتزام ستة أشهر إضافية ووعد بطرحه على المجلس المركزي لاحقاً.

واذا كانت التطورات النقدية والمالية في الداخل قد نالت حيزاً مهماً من المناقشات، فإن ذلك لم يمنع الحاكم من التطرق الى موضوع فروع المصارف اللبنانية في سوريا والعراق خصوصاً بعد التطورات الاخيرة حيال الاشكالات المتعلقة بزيادة رساميل المصارف العاملة في هذين البلدين. فقد أكد الحاكم للجمعية أن المصارف اللبنانية في سوريا تواجه متطلبات زيادة رساميلها مع نهاية السنة بما يرتّب أعباء عليها حيال خروج العملات، وتالياً مخاطر عدة نتيجة تحويلها إلى العملات المحلية، اضافة الى ما تشكّله من خروقات للعقوبات الدولية. وفي حين تمنّت الجمعية على مصرف لبنان التواصل مع السلطات النقدية في سوريا والعراق لتأجيل التنفيذ "نظراً الى الظروف الصعبة القائمة لدينا ولديهم"، ولم يبد الحاكم اي حماسة للتدخل... وأكثر فقد سأل عن جدوى وجود المصارف اللبنانية في هذه الأسواق.

في ما يتعلق بالتطبيق الحسابي العالمي الجديد للأوراق المالية (IFRS9) والإيضاحات والتوجيهات المطلوبة من مصرف لبنان ولجنة الرقابة، تمنّت الجمعية ووافق الحاكم على تشكيل لجنة ثلاثية من مصرف لبنان ولجنة الرقابة والجمعية، للاتفاق على الجوانب التطبيقية المطلوب إيضاحها وإعطاء توجيهات في شأنها الى المصارف، ومنها موضوع التعامل مع المخاطر السيادية خصوصاً بالعملات الأجنبية، بالإضافة إلى الجوانب الضريبية التي تتعلق بتكوين المؤونات.

مخالفات إدارة الضمان لا تنتهي... طلب تعيين 80 مياوماً واعتصام الأربعاء احتجاجاً على التجاوزات

 

المصدر: جريدة النهار

سلوى بعلبكي

فيما كان ينتظر أن يكفّ وزير الوصاية على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كبارة يد رئيس اللجنة الفنية في الضمان سمير عون، بعد ردّ محكمة التمييز للطعن الذي تقدّم به الأخير بما يعني وجوب محاكمته أمام محكمة الجنايات، عمد إلى إرسال كتاب إلى رئيس مجلس إدارة الضمان يطلب فيه تعيين مياومين في الصندوق على وجه السرعة. ويأتي طلب كبارة تعيين 80 مياوماً خارج إطار مباراة الخدمة المدنية التي أقرّها وأكدها مجلس إدارة الضمان (المعطل)، متجاوزاً (أي كبارة) صلاحياته في "الوصاية" ومخالفاً نظام المباراة المعمول به. 

 

ويأتي هذا الطلب ليلقي الضوء على المخالفات التي تحصل في الضمان وتحديداً ملف المياومين أو "عمال العتالة" الذين كانت لهم صولات وجولات سابقا عندما تم إدخال 115 أجيراً، على الرغم من رأي مجلس شورى الدولة 124/2014-2015 تاريخ 17/2/2015 الذي ورد فيه الآتي: "لما كانت تنصّ على أن المادّة 54 من قانون موازنة العام 2004 (القانون رقم 853 تاريخ 23/4/2004)، مع مراعاة أحكام التعيين والتعاقد في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة وأحكام القوانين والأنظمة بما فيها الأحكام المتعلقة بالرواتب والأجور التي ترعى كلاً من المؤسسات العامة الأخرى والمجالس والهيئات والصناديق العامة التي لا تخضع لرقابة مجلس الخدمة المدنية، يتم التعيين والتعاقد في هذه المؤسسات العامّة والمصالح المستقلة والمجالس والهيئات والصناديق العامة – باستثناء مصرف لبنان - بموجب مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية وفقاً للشروط المطلوبة للتعيين أو الاستخدام في كل منها".

إذاً، حتى ولو عدّ مجلس إدارة الصندوق قراره رقم 888 تاريخ 27/12/2014 المتخذ في الجلسة عدد 555 مصدقاً حكماً مع أنّ هذه الفرضية مخالفة للأصول القانونية، لم يجرؤ أحد في الصندوق أكان في مجلس الإدارة أو الإدارة أو اللجنة الفنية على تجاوز المادّة 54 من قانون الموازنة لعام 2004 التي أناطت، حصراً بمجلس الخدمة المدنية، التعيين في كافة الفئات بموجب مباراة يجريها ولو كان التعيين بالتعاقد. وتالياً أصبح من المتعذر على مجلس إدارة الصندوق إجراء أي تعيينات للمياومين لديه حتى في ظل نظام المياومين السابق.

وبناءً عليه، إذا كانت الغاية من وراء مشروع القرار الحاضر المتعلق بإعادة العمل بنظام المياومين هي إعادة العمل بأحكام التعيينات الواردة في هذا النظام، فإن ذلك أصبح متعذراً في ظل أحكام المادّة 54 من قانون الموازنة المذكورة أعلاه.

والمطلوب برأي أحد أعضاء مجلس الإدارة أن تقوم الجهة القضائية الصالحة برقابتها اللاحقة على صندوق الضمان ووضع يدها على ما سمّي "عمال العتالة" لأكثر من 10 سنوات، وتحديد المسؤول أو المسؤولين عن هذه المخالفة وكشف المنتفعين منها داخل الصندوق.

واللافت في تعيين مياومين جدد هو التناقض والاستنسابية اللذان تمارسهما الإدارة في تطبيقها للقوانين، إذ فيما عملت إدارة الضمان جاهدة لتعديل نص المادة 17 من السلسلة بما يضمن استفادة مستخدمي المؤسسات العامة والمصالح المستقلة من سلسلة الرتب والرواتب، غضت الطرف عما ورد في قانون السلسلة حيال وقف التوظيف لمدة سنتين.

إضافة إلى ذلك، واحتجاجاً على ما يحصل في الضمان من تجاوزات، تنظم حملة تحالف "متحدون" الذي يضمّ أفراداً ومجموعات الحراك المدني الذين جمعهم شعار "لقضاء عادل مستقل" و"لا قيامة لأي وطن أو إصلاح بلا محاسبة"، اعتصاماً الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم غد الأربعاء أمام قصر العدل في بيروت. ويأتي هذا الاعتصام ضمن سلسلة خطوات تهدف إلى "إعادة إنتاج حراك مدني هادف وفاعل، لرفع الصوت عالياً وبصدق يعلو فوق الاختلافات بوجه طواغيت الفساد من أهل السياسة والمال"، وفق الناشط بلال مهدي الذي أكّد أنّ التحالف سيسمي الأمور بأسمائها دون أيّ خوف أو اعتبار، "علا من علا وصغر من صغر، لكون الأمر قد تخطى المواقف السياسية ليطال تفاصيل حياتنا وحياة أولادنا".

وأكّد أنّ "التحالف أخذ على عاتقه الدفع باتجاه محاسبة المختلسين والفاسدين في الضمان عبر المطالبة الحثيثة برفع يد السلطة السياسية عن القضاء حتى تأخذ قراراته طريقها إلى التنفيذ"، مشيراً إلى رهان التحالف على القضاء و"على تطهيره من العناصر الفاسدة الخاضعة لسلطان السياسة والمال، وخصوصاً ما بعد التشكيلات القضائية المعيبة"، رافضاً "تواطؤ السلطة السياسية مع بعض مرتكبي المخالفات في الضمان عبر تقاعس وزير العمل في كفّ يد عون بالحد الأدنى - بل الدخول في صفقة الـ 80 مياوماً الجديدة المشبوهة - في ظل حضور خجول لوسائل الإعلام لفضح هذه الأمور الخطرة".

وإذ رأى أنّ جهود الإصلاح من بعض أعضاء مجلس إدارة الضمان اصطدمت بمافيات الفساد، أشار مهدي إلى أنّ وزير العمل ضرب عرض الحائط كل المواثيق المعمول بها في حالات مماثلة، وكل الجهود التي تكبدتها "لهون وبس" من زيارات ومراجعات لـ "معاليه" ملتمسة منه مجاراتها في التصدي للفاسدين في إدارة الضمان على الأقل في ضوء جهودها أمام القضاء، ولكن يبدو أنّ السمة الغالبة للمتعاقبين على وزارة الوصاية باتت التسليم بالفساد المستشري في الضمان إن لم يكن الاشتراك فيه وتشريعه بشكل غير مباشر"

مستشفى رفيق الحريري الجامعي: من فشل إلى فشل وزراء الصحة المتعاقبون يؤجّلون الانفجار حتى لا يقفل في عهدهم

 

المصدر: جريدة النهار

 

سلوى بعلبكي

 

انتهى يوم الجمعة الفائت الإضراب الذي بدأه بعض مستخدمي وأجراء مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي بعد إقفال دام أكثر من عشرين يوماً على نحو فوّت على المستشفى فرصة تحقيق إيرادات تفوق الملياري ليرة. 

 

والمعلوم أن الإضراب كان قد بدأ في مطلع شهر تشرين الأول، بعدما تراكم في ذمة المستشفى لمصلحة مستخدميه وأجرائه بدلات النقل والتعويضات العائلية عن شهري تموز وآب وبعدما لم يدفع المستشفى عن شهر أيلول إلا مبالغ بسقف مليون ليرة لكل مستخدم وأجير.

فأزمة الرواتب والأجور، التي كاد أن ينساها موظفو المستشفى منذ تسلّم الدكتور فراس الأبيض مهماته كرئيس لمجلس الإدارة وكمدير عام منذ نحو سنتين ونصف السنة، عادت مجدّداً إلى الواجهة، فماذا حصل؟

العارفون بشؤون المستشفى يعزون أسباب أزمة السيولة الحالية إلى الاتفاق المتأخر بينه وبين وزارة الصحة على العقد الاستشفائي لسنة 2017. فهذا العقد لم يصبح نافذاً إلاّ في شهر أيلول الماضي، وقد أدى ذلك إلى تراكم مبالغ طائلة لمصلحة المستشفى في ذمة الدولة عن معالجة مرضى على نفقة وزارة الصحة وإلى عدم دفعها من وزارة المال التي لم ترد إليها فواتير المستشفى إلاّ في بداية شهر تشرين الأول.

هذا الواقع، الذي كان قد وعد وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور، بالخروج منه من خلال فصل دفع رواتب المستخدمين وأجور الأجراء عن تحصيل الفواتير، يبدو أنه سيبقى قائماً ما قامت الدولة والمستشفيات الحكومية.

ولكن ماذا جرى ليتوقف الإضراب فجأة بعد ظهر يوم الجمعة الماضي، وهل انتهى بدفع مستحقات المستخدمين والأجراء؟ في الواقع، لم تدفع ادارة المستشفى لهؤلاء إلاّ بدلات النقل والتعويضات العائلية عن شهري تموز وآب فقط، فيما علمت "النهار" من بعض المصادر أن الأزمة شكلت لبعض المستخدمين والأجراء مناسبة لطرح مطالب على علاقة بالقرار الذي اتخذته إدارة المدير السابق الدكتور فيصل شاتيلا والذي لم تتمكن الإدارة الحالية من تطبيقه. هذا القرار، الذي اعتبره البعض كيدياً وأنه اتخذ لإرباك وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور بعد قبوله استقالة الدكتور فيصل شاتيلا، كان قد منح، خلافاً للقوانين التي ترعى المستشفى، الأجراء بالفاتورة درجات عن فترة استئجار خدماتهم شرط أن توفر وزارة الصحة المساهمات والاعتمادات اللازمة لتمويله. وبدلاً من أن تبادر الادارة الحالية الى إلغاء القرار، أبقته من دون تطبيق ومن دون إلغاء، إلى أن اعتبر أجراء المستشفى بالفاتورة أنه أصبح حقاً لهم وأن الإدارة الحالية تماطل في تنفيذه. وهكذا، جعل في التحرك الأخير من درجات الأجراء بالفاتورة المطلب الأساس إلى حد كاد أن يفجّر خلافات حادة بين الأجراء من جهة وبين مستخدمي المستشفى من جهة أخرى. ويعتبر العديد من المستخدمين أن حصول الأجراء على الحقوق التي يتمتع بها المستخدمون يساويهم بهم من دون أن يستحق هؤلاء ذلك، نظراً الى عدم استيفاء الكثير منهم شروط التوظيف ونظراً الى عدم خضوعهم لمباريات مجلس الخدمة المدنية. الإضراب الذي وصلت تداعياته إلى مبنى وزارة الصحة، حيث انتقل الاعتصام اليها مرة واحدة، لم يقابل من وزارة الصحة بموقف حازم يفصل في قضية درجات الأجراء بالفاتورة، بل قوبل بالاستيعاب وبتشجيع إدارة المستشفى والمضربين على الوصول إلى اتفاق في هذا الشأن حتى بدا لبعض العارفين بوضع المستشفى بأن الوزير يدرك وضع المستشفى الصعب ويعي الكلفة الباهظة اجتماعياً ومالياً لحل مشاكله، فيكتفي، كأسلافه، بتأجيل الانفجار حتى لا يقفل المستشفى في عهده. وهكذا تركت الإدارة وبعض المضربين والحزبيين منهم على وجه الخصوص، يتفاوضون. وحين سدت طرق التفاوض لجأ المضربون إلى تهديد المدير بإقفال قسم الطوارئ، ثم لجأ بعضهم إلى تهديده جسدياً من خلال تطويق مكتبه والتهديد باقتحامه من خلال الضرب على أبوابه. وبعد أن قوبلت هذه الممارسات بإقفال قسم الطوارئ من الإدارة نفسها لأسباب طبية ولوجستية، وبعد أن تململ العاملون في المستشفى واستنكر بعضهم ممارسات المضربين، تدخلت وزارة الصحة لفض الأزمة عبر تسهيل الاتفاق بين الإدارة والمضربين على مجموعة من المكاسب للأجراء والمستخدمين على حد سواء مشروط بمجموعة من الشروط الإجرائية والتمويلية الموضوعة على عاتق وزارة الصحة ومجلس الوزراء وبالتزام المستخدمين والأجراء بعدم الإضراب خلال السنوات الثلاثة المقبلة. وقد تمّ تكريس هذا الاتفاق بورقة وقعها بعض الموظفين (حزبيين وغير حزبيين)، من دون أي تفويض من الموظفين، فيما شكّك البعض في قانونية شكلها ومضمونها.

وعلّق البعض على ما جرى في مستشفى رفيق الحريري الحكومي بالقول إن خرابه سببه سنوات من التسيّب، غاب عنها منطق العمل المؤسساتي والمحاسبة الحقيقية، مؤكدين أن تجربة الاستشفاء الحكومي في لبنان آيلة إلى الفشل، مثلها كمثل دولة القانون والمحاسبة التي لا يزال البحث جار عنها.

خيار "التراضي" هو الحل بعد فشل ثانٍ لتمرير "كارادينيز"؟ الشروط غير متوافرة بعد تغيير موضوع الاستدراج وتعديل الدفتر

 

المصدر: جريدة النهار

 

سلوى بعلبكي

أما وقد فشل استدراج عروض "استقدام معامل توليد الكهرباء" بعد فشل استدراج العرض السابق "لاستمداد الطاقة من معامل توليد كهرباء عائمة"، وذلك بسبب بقاء العارض الوحيد نفسه شركة ("كارادينيز") في المرتين المتتاليتين، فإن ثمة اسئلة تحضر في هذا الاطار. هذه الاسئلة يمكن اختصارها بالآتي: ما مصير الملف بعد توصية لجنة المناقصات بعدم السير بالتلزيم وإعادة الملف إلى إدارة المناقصات تمهيداً لإعادته إلى وزارة الطاقة؟ هل سيذهب مجلس الوزراء الى عقد اتفاق بالتراضي مع الشركة التركية التي يبدو أنها مستمرة في تحضير باخرتين وفق المواصفات المحددة في دفتر الشروط، أم سيذهب باتجاه إجراء مناقصة جديدة، أم سيتجه نحو مقاربة جديدة مختلفة بعد كل ما انكشف من مخاطر انهيار في قطاع الكهرباء وخلل في أوضاع مؤسسة الكهرباء على كل المستويات، وبعد كل الضغط والتأكيد والإصرار والهندسات والحبكة التي ترجمت قطبا مخفية تحسم نتيجة التلزيم سلفا؟  

 

في المرة السابقة، اعتبرت إدارة المناقصات أن صفقة معامل التوليد العائمة موضوع قراري مجلس الوزراء رقم 1 تاريخ 2017/3/28 ورقم 64 تاريخ 2017/6/21، لا تنطبق عليها أحكام استدراج العروض المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية وأنظمة مؤسسة كهرباء لبنان، وذلك لأسباب تم عرضها في كتاب ادارة المناقصات رقم 430/10 تاريخ 2017/7/22، الذي انتهى إلى عدم فتح العرض المالي نظرا الى بقاء عارض وحيد هو الشركة التركية. أما هذه المرة فقد تقدمت 4 شركات بـ4 عروض لتقديم "معامل توليد الكهرباء" وفق اطار أعمال تحويل الطاقة، فشل 3 منها في اجتياز المرحلة الاولى من التقويم هو التقويم الإداري.

ويأتي هذا الفشل على رغم التعديلات التي وضعتها لجنة التلزيم والشركة الاستشارية على دفتر الشروط أثناء تنفيذ المناقصة، وعلى رغم التعديلات التي وضعها مجلس الوزراء ومنها تقسيم التلزيم إلى جزءين: الأول لمحطة دير عمار مع تحديد مهل التسليم بـ 3 أشهر، والثاني لمحطة الزهراني بمهلة تسليم أقصاها 6 أشهر، مع اعتماد خيارات اليابسة، على أن تكون المعامل بواسطة الفيول والديزل حصراً. فماذا بعد؟

فيما يخشى البعض محاولات جديدة للسير بالمناقصة عن طريق الاتفاق بالتراضي، على رغم عدم توافر الشروط المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية في هذه الحالة، تبين بعد دراسة المعنيين للملف انه لا يمكن ذهاب مجلس الوزراء الى التراضي على اعتبار أن هذه الصيغة (التراضي) لا تنطبق على الاستدراج الأخير لعروض معامل الكهرباء كونه جديدا ويختلف عن استدراج عروض البواخر السابق، خصوصا انه تم تعديل دفتر الشروط الذي اجري الاستدراج على أساسه. وثمة اجتهادات لديوان المحاسبة تؤيد هذا الموقف، اي اعتبار المناقصة جديدة عندما يختلف موضوعها، و/ أو تجري على أساس دفتر شروط مختلف.

وتؤكد مصادر متابعة أن فشل استدراج العروض الأخير ناتج من دفتر الشروط في ذاته، أي من "الإدارة"، لا سيما بالنسبة الى المهل التي أصر مجلس الوزراء وشدد عليها، على رغم ملاحظات ادارة المناقصات التي نبهت الى هذا الأمر، اضافة الى مآخذ أخرى تضمّنها دفتر الشروط الخاص وهي صعبة التحقيق. وقد تأكد ذلك بالأخطاء الادارية الكثيرة والفاضحة في عروض الشركات التي فشلت في الجولة الاولى، إذ إن بعض الشركات لم تلتزم تقديم مستندات أصلية كما هو وارد في دفتر الشروط، فيما لم تلتزم أخرى الفترة المطلوبة التي حددها دفتر الشروط لكتاب الضمان المصرفي، والتي تمتد الى فترة الـ180 يوماً، في حين ذيلت أخرى رسالة التقدّم بتوقيع الشخص المفوّض من قبل التحالف متغاضية عن ختم الشركات المتحالفة الذي ينص عليه دفتر الشروط.

وقد كان لمهلة تقديم العروض القصيرة أثر سلبي على الشركات الجدية التي كانت ترغب في المشاركة، وبدت مقتنعة بعدم إمكان تلبية الشروط الإدارية ضمن المهلة، لا سيما تأمين الكفالة المطلوبة بقيمة خمسين مليون دولار، وبالتالي استحالة الفوز في المناقصة، ففضلت عدم دفع تكاليف المشاركة في مناقصة معروفة النتائج سلفا، لا سيما كلفة الضمان الموقت المذكورة.

أمام هذا الواقع، وحتى لا نقع في المحظور مرة جديدة، تقترح المصادر صرف النظر عن البواخر أصلا، والاتجاه نحو بناء معامل جديدة، ومباشرة العمل على إصلاح جدي لقطاع الكهرباء ولمؤسسة الكهرباء بدءا من تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة الكهرباء وتظهير وضعها المالي الحقيقي والمباشرة بالإجراءات التمهيدية لرفع التعرفة بدءا من تصنيف مشتركيها الى فئات على أساس طبيعة الاستهلاك: منزلي تجاري صناعي تجاري مؤسسات وشركات أعمال مصرفية او سياحية او ادارات عامة... وكذلك على أساس مستوى الاستهلاك، بحيث تراعي التعرفة المعدلة الاوضاع الاقتصادية للمشتركين وفقاً لمستوى استهلاكهم، تمهيدا للتخفيف من العجز المالي للمؤسسة. ومن الاهمية ايضا المباشرة بتطبيق قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 / 2002 بدءاً من تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء لتباشر إعداد شروط إعطاء تراخيص واذونات الإنتاج للقطاع الخاص، مرورا باحترام استقلالية المؤسسة وكف يد وزراء الطاقة ومستشاريهم عن قرارات المؤسسة وشؤونها الداخلية.

ماذا عن احتمال اجراء مناقصة جديدة؟ تؤكد المصادر أن إجراء مناقصة جديدة لاستئجار بواخر لتحويل الطاقة سيعيد طرح السؤال حول مشروعية الاستعانة بالبواخر أصلا لتعارضها مع نظام استثمار المؤسسة، الذي لا يسمح لها بتوزيع غير الطاقة المنتجة في معاملها او معامل تعود الى جهات صاحبة امتيازات مسموح لها بإنتاج الطاقة. وهذا التوجه سيضع مجلس الوزراء أمام مشكلة تأمين التمويل، لا سيما بالنسبة للسنة الأولى على الأقل، وتغطية العجز الناتج من الهدر الذي يناهز الـ 40% حاليا. وربما يكون من الأفضل الاعتراف بوجود اراض على البر قبالة الشاطىء تملكها الدولة وتكون مناسبة لإقامة معامل سريعة عليها، علما ان "جنرال الكتريك" عرضت الفكرة من دون أن تلقى تجاوبا وهي مستعدة للبدء بالعمل لاستقدام مولدات جاهزة تضعها على البر، خصوصا ان ثمة مساحات متاحة في دير عمار والزهراني تابعة لمنشآت النفط.

أما العبرة التي لا بد من الافادة منها من خلال هذه التجربة، فهي أن يعي المسؤولون أن الإدارة اللبنانية لا تزال تزخر بالطاقات والكفايات والنزاهة والحصانة المعنوية لمواجهة أي خلل أو استباحة للقانون، وهم مدعوون اليوم الى تحصين الإدارة وحمايتها من الضغوط والاحتكام اليها في دولة القانون لتأمين المصلحة العامة.

  1. الأكثر قراءة
برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة الفقر؟

برنامج دعم الأُسر الفقيرة: أين مكافحة ال…

تشرين1 19, 2018 4 مقالات وتحقيقات

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

فضائح التوظيف السياسي: عشوائية ومحاصصة

تشرين1 19, 2018 5 مقالات وتحقيقات

لبنان يصوّت ضدّ حقوق المثليين

تشرين1 19, 2018 5 المجتمع المدني

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصاص: فتشوا عن القطاع الخاص بدل القروض... وصوّبوا النهج

وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصا…

تشرين1 19, 2018 4 مقالات وتحقيقات

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

عودة القروض السكنية رهن بجشع المصارف

تشرين1 18, 2018 12 مقالات وتحقيقات

وزارة البيئة: قلّة دراية أم أجندات خفية؟

تشرين1 16, 2018 7 المجتمع المدني

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

ما هي خيارات الدولة المالية في 2019؟

تشرين1 15, 2018 9 مقالات وتحقيقات

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطالة الشباب 36%

ركود القطاعات الإنتاجية والخدماتية: بطال…

تشرين1 12, 2018 17 مقالات وتحقيقات

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى الوراء الكهرباء، المياه، النفايات، النقل: أزمات قديمة كبّدت لبنان المليارات لتبقى

اللبنانيون يحلمون بالعودة 50 عاماً إلى ا…

تشرين1 12, 2018 20 مقالات وتحقيقات

متمرنو «الثانوي» إلى الإضراب مجدداً

تشرين1 09, 2018 23 تربية وتعليم

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشاملة؟

البطاقة الصحية: الهروب من التغطية الشامل…

تشرين1 09, 2018 17 مقالات وتحقيقات

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

لا تتلاعبوا بأرقام البطالة

تشرين1 08, 2018 16 مقالات وتحقيقات

التفتيش المركزي لخفض التعاقد: الدولة تدف…

تشرين1 05, 2018 19 مقالات وتحقيقات

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجلس التعليم بإقفالها؟

جامعات ومعاهد خاصة مخالفة... هل يوصي مجل…

تشرين1 05, 2018 19 مقالات وتحقيقات

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا عن السنوات المقبلة؟

100 مليار ليرة لدعم القروض لسنة... ماذا …

تشرين1 04, 2018 24 مقالات وتحقيقات

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

قانون الايجارات نافذ... غير نافذ؟

تشرين1 04, 2018 23 مقالات وتحقيقات

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء لم تعد مجانيّة

رزق القضاة «عَ المساجين»! زيارة السجناء …

تشرين1 02, 2018 25 المجتمع المدني

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

محاربة الفساد...مفتاح الإنماء

تشرين1 02, 2018 21 مقالات وتحقيقات

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمولدات: 60 محضر ضبط!

اليوم الأول من المواجهة بين الدولة والمو…

تشرين1 02, 2018 22 مقالات وتحقيقات