المصدر : جريدة الاخبار

 

تعيين مجلس شورى الدولة هيئة إشراف على الأموال العامّة، تلبية للمراجعة التي قدّمت أمامه، لن يكون في حال حصوله إلا تدبيراً طبيعياً لما يمكن السلطة القضائيّة أن تقوم به حفاظاً على الانتظام الدستوري والمالي العام للدولة، خصوصاً بعدما ثبّت المجلس الدستوري في قراره الأخير عدم أحقيّة السلطة بإنفاق الأموال العامّة وجبايتها منذ عام 2006، لعدم وجود صك تشريعي (قانون موازنة) يجيز لها الجباية والإنفاق. إذاً، السلطة السياسيّة هي بحكم المستولية على أموال اللبنانيين، وكلّ الضرائب التي دفعوها، منذ عام 2006 وحتى اليوم، هي غير دستورية وغير قانونيّة، ولهم الحقّ باستردادها والكفّ عن تأديتها. الرهان الأكبر هو على استقلاليّة القضاء الإداري، فالمخاوف من ردّ المراجعة قائمة وكبيرة، إسوةً بردّ مجلس الشورى مراجعةً مماثلة، لحماية المال العام، قدمها المستدعون أنفسهم في العام 2014

فيفيان عقيقي
 

في 3/10/2017، تقدّم كلّ من شربل نحّاس ونجاح واكيم وغادة اليافي، بمراجعة بصيغة عاجلة، أمام مجلس الشورى، ضدّ الدولة اللبنانيّة مُمثلة بكلّ من مجلس الوزراء ووزارة الماليّة، يطلبون فيها «اتخاذ تدبير ضروري ومؤقّت بتعيين هيئة إشراف على الأموال العامّة»، مستندين إلى القرار رقم 5/2017 الصادر عن المجلس الدستوري، الذي أبطل قانون الضرائب رقم 45/2017، وأكّد أن «القاعدة الاثني عشريّة المعمول بها منذ عام 2006 تصلح لشهر واحد فقط، وهي بالتالي فقدت صلاحياتها وقوتها الدستوريّة منذ شباط 2006، فضلاً عن أن عدم إقرار موازنة عامّة سنويّة للدولة،

وعدم إنجاز قطع حساب لكلّ سنة يشكّلان انتهاكاً فاضحاً للدستور».

مواجهة قوننة سلب المال العام!

هذه المراجعة ليست الأولى من نوعها، فقد سبق للمستدعين أنفسهم أن قدّموا مراجعة مماثلة أمام مجلس الشورى عام 2014، لكنّه ردّها بحجّة انتفاء الصفة خلافاً لرأي مفوّض الحكومة. حينها أشار المستدعون في مراجعتهم إلى ما أكّده قرار المجلس الدستوري الأخير، وهو أن «تصرّف السلطة السياسيّة بالمال العام، جباية وإنفاقاً، منذ 1/2/2006 (تاريخ انتهاء دستوريّة وصلاحيّة قانون موازنة عام 2005) وحتى اليوم، هو غير شرعي وغير دستوري».

إن إعادة تقديم مراجعة أمام مجلس الشورى لكفّ يد السلطة السياسيّة عن الأموال العامّة، يهدف بحسب الوزير شربل نحاس إلى «وضع القضاء الإداري أمام مسؤولياته تجاه المواطنين، خصوصاً بعد القرار الملزم الصادر عن المجلس الدستوري، وذلك للقيام بدوره بمحاسبة السلطات والتصدّي لمحاولاتها الانقلابيّة على الدولة، وذلك عبر تعيين هيئة إشراف تكفّ يد هذه السلطة عن الأموال العامّة التي أنفقتها وجبتها دون أي سند قانوني (قانون الموزانة) خلافاً للدستور منذ 12 عاماً، بهدف إعادة الانتظام المالي، وحصر الإنفاق بالوظائف الأساسيّة، ووقف العمليّات اللصوصيّة. وهو ما يعدُّ انطلاقة فعليّة وجدّيّة لعمليّة مكافحة الفساد».

أمّا إضفاء صفة العجلة على المراجعة المُقدّمة، فهدفه التصدّي لمسعى السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة في قوننة كلّ عمليّات سلب الأموال العامّة السابقة واللاحقة، خصوصاً بعدما توصّلت التسوية السياسيّة المعقودة إلى اتفاق على إقرار موازنة عامّة لعام 2017 من دون قطع حساب، ما يعني تهريب المحاسبة وإعفاء كلّ المسؤولين عن سلب الأموال العامّة وهدرها والتفريط بها، طوال السنوات السابقة، من أي ملاحقة قانونيّة.

مخالفات دستوريّة مزمنة!

تستند المراجعة المُقدّمة أمام مجلس الشورى إلى «إمعان السلطة السياسيّة بخرق الدستور عبر امتناعها عن إقرار موازنة عامّة للدولة وإنجاز حساباتها الماليّة منذ أكثر من 12 عاماً». وهي مخالفات دستوريّة وثّقها أيضاً المجلس الدستوري في قراره رقم 5/2017 الصادر بتاريخ 22/9/2017، حين أكّد «إلزاميّة إقرار موازنة عامّة سنويّة تجيز الجباية والإنفاق، فضلاً عن إنجاز قطع حساب سنوي».

 

لكن في الواقع، امتنعت السلطة التنفيذيّة عن إرسال مشاريع الموزانات إلى مجلس النواب منذ عام 2010، واستمرّت رغم ذلك في جباية الضرائب وفي صرف الأموال العامّة من دون أي إجازة تشريعيّة بذلك. وكذلك تقاعس مجلس النواب منذ عام 2005 عن مناقشة مشاريع الموازنات التي كانت ترسل إليه حتى عام 2009، وعن إقرار قطع الحسابات. وهو ما يجعل «كلّ عمليّات جباية الضرائب والرسوم منذ 12 عاماً غير قانونيّة وغير دستوريّة، وكذلك استمرار الدولة في جباية الضرائب بعد صدور قرار المجلس الدستوري».

 

لتعجيل عودة الانتظام المالي!

تعدُّ قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للطعن، وهي مُلزمة لكلّ السلطات العامّة والمراجع القضائيّة والإداريّة، عملاً بأحكام المادة 13 من قانون إنشائه والمادة 52 من نظامه الداخلي، وهو ما تستعرضه المراجعة المُقدّمة، وتضيف إليه ما تنصّ عليه أحكام المادة 66 من نظام مجلس الشورى التي تجيز لرئيس المجلس، بوصفه قاضي الأمور المستعجلة الإداري، أن يتخذ كل التدابير الضروريّة المُمكنة والمؤقّتة والاحتياطيّة التي من شأنها حفظ الحقوق ومنع الأضرار، لتطلب من السلطة القضائيّة أن «تتخذ تدبيراً مؤقّتاً للحدّ من تصرّف السلطة غير القانوني وغير الدستوري بالمال العام، والمحافظة على هذه الأموال العامّة في ظل غياب دستوريّة جبايتها وصرفها، لمنع تفاقم الضرر على المكلفين تأدية الضريبة»، وذلك من خلال «تعيين هيئة خاصّة، يمنح مجلس الشورى أوسع الصلاحيات، للإشراف والرقابة المسبقة على جباية الأموال العامّة وإنفاقها، على أن تستمرّ في تأدية مهماتها، إلى أن تضع السلطتان التشريعيّة والتنفيذيّة حداً لخرق الدستور المستمرّ منذ أكثر من 12 عاماً، عبر إقرار موازنة تبقى صالحة للسنة التي أقرّت من أجلها ولشهر كانون الثاني من السنة التالية على أبعد حدّ، ونشر هذه الموازنة وبدء صلاحيتها للإجازة بالجباية والإنفاق، فقط بعد إقرار مجلس النواب للحسابات النهائيّة للسنة السابقة».


المواطن شريكٌ في المحاسبة

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته حركة مواطنون ومواطنات في دولة وجمعية المفكرة القانونية، أمس، لإعلان المراجعة المُقدّمة أمام مجلس شورى الدولة، لطلب اتخاذ تدبير ضروري ومؤقت بتعيين هيئة إشراف على الأموال العامّة، يقول المحامي نزار صاغية إن هذه المبادرة تضع كلّ المعنيين أمام مسؤولياتهم، بدءاً من السلطة السياسيّة (التشريعيّة والتنفيذيّة) المُلزمة باحترام الدستور، مروراً بالسلطة القضائيّة لأداء دورها بمحاسبة السلطتين التشريعيّة والقضائيّة، وصولاً إلى المواطنين لتحصين النظام العام، وخصوصاً عندما تتقاعس السلطات عن كذلك. ويشير صاغية إلى أن هذه المبادرة «تكرّس صفة المواطن لإعادة الانتظام العامّ إلى الدولة بدل أن يقف موقف المتفرّج في صراع السلطات، كما تقرّ بمصلحته التي أكّد عليها المجلس الدستوري في قراره الأخير. وتتصدّى لمسعى سلطوي للالتفاف على قرار المجلس الدستوري وإصدار قانون الموازنة دون قطع حساب بحجة الضرورة القصوى لحماية الخزينة العامّة. في حين تستنهض مجلس شورى الدولة للحاق بالمجلس الدستوري وتكريس تفاعل جدّي بين الحراك الحقوقي والسياسي القائم والقضاء».

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

يتناغم قرار المجلس الدستوري القاضي بإبطال قانون الضرائب مع مواقف رئيس الجمهوريّة المؤيّدة لإقرار قطع الحساب والموازنة قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب، المُهدّدة بالإلغاء أو التجميد إلى حين تأمين مصادر تمويل جديدة لها! وإذا كانت مسؤوليّة إيجاد الحلول التي تعترف بأحقية السلسلة أولاً وتحمي ماليّة الدولة من أيّ أزمة ثانياً هي مترتبة على كاهل السلطة السياسيّة، إلّا أن ذلك لا يبعد قرار المجلس الدستوري عن دائرة الشكوك؛ فهو رغم تأكيده دستوريّة فرض ضريبة الفوائد على المصارف، إلّا أنه ربط فرض الضرائب بإقرار الموازنة، وهو ما يجافي الدستور نفسه، مقدّماً بذلك خدمة للهيئات الاقتصاديّة والمصارف التي نجحت مجدداً في إبعاد كأس الضرائب عن أرباحها الضخمة!

فيفيان عقيقي
 

أصدر المجلس الدستوري بإجماع أعضائه العشرة القرار رقم 5/2017، الذي أبطل بموجبه القانون 45/2017، الذي عدّل واستحدث ضرائب جديدة، وذلك خلال الجلسة الثالثة التي عقدها، أمس، لاستكمال البحث في مراجعة الطعن في دستورية هذا القانون المقدّمة من نواب الكتائب وخمسة نواب آخرين، إذ رأى المجلس الدستوري في ملخّص قراره أن القانون 45/2017 «يخالف المبادئ الواردة في الحيثيات، وأن عدم إقرار موازنة عامّة سنويّة للدولة وعدم قطع حساب لكلّ سنة يشكّلان انتهاكاً فاضخاً للدستور».

إمعان المجلس الدستوري في عرض اجتهاداته في تفسير الدستور، تصفه مصادر قانونيّة بـ«الهرطقة»، بعد أن وصل به الأمر إلى حدّ ربط «جواز فرض الضرائب وشرعيّتها ودستوريتها بإدراجها ضمن الموازنة العامّة السنويّة للدولة، فيما القوانين الضريبيّة تصدر بمعزل عن الموازنة ومن دون وجود أي موانع دستوريّة»، وهو ما يمكن ترجمته على أرض الواقع، ومن تاريخ نشر القرار في الجريدة الرسميّة، بامتناع كلّ المواطنين من موجب تأدية كلّ الضرائب إلى حين صدور موازنة عامّة. وأكثر من ذلك، مطالبة الدولة اللبنانيّة بتعويضات عن كلّ الضرائب والرسوم التي دُفعت منذ شباط 2006 حتى اليوم، أي منذ تقاعس السلطة السياسيّة عن إقرار موازنة عامّة للدولة!

ما مصير السلسلة؟

هذا الحرص على «احترام الدستور»، الذي تغاضى عنه المجلس الدستوري خلال 3 تمديدات متتاليّة للمجلس النيابي، أسهم هذه المرّة في فوز الهيئات الاقتصاديّة ولوبي المصارف والعقارات، مجدّداً، في معركتهم الرافضة لأي تصحيح ضريبي يصيب أرباحهم الضخمة، فضلاً عن أنه وضع مصير سلسلة الرتب والرواتب تحت سطوة السلطة السياسيّة، التي سبق أن هدّدت بإلغائها في حال أبطل المجلس الدستوري مصادر تمويلها، رغم تحوّلها إلى أمر واقع غير قابل للمساومة، وحق مُكتسب مصون بموجب الدستور. وهو ما يعدُّ، أيضاً، انتصاراً للوبي نفسه الذي كان يرفض أي تصحيح للأجور خشية انسحابه على القطاع الخاص.

 

يأتي قرار المجلس الدستوري متناغماً مع المواقف التي أبداها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بوجوب إعداد قطع الحساب وإقرار الموازنة لتحديد نفقات الدولة وإيراداتها قبل إقرار السلسلة، التي قد تتأمن مصادر تمويلها من الوفر في الموازنة، وهو ما أكّده أيضاً الوزير جبران باسيل في تصريح أعقب إصدار القرار، في حين رأى الرئيس نبيه بري أنه «قرار يخدم المصارف». أما الرئيس سعد حريري، فأجرى اتصالات أفضت إلى التوافق على عقد جلسة استثنائيّة لمجلس الوزراء يوم الاثنين لبحث تداعيات هذا القرار.

وتشير مصادر وزاريّة إلى أن «هذا القرار مرّر كيفما كان، وهو يضع الحكومة أمام ثلاثة خيارات: إمّا دفع السلسلة والذهاب نحو أزمة ماليّة كبيرة، وإمّا مخالفة القانون وعدم دفعها وتجميدها إلى حين إيجاد مصادر تمويل أخرى، أو السعي إلى إصدار قانون يلغي قانون السلسلة وتالياً مخالفة الدستور عبر نزع هذا الحق المكتسب من المستفيدين من السلسلة، وهو قرار سيكون موضع بحث داخل الحكومة، قد يعيد النقاش إلى النقطة الأساسيّة الخلافيّة بين وزراء حركة أمل من جهة ووزراء المستقبل والتيار الوطني الحرّ من جهة أخرى، حول أولويّة إقرار السلسلة أم الموازنة».

مبرّرات الإبطال!

تستند مراجعة الطعن إلى ما اعتبرته مخالفات دستوريّة، لناحية أن التصويت على القانون لم يحصل بالمناداة على النواب بأسمائهم (المادة 36)، وأن تخصيص الإجراءات الضريبيّة المستحدثة لتمويل السلسلة يناقض شمولية الموازنة (المادة 83)، وأن تكليف المهن الحرّة والمصارف بالضريبة على الفوائد ينطوي على ازدواج ضريبي ينقض مبدأ المساواة بين اللبنانيين (المادة 7 والفقرة ج من مقدمة الدستور). وهو ما أعاد المجلس الدستوري تأكيده في مطالعته. واللافت أن المجلس استثنى الضريبة على الفوائد، التي تطال المصارف وحدها دون المهن الحرّة، من تهمة «الازدواج الضريبي»، ما وضعته المصادر في معرض «ردّ المعروف للمحامين الذين تضامنوا مع القضاة في اعتكافهم الأخير اعتراضاً على إلغاء صندوق تعاضد القضاة. وهو ما يجيز أيضاً للمجلس النيابي إعادة فرض هذه الضريبة على المصارف باعتبارها دستوريّة».

في مطالعته، يستند المجلس الدستوري إلى نصّ المادة 36 التي تحدّد كيفيّة التصويت على القوانين في مجلس النواب «بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عالٍ»، لتأكيد أن «التصويت العلني ليس قاعدة شكليّة بل شرط ضروري للمراقبة والمحاسبة في الأنظمة الديمقراطيّة، وهي أصول دستوريّة لم تحترم بحسب محضر الجلسة التي أقرّ فيها القانون، ما استوجب إبطاله».

في معرض الردّ على مخالفة القانون للمادة 83 من الدستور، يقرّ المجلس الدستوري بعدم دستوريّة كلّ الحسابات الماليّة للدولة منذ عام 2006 حتى اليوم في ظل غياب الموازنات، والعمل بموجب القاعدة الاثني عشرية غير الصالحة لأكثر من شهر واحد. إلّا أنه يربط استحداث قوانين ضريبيّة بإدراجها في الموازنة بحجّة احترام مبدأ سنويّة الموازنة التي تجيز للحكومة الإنفاق والجباية لسنة واحدة، ومبدأ الشمول الذي يعني تضمين الموازنة جميع نفقات الدولة وجميع مداخيلها عن السنة المقبلة، ومبدأ الشيوع، أي عدم تخصيص واردات معينة لتغطية نفقات معينة، مشيراً إلى أن القانون 45 استحدث موارد ضريبيّة لغايات تمويل تصحيح الأجور خلافاً لمبدأ الشمول، وخارج إطار الموازنة العامّة، وتالياً فإنه لا شرعيّة ودستوريّة للضريبة غير المجازة بقوانين الموازنة السنويّة.

ويصل المجلس إلى انتهاك مبدأ المساواة أمام القانون بين المكلفين بأحكام الباب الأول (ضريبة أرباح الشركات التجاريّة والمهن)، معتبراً أن الازدواج الضريبي الذي تنطوي عليه المادة 17 من القانون 45 ينطبق فقط على المهن الحرّة، دون المصارف، باعتبار أن دخلهم سيخضع لاقتطاع ضريبي مرّتين: ضريبة الباب الأول على الأرباح، وضريبة الباب الثالث عند اقتطاع ضريبة الفوائد على إيداعاتهم في المصارف. كذلك يلحظ مخالفة دستوريّة في المادة 11 من القانون 45 المتعلّقة بتسوية الإشغال غير القانوني للأملاك البحريّة العموميّة، نتيجة الغموض في نص المادة الذي يفسح المجال أمام تطبيقه باستنسابيّة، تسيء إلى العدالة والمساواة.

قرار «الدستوري» في نظر قانونيين

يرى رئيس ديوان المحاسبة القاضي أحمد حمدان أن هذا «القرار جاء مفاجئاً باعتبار أن آلية التصويت هي مسألة شكليّة ولا تمسّ بأساس القانون ولا تستدعي إبطاله بالأساس، وإنما إعادته إلى البرلمان للتصويت عليه وفق الأصول الدستوريّة، مع العلم بأن أغلبية القوانين الصادرة عن البرلمان يصوّت عليها برفع الأيدي، فهل يعني أن كلّ هذه القوانين من المفترض إبطالها؟». ويشير حمدان إلى أن «المجلس النيابي سلطة مستقلة ومنفصلة عن السلطات الأخرى، تتيح له تشريع ما يرتئيه من قوانين، وتالياً لا يجوز ربط إصدار القوانين الضريبيّة بإقرار الموازنة وقطع الحساب، وإلّا وجب الامتناع عن جباية أي ضريبة منذ عام 2006 حتى اليوم نتيجة عدم إقرار الموازنات وقطع الحساب، فضلاً عن أن الموازنة تشمل نفقات وإيرادات الدولة لسنة واحدة ولا تشمل تعديل قوانين ضريبيّة قائمة بلا جدول زمني يحدّد صلاحية انتهائها، وتالياً تعديلها يستلزم تعديل القانون بقانون». وعن الازدواج الضريبي، يرى حمدان أنه «غير متوافر، لكون نوع الضريبة ونوع الدخل مختلفين، فهناك ضريبة على الدخل المتأتي من ممارسة المهنة، وضريبة على الدخل المتأتي من فوائد الإيداعات. كذلك فإن الإقرار بعدم وجود ازدواج ضريبي على المصارف كان من المفترض أن يطاول المهن الحرّة أيضاً وللسبب نفسه».

بالنسبة إلى المحامي نزار صاغية «ينطوي قرار المجلس الدستوري على إيجابيات تخدم النظام الديمقراطي بصرف النظر عن تبعاتها على الماليّة العامّة، وهي تتمثّل في تصحيح مخالفات دستوريّة ارتكبتها السلطة السياسيّة منذ عقود، تتمثّل في طريقة إقرار القوانين التي تلغي الديمقراطيّة وتناقض الشفافيّة، فأعاد الاعتبار إلى الآلية المنصوص عليها دستوراً، أي بالمناداة على النواب، كما أكّد عدم دستوريّة الحسابات الماليّة للدولة اللبنانيّة، التي كانت موضوع دعوى قدّمت في عام 2012 أمام مجلس شورى الدولة من قبل الوزير السابق شربل نحّاس والرئيس حسين الحسيني والوزير السابق الياس سابا، والنائب السابق نجاح واكيم والنائب غسان مخيبر، وأشير فيها إلى أن الإنفاق والجباية يتمّان خلافاً للدستور منذ شباط 2006، نتيجة الارتكاز على القاعدة الاثني عشرية التي تصلح لشهر واحد فقط. ووضع القرار السلطة السياسيّة أمام مسؤولياتها في إصدار موازنة قبل جباية أي ضريبة، فضلاً عن أن هذا القرار يشجّع المواطنين على المشاركة في المراقبة على دستوريّة القوانين من خلال المذكرات التي من الممكن تقديمها عند وجود طعن أمام المجلس الدستوري، وتمثل ذلك عندما لحظ القرار لا دستوريّة المادة 11 من القانون 45 رغم أن حيثياتها لم تكن واضحة، إلا أنها تمنع المجلس النيابي من إقرار أي تشريع للتعديات على الأملاك العموميّة». ويتابع صاغية «قد ينطوي القرار على تقديم خدمة للمصارف والمطوّرين العقاريين والهيئات الاقتصاديّة لناحية تأخير جباية الضرائب التي فُرضت عليهم، إلّا أنه أقرّ بإمكانية فرض ضريبة على فوائد المصارف، ووضع السلطة أمام مسؤولية إقرار الموازنة لإعادة الانتظام إلى المالية العامّة، وهو الأهم».

 


هيئة التنسيق إلى الإضراب المفتوح

أوصت هيئة التنسيق النقابية الجمعيات العمومية، التي تنعقد يومي الإثنين والثلاثاء المقبلين في المدارس والثانويات ودور المعلمين والمهنيات والإدارات العامة، بالتصويت على الإضراب العام المفتوح، ابتداءً من 2 تشرين الأول المقبل، في حال عدم تسديد الرواتب على الأساس الجديد في نهاية هذا الشهر.

قرار الهيئة جاء بعد اجتماع طارئ عقدته أمس في مقر رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي، على إثر إصدار المجلس الدستوري لقراره بإبطال القانون الخاص بالضرائب لتمويل السلسلة الرقم 45/2017.

وتعقد الهيئة اجتماعاً عند الرابعة من بعد ظهر الأربعاء، لتلقّي ردود الجمعيات العمومية وإعلان الموقف في ضوئها. ورأت الهيئة، في بيان أصدرته بعيد الاجتماع، أنّ الإصرار على ربط الضرائب بالسلسلة ليس سوى محاولة لوضع المعلمين والأساتذة والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين والأجراء في وجه الفئات الشعبية من دون وجه حق. ودعت الهيئة وزير المال علي حسن خليل إلى إصدار قرار صرف الرواتب ومعاشات التقاعد على أساس جداول قانون السلسلة الرقم 46/2017. وأكدت أنها ستقابل أي محاولة لتأخير دفع الرواتب على الأساس الجديد بردّ تصعيدي غير مسبوق.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

أقرّ المجلس النيابي في جلسته التشريعية، أمس، قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالأنشطة البترولية، الذي أُدرج بنداً أول على جدول أعمال الجلسة، والمؤلف من 26 مادة أضيفت إليها مادة وحيدة تلزم وزارة الطاقة بتقديم تقرير إلى مجلس النواب كل أربعة أشهر يتضمن تفصيلاً عن كل مراحل عملية الاستكشاف والإنتاج

فيفيان عقيقي
 

حدد قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالأنشطة البترولية نسبة الإتاوة بـ4%، ومعدل الضريبة على أرباح الشركات بنسبة 20% من النتيجة الخاضعة للضريبة المحتسبة، أي مجموع الإيرادات الناتجة من الأنشطة البترولية بعد تنزيل جميع النفقات والأعباء التي تقتضيها مزاولة الأنشطة، على أن تحدد ضريبة الدخل المستحقة على الشركات في قانون إنشاء الصندوق السيادي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ضريبة التوزيع.

إعفاءات ضريبية بالجملة!

لكن، تحت ستار تحفيز الشركات واستقطابها للعمل في المياه اللبنانية، يمنح القانون هذه الشركات الكبرى إعفاءات ضريبية بالجملة.

يلزم القانون الشركة صاحبة الحق البترولي الراغبة في تعيين شركة مرتبطة بها لتوقيع اتفاقية الاستكشاف والإنتاج، أن تُنشئها في لبنان، وأن تكون شركة مساهمة خاضعة للأحكام المنصوص عليها في دفتر الشروط الخاص بدورة التراخيص، مع إعفائها من موجب أحكام المادتين 78 و144 من قانون التجارة، أي من وجوب أن يكون ثلث رأسمالها لمساهمين لبنانيين وأن تكون أكثرية أعضاء الإدارة من اللبنانيين، في مقابل إبقائها خاضعة لأحكام الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل، وإخضاع التعديلات على النتيجة الضريبيّة التي تجريها لضريبة رؤوس الأموال المنقولة، والتي تعود بالنفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مساهمين أو جهات مرتبطة او ناتجة من عمليات التهرب الضريبي، فضلاً عن إلزامها بإعلام الإدارة الضريبيّة بأي عمليّة تفرّغ مباشر أو غير مباشر، كلي أو جزئي، عن أسهمها خلال شهر من حصولها والحصول على موافقة مجلس الوزراء.

كذلك أعفى القانون إنشاءات الشركات ومركباتها المستخدمة للقيام بالأنشطة البتروليّة من ضريبة الأملاك المبنية، وأعطى الشركات المساهمة الحق بأن تطلب إخضاعها اختيارياً للضريبة على القيمة المضافة، وإعفاء عملية تسليم أو نقل المنتجات البترولية إلى خارج الأراضي والمياه اللبنانيّة من الضريبة على القيمة المضافة مع حق الحسم. وأعطى الشركات المساهمة من أصحاب الحقوق البترولية وأصحاب الحقوق البترولية المشغلة، حق حسم الضريبة على القيمة المضافة المدفوعة حتى قبل تحقيق أي إيرادات. إذ يحق للشركات، بموجب هذا القانون، حسم كامل الضريبة على القيمة المضافة المتكبدة بهدف تصميم، شراء، إنشاء، تركيب، تشغيل وصيانة الآلات والمعدات، حتى ولو كانت مدفوعة على بناء هذه الآلات والمعدات وتطويرها. كذلك أعفى العمليات بين الشركات التي تشتمل فقط على عمليات توزيع المصاريف من الضريبة على القيمة المضافة.

اعتراضات

أبرز المناقشات طاولت المادة 7 من القانون الذي يحدّد الضريبة على الأرباح بنسبة 20%، والتي صدّق عليها المشاركون في الجلسة، باستثناء النائب نواف الموسوي الذي تحفّظ وطالب برفعها إلى 25%. إذ شهدت الجلسة نقاشاً حاداً بين الموسوي والسنيورة، الذي اقترح إلغاء ضريبة التوزيع وضمها إلى ضريبة الأرباح.

بداية، اقترح السنيورة «إلغاء ضريبة التوزيع وضمها إلى ضريبة الأرباح وجعلها بنسبة تراوح بين 25-28%، بما يسمح بتلافي أي ازدواج ضريبي، ويعزز المنافسة ويحفز الشركات على المشاركة في عمليات استخراج النفط»، فاعترض الموسوي مشيراً إلى أن «هذه الضريبة كان من المفترض تحديدها بنسبة 25%، كما اقترحت بداية وزارة المالية خلال المناقشات في مجلس الوزراء، فضلاً عن عدم إلغاء ضريبة التوزيع، لأن اتفاقيات تلافي الازدواج الضريبي الذي وقّعها لبنان، تؤدي إلى خصم نسبة من الضريبة التي تدفعها الشركة على أرباحها في بلدها الأم لا في بلد النشاط، وتالياً إن دمج الضريبتين يؤدّي فعلياً إلى خفض حصّة الدولة الإجماليّة من 20% إلى 17%».

ارتفاع حدّة النقاش بين السنيورة والموسوي، أدّى إلى تدخّل وزير المال، مشيراً إلى أن «الفصل بين الأرباح والتوزيع هو الحلّ الأفضل، لكون الدمج سيؤدي إلى تأجيل تحصيل الدولة لوارداتها إلى حين بدء الإنتاج وحصول التوزيع في الشركات. كما أن هذه الصيغة المقترحة في مشروع القانون نوقشت مع الاستشاريين وهي مطابقة لنماذج كثيرة معمول بها حول العالم».

النقاش الثاني طاول الفقرة الخامسة من المادة التاسعة التي تلزم الشركات إعلام الإدارة الضريبيّة بأي عمليّة تفرّغ مباشر أو غير مباشر، كلي أو جزئي، عن أسهمها، بحيث اقترح النائب ياسين جابر ضرورة الحصول على «موافقة مجلس الوزراء عليها بما يضمن معرفة هوية المساهمين في كلّ شركة عاملة في لبنان، وشطب عبارة غير مباشرة كي لا تطاول أعمالها في بلاد أخرى»، فردّ عليه وزير الطاقة سيزار أبي خليل، مشيراً إلى أن المادة 70 من قانون النفط رقم 132، يضمن ذلك لكونه «يمنع أي شركة مؤهلة من التنازل أو تحويل الحقوق البتروليّة الممنوحة لها أو أسهمها إلى شركة أخرى دون موافقة مجلس الوزراء»، وهو ما أيده الموسوي، رافضاً «استثناء أعمالها غير المباشرة، مستنداً إلى تقرير مالي للاستشاري Ernst&Young وصندوق النقد الدولي يؤكّد «وجوب وضع ضريبة على الأرباح الناشئة عن التفرّع»، فصدّق النواب على المادة مع تأكيد وجوب موافقة مجلس الوزراء عن أي نقل أسهم أو تنازل عن حقوق.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

لا سلسلة من دون ضرائب! هكذا قرر مجلس الوزراء، أمس، أن يواجه احتمالات قرار المجلس الدستوري في شأن مراجعة الطعن بقانون الضرائب. قرر أن يزيد الطين بلّة بدلاً من أن يسارع إلى تبني سياسة محددة وواضحة تقرّ أولاً بأن السلسلة باتت أمراً واقعاً غير قابل للمساومة

فيفيان عقيقي
 

تعالت أصوات في جلسة مجلس الوزراء تهدد بإلغاء قانون سلسلة الرتب والرواتب في حال قرّر المجلس الدستوري ردّ قانون الضرائب، بناءً على مراجعة الطعن التي قُدّمت أمامه من نواب الكتائب وخمسة نواب آخرين. تقول مصادر وزاريّة لـ«الأخبار» إنه «في مستهل جلسة مجلس الوزراء، أمس، قدّم الرئيس سعد الحريري مداخلة تتعلق بالطعن المقدّم في قانون الضرائب أمام المجلس الدستوري، والتي سبق أن تمّ الاتفاق عليها لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، إذ أجمعت كلّ الكتل النيابية الممثلة في مجلس الوزراء على عدم تحمّل تبعات إقرار السلسلة بمعزل عن إيراداتها، وذلك في حال ردّ المجلس الدستوري قانون الضرائب، لما قد يحمله ذلك من خلل في التوازن المالي، قد يدخل البلد في إنفاق ينعكس سلباً على ماليّة الدولة ووضعها النقدي».

وتتابع المصادر «الموقف النهائي لم يحدّد بعد، بانتظار صدور قرار المجلس الدستوري، وفي حال ردّ القانون، هناك آليات معروفة طرحت لمواجهة القرار، ومنها إصدار قانون يلغي قانون السلسلة، وفي حال ردّ بعض بنود القانون يتحوّل النقاش إلى سبل إيجاد إيرادات بديلة لها».

«دولة» قاهرة لمواطنيها!

التهديد بإلغاء قانون سلسلة الرتب والرواتب يعيد الأمور إلى النقطة الصفر ويفجّر صراعات كثيرة، إلّا أن بعض المتابعين يعتبرون أن هذا "التهديد" هو للضغط على المجلس الدستوري باتجاه إصدار قرار معيّن، ما يعدّ تدخلاً مكشوفاً في عمل القضاء، أو هو تعبير حقيقي عن موقف هذه السلطة الفعلي الرافض لإقرار السلسلة رضوخاً لمطالب الهيئات الاقتصاديّة، علماً بأن هذا التهديد ليس الأوّل، فعند إقرار قانونَي سلسلة الرتب والرواتب والإجراءات الضريبيّة، في آب الماضي، برزت مؤشّرات جدّية حول احتمال أن يقوم رئيس الجمهوريّة ميشال عون بردّهما إلى مجلس النواب لإعادة مناقشتهما وتعديل بعض أحكامهما نتيجة الضغوط الكثيرة التي مارسها المعترضون، وفي طليعتهم المصارف ونقابة المحامين والمدارس الخاصة.

 

كما يذكّر بكيفيّة فرط جلسة مجلس النواب في آذار الماضي التي خصّصت لإقرار القانونين، عندما رفع نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري الجلسة قبل اكتمال النصاب، اعتراضاً على «المزايدات والعرقلات التي يقودها النائب سامي الجميل». وكلّ ذلك يندرج ضمن إطار المعزوفة نفسها التي نجحت في نسف كلّ محاولات إقرار السلسلة، منذ عام 2012، مع بدء تحرّكات هيئة التنسيق النقابيّة.

الأجر حقّ مكتسب

هذا كان قبل إقرار السلسلة. أمّا اليوم، بعد إقرارها ونشرها في الجريدة الرسميّة، فقد تحوّلت إلى قانون نافذ، فهل يجوز إلغاء القانون وحرمان آلاف الموظفين والعسكريين والأساتذة من حقّهم المكتسب والاستمرار بهضم حقوقهم ورواتبهم المجمّدة منذ عام 1996؟

يقول أستاذ القانون رامز عمّار إن «إلغاء قانون السلسلة يجب أن يتمّ بقانون، وهذه الصلاحيّة معطاة إلى السلطة التشريعيّة باعتبارها صاحبة السلطة العامّة، إلّا أن لهذا القرار تبعات اجتماعيّة وسياسيّة، كونه ألغى قانوناً أجاز حقوقاً ورفع أجور القطاع العام، وتالياً هي باتت حقوقاً مكتسبة لديها قوّة قانونيّة ودستوريّة».

من جهته، يشير المحامي نزار صاغية إلى أن «الحكومة تتصرّف بقلّة مسؤوليّة، وتعلن عن مواقف افتراضيّة رداً على قرار لم يصدر بعد، وهي بذلك تمارس تهويلاً على الموظّفين المستفيدين من السلسلة، وضغطاً على قضاة المجلس الدستوري وتدخلاً في عملهم لإصدار قرار باتجاه معيّن، وتضع الطرفين في مواجهة ثنائيّة»، ويتابع صاغية «عموماً، لا يحقّ لمجلس النواب أن يصدر قانوناً يلغى فيه حقوقاً مُكتسبة، كون هذا المجلس يتقيّد بالدستور، الذي جعل من الأجور حقوقاً مكتسبة، والحق المكتسب هو كالمصلحة العامّة لا يوجد مبرّر لإلغائها، فضلاً عن أن هذا الحقّ مصان بالمعاهدات الدوليّة التي تنصّ على الحقّ بالعيش الكريم وبمدخول عادل. وتالياً إن كان هناك خطأ دستوري في عمليّة التصويت على القانون، أو إن كان هناك ضريبة تتعارض مع الدستور، على المجلس النيابي إعادة التصويت أو فرض ضرائب أخرى، لا تعليق حقوق مكتسبة ومستحقة منذ سنوات».

بالنسبة إلى هيئة التنسيق النقابيّة «من الجائر الربط بين الضرائب والسلسلة، كون الضرائب تدخل في عموم الموازنة وهي غير مخصّصة حصراً للسلسلة»، يقول مسؤول الإعلام في رابطة التعليم الأساسي عدنان برجي، الذي اعتبر «إن إلغاء قانون صحّح أجور الموظفين قد يشكّل سابقة في تاريخ لبنان لأسباب عدّة، أهمّها أن هذا الأجر هو حقّ مكتسب لا يجوز التراجع عنه كي لا يتعارض مع شرعة حقوق الإنسان التي تكفل العيش الكريم، والدستور الذي يكفل الحق بالعمل وبأجر عادل. ولأن ارتفاع الغلاء المعيشي مراراً، بالتواتر مع الحديث عن إقرار السلسلة خلال السنوات الخمس السابقة، ومن ثمّ إقرارها، دون إعطاء الناس حقوقهم، قد يؤدي إلى انفجار في البلد»، وخلص برجي إلى القول «نحن بانتظار صدور قرار المجلس الدستوري، واجتماع الروابط لنتخد المواقف النهائيّة».

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

 

هناك خشية جدّية من أن يقبل المجلس الدستوري بالطعن جزئياً بقانون الضرائب، أي الاكتفاء بتعليق سريان المادة المطعون بها، التي ترفع الضريبة على الفوائد من 5% إلى 7% وتعيد تكليف المصارف والمؤسسات والمهن الحرّة بها. إذا حصل ذلك، يكون الطعن المقدّم من عشرة نواب قد انتهى الى إعفاء المصارف من الضريبة المتوجبة عليها

فيفيان عقيقي
 

يُنتظر أن يصدر قرار المجلس الدستوري، في 18 أيلول الجاري، في شأن مراجعة الطعن في دستوريّة القانون 45/2017، الذي استحدث وعدّل مواد قانونيّة ضريبيّة، والمقدّمة من نواب حزب الكتائب وخمسة نواب آخرين. يلخّص رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، القاضي غالب غانم، الاحتمالات بالآتي:

1- ردّ الطعن بالكامل، وبالتالي إلغاء قرار وقف التنفيذ وعودة سريان مفاعيل القانون.

2- قبول الطعن بالكامل ووقف سريان القانون.

3- قبول الطعن جزئياً وتعليق العمل بالمادة 17 المطعون بها فقط، أو قبول الطعن جزئياً بالبنود الواردة في هذه المادة التي تلغي إعفاء المصارف والمهن الحرّة من موجب تأدية الضريبة على الفوائد، بذريعة أن شمول هاتين الفئتين بها ينطوي على ازدواج ضريبي.

في احتمالين من الاحتمالات الثلاثة، قد يشكّل قرار المجلس الدستوري، كما الطعن المقدّم، خدمة للمصارف، التي تخوض معركة طاحنة ضد أي زيادة للاقتطاعات الضريبية من أرباحها الطائلة. وفي حال تحقق الاحتمال الثالث، فإن المصارف وحدها ستكون رابحة، في حين أن الضرائب والرسوم التي تصيب الأسر في استهلاكها ومعاملاتها الإدارية ستبقى سارية.

مبدأ العدالة أشمل من مبدأ المساواة

ارتكزت مراجعة الطعن على ما اعتبرته مخالفات للدستور، إذ إن التصويت على القانون لم يحصل بالمناداة على النواب بأسمائهم (المادة 36)، وإن تخصيص الإجراءات الضريبيّة المستحدثة لتمويل السلسلة يناقض شمولية الموازنة (المادة 83)، فضلاً عن أن تكليف المهن الحرّة والمصارف بالضريبة على الفوائد ينطوي على ازدواج ضريبي ينقض مبدأ المساواة بين اللبنانيين (المادة 7 والبند ج).

يقول القاضي غالب غانم إن «كيفيّة التصويت على القانون مخالفة للمادة 36 من الدستور، وعلى هذا الأساس قد يقبل المجلس الطعن شكلياً، ولو أنه احتمال بسيط، فيعيد القانون إلى مجلس النواب من دون التعرّض لأساسه أي مخالفة الضرائب للدستور، وذلك لإعادة التصويت عليه كما ينصّ الدستور. أمّا في ما يتعلّق بالمادة 83 التي تتحدّث عن مبدأ شمولية الموازنة ووحدتها، فإن القانون يراعيها كون الضرائب ليست مخصّصة لتمويل السلسلة، بل ستدخل ضمن الموازنة، وتقتطع منها لتمويل السلسلة، وتالياً إن الهدف من إضافة هذه الضرائب هو عدم الوقوع في عجز، وهو لا يتنافى مع مبدأ شمولية الموازنة. أمّا المادة 7 التي تتحدّث عن المساواة بين اللبنانيين فهو مبدأ عام لا علاقة له بالضريبة، في حين أن البند (ج) من مقدّمة الدستور الذي ينصّ على العدالة الاجتماعيّة والمساواة، قد يكون مدخلاً للمجلس الدستوري للبحث بمدى دستوريّة القانون، باعتبار أن فرض الضريبة يستند إلى جدواها الاقتصاديّة، وله علاقة بالعدالة الاجتماعيّة، تماماً مثل الضريبة التصاعديّة، بحيث يكلّف الغني بمعدّل ضريبة أكبر من الفقير، وفي حال مساواتهما، نكون قد ضربنا العدالة بالمساواة، علماً بأن مبدأ العدالة هو أشمل من مبدأ المساواة. وتالياً، إن التذرع بوجود ازدواج ضريبي يطال فئات معيّنة، قد يكون الركيزة لإبطال القانون جزئياً، كما حصل في قراري المجلس الدستوري في شأن قانون الإيجارات وقانون الـ TVA سابقاً. عندها يردّ القانون إلى مجلس النواب، الذي يقلع عن البحث في هذه الضريبة، ويبحث في مصادر تمويل أخرى».

تهرّب ضريبي مزمن!

يقول المعنيون في حزب الكتائب إن هدفهم من تقديم مراجعة الطعن هو السعي الى رد القانون بمجمله، وإن موقفهم المؤيد لفرض الضرائب على المصارف عبّر عنه نواب الحزب في الجلسة التشريعية، وبالتالي لا يجوز اتهام الحزب بالعمل لمصلحة المصارف. بهذا المعنى، يريد مقدّمو الطعن أن يتم التعامل مع مراجعتهم استناداً الى "النوايا" لا الى الآلية المعتمدة ونتائجها المحتملة، ولكنهم لا يقدّمون أي جواب عن موقفهم في حال قرر المجلس الدستوري الطعن فقط بالبند المتعلق بتكليف المصارف والشركات والمهن الحرة بضريبة الفوائد التي يسدّدها المودعون، أو بالأحرى، يجيبون أنهم لم يكونوا على علم بهذا الاحتمال!

في الواقع، تسعى المصارف بكل نفوذها الى التهرب مجدداً من تسديد هذه الضريبة، وهي نجحت سابقاً وتراهن على النجاح الآن، ولا سيما أن سبل التهرّب مسدودة إلا في حال قرر المجلس الدستوري قبول الطعن بالقانون كلّه أو بهذا البند فقط.

في عام 2004، أي بعد صدور قانون موازنة عام 2003 الذي نصّ على فرض ضريبة على الفوائد المصرفيّة بنسبة 5%، استطاعت المصارف التهرّب عبر تعديل القانون بقرار صادر عن وزير المال آنذاك، فؤاد السنيورة، يعفيها من موجب تأديتها على توظيفاتها في سندات الدين بالعملة الأجنبيّة (يوروبوندز).

مع بدء البحث في مشروع قانون موازنة 2017 والإجراءات الضريبيّة مطلع هذا العام، شكّلت المصارف مجموعة ضغط للغاية نفسها. وهذا ما وثّقته المذكّرة التي رفعتها جمعيّة المصارف في شباط الماضي إلى وزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وشكت فيها الإجراءات الضريبيّة التي ستطال أرباحها، ومن ضمنها زيادة معدّل الضريبة على فوائد وعائدات وإيرادات الحسابات الماليّة والسندات لدى المصارف من 5% إلى 7% وعدم حسمها من ضريبة الأرباح، واعتبرت أن ذلك ينطوي على «ازدواج ضريبي كونها ستكلّف بضريبة الفوائد، وستكلّف مرّة ثانية بضريبة على الأرباح، فيما تقتطع حالياً الضريبة على الفوائد ثمّ تنزلّها من ضريبة الأرباح».

الضريبة على الفائدة: في الاقتصاد والقانون!

يشرح الخبير المالي شربل قرداحي، الازدواج الضربيي بأنه عمليّة فرض "أكثر من ضريبة واحدة من نوع واحد على مصدر واحد للدخل في فترة زمنيّة محدّدة". وتالياً في حال اختلف نوع الضريبة المكلف بها، كأن يدفع المكلف الضريبة عن دخل يتأتى من عقار يملكه، وأخرى عن دخله من مهنته الحرة، وأخرى على فائدة الأموال الموظّفة في مصرف، "لا نكون أمام حالة من الازدواج الضريبي".

 

يختلف القانونيون والمحاسبون في مدى انطباق حالة الازدواج الضريبي على تطبيق المادة 17 من القانون 45/2017، باعتبار أن لا الدستور ولا القانون ينصان صراحة على تعريف "الازدواج الضريبي" ومنعه، إلا في حالة الاتفاقيات الثنائية مع بعض الدول لمنع الازدواج الضريبي بينها. ولكنهم يتفقون على أن الاستناد الى مبدأ "المساواة" في الدستور للطعن بالازدواج الضريبي هو ضعيف وغير مقنع للأسباب التي شرحها القاضي غانم.

التعديلات التي أدخلتها المادة 17 من القانون المطعون به قضت باحتساب ضريبة الفوائد كعبء عادي ينزل من الأرباح بدلاً من احتسابها سلفة على حساب ضريبة الأرباح كما هو معمول به حالياً. وتزعم المصارف أن ذلك يؤدي الى تكليف الفوائد لضريبتين، واحدة بنسبة 7% عبر الضريبة على الفوائد وثانية بنسبة 17% عبر الضريبة على الأرباح. وبحسب مذكرة لجمعية المصارف "تؤدي هذه الطريقة في الاحتساب إلى خرق المساواة بين المصارف نفسها، إذ تؤدي إلى أعباء ضريبية أكبر على بعض فئات المصارف، وخاصة تلك التي تحمل في محافظ توظيفاتها نسبة عالية من سندات الخزينة وشهادات الإيداع المحررة بالليرة اللبنانية".

يؤيد المحامي أنطوان شنيعي، المتخصّص في القوانين الضريبيّة، ما تدعيه جمعية المصارف، ويقول إن «هناك ازدواجاً ضريبياً يطال أصحاب المهن الحرّة والمصارف والمؤسّسات، كونهم يخضعون لضريبة على إيرادات أعمالهم، ويخضعون لضريبة الباب الثالث (فوائد الأموال المنقولة وسندات الدين...)، ليضاف من بعدها صافي أرباحهم المتأتي من الفائدة إلى الأرباح المكلّفة بضريبة الباب الأول (ضريبة أرباح الشركات التجاريّة والمهن)، ما يعني أنهم سيدفعون ضريبتين على الدخل نفسه، مرّة عند اقتطاعها من الفائدة، ومن ثمّ عند اقتطاعها من مجمل الأرباح». ويرى شنيعي أن «هناك استحالة لتطبيق هذا القانون، كون آليات تطبيقه واحتساب الضريبة لم تحدّد بعد، فضلاً عن أن قانون السريّة المصرفيّة سيشكّل مهرباً من دفع الضرائب، كما يمكن التلطي بالحسابات المشتركة التي لا يمكن الاطلاع عليها إلّا بموافقة كلّ المشتركين فيها للغاية نفسها».

في المقابل، يشير قرداحي إلى أن «شروط الازدواج الضريبي غير متوافرة. وإذا أخذنا المصارف كمثال، فإن الضريبة على الفائدة تطال منتجاً مستقلاً يتم تداوله في السوق»، ويتابع قرداحي «عملياً، لا يوجد ازدواج ضريبي حيث الخيار حرّ، فالمصارف التي تموّل الاقتصاد، عبر القروض التجاريّة والصناعيّة وقروض الأعمال، وتتحمّل المخاطر الناجمة عن المهنة من دون أن تشتري سندات دين حكوميّة، حيث لا جهد خاص وحيث نسبة المخاطر منخفضة، لن تدفع هذه الضريبة وستكتفي بدفع الضريبة على الأرباح، وإلّا تكون المصارف التي تموّل الاقتصاد ضحية قانون جائر وضع لمصلحة المصارف التي تأخذ الودائع لشراء السندات. والفارق الجوهري هو أن الضريبة على الفائدة تطال منتجاً مالياً لدى شرائه، والعائد الصافي لهذا المنتج معروف قبل الدخول بعملية الشراء، فيما الضريبة على الأرباح تطال خالص العمليات الاستثماريّة والتمويليّة والتجاريّة ولا صلة لها بالفائدة موضوع الطعن. وإلّا كيف نفسّر خضوع فئات واسعة (شركات تجاريّة وأفراد) لهذه الضريبة منذ عام 2003».

 


الحزب الشيوعي ينتقد الهندسة المالية:الطعن في ضرائب المصارف مرفوض

رأى الحزب الشيوعي اللبناني "أن سلة الضرائب التي أُقرّت على أرباح المصارف والشركات المالية والفوائد وعلى الربح العقاري، يجب أن تبقى، بل أن تُزاد معدلاتها". وأعلن الحزب رفضه القاطع لكل المحاولات التي تصبّ في اتجاه إلغاء سلة الضرائب هذه، "سواء عبر الطعن المقدم من النائب سامي الجميّل والنواب التسعة الآخرين إلى المجلس الدستوري، تحت ذريعة عدم دستورية الازدواجية الضريبية، أو عبر الضغط والتهويل الذي تروّج له الهيئات الاقتصادية، والرامي بشكل أساسي إلى شطب الضرائب التي أقرّت على أرباحهم، ومنها الضريبة على فائدة السندات التي يحملونها ويجنون الأرباح الطائلة منها". ودان الحزب جميع المحاولات هذه، من أي طرف أتت، وتحت أيّ ذريعة كانت، إذ آن الأوان بعد 25 عاماً من استمرار تراكم الثروة لدى القلة أن تدفع ما يجب عليها من الضريبة، وفي إطار نظام ضريبي تصاعدي على الأرباح بمعدلات عالية.

وحذر البيان الصادر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني من المنحى الخطير على البلاد الذي اتخذته التطورات والمواقف من القضايا الاقتصادية ــ الاجتماعية، التي حصلت بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب. كذلك حذر من زيادة الأقساط المدرسية واستعمالها كسلاح، "كما استُعمل سلاح tva والرسوم لتأليب الفئات الشعبية ضد العمل النقابي وضد بعضهم البعض".

ورأى الحزب في ما يسمى "الهندسات المالية"، التي قام بها مصرف لبنان أخيراً، ويعتزم الاستمرار فيها، مؤشراً على عمق أزمة النموذج الاقتصادي اللبناني. واعتبر أن "هذا الحل المالي لأزمة ميزان المدفوعات ولتراجع تدفق الودائع ورؤوس الأموال الخارجية يتم على حساب المال العام وميزانية المصرف المركزي، الذي هو مرفق عام، لمصلحة أرباح استثنائية للمصارف، تقدر حتى الآن بـ5.6 مليار دولار".

المصدر: جريدة الاخبار
 
 
فيفيان عقيقي
 

كشف حزب الكتائب عن موقفه الفعلي من الضرائب، فبعد حملته على الضرائب الأخيرة، تحت عنوان الدفاع عن الفقراء والطبقة الوسطى، تقدّم نوابه مع نواب آخرين بمراجعة أمام المجلس الدستوري للطعن بالقانون الأخير، إلا أن مطالبه كلّها انحصرت بإعفاء المصارف والمهن الحرّة من موجب تأدية الضريبة على الفوائد المصرفية، بذريعة أن شمول هاتين الفئتين بهذه الضريبة ينطوي على ازدواج ضريبي.

إذاً، الحملة، التي قادها حزب الكتائب وبعض مجموعات المجتمع المدني ضد إقرار قانونَي سلسلة الرتب والرواتب والتعديلات الضريبية، انتهت بتقديم نواب الحزب الخمسة (سامي الجميل، نديم الجميل، إيلي ماروني، سامر سعادة وفادي الهبر)، ونائب تيار المردة سليم كرم، ونائب اللقاء الديموقراطي فؤاد السعد، والنواب: دوري شمعون، بطرس حرب وخالد الضاهر، طعناً أمام المجلس الدستوري، يستند فقط إلى «الزيادة التي طرأت على معدّل الضريبة على فوائد وعائدات وإيرادات الحسابات الماليّة والسندات لدى المصارف من 5% إلى 7% وعدم حسمها من ضريبة الأرباح». أي أن حزب الكتائب والنواب المشاركين معه لم يكونوا في الواقع ضد الضرائب والرسوم التي تصيب الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، كما زعموا خلال الأشهر الماضية، بل كانوا يستخدمون خطاباً شعبوياً يخفي موقفهم الحقيقي الرافض للتعديل الضريبي الوحيد الذي يصيب الفوائد المتراكمة لدى المصارف وقلّة قليلة من كبار المودعين.

حدّد رئيس المجلس الدستوري، القاضي عصام سليمان، جلسة عند الساعة العاشرة من صباح اليوم، للنظر بالطعن. تطلب مراجعة الطعن «اتخاذ قرار فوري بوقف تنفيذ مفعول القانون المطعون به، ريثما يصار الى بت الطعن في الأساس»، وهي تستند الى ما تعتبره «مخالفات» للدستور، تتمثل بالآتي:

1- مخالفة المادة 36 من الدستور ولأحكام المواد من 78 إلى 85 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تلزم أعضاء المجلس بالتصويت العلني وإبداء رأيهم، بعد المناداة عليهم بالأسماء وبصوت عالٍ، وهو ما لم يتمّ خلال الجلسة التشريعيّة التي عقدت في 18 تموز الماضي، وبدلاً من التصويت على القانون بنداً بنداً، ونتيجة حالة من الهرج والمرج التي حدثت، تمّت المصادقة عليه برفع الأيدي فقط.

2- مخالفة المادة 83 من الدستور الذي يلزم بعدم تخصيص إيرادات لتغطية نفقات محدّدة، فيما القانون المطعون به نصّ على تعديل واستحداث بعض المواد القانونيّة الضريبيّة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب.

3- مخالفة أحكام الفقرة (ج) من مقدّمة الدستور والمادة 7 منه التي تنصّ على مبدأ المساواة أمام الضريبة، فيما القانون المطعون به يتضمّن ازدواجيّة ضريبيّة تطال المصارف والمهن الحرّة.

يبرّر النائب سامر سعادة لـ«الأخبار» هذا الانسجام التام مع مطلب المصارف والهيئات الاقتصاديّة الرافض منذ البداية لهذه الزيادة الضريبيّة، بأن «الحزب ارتكز على المخالفات الدستوريّة التي ينطوي عليها القانون 45/2017، وتبيّن أن شمول المصارف والمهن الحرة بالضريبة على الفوائد يتعارض مع الدستور، كونها ترتب ازدواجيّة ضريبيّة، في حين أن الدستور ينصّ على أن تكون الضريبة شاملة وتطال الناس بالتساوي، وتالياً لم يكن بالإمكان التذرّع بالضرائب التي تطال الفقراء لطلب إبطال القانون، كون الدستور لا يمنع بأي من مواده فرض ضريبة على هذه الطبقة»

المصدر: جريدة الاخبار

 

 

أقرّ مجلس النواب بالإجماع، خلال جلسته التشريعيّة الأخيرة، قانون الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. هذا القانون، المطروح منذ عشر سنوات، ينطوي على عمليّة منظّمة وواضحة لوضع اليد على الأموال والموارد العامّة، ونقلها إلى القطاع الخاصّ، ويهدف إلى إخفاء الزيادة التي ستطرأ على الدين العام، ويمنح امتيازات وتلزيمات وعقوداً للقطاع الخاصّ خلافاً لأحكام الدستور والقوانين المرعية، ويقضي بتخلي الدولة عن كامل الأشغال والمشاريع التي تقوم بها، ويجيّر صلاحيّات واسعة تعود إلى مجلس النواب إلى الحكومة، كما ينقل صلاحيات من مجلس الوزراء «مجتمعاً» إلى المجلس الأعلى للخصخصة، ويعزز صلاحيات رئيس مجلس الوزراء على حساب صلاحيات الوزير المعني، ويلغي الدور الممنوح قانوناً لإدارة المناقصات في عقد الصفقات العموميّة، ودور الهيئات المنظّمة للقطاعات المختلفة

فيفيان عقيقي
 

تُعدُّ الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ شكلاً من أشكال الخصخصة، باعتبارها ترتيباً تقوم من خلاله الدولة بالتعاقد مع القطاع الخاصّ لتنفيذ مشروعات عامّة مختلفة. ظهر هذا النوع من العقود والامتيازات في التسعينيات من القرن الماضي، كردّ فعل على فشل سياسات الخصخصة، وهي سياسات يُعاد النظر فيها، راهناً، في أكثر الدول الرأسماليّة (بريطانيا على سبيل المثال)، وباتت "الشراكة" هي الوصفة الجاهزة التي تفرضها المؤسسات الدولية على الدول الضعيفة والتابعة لنقل الثروة إلى القطاع الخاص، باعتبار ذلك ثمناً ضرورياً لمعالجة أوجه التخلّف والقصور في البنى التحتية والخدمات، حتى ولو كان هذا الثمن يرتّب أكلافاً كبيرة لا تنحصر بالكلفة الأعلى لتنفيذ المشروع عبر الشركات الخاصة بالمقارنة مع كلفة تنفيذها عبر القطاع العام.

ليس هناك تعريف محدد لعقود الشراكة مع القطاع الخاص، ففي القانون الذي أقرّه مجلس النواب أخيراً، يمكن تطبيق هذه العقود على كل شيء تقريباً، من دون أي استثناء. ولكن في القانون الفرنسي، على سبيل المثال، تُعرّف عقود الشراكة بدقة على أنها «عقود إدارية تكلّف بموجبها الدولة طرفاً ثانياً، ولمدّة معيّنة، بأداء مهمّة عامّة هدفها بناء وتحويل وصيانة واستثمار وإدارة منشآت أو معدّات أو أصول غير ماديّة ضروريّة لتوفير الخدمة العامّة، كما المشاركة في التمويل الجزئي أو الكلي، باستثناء المساهمة في رأس المال». وينص القانون الفرنسي بصورة واضحة ومن دون أي التباس على أنه «لا يمكن عقد اتفاقات الشراكة إلّا في حال عدم تمكّن الشخص العام من القيام وحده بتأمين الوسائل التقنيّة لتأمين حاجات عامّة، وأن يكون المشروع ذا طابع طارئ، أو يواجه أي وضع غير متوقّع يمسّ المصلحة العامّة، وأن يكون اللجوء إلى عقود مماثلة أكثر ملاءمة من العقود التي يديرها القطاع العامّ».

بروباغندا الشراكة

في لبنان، ترتكز عمليّة تسويق مفهوم «الشراكة» إلى «بروباغندا» قائمة على مجموعة من الركائز التي تبتعد عن تعريف مفهوم الشراكة، يعدّدها النائب ياسين جابر لـ"الأخبار"، وهي: «افتقار الدولة للموارد الماليّة، فشل الإدارة العامّة في مقابل نجاح القطاع الخاصّ، الحاجة الملحّة لتطوير البنى التحتيّة والاقتصاد، ونصائح المؤسّسات الدوليّة لتبنّي هذا النموذج»، ويتابع جابر «يأتي إقرار هذا القانون بعد عشر سنوات من الدراسات والبحوث والمناقشات، وهو يعفي الدولة من خيار الدين لتمويل مشاريع بنى تحتيّة لتطوير الاقتصاد، مقابل تمويلها وتنفيذها عبر القطاع الخاصّ الذي يستردّ أموالها من إيرادات يجيبها نتيجة استعمال المواطن لهذه الخدمات أو عبر تقاسم الأرباح مع الدولة. علماً أن فتح المجال للقطاع الخاصّ يبشّر بنتائج مختلفة، خصوصاً أن تجارب القطاع العام كانت فاشلة، وهناك نماذج كثيرة منها مرفأ بيروت وكهرباء لبنان». أمّا عن الآلية لإبرام عقود الشراكة فيقول جابر: «لن يتم وضع دفاتر شروط ولن ترسل إلى إدارة المناقصات، ما سيحصل هو أن كلّ بلديّة أو مؤسّسة عامّة أو وزارة تريد تنفيذ أعمال ومشاريع ما، ستطرحها من خلال الوزير المختص أو عبر المجلس الأعلى للخصخصة، حيث تقدّم الشركات عروضاً مختلفة، ويختار المجلس الأعلى للخصخصة العرض الأفضل، ويوافق عليه مجلس الوزراء، وهو ما سيتيح المجال لتنفيذ مشاريع ضخمة مثل سكة الحديد والأوتوسترادات السريعة والمدن الرياضيّة...».

على ماذا ينصّ القانون؟

عملياً، لا يسعى القانون الجديد إلى تنظيم أعمال ومشاريع محدّدة لا تلحظها القوانين النافذة، بل يسعى إلى نقل أصول الدولة ومهامها إلى القطاع الخاص، تحت ذريعة فشل الإدارة العامّة. فبدلاً من تشجيع القطاع الخاصّ للقيام بمشاريع استثماريّة تساهم في مراكمة المزيد من رأس المال وخلق فرص عمل وزيادة المداخيل وتحرّك الدورة الاقتصاديّة... يتعمّد القانون التركيز على نقل السيطرة على رأس المال الموجود أو المتاح من الدولة إلى القطاع الخاص، وذلك بهدف رئيس هو مساعدة المصارف على توظيف سيولتها المتراكمة بعدما باتت الموجودات المصرفية تتجاوز نسبة 400% من مجمل الناتج المحلي.

 

بحسب الأسباب الموجبة المرفقة مع اقتراح القانون، تشمل عقود الشراكة تنفيذ مشاريع مختلفة ومتنوعة، من ضمنها السجون والثكنات، والمعامل الحراريّة لإنتاج الطاقة، والسدود، والطرق، والجسور، وسكك الحديد، والمطارات، والمدارس، والمستشفيات، ودور الرعاية، والملاعب الرياضيّة، وغيرها من المنشآت... وينصُّ القانون في مادته الأولى على أن يشتمل عقد الشراكة (قد تصل مدّته إلى 35 عاماً) على «كل العلاقات التعاقديّة والتعاونيّة بين القطاعين العام والخاص، بما يتضمّن التمويل والإدارة، وإحدى العمليّات التالية: التصميم والإنشاء والتشييد والتطوير والترميم والتجهيز والصيانة والتأهيل والتشغيل»، أي بمعنى آخر نقل كلّ الوظائف التي تقوم بها الدولة إلى القطاع الخاصّ. فيما تسحب المادة الثانية صلاحية الهيئات المنظّمة للقطاعات بحيث لا يمكنها «تعديل أسعار الخدمات في العقد، وفرض غرامات، وتعليق وتجديد وإلغاء وسحب التراخيص»، كما تُخضع «قطاعات الاتصالات والكهرباء والطيران المدني لأحكام هذا القانون» على الرغم من وجود قوانين نافذة منظّمة لها. كذلك تمنح المادة الرابعة صلاحيات لـ«رئيس المجلس الأعلى للخصخصة» (وهو رئيس مجلس الوزراء) تعود الى الوزير المختص من خلال «اقتراح المشاريع»، وهو ما يعني سحب صلاحية الوزير ضمن نطاق وزارته وتحويلها إلى رئيس مجلس الوزراء وإعطاءه صلاحيّات استثنائيّة للسير بأي مشروع متعلّق بالمنفعة العامّة والملك العام وتحويله إلى القطاع الخاصّ، كما تجيّر صلاحيات الوزارات «لناحية إعداد الدراسات والموافقة على السير بالمشاريع إلى المجلس الأعلى للخصخصة»، وهو ما يعني إعطاء صلاحيات واسعة للمجلس الأعلى للخصخصة. كذلك، تعارض المادة التاسعة، أحكام المواد 78 و144 من قانون التجارة، إذ تعفي «شركة المشروع من وجوب أن يكون ثلث رأسمالها لمساهمين لبنانيين، وأن تكون أكثريّة أعضاء الإدارة من اللبنانيين»، كما تعفيها من «موجب حصول رئيس مجلس الإدارة والمدير العام على إجازة عمل إن كانا من الأجانب»، على أن «يتمثّل الشخص العامّ بعضو واحد على الأقل في مجلس الإدارة». أمّا الأفضح فهو «إعفاؤها من موجب تعيين مفوض رقابة، ومن رقابة ديوان المحاسبة» أي عملياً تفلّتها من أي رقابة مسبقة ولاحقة على أموال عموميّة. فيما تطيح المادة العاشرة بسيادة القضاء اللبناني من خلال حصر البت بالنزاعات التي قد تنشأ مع شركة المشروع «بالوساطة والتحكيم الدولي». واللافت هو ما تنصّ عليه المادة 13 عن «وضع الشخص العام بتصرّف المشروع العقارات العائد له واللازمة لتنفيذ المشروع طيلة مدة العقد، أو استملاك عقارات خاصّة لصالح شركة المشروع». أمّا المادة 14 فتلحظ «نفقات المشروع التي تقع على عاتق الدولة في موازنة الدولة العامّة» وهو ما يعني ترتيب ديون على الدولة دون تسجيلها في الدين العام دفعة واحدة بل عبر دفعات سنوية تمثل الاعتمادات أو المشتريات.

 

مسار القانون

يعود تاريخ هذه القانون إلى عام 2007، خلال حكومة فؤاد السنيورة الأولى، عندما أعدّ وزير المال في حينها جهاد أزعور، مشروع قانون مع الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد الحايك وعدد من مستشاري فريق السنيورة يطلق عمليات الخصخصة دون العودة إلى أحكام الدستور وقوانين الأملاك العوميّة ونقل الاحتكارات ومنح الامتيازات، وأرسلته الحكومة إلى المجلس النيابي، فرفض الرئيس بري تسلّمه، نتيجة الخلاف السياسي في حينه بين فريقي 8 و14 آذار. مع تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى في عام 2009، أعاد النائب علي حسن خليل تقديم اقتراح القانون نفسه، فتألفت لجنة وزاريّة لدراسته عام 2010، ولم يعترض عليه سوى الوزيرين شربل نحّاس وابراهيم نجّار، والأخير قدّم نسخاً عن قوانين الشراكة الفرنسيّة والبريطانيّة والأميركيّة، أردفها برسالة يطلب فيها من واضعي مشروع القانون قراءة نصوص القوانين»، نظراً للفروقات الجوهريّة في تعريف «الشراكة، ولمخالفته أحكام الدستور والقوانين النافذة.

التجارب غير مشجعة

عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ موجودة في لبنان قبل إقرار القانون، وأغلب النماذج المعمول بها أثبتت فشلها وهدرها الأموال العامّة دون تحقيق أي منفعة، مثل العقود مع سوكلين، وشركات الخليوي، ونموذج كهرباء زحلة، ومقدمي خدمات جباية وصيانة الكهرباء واستثمار المواقع الطبيعية والاستراحات والسوق الحرة في مطار بيروت وغيرها... حيث تعدُ كلفتها هي الأغلى في العالم مقابل أسوأ الخدمات.

 

في مقال نشره «صندوق النقد الدولي»، في سبتمبر الماضي، ويستند فيه إلى ورقة عمل حول «الأبعاد الاقتصاديّة الكليّة للشراكات بين القطاعين العام والخاصّ»، يوجد إقرار «بوجود دراسات تشير إلى أن هذه الشراكات قد تكون أكثر تكلفة من المشتريات التقليديّة التي تنشئ فيها الهيئات العامّة بمفردها أصول البنية التحتيّة أو تتعاقد مع مموّل خاص لبنائها» وأن قائمة النفقات الإضافيّة التي تتكبّدها الشراكات طويلة تتضمن «عدم قدرة القطاع الخاصّ على توزيع المخاطر على نطاق واسع مثل القطاع العام، بحيث يصبح العائد المدفوع إلى الشريك الخاصّ أعلى من سعر الفائدة على الدين الحكومي. وعدم قدرة الحكومة على تجنّب التكلفة الإضافيّة المرتبطة برصد امتثال الشريك الخاص. كما تنامي حجم التكاليف الإداريّة المرتبطة بإعداد العطاءات وتنفيذها في حالة العقود طويلة الأجل». إضافة إلى «عقد مفاوضات مكلفة ومتكرّرة للعقد الأصلي لمجابهة حالات طارئة خلال العقود الطويلة الأمد الممتدة إلى 30 سنة». طبعاً، يأتي هذا الإقرار الواضح كمقدمة لطرح مفاضلة من قبل الصندوق تعتبر أن الكلفة الإضافية الناتجة عن عقود الشراكة «تشكّل نصف الصورة، كون النصف الآخر ينطوي على ما يقدّمه الشريك الخاص من خبرات فنيّة أعلى وقدرات تنفيذ أكبر وضغوط أقل لتحقيق الأهداف السياسيّة في وقت أقصر والحصول على بنية تحتيّة أفضل»، ويخلص الصندوق إلى أن «الشراكات بين القطاعين العام والخاص تكون المفضّلة إلا إذا كان الفرق في التكاليف كبيراً جداً».

 

دين مخفي!

يعتبر الأمين العام لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، الوزير السابق شربل نحّاس، أن «الشراكة هي حملة تسويقيّة لشكل من أشكال الهندسات الماليّة في لبنان»، باعتبار أن «للدولة آلية عاديّة لإبرام العقود العموميّة، عبر وضع دفتر شروط واستدراج عروض والتعاقد مع شركات خاصّة، تدفع لها لقاء خدماتها أموالاً قد تستدينها أو ترصدها في موازنتها»، وتالياً إن الفرق بين الشراكة والآلية العاديّة تتلخّص بما يلي:

1- استدانة الدولة المباشرة للدفع للمورد، وتبرم معه عقداً لفترة طويلة، تقسّط خلالها المبالغ المترتبة عليها. وبالتالي بدل أن تسجّل الدولة المبالغ المترتبة عليها في الدين العام، فهي تخفيه، إذ تدفعه على شكل أقساط سنويّة من الموازنة، وتخفي معه جزءاً من عجزها وقيمة الفائدة المترتبة عليها، أو يمكن للشريك الخاصّ استرداد أمواله وأرباحه من خلال تجيير إيرادات عامّة له يجبيها من المواطن.

2- التنازل عن دور الدولة في تحديد تفاصيل الحاجة التي أبرمت عقداً مع شريك خاصّ للحصول عليها، من خلال تنازلها عن وضع دفتر الشروط.

يوضح نحّاس أنه «في الحالتين (الآلية العادية أو الشراكة) من يعمل في لبنان هو القطاع الخاص، نظراً لعجز الدولة ونقص الموارد البشريّة لديها، أمّا الفرق فيكمن في إظهار هذا العبء المالي، أو التحايل لإخفائه بعقود شراكة. وتالياً إن التحجّج بعجز الدولة لإحلال القطاع الخاصّ هو عذر غير مقبول، فالقطاع الخاصّ ليس الحلّ لدولة فاشلة، خصوصاً أن هذه التلزيمات بمبالغ كبيرة ولسنوات طويلة يترتّب عنها احتكارات، كما أن التسويق لفكرة تنفيذ استثمارات مجانيّة هو خاطئ، لأن الشريك الخاصّ يدفع أموالاً ويستردها لاحقاً من الدولة مع أرباحه الخاصّة، وتالياً المفاضلة بينها وبين الصيغة العاديّة، مسألة فنية مرتبطة بكلفة التمويل والفوائد المترتبة عنه، والمردود الاقتصادي الناتج عن كلّ نمط».

المصارف هي المستفيدة

يطرح نحّاس مجموعة من المسائل الدستوريّة والإداريّة التي ينطوي عليها القانون، أهمّها «مخالفة المادة 89 من الدستور التي لا تجيز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعيّة أو مصلحة ذات منفعة عامّة أو أي احتكار إلّا بموجب قانون وإلى زمن محدود. إخفاء حجم الدين العام والفوائد عليه. والقضاء على دور إدارة المناقصات من خلال تجيير كلّ العقود إلى المجلس الأعلى للخصخصة، بدل التعاقد مع أي مورد وفق دفتر شروط محدّد، وتحويل كلّ الصفقات إلى عقود شراكة. أمّا الهدف من كلّ ذلك فهو شفط الأموال العامّة».

ويشير نحّاس إلى أن المصارف هي من أبرز المستفيدين من هذا القانون، وهي ضغطت من أجل إقراره، بهدف «تسييل جزء من الودائع المتراكمة لديها عبر منحها لشركات القطاع الخاصّ التي ستلتزم مشاريع مع الدولة من جهة، كما وتوظيف أموالها مع القطاع الخاصّ لقاء فوائد أعلى بدلاً من توظيفها في سندات الخزينة من الجهة الأخرى»، فيما يعدّ المواطن المتضرّر الأكبر نتيجة «انعكاس هذه العقود على أسعار الخدمات التي ستقدّم، كون الفوائد على القروض الممنوحة هي أعلى ولأن هامش ربحيّة القطاع الخاصّ أكبر من هامش ربحيّة الدولة».

المصدر: جريدة الاخبار
 
 
فيفيان عقيقي
 

يتفق خبراء اقتصاديّون من تيارات متناقضة على وجود أزمة حقيقيّة تتهدّد النموذج الاقتصادي اللبناني، كما يتفقون على غياب دور «الدولة» كمؤسّسة مسؤولة عن وضع السياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الضروريّة للحدّ من الظواهر الناتجة من هذه الأزمة التي وصفوها بالهدّامة.

هذا الوضع الخطير الذي يهدّد بانهيار النقد وماليّة الدولة، يستوجب بحسب هؤلاء، وضع أطر إنقاذيّة، ولو أنهم يختلفون في تصوّرها، سواء لناحية التركيز على سلّة إصلاحات إدارية وماليّة وتحفيزيّة للاستثمار أو القطاع الخاصّ، أو العمل على تصويب الخلل الكامن في بنية الاقتصاد اللبناني ومنع الانهيار المالي. هذه خلاصة جلسة الحوار التي نظّمها «المجلس الاقتصادي الاجتماعي»، بحضور ممثلين عن المنظّمات الاقتصاديّة والنقابات العماليّة والمجتمع المدني وخبراء اقتصاديين، بعنوان «أزمة الاقتصاد اللبناني والإصلاحات العاجلة».

الخطر الداهم

برأي الاقتصادي توفيق كسبار: «هناك خطر مالي داهم سيترافق مع انهيار نقدي، إضافة إلى وجود خلل بنيوي في الاقتصاد اللبناني سيحول دون نمو الاقتصاد بطريقة مستدامة». يرتكز كسبار في ذلك إلى «إنتاجية العامل التي تراجعت في شكل كبير من 100% في عام 1974 إلى 60% في عام 2016"، للإشارة إلى ضعف إنتاجية الاقتصاد، التي "تحول دون تحقيق نمو مستدام». ويعيد كسبار الأسباب إلى:

1- البنية التحتيّة الضعيفة والمتهالكة، وخصوصاً أن 8% فقط من إنفاق الدولة بين عامَي 1993 و2016، خُصّص للنفقات الاستثمارية، بما يدحض الفكرة الشائعة عن أن إعادة الإعمار هي وراء حجم الدين العام المتفاقم.

2- البنية التحتية البشريّة الضعيفة نتيجة انحدار مستوى التعليم بدرجات كبيرة.

 

3- خروج الطاقات البشريّة ودخول اللاطاقات منذ عام 1975.

4- تخلّف المؤسّسات السياسية والإدارة العامّة، ما حال دون إقرار سياسات إصلاحيّة لتطوير البلد السائر نحو الحائط.

يقترح كسبار مشروعين لإرساء قاعدة تدفع بالإنتاجيّة الاقتصاديّة إلى مستويات مختلفة تكمن في «التحسين النوعي للتعليم الرسمي، باعتباره مشروعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يعطي المواطنين فرصاً متكافئة مع الآخرين، ويحسّن بنية الاقتصاد. إضافة إلى إنشاء شبكة مواصلات ونقل عام متطورة تربط الشمال بالجنوب بخط سكّة حديد سريع، وتربط الساحل بالجبل، ما يؤدي حكماً إلى توزّع السكان خارج بيروت ومحيطها، وارتفاع سعر الأراضي، وزيادة الاستثمارات، بما ينعكس على نمو الأرياف وتعزيز التواصل الاجتماعي والسياسي».

أمّا الخطر الأكبر، بحسب كسبار، فهو الذي يتهدّد بانهيار ماليّة الدولة والنقد «نتيجة العجز في ميزان المدفوعات الذي ارتفع من 3 مليارات دولار في عام 2014 إلى 5 مليارات في عام 2016، وبالتساوي مع ارتفاع الدين العام من 139% إلى 154%، فيما الإنفاق العامّ يذهب إلى النفقات الجارية. ويضاف إلى ذلك الخطر الأكبر الذي شكّلته الهندسات الماليّة الأخيرة لمصرف لبنان بكلفة نحو 10% من الناتج المحلي دون أي مقابل، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، فيما لم يجرؤ أحد على نقدها، فضلاً عن ربط القاعدة المصرفيّة عضوياً بالدولة، نتيجة سياسة الفوائد السخية، بحيث أصبح 60% من أصولها للقطاع العام». ويتابع كسبار أن «الحلّ بسيط، يستوجب توفّر إرادة سياسيّة لوضع سقف انحداري للعجز في الموازنة، والالتزام به، بما يعيد الثقة للاقتصاد، ويبعد الانهيار المالي والنقد سنوات عدة، والذي يعدّ الخطر الداهم الواجب إطفاؤه قبل معالجة المشاكل البنيويّة».

 

وصفات للعلاج

يرى الاقتصادي سمير نصر أن «معظم السياسات التراكميّة للحكومات المتعاقبة لم تعط نتيحة، والوضع الاقتصادي يتدهور بسرعة»، يستند بذلك إلى كون «معظم المؤشرات الاقتصاديّة تميل إلى السوداويّة، وخصوصاً ميزان المدفوعات، وعجز الموازنة، وتدني النمو، وارتفاع مستوى الفقر (يطال ثلث اللبنانيين)، والهجرة (تطال 35% من الكفاءات)». يقترح نصر «وصفات علاج للخروج من الأزمة، والاقتناع ببناء اقتصاد»، ويعتبر أن «عدم انهيار الليرة ليس مؤشراً لعدم وجود المشكلات، والدليل نسبة البطالة والهجرة وانخفاض القدرة الشرائيّة والهدر واهتراء البنى التحتيّة وغيرها...».

تكمن الحلول بسلسلة مبادئ إصلاحيّة اقتصاديّة، بحسب نصر، تتمثّل بـ:

1- وضع سقف عام للعجز في الموازنة والالتزام به، وخصوصاً في المؤسسات العامّة مثل كهرباء لبنان.

2- إصلاح الإدارة وإعادة ترتيب موظّفي القطاع العام، وخصوصاً أن الأجور تحتل ثلث الموازنة، عبر وضع سقف للموظفين، ونقل الفائص في بعض الإدارات إلى إدارات أخرى تعاني نقصاً، وإلغاء العقود غير الضروريّة.

3- اتخاذ مجموعة من التدابير التحفيزيّة لجذب الاستثمارات والتدفقات الماليّة، أبرزها خفض الضرائب وتسهيل الإجراءات الإداريّة.

4- اتباع سياسة تحفز عمليّة جلب الأموال من المغتربين عبر إلغاء الضرائب على فوائد إيداعاتهم في حال توظيفها في مشاريع استثماريّة تخلق فرص عمل وتروي الاقتصاد.

يقترح نصر أن يترافق ذلك مع ورشتين أساسيتين هما «إحقاق الأمان الاجتماعي عبر إقرار قانونَي التغطية الصحيّة الشاملة وضمان الشيخوخة، وبالتوازي مع إطلاق عجلة المشاريع الإنشائيّة والاستفادة من أموال دعم اللاجئين لرفع مستوى البنى التحتيّة، وإطلاق إصلاحات تطال البيئة والزراعة والتربية والعمالة التكنولوجيّة، وإقرار اللامركزيّة».

رؤية الدولة القاصرة

يتعرّض الاقتصاد اللبناني لتحديات خارجيّة تفرض عليه العمل لزيادة قدرته التنافسيّة في الأسواق، كما تفرض عليه إصلاحاً يبدأ بوضع رؤية مستقبليّة واضحة تقوم على محاور استراتيجيّة تتناول المعوقات الهيكليّة وتطرح حلولاً وإصلاحات لمعالجتها. هذا ما عبّر عنه وزير الاقتصاد رائد خوري، الذي يشير تحديداً إلى «العمل على خطّة إصلاح اقتصادي للاستجابة لمتطلبات التنمية المستدامة تقوم على خلق مناخ محفّز للاستثمار وتوفير الفرص المتكافئة للجميع، وتحفيز مبادرات القطاع الخاص، والحفاظ على الشباب، والحدّ من العجز في الميزان التجاري عبر تعزيز الصادرات ومنع الاحتكار». ومن هنا، يستند رئيس «المجلس الاقتصادي الاجتماعي» روجيه نسناس إلى دور المجلس الذي يتمحور حول تنظيم مشاركة المجتمع المدنيّ في إعداد سياسة الدولة اقتصادياً واجتماعياً، وتنمية التعاون بين مختلف الهيئات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمهنيّة، لبلورة مجموعة من الملاحظات والاستنتاجات حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتقديمها كمسودة عمل للحكومة اللبنانيّة، ولمشاركتها في وضع السياسات المتعلّقة بها، بما يتماشى، بحسب نسناس، مع «الورشة التي أطلقها رئيس الجمهوريّة لتفعيل الاقتصاد وإرساء الأمان الاجتماعي وإشراك المجتمع المدني بالخطط، لتحقيق النهوض الاقتصادي المأمول».

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

 

تختلط ردود الأفعال على التعديلات الضريبية الأخيرة، إذ تُرفَض هذه التعديلات جملة وتفصيلاً من دون النظر إلى آثار كل ضريبة على الدخل والاستهلاك والاقتصاد عموماً. التعديل الأكثر إثارةً للسخط تمثّل بزيادة الضريبة على القيمة المضافة، التي تصيب الاستهلاك مباشرة، على عكس زيادة الضرائب على أرباح شركات الأموال والفوائد والمتاجرة بالعقارات، التي تصيب الدخل... فما هي المواقف من هذه الضريبة الكريهة؟ في ما يأتي أجوبة ممثلي أصحاب المصالح وخبراء في الاقتصاد عن أسئلة تتصل بآثار هذه الضريبة المتوقعة

فيفيان عقيقي
 

الاعتراض على زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) من 10 إلى 11% لا يحتاج إلى تبرير. ينطلق هذا الاعتراض من أن النظام الضريبي اللبناني مُجحف جداً، فهو قائم بنسبة 75% على الضرائب غير المباشرة (من ضمنها الـTVA) التي تستهدف المستهلك بمعزل عن دخله، فيما لا تشكّل الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع إلا 25% من مجمل إيرادات الخزينة العامة، وهذا التوزيع غير العادل للعبء الضريبي ينقلب كلياً في توزيع الناتج المحلي، إذ إن حصة الأرباح والريوع تتجاوز 75%، فيما تقلّ حصة الأجور عن 25%! لذلك عُدّ لبنان بمثابة جنّة ضريبية لرأس المال وجهنم ضريبية للاستهلاك والعيش.

تُعدُّ الـTVA المصدر الأكبر لإيرادات الخزينة، نتيجة سهولة جبايتها، وتقدّر قيمتها بنحو 3300 مليار ليرة، بزيادة نحو 300 مليار ليرة عمّا كانت عليه قبل زيادة الـ1% على معدّلها، وهو مبلغ كبير جداً ستجبيه الدولة من الناس عبر استهلاكهم السلع والخدمات الخاضعة لهذه الضريبة، وإذا سُلِّمَ بوجود 6 ملايين شخص مقيم في لبنان حالياً، فإن متوسط حصة كل فرد من عبء هذه الضريبة ارتفع من 500 ألف ليرة إلى 550 ألف ليرة سنوياً! وهذا يدل بوضوح على أن العبء يتركز بنحو كبير على المئات من ذوي الدخل المتوسط، ولا سيما العمال والموظفون أو أصحاب الأجور بمعنى أوسع، إذ إن فئات الدخل الأدنى، أو الـ20% الأفقر، لا تبلغ حصتهم من الاستهلاك العام إلا أقل من 7%، وهي في معظمها أغذية مُعفاة من هذه الضريبة، في حين أن الـ20% الأعلى دخلاً الذين تبلغ حصتهم من الاستهلاك نحو النصف تقريباً، لا يتأثرون إطلاقاً بهذه الضريبة، نظراً إلى عدم تأثيرها بمداخيلهم، وبالتالي استهلاكهم.

ما هو موقف ممثلي المستهلكين؟

«زيادة الضريبة على القيمة المُضافة هي الهزّة الثانية خلال أشهر بعد الهندسة الماليّة التي نفّذها مصرف لبنان وضخّ بموجبها نحو 5 مليارات دولار أميركي من المال العامّ إلى جيوب المصارف»، بحسب رئيس جمعيّة حماية المستهلك زهير برو، الذي يحذّر من «آثار هذه الإجراءات الضريبيّة على الأسعار، التي سترتفع حكماً بنتيجة تجاربنا مع التجّار على السلع المشمولة وغير المشمولة بهذه الضريبة، وهو ما سيؤدّي إلى تراجع القدرة الشرائيّة، وإلى رفع معدّل التضخّم العامّ في لبنان، في ظلّ غياب آليات ضبط الأسعار، وعدم امتلاك وزارة الاقتصاد أي سلاح لمواجهتها، خصوصاً أن مشروع قانون المنافسة مرمي في الأدراج منذ أكثر من 16 عاماً». ويتابع برو: «المخاطر عالية جداً، والمستهلك سيكون تحت رحمة التاجر، وبالتالي ستمتصّ الزيادة على الأجور خلال أشهر وتفقد معناها، فيما المطلوب تشريعٌ لتصحيح الأجور سنوياً وموازنة الاقتصاد، إضافة إلى اتخاذ قرار حكومي بتجميد الأسعار لمدّة سنة لكبح أي أزمة محتملة».

ما هو موقف ممثلي التجار؟

يتخذ ممثلو التجّار موقفاً رافضاً للضريبة عموماً، وليس حصراً الضريبة على القيمة المُضافة. هناك شبه إجماع على رفض أي زيادة ضريبية تصيب الأرباح العقاريّة والمصرفيّة والتجارية، حتى ولو أسهمت هذه الزيادة في تعديل طفيف على النظام الضريبي المُجحف. تلتقي مواقف جمعيّات التجار والمصارف تحت مظلة «الهيئات الاقتصاديّة»، وهي تسعى إلى تأجيج ردود فعل شعبيّة على الضرائب، من دون أي تمييز بين الضرائب على الدخل والضرائب على الاستهلاك.

يوضح رئيس اتحاد غرف التجارة في لبنان محمد شقير، هذا الموقف الملتبس، فيقول: «نحن ضدّ الضرائب في الوقت الحالي، لأن الوضع الاقتصادي لا يحتمل، علماً أننا في الأساس كنّا مع رفع الـTVA حتى 15% مقابل إلغاء الرسوم الجمركيّة، أمّا الآن فالوضع مختلف، إذ لا يجوز فرضها فيما الدولة غير قادرة على تحصيلها من كلّ المؤسّسات، أي المؤسّسات غير الشرعيّة، علماً أن رفعها من 10 إلى 11% لن يكون له أثر كبير وملحوظ على الاستهلاك

 

 

لأسباب مختلفة، ردّ شقير بصدق على السؤال عمّا إذا كان هناك أثر جدي للضريبة على الاستهلاك ونشاطات التجار والمنتجين، إلا أن رئيس جمعيّة تجّار بيروت، نقولا شمّاس، لا يتبنى الرد نفسه، ويقول إن هناك «صعوبة في عزل تأثير الـTVA على الاقتصاد عن الضرائب الأخرى، نظراً إلى التفاعل في ما بينها، لكون الـTVA هي أم الضرائب وتؤثّر في بنية الأسعار ومجموعة أخرى من الضرائب»، ويتابع شمّاس: «يقدّر حجم الاستهلاك في لبنان بنحو 40 مليار دولار، وسيصل مردود الضريبة منه إلى 200 مليون دولار، أي ما يمثّل 0.5% من مجموع الاستهلاك، وهو سيؤثّر في القطاعات غير المُعفاة، أي السلع المُعمّرة (سيارات وأساس منزلي وكماليات) والسلع اليوميّة غير الضروريّة». يصر شمّاس على أن ذلك سيؤثر سلباً، إذ «سترتفع القدرة الشرائية عند 20% من المجتمع، أي المستفيدين من رفع الأجور بعد إقرار السلسلة، وستتراجع عند الآخرين، ما سيؤدي إلى تراجع الاستهلاك بنسبة 0.25%، فضلاً عن أن هذه الإجراءات الضريبيّة ستعكّر المزاج الاستهلاكي وستغذي التوقّعات السلبيّة، ما قد يرفع عتبة هذا التراجع أيضاً، إضافة إلى أنّ هذه الضريبة ستزيد بنية الأسعار وستخفض الهامش التجاري بحكم انخفاض الاستهلاك».

ما هي مواقف الاقتصاديين؟

هناك وجهتا نظر تحكمان النظر إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة. الأولى تراها مفيدة في مواجهة الانكماش الذي يصيب الاقتصاد اللبناني منذ أكثر من سنتين، وذلك عبر زيادة الأسعار أُسوةً بالأساليب التي اعتُمدت لمواجهة الأزمتين الاقتصاديتين الأميركيّة والأوروبيّة. والثانية رافضة لمجموع الضرائب، باعتبار أن الاقتصاد اللبناني لا يحتمل أي زيادات، حتى تلك التي تطاول الأرباح المصرفيّة، وكان من الأجدى مكافحة الفساد وخفض الهدر والإنفاق العام.

يقول الخبير الاقتصادي شربل قرداحي إن «طبيعة النظام الضريبي في لبنان غير عادلة، ولا تسمح بزيادة الضرائب غير المباشرة (والـTVA من ضمنها)، لكونها تشكّل 72% من إجمالي إيرادات الدولة، لمصلحة الضرائب المباشرة التي لا تشكّل سوى 28% من إجمالي هذه الإيرادات، إلّا أنه لأسباب آنيّة تتعلّق بالاقتصاد اللبناني وضعف النمو، دخل لبنان بمرحلة انكماش أسعار منذ عام 2015، حيث انخفض المعدّل الوسطي لمؤشّر الأسعار 3.7%، ثمّ انخفض بنحو 0.5% في عام 2016، ومن المتوقّع أن يسجّل انخفاضاً بنسبة 1% في عام 2017. لذلك، إن رفع الضريبة على القيمة المضافة هو من الوسائل التي ستُسهم ولو جزئياً في رفع الأسعار على قسم من الاستهلاك، وهو ارتفاع غير مضرّ سيحدُّ من انكماش الأسعار الذي يعدُّ من أخطر التحديات التي يعيشها أي اقتصاد. وتالياً، إن رفع الضريبة بنسبة 1% على 50% من السلع (أي الخاضعة لهذه الضريبة) سيؤدي إلى رفع الأسعار بنسبة 0.5%، وسيصل معدّل التضخّم إلى 1.75% (المعدّل المقبول في لبنان هو 3% برأي قرداحي)»، ويضيف: «من سخرية القدر أن الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة جعلت من رفع الـTVA وسيلة إنقاذيّة للحدّ من انكماش الأسعار».

ولكن هذا الرأي المرحّب بزيادة الضريبة لا يمكن أن يتخذ صفة ثابتة، حتى ولو كان صادراً عن شخص متخصص، إذ توجد آراء متخصصة أيضاً تناقضه بالكامل.

يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية جاد شعبان، إن «كلّ الضرائب التي أقرت تشكّل كارثة على ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وعلى الفقراء والأغنياء دون مساواة نتيجة افتقادها لأي صفة تصاعديّة. أمّا الضريبة على القيمة المُضافة، فستؤدي إلى زيادة أسعار كلّ السلع والبضائع، حتى تلك غير المشمولة بالضريبة، لكونها مرتبطة بسلع مشمولة بالضريبة وتدخل ضمن كلفة بيعها. وهو ما يدحض مقولة أن هناك بضائع مُعفاة من الـTVA». وبحسب شعبان «من المتوقّع أن تؤدي زيادة 1% على الـTVA، إلى رفع الأسعار بنسبة تراوح بين 5 و10%، ما يعني أن المستهلك سيخسر 10% من قدرته الشرائيّة، وتالياً سيؤدي ذلك إلى تآكل النسبة نفسها من الزيادة التي استفاد منها موظفو القطاع العام، ومن أجور غير المستفيدين، أي استعادة ما أُعطي بطريقة أخرى. وهو ما يعدُّ كارثة اقتصاديّة في ظلّ الأوضاع الراهنة في المنطقة، إذ كان من الأفضل تجنّب خيار الضرائب كلّها حتى تلك التي تطاول المصارف، وتمويل السلسلة عبر خفض الإنفاق العام والهدر ومكافحة الفساد».

خلافاً للدستور، تستمر الطوائف في انتزاع المزيد من الامتيازات التي تسهم في تعزيز ثرواتها وزيادة اللامساواة في لبنان. هذا ما يجسّده اقتراح القانون المُدرج على جدول أعمال مجلس النواب، الرامي الى إعفاء الطوائف ومؤسّساتها من الضرائب والرسوم التي لم يشملها القانون 210/2000. المفارقة أن هذا الاقتراح يأتي بالتزامن مع فرض ضرائب جديدة وتصاعد الحديث عن الفساد الذي يستنزف المال العام

فيفيان عقيقي
 

«إعفاء الطوائف المُعترف بها في لبنان والأشخاص المعنويين التابعين لها من بعض الضرائب والرسوم»، هو اقتراح قانون "معجّل مكرّر" تقدّم به النائبان إبراهيم كنعان وروبير غانم، وأُدرج على جدول أعمال الجلسة التشريعيّة لمجلس النواب، ويأتي في سياق سعي مؤسسات الطوائف المسيحيّة المتكرّر لإعفاء الأوقاف التابعة لها من الضرائب أسوة بمؤسسات الطوائف الإسلاميّة المُعفاة منها منذ عام 1955، تحقيقاً لما تعتبره «عدالة وتطبيقاً للمساواة التي ينصّ عليها الدستور».

إذاً، وفي تشويه فاضح لمفهوم المساواة، وبدلاً من إحقاقها في تحمّل الواجبات، أي دفع الضرائب، والتمتع بالحقوق بين كلّ اللبنانيين عبر المطالبة بإلغاء كلّ أشكال التمييز المتمثّلة في الإعفاءات الضريبيّة، يأتي هذا الاقتراح ليزيد الامتيازات الممنوحة للطوائف من دون أي سند دستوري، ويعمّق اللامساواة بين الطوائف ومؤسّساتها من جهة والمؤسّسات الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في الدولة من جهة ثانية.

ماذا في القانون؟

عملياً، يقترح مشروع القانون تعديل المادتين الأولى والثانية من القانون رقم 210 الصادر عام 2000، المتعلّق بإعفاء الطوائف المُعترف بها في لبنان من مجموعة من الرسوم والضرائب، وذلك بتوسيع نطاق الإعفاءات وشمول الضرائب والرسوم التي لم يأت القانون المذكور على ذكرها.

بموجب القانون 210/2000 وقرار وزير الماليّة 1719/1 المفصّل له، أعفيت الطوائف (وخصوصاً المسيحيّة، كون الإسلاميّة تستفيد من الإعفاء الكامل بصفتها من المؤسّسات العامّة للدولة منذ عام 1955) والأشخاص المعنويون المنتمون إليها قبل عام 2000 من الضرائب على أرباح المهن الصناعيّة والتجاريّة وغير التجاريّة، ومن رسم انتقال الأموال المنقولة وغير المنقولة عن طريق الوصية أو الهبة أو أي طريق، ومن رسم الطابع المالي عن العقود مع الغير، ومن الرسوم القضائيّة والجمركيّة والماليّة والبلديّة والمرفئيّة على المساعدات.

ينص اقتراح التعديل المطروح على إعفاء الطوائف وكلّ المؤسّسات التابعة للطوائف المنشأة والتي ستنشأ لاحقاً من المزيد من الضرائب، وهي رسوم الانتقال والهبات والوصايا المحرّرة لمصلحتها، وإعفاء نشاطاتها من الضريبة على القيمة المُضافة باعتبارها لا تنافس المؤسّسات المدنيّة التي تمارس نشاطات مماثلة، كما تعفى من كلّ غرامات عدم التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة وعدم التصريح وعدم إصدار الفواتير وكل ما يماثلها والعائدة للفترة السابقة، إضافة إلى عدم إخضاعها لإجراءات التدقيق والمراقبة للتثبت من التزامها بموجبات أحكام القانون، باستثناء المعاملات المتعلّقة بنشاط تأجير العقارات لغايات غير سكنيّة. كذلك تعفى الأبنية المشغولة من الطوائف أو أحد أشخاصها المعنويين من الرسوم على القيمة التأجيريّة ومن رسمي إنشاء وصيانة المجارير والأرصفة.

بمعنى واضح، يقضي القانون 210/2000 واقتراح القانون لتعديله بتحرير مؤسسات الطوائف من كل عبء ضريبي، وتحويلها إلى ما يشبه منطقة حرّة لا تخضع في عملياتها وأنشطتها، بما في ذلك الربحية منها، للشروط نفسها التي تخضع لها المؤسسات الأخرى في القطاع الخاص أو المجتمع المدني أو الأهلي وكذلك مؤسسات تملكها الدولة.

الطائفيّة الضريبيّة

يترافق طرح إعفاء الطوائف من الضرائب بالتزامن مع زيادة الضرائب على بعض القطاعات والأنشطة الاقتصاديّة والمعاملات الإداريّة، وهذا في حدّ ذاته يجسد مفارقة من مفارقات النظام اللبناني. إلا أن هذه الامتيازات، التي تحظى بها الطوائف، لها جذور تعود في التاريخ إلى عهد السلطنة العثمانيّة عندما مُنحت للطوائف الإسلاميّة، بحسب دراسة نشرتها «المفكرة القانونيّة»، واستكملت مع الاستعمار الفرنسي الذي ربط الأوقاف الإسلاميّة بمفتي بيروت الذي تحوّل لاحقاً إلى مفتي الجمهوريّة (وهو أعلى موظّف مسلم في هرميّة الدولة)، وأكّدت صفة المؤسّسة العامّة للأوقاف الإسلاميّة في عام 1955 بقرارين صادرين عن مجلس شورى الدولة رقم 522 و399.

 

أمّا الطوائف غير الإسلاميّة (المسيحيّة ضمناً) فقد حظيت باستقلاليّة ماليّة دون أي دعم من السلطنة العثمانيّة عملاً بنظام الملّة، مقابل أن يؤدي أتباعها الجزية باستثناء رجال الدين. أمّا بعد إنشاء دولة لبنان الكبير والاستقلال، فقد أقرّت الموازنات مساعدات للمحاكم الروحيّة، نتيجة ضغوط ممثلي الطوائف المسيحيّة، باعتبار أن إنفاق الدولة يصبّ لمصلحة الطوائف الإسلاميّة.

هكذا تكرّست هذه القوانين الطائفيّة، رغم إقرار دستور مدني للدولة اللبنانيّة، وزيدت عليها امتيازات أخرى تمثلت في إعفاء الأبنية المخصّصة لإقامة الشعائر الدينيّة من الرسم على القيمة التأجيريّة بموجب المادة 13 من قانون الرسوم والعلاوات البلديّة رقم 60/88، وصولاً إلى قوانين الموازنات المتتاليّة بعد انتهاء الحرب اللبنانيّة، وصولاً إلى إقرار القانون 210/2000.

يشير الباحث في «الدوليّة للمعلومات» محمد شمس الدين إلى «صعوبة تحديد الإيرادات الضريبيّة التي تحرم منها الخزينة العامّة والبلديّات نتيجة هذه الإعفاءات، كون عملية ضبط الجمارك والضريبة على القيمة المُضافة غير ممكنة، كذلك فإن حجم العائدات والأرباح وممتلكات هذه الطوائف ومؤسّساتها غير معلوم».

 

الإنفاق على الطوائف

لا تنحصر الامتيازات الممنوحة للطوائف ومؤسّساتها بالإعفاءات الضريبيّة التي تستفيد منها وإعفاء رجال الدين من ضريبة الرواتب والأجور على مخصّصاتهم، بل تشتمل على مخصّصات مالية ترصد لها في الإنفاق العامّ من خلال الموازنة السنويّة، تقدّر بنحو 8.6 مليارات ليرة بدل إدارة ولوازم ودعم خاصة بالأديان، و18.1 مليار ليرة للمحاكم الشرعيّة والروحيّة، و515 مليون ليرة تجهيزات وصيانة أبنية وتجديد مفروشات وتبريد، إضافة إلى تحويلات ومساعدات ماليّة من وزارات التربيّة والصحة والشؤون الاجتماعيّة للمؤسّسات الدينية التي تتلطى خلف مستشفيات ومراكز رعائيّة.

وتفصّل هذه النفقات كالآتي: 1 مليار و25 مليون ليرة من ميزانية رئاسة مجلس الوزراء لهيئة رعاية شؤون الحج، و1 مليار و831 مليون ليرة لدوائر الإفتاء من ميزانية رئاسة مجلس الوزراء بدل المواد والخدمات الاستهلاكيّة والتشغيليّة والإداريّة والمكتبيّة، والإيجارات والإعلانات، ورواتب وأجور ومخصّصات، وتحويلات ونفقات مختلفة، وتقديمات عائليّة وحماية اجتماعيّة، وتجهيزات وصيانة أبنية وتجديد مفروشات وتدفئة وتبريد، و5 مليارات و423 مليون ليرة للمحاكم الشرعيّة السنيّة، و1 مليار و281 مليون ليرة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، و1 مليار و668 مليون ليرة للإفتاء الجعفري، و6 مليارات و498 مليون ليرة للمحاكم الشرعيّة الجعفريّة، و480.5 مليون ليرة لمشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز، و2 مليار و442 مليون ليرة للمحاكم المذهبيّة الدرزيّة، و945.5 مليون ليرة للمجلس الإسلامي العلوي، و1 مليار و505 ملايين ليرة للمجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز، و4 مليارات و100 مليون ليرة للمحاكم الروحيّة المسيحيّة من ميزانيّة وزارة العدل.

إضافة إلى تحويلات من ميزانيّة وزارة التربية للمدارس المجانيّة الطائفية، وللمراكز الصحيّة الطائفية من مساهمات وزارة الصحّة لغير القطاع العام، وتشمل كما هو مذكور في مشروع الموازنة دار الأيتام الإسلاميّة (220 مليون ليرة)، بيت القديس جاورجيوس (70 مليون ليرة)، مأوى الروم (70 مليون ليرة)، دار العجزة التابع للطائفة الدرزيّة (500 مليون)، ومساهمات وزارة الشؤون الاجتماعيّة لغير القطاع العام وتشتمل على 400 مليون ليرة لكاريتاس التي تستفيد من 200 مليون ليرة من ميزانية رئاسة مجلس الوزراء.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تراجع الأعداد في مدارس البعثة العلمانية الفرنسية دوبير: تجميد الأقساط وصرف 38 معلماً

تراجع الأعداد في مدارس البعثة العلمانية …

أيلول 13, 2019 43 مقالات وتحقيقات

المستأجرون نحو التصعيد

المستأجرون نحو التصعيد

أيلول 13, 2019 61 أخبار

«إصلاحات» وزارة الصحة: أين الحلول الجذرية؟

«إصلاحات» وزارة الصحة: أين الحلول الجذري…

أيلول 12, 2019 40 مقالات وتحقيقات

اللاجئون الأفارقة: تمييز المفوضية السامية مستمرّ

اللاجئون الأفارقة: تمييز المفوضية السامي…

أيلول 06, 2019 65 مقالات وتحقيقات

خطة بعبدا: عصر جيوب الفقراء مقابل وعود كاذبة

خطة بعبدا: عصر جيوب الفقراء مقابل وعود ك…

أيلول 05, 2019 164 مقالات وتحقيقات

متحولو الجنس أكثر عرضة للاعتقال التعسفي

متحولو الجنس أكثر عرضة للاعتقال التعسفي

أيلول 05, 2019 122 مقالات وتحقيقات

الخلاف على المهل مستمر: قانون الايجارات نحو التطبيق

الخلاف على المهل مستمر: قانون الايجارات …

أيلول 05, 2019 113 مقالات وتحقيقات