الاستثمار في المياه المعبأة في لبنان يعدّ من الاستثمارات المربحة، وهو ما يفسّر وجود 42 شركة مرخّصة بالإضافة إلى مئات الشركات غير المرخصة، التي تتنافس على الحصص السوقيّة. بحسب الإحصاءات، تسيطر 5 شركات مرخصة على 57% من السوق النظامية. علماً أن حجم هذه السوق مقّدر بنحو 300 مليون دولار أميركي، وهو رقم يرتفع سنوياً، من دون أن نضيف له حجم أعمال الشركات غير المرخّصة التي يتخطّى عددها الألف، وحجم التصدير إلى الخارج الذي بلغ عام 2015 نحو 4.34 مليون دولار بحجم 24.93 ليتر

فيفيان عقيقي
 

قد تكون تعبئة المياه، من الأعمال الأكثر ربحية في لبنان وأكثرها نمواً، رغم أن الأسعار مستقرّة ولم تتغيّر منذ أكثر من عقد. فهي استفادت من غياب الدولة الأوّل عن تحقيق الإنماء المتوازن وإيصال المياه إلى كلّ المواطنين، وغيابها الثاني في تأمين مياه شفّة نظيفة وصالحة للشرب، خصوصاً أن الكثير من شبكاتها متهالك (يعود إلى ستينيات القرن الماضي) أو متقاطع مع مياه الصرف الصحي أو مياه البحر (نتيجة انتشار الآبار الارتوازيّة العشوائيّة).

فاستقطبت هذه الشركات المستهلك اللبناني الذي ارتمى أو رُمي في أحضانها، قبل أن تتوجّه إلى المستهلك العربي الذي يعاني فقراً مائياً لزيادة حجم أعمالها. وعلى هامش هذا القطاع، برز آخر مثيل له، ولكن غير قانوني، ممثلٌ بالشركات غير المرخّصة التي تشكّل نحو 85% من شركات تعبئة المياه، وتستقطب، رغم عدم ملاءمتها الشروط الصحيّة، نسبة كبيرة (غير محدّدة) من المستهلكين، لكون أسعارها منخفضة وتناسب الوضع المعيشي المتدني لشريحة كبيرة تبحث عن سلع استهلاكيّة أرخص ثمناً.

إذاً، تشتمل سوق المياه المعبّأة اللبنانيّة على ثلاثة نماذج وهي المياه المعبّأة المرخّصة يبلغ عددها بحسب وزارة الصحّة العامة 42 شركة، والمياه المعبأة غير المرخّصة (عددها غير محدّد، ولكنّه وصل عام 2007 إلى أكثر من 300 شركة، فيما يتخطّى اليوم الألف شركة)، والمياه المعبّأة المستوردة من الخارج وتشمل ثماني علامات تجاريّة وهي: Perrier، San Pellegrino، Acqua Panna، Contrex، وVittel التي توزّعها شركة نيستله، وEvian، Badoit، وVolvic التي توزّعها شركة KFF للأغذية والمشروبات.

الحصص السوقيّة

هناك أربعة أنواع رئيسيّة من المياه المعبّأة، تختلف باختلاف مصدر استخراج المياه:

1- المياه المعدنيّة الطبيعيّة التي تستخرج من المياه الجوفيّة المحميّة من مخاطر التلوّث، وهي ذات تركيبة معدنيّة ثابتة، تعبأ مباشرة من مصدرها، دون أن تخضع لأي علاج.

2- مياه الطاولة، وهي بحسب تعريف وزارة الصحّة العامّة، المياه النظيفة الصالحة للشرب، ولكنها تفتقر للمعادن الصحيّة.

3- مياه الينابيع تركيبتها المعدنيّة قابلة للتغيير، وتسمّى بحسب مصدر استخراج المياه.

4- المياه المُعالجة التي تعتمد على تدخّل العنصر البشري لتصبح صالحة للشرب، ويمكن أن يكون مصدرها أي نوع من إمدادات المياه، مثل المياه المحلّاة ومياه الصرف الصحي في لبنان.

نصف الشركات المرخّصة في لبنان مصنّفة في خانة «مياه الطاولة». وعموماً، يفضّل المستهلك اللبناني المياه المعدنيّة الطبيعيّة. وعملياً، هناك أربعة من ضمن اللاعبين الخمسة الكبار في هذا المجال، يبيعون هذا النوع. بحسب بيانات Nielson (التي تشمل قطاع التجزئة دون مبيعات المنازل والمؤسّسات)، وهي شركة متخصّصة بدراسة اتجاهات المستهلكين وسلوكيّاتهم، تُعدّ نستله اللاعب الأكبر في السوق اللبنانيّة في قطاع البيع في التجزئة، وتبلغ حصّتها السوقيّة 27% (نظراً إلى الدمج الحاصل بين علامتيها التجاريتين المحليتين «نستله بيور لايف» التي تشكّل 15% و»صحّة» التي تشكّل 12%)، فيما تبلغ حصّة تنورين السوقيّة 15%، وحصّة ريم 11%، وحصّة صنين 4%. تحجز هذه العلامات الخمس لنفسها 57% من حجم السوق المحليّة. مع الإشارة، إلى وجود لاعبين رئيسين آخرين، هما منى والسبيل، زبائنهم البيوت اللبنانيّة والمؤسّسات، إضافة إلى دخول أكوافيما (تنتجه شركة بيبسي) كوافد جديد إلى سوق تعبئة المياه في لبنان في عام 2016.

حجم سوق المياه

تعبّئ شركات المياه القانونيّة والمرخّصة في لبنان، من 700 إلى 800 مليون ليتر من المياه سنوياً، وهذا الرقم مرشّح طبيعياً للارتفاع بعد إضافة عمل الشركات غير المرخّصة إليه. لا شكّ أن هذه السوق تنمو تصاعدياً كون المياه من الحاجات الحياتيّة الأساسيّة والضروريّة، ونظراً إلى ارتباطه بالزيادة السكانيّة. ما يجعل الطلب على هذا النوع من المنتجات متفلتاً من تقلّبات الأسعار.

يقدّر حجم هذه السوق بنحو 300 مليون دولار أميركي، وهو يتزايد سنوياً. من حيث الحجم (يقاس لناحية معدّل الاستهلاك بين الأحجام المختلفة للعبوات)، بلغ النمو السنوي 2% خلال عامي 2013 و2014، ووصل إلى 5% في عام 2015. أمّا من حيث القيمة، نمت هذه السوق بنسبة 6% في عام 2013، ونسبة 10% في عام 2014، ونسبة 6% في عام 2015. وتجدر الإشارة إلى أن نمو القيمة يتجاوز نمو الحجم، كون المستهلك يميل أكثر إلى استهلاك الأحجام الصغيرة من المنتجات.

بين الفترة الممتدة من عام 2007 إلى عام 2010، حاكى النمو المسجّل في كبرى شركات المياه المعبأة، النمو الاقتصادي المرتفع نسبياً المحقّق خلالها والذي تراوح بين 8 و10% والتي اعتمدت بأغلبها على الزيادات المحقّقة في قطاعات السياحة والبناء والعقارات، والذي انعكس انتعاشاً على الفنادق والمطاعم التي رفعت الطلب على زجاجات المياه المعبأة. لكن بعد اندلاع ثورات «الربيع العربي»، الذي انعكس على نمو الاقتصاد اللبناني وتحديداً العقارات والسياحة، تراجعت مبيعات المياه المعبأة إلى الضعف.

الصادرات والواردات

في عام 2015، استورد لبنان 3.67 مليون دولار من المياه، وهو ما يوازي بالحجم 4.92 مليون ليتر. أما مصدر الاستيراد فكان فرنسا في المرتبة الأولى بنسبة 85.15% من إجمالي قيمة الواردات وبقيمة 3.13 مليون دولار. تليها إيطاليا بنسبة 12.34% بقيمة 454 ألف دولار. ويأتي هذا التفاوت بين فرنسا وإيطاليا منطقياً، كون 7 علامات تجاريّة من أصل 8 مستوردة إلى لبنان مصدرها فرنسا، فيما العلامة الوحيدة المستوردة من إيطاليا هي San Pellegrino. علماً أن لبنان استورد في عام 2012، بقيمة 2.85 مليون دولار بحجم 5.49 مليون ليتر. وفي عام 2013 بقيمة 2.85 مليون دولار بحجم 4.80 ليتر. في عام 2014 بقيمة 3.04 مليون دولار بحجم 4.49 مليون ليتر. وحتى حزيران 2016 استورد بقيمة 3.75 مليون دولار بحجم 4.74 مليون ليتر.

في المقابل، صدّر لبنان في عام 2015 نحو 4.34 مليون دولار من المياه، وهو ما يوازي بالحجم 24.93 مليون ليتر. 22% من إجمالي الصادرات بقيمة 955 ألف دولار أميركي وجهتها قطر، 21% بقيمة 917 ألف دولار وجهتها الكويت، و19% بقيمة 826 ألف دولار وجهتها المملكة العربيّة السعوديّة. وتحتلّ هذه الدول المراتب الثلاث الأولى لناحية وجهة التصدير، كون الطرق التجاريّة البريّة أغلقت بسبب الحرب السوريّة، فتمّ اللجوء إلى الشحنات البحرية، والتي تعدّ أكثر كلفة، وهو ما يفسّر الانخفاض الكبير في قيمة الصادرات من 14.09 مليون دولار أميركي عام 2014 إلى 4.34 مليون دولار أميركي عام 2015. علماً أنه صدّر في عام 2012 بقيمة 6.11 مليون دولار بحجم 32.17 ليتر. في عام 2013 بقيمة 12.06 مليون دولار بحجم 40.59 مليون ليتر. وحتى حزيران 2016 صدّر بقيمة 3.38 مليون دولار وبحجم 19.58 مليون ليتر.

من المتوقّع استمرار نمو هذا القطاع في لبنان، بقدر ما تواصل الدولة تجاهل تنظيم هذا القطاع، واستفادة الشركات من هذا الواقع، وتكييف استراتيجياتها مع الطلب ومعطيات السوق، خصوصاً أن استهلاك المياه الطبيعيّة يرتفع بالتواتر مع نمو الميل نحو اتباع حياة صحيّة، التي ساعدت الحملة التي شنّتها وزارة الصحّة العامّة على الشركات غير المرخّصة في تعزيزها، وهو ما يفسّر تالياً انحصار التنافس بين الشركات المرخّصة على نوعيّة المياه المقدّمة ومكوّناتها، من دون شمول الأسعار فيها.

للصورة المكبرة انقر هنا

توزّع شركات المياه

يُعدُّ منتج المياه المعبّأة ذات قيمة منخفضة، لذلك تلعب وجهة التوزيع دوراً مهماً، باعتبار أن الكلفة سترتفع كلّما ابتعدت المسافة، وكون التوزيع يحتل القسم الأكبر من كلفة الإنتاج. وهذا ما يفسّر انتشار كلّ شركة في مناطق تواجدها مع حفاظها على تواجد أقل في المناطق الأخرى، على سبيل المثال، تنتشر تنورين في شكل أوسع في الشمال، وصنين في المتن وكسروان، وريم في المتن والجنوب والبقاع.

لم يكن وقع إعلان تأليف حكومة العهد الأولى إيجابياً على كلّ مستوياته، صحيح أنها أتت أكثر شبابيّة من سابقتها، ولكن أكثر ذكوريّة، فإشراك المرأة بوزيرة واحدة من أصل 30 وزيراً لم يتوافق مع مبدأ المساواة، وتسليمها وزارة دولة وإقصاؤها عن الوزارات الأساسيّة، بحسب تصنيف أقطاب السلطة، واستحداث وزارة باسمها ووضعها في عهدة رجل ليكون وصيّاً عليها، شكّل قمة هرطقات النظام

فيفيان عقيقي
 

لم يندرج تخصيص وزارة للمرأة في أولويات عمل الحركات النسائيّة، فلطالما انصبّ نضالهنّ على إقرار الكوتا إحقاقاً للمساواة، وتحريرهن من السطوة الذكوريّة التي تكبّل كلّ مؤسسات المجتمع، سواء السياسيّة أو الدينيّة.

وهو ما تعبّر عنه جمعيّة "كفى" بالإشارة إلى أن "الخوف على تمثيل الطوائف يتخطّى الحرص على تمثيل النساء"، وهو ما تجلّى بتشكيل "حكومة محضّ ذكوريّة، توجّه إهانة مباشرة إلى كلّ النساء". فيما تعيب الناشطة في التجمّع النسائي الديموقراطي المحامية منار زعيتر، أن يترأس رجل وزارة تعنى بشؤون المرأة اللبنانيّة، لا لشيء سوى أن استحداثها لم يكن مخطّطاً له، ولم يسبق برؤية للمشاريع الواجب العمل عليها، وخصوصاً أننا في بلد معروف بخطابه الذكوري المنسحب على أحزابه وكتله وسلطاته كلها، وتصف زعيتر ما يحصل بأنه "ضحك على الدقون، فليس بهذه الطريقة تمؤسس قضايا النساء، في وقت لا تزال فيه أدراج المجلس النيابي مكتظة بمشاريع القوانين العالقة؛ وأبرزها قانون مدني للأحوال الشخصيّة، وحق المرأة بمنح الجنسيّة". في المقابل، ترى رئيسة المجلس النسائي اللبناني المحامية إقبال دوغان أن استحداث وزارة مماثلة هو "خطوة إيجابيّة شرط أن يكون على رأسها امرأة أو رجل معنيين بقضايا النساء والدفاع عنها، ما يضع بيدهم إدارة تنفيذيّة، على أن تتطوّر ويصبح لها مركز وهيكليّة وفريق عمل، لمتابعة هذه القضايا". فيما تؤكّد الناشطة في جمعيّة "نسوية" نادين معوّض أن الإشكاليّة الأساسيّة تكمن في أن "يتبنّى الوزير الوصي على هذه الوزارة قضايا النساء، وأن لا تتحوّل الحركات النسائيّة إلى مواجهة الوزارة المخصّصة لهن، بدلاً من مواجهة نظام يرفض إقرار المطالب مثل حق إعطاء الجنسيّة، وتجريم الاغتصاب الزوجي، وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصيّة".

وزير بلا وزارة

يُعرف وزير الدولة (أو كاتب الدولة كما يطلق عليه في بعض الدول) بكونه وزيراً بلا وزارة. هو عضو في مجلس الوزراء ويشارك في التصويت، ولكن في لبنان، غالباً، ما يتم استحداث مناصب وزراء الدولة في سياق المحاصصة، ويبقى هؤلاء، في أغلب الأحيان، بلا مقار ولا فرق عمل ولا هيكليّات شبيهة بالوزارات.

هذا الواقع يزيد من حدّة النقد الذي توجّهه الجمعيّات النسائيّة لطريقة التعامل الرسمي معهن. المحامية منار زعيتر، تبدأ من إشكاليّة عدالة التمثيل للنساء، فما حصل "يخالف الوعود السابقة التي قطعت لنا، فتمثيل المرأة بوزيرة واحدة في حكومة ثلاثينيّة ليس التمثيل الحقيقي الذي نطالب به"، يضاف إلى ذلك، "إقصاء النساء عن وزارات تضعها الدولة في أعلى سلّم الأهمّية وتصفها بالأساسيّة والسياديّة، مقابل إعطائها وزارة دولة، تؤكّد التجارب السابقة استهتار السلطة بالتعامل معها عبر قطع التمويل عنها باعتبارها هامشية". أمّا بالنسبة إلى جمعيّة "كفى"، فإن "المشكلة ليست مع وزير عُيّن على رأس تلك الوزارة، لأننا لم نكن نطلب إنشاء وزارة دولة لشؤون المرأة، بل وزارة كاملة مع ميزانيّة وهيكلية وجهاز تخطيطي وتنفيذي وتنسيقي، مطلبنا الأساس من الحكومة هو احترام حقّ المرأة في المواطنة الكاملة عن طريق المشاركة الفعّالة في الحياة السياسيّة، وفي إدارة البلاد في شكل متساوٍ مع الرجل، وفي الحكومة من خلال إدارة نصف الحقائب الوزاريّة".

الهيئة تغني عن وزارة؟

استحداث وزارة دولة لمتابعة شؤون المرأة اللبنانيّة، يلقي الضوء مجدّداً على عمل الهيئة الوطنيّة لشؤون المرأة اللبنانيّة التي أنشئت عام 1998 بموجب القانون 720. بالنسبة إلى الباحثة النسويّة برناديت ضوّ "يكفي تفعيل الهيئة وفق ما تنصّ عليه اتفاقيّة القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو) لتقوم بما يترتب عليها، من دون أن يكون هناك حاجة إلى استحداث وزارات، بهدف زيادة المحسوبيات والاستفادة من التمويل الخارجي لقضايا النساء، كونها لن تقدّم جديداً أو تعمل على استراتيجيات ومشاريع لم يبادر إليها المجتمع المدني والهيئة"، وتشير ضوّ إلى أن "الإشكاليّة تكمن في عدم وجود قرار سياسي لتبنّي وتمويل وتنفيذ ما يصدر عن الهيئة".

عملياً، انطبع عمل الهيئة لأكثر من عقد بالمساومة مع القوى السياسيّة، وأحياناً التواطؤ معها، وخصوصاً أنها لم تتطرّق يوماً إلى قضايا الأحوال الشخصيّة، وعندما عملت على مشروع يطاول زواج القاصرات، نظّمته بما يتوافق مع الطوائف من دون أن تحرّمه أو تلغيه. وتشير المحامية منار زعيتر إلى أن "سلوك الهيئة لم يكن قريباً من طروحات المجتمع المدني في وقت سابق ولو أنه أصبح أشدّ قرباً في الوقت الراهن"، وتضيف: "هدفنا ليس وضع الاستراتيجيات دون أن يكون لها موارد بشريّة وماليّة، فقط لإسكات المجتمع المدني عن المطالبة بما يحقّق العدالة للمرأة اللبنانيّة ويحقّق تمثيلاً صحيحاً لها، ويشركها في الحياة السياسيّة".

المرأة خزّان انتخابي

خطوة تعيين وزير دولة لشؤون المرأة تبقى خطوة شكليّة لزوم التحضير للانتخابات النيابيّة المُفترضة في الصيف المقبل، إذ تعدُّ المرأة اللبنانيّة خزّاناً مهماً في عمليات الاقتراع، من دون أن يعني ذلك إشراكها في السلطة.

بحسب مشروع "مساعدة الانتخابات اللبنانيّة" التابع للأمم المتحدة، تشكّل نسبة تمثيل المرأة في البرلمان اللبناني 2.3%، رغم أن مشاركتها في الانتخابات تصل إلى 60% من مجمل المقترعين. وتعدّ نسبة التمثيل من الأضعف في العالم، إذ يحتلّ لبنان المرتبة 136 بين 142 دولة من حيث مشاركة المرأة في الحياة السياسيّة بدخول 4 نساء إلى مجلس النواب المؤلف من 128 عضواً، رغم أن القانون اللبناني أقرّ حقّها في المشاركة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً منذ عام 1953، علماً بأن آخر انتخابات نيابيّة (عام 2009) سجّلت ترشّح 7.1% من النساء، وتمثّلت نسبة 1.3% منهن في البرلمان.

أرقام لا يعوّل عليها كثيراً لإحقاق نهضة في ما يتعلّق بمشاركة المرأة في الحياة السياسيّة، وخصوصاً إذا لم يقرّ قانون انتخابي يؤمّن لها تمثيلاً عادلاً. بحسب المحامية زعيتر، "الحكومة أوجدتها سلطة منفصمة، تستحدث وزارة للمرأة من جهة وترفض إقرار قانون العنف الأسري إلّا مشوّهاً من جهة أخرى، هي حكومة انتخابيّة، ولن يتجاوز عمرها الافتراضي الأشهر الستة، مهمّتها إقرار قانون انتخابي ينصف تمثيل المرأة ويقرّ بالكوتا. من هنا، لا يجوز تحييد الموضوع عبر خلق إشكاليّة جانبيّة تكمن بآلية عمل هذه الوزارة"، التي ترى جمعية "كفى" أنها استحدثت فقط لكون الحكومة ثلاثينيّة أي من باب الحشو.

صدر رئيس الهيئة الاتهاميّة في جبل لبنان القاضي الياس عيد قراره الاتهامي في قضية شبكة الاتجار بالبشر، المعروفة بشبكة «شي موريس»، والذي سيحال بموجبه الملف إلى جنايات جبل لبنان لبدء المحاكمة العلنيّة. القرار يوجه الاتهامات الى 26 شخصاً مشتبهاً في ضلوعهم في جرائم موثقة تحت عنوان «الاتجار بالبشر»

فيفيان عقيقي
 

بعد مرور ثمانية أشهر على انكشاف شبكة "العبوديّة الجنسيّة"، التي ألّفتها عصابة إجراميّة يترأسها فوّاز الحسن (معروف بعلي زعيتر أو علي الحسن)، ويعاونه فيها كلّ من موريس جعجع وعماد الريحاوي، والتي احتجزت لسنوات أكثر من 75 فتاة (سوريّة ولبنانيّة) في فندق "شي موريس" وملهى "Sliver B" في المعاملتين...

أصدر رئيس الهيئة الاتهاميّة في جبل لبنان القاضي الياس عيد قراره الاتهامي رقم 2211/2016، الذي تركّز على توجيه الاتهامات بالاتجار بالبشر وتأليف عصابة تمارس الرقّ والاستعباد بحق فتيات ضُربن وعُذّبن واغتُصبن وأُجبرن على ممارسة الدعارة بالقوّة والترهيب.

المتهمون

استند القاضي عيد إلى قانون مكافحة الاتجار بالبشر (رقم 164/2011)، ومواد من قانون العقوبات اللبناني، واتهم كلّاً من المدّعى عليهم فوّاز الحسن، وموريس جعجع، وعماد الريحاوي، وغياث دفضع وزوجته فاطمة جيرودي، والياس أبو رجيلي، ومدين علي الحسين، ومدين نور علي العبيد، والحرّاس إبراهيم عثمان، وجعفر السليمان، ويوسف الباشا، وأمجد السليمان، ومحمد شحرون، وفرزات المحمد، وعلي الحايك، ونوار سلطون، وزياد الشدياق، والحارسات ومديرات الملهى والفندق جوزة الحسين، ودلال دبوري، وأماني حمصي، ورقية حمدان، وريم إبراهيم، بجناية الاتجار بالبشر والاسترقاق والممارسات الشبيهة بالرقّ المنصوص عليها في المادة 586 من القانون 164، وجناية المادة 569/عقوبات المتعلّقة بالحرمان من الحرية لأكثر من شهر وتأليف جماعة لممارسة التعذيب الجسدي والنفسي، وجناية المادة 355/عقوبات. واتهم المدّعى عليه محمد القصّار بجناية الاتجار بالبشر وفق المادة 586/164. وكذلك اتهم المدّعى عليهم الطبيب النسائي رياض العلم، وطبيب التخدير جورج أواكيان، والممرضة جيزيل أراكيلو، بجناية المادة 543/عقوبات، والظنّ بهم بجنحة المادة 542/عقوبات المتعلّقتين بتطريح (إجهاض) امرأة برضاها أو من دون رضاها. كذلك اتهم كلّاً من فواز الحسن، وموريس جعجع، وعماد الريحاوي، وغياث دفضع، والياس أبو رجيلي، وأماني حمصي، ورقية حمدان، ودلال دبوري، وفاطمة جيرودي، بالتدخّل بتطريح امرأة بموجب المادة 543/219 و542/219 من قانون العقوبات، فيما ردّ طلبات إخلاء سبيل كلّ من جورج أواكيان، وجيزيل أراكيلو، ورياض العلم، وكذلك موريس جعجع، وعماد الريحاوي، وعلي الحايك، وفاطمة جيرودي، والحارسات رقية حمدان، وريم إبراهيم، وجوزة الحسين، وأماني حمصي، ودلال دبوري، والحارسين يوسف الباشا وإبراهيم عثمان.

هيكليّة العصابة

تتبيّن من التحقيقات الأوليّة التي أجريت في مفرزة الاستقصاء في جبل لبنان، والتحقيق الابتدائي والتحقيق أمام الهيئة الاتهاميّة، هيكليّة شبكة الاتجار بالبشر، وهي التي استند إليها عيد لإصدار قراره الظني بما يتوافق مع الجرائم المرتكبة والمنصوص عليها في القوانين المرعيّة.

يترأس الشبكة فوّاز الحسن (معروف بعلي الحسن أو علي زعيتر) وهو متوارٍ ويحمل بطاقة هويّة لبنانيّة مزوّرة، ويعاونه موريس جعجع صاحب ملهى "Sliver B" وفندق "شي موريس" (موقوف)، ويعمل لصالحهما عماد الريحاوي (موقوف وملاحق بمحضر آخر بجرم الاغتصاب) الذي تكمن مهمّته في إدارة "المهنة" وضبط الأمور في الفندق والملهى، عبر ضرب الفتيات وتعذيبهن، وقد ورد في إفادة إحداهن أنه اغتصبها، وذلك لترهيبهن وإجبارهن على ممارسة الدعارة بالقوة.

يعاون الريحاوي المدعو غياث دفضع، الذي يوصف بأنه يده اليمنى، فهو كان يدير مع زوجته فاطمة جيرودي (معروفة بنور) جلب الفتيات من سوريا إلى لبنان، عبر إيهامهن بالعمل نادلات في المطاعم. وورد في التحقيقات أن هناك مجموعة من الأشخاص كانت تعاونه عبر استدراج الفتيات ونقلهن إلى لبنان، وأحياناً "شرائهن"، وهم أنور السعدي، ومحمد خربطلي، وأيمن الكنى، ومدين الحسن، ومدين العبيد (يلقب بصدام)، وأبو النور، وأبو شادي، وسوسن، ورزان، وأحمد، وعامر، وأحمد عوض، وأحمد الكيلاني، ومحمد الحلبي، وحسين، وشاهد المبيض، وقد سطّرت بحقّهم مذكرات تحرّ دائم توصلاً لمعرفة كامل هوياتهم.

إضافة إلى عمليّة الاستدراج والجلب والإجبار على ممارسة الدعارة، شكّلت الشبكة مجموعة أمنيّة مهمّتها تأمين حماية الملهى والفندق، ومنع الفتيات من الهرب، وهي مؤلّفة من مجموعة حرّاس يعملون لقاء بدل شهريّ، وهم إبراهيم عثمان، وجعفر سليمان، ويوسف الباشا، وأحمد السليمان، ومحمد شحرون، وفرزات المحمد، وعلي الحايك، ونوار سلطون، والمسؤول عنهم معروف باسم رعد، فيما كانت تهتم خمس نساء بإدارة الملهى والفندق، وحراسة الفتيات، وقبض الأموال من "الزبائن" وإعطاء الغلّة للريحاوي، وهنّ دلال دبوري التي كانت تدير الملهى ثمّ انتقلت إلى الفندق، وكانت تسجّل حركة الفتيات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أماني الحمصي، وريم إبراهيم ورقية حمدان، وجوزة الحسين (ويلقّبن بشهد وروعة ومايا وسمر وناتالي). وإضافة إلى ذلك، كنّ يساعدن في نقل الفتيات مع دفضع وأبو رجيلي إلى عيادة الطبيب رياض العلم لإجهاضهن، وقد وصل حساب هذا الأخير شهرياً، بحسب زوجة دفضع، إلى 8 آلاف دولار أميركي، إذ كان يتقاضى 200 دولار أميركي لقاء كلّ عمليّة إجهاض يجريها عبر إعطاء دواء Cytotec، وشفط بقايا الحمل بالـ"شليمون"، بحسب إفادة طبيب التخدير جورج أواكيان.

قرار تقدّمي

درجت عادة السلطات اللبنانيّة على نكران وجود سوق للاتجار بالبشر في لبنان، على الرغم من التقارير الكثيرة عن العمالة والاتجار اللذين يطالان أطفالاً، وتتحدّث عن نساء يستقدمن للعمل راقصات فيرغمن على الدعارة، فضلاً عن نظام الكفالة المعمول به ويستعبد العاملات الأجنبيّات في الخدمة المنزليّة. يضاف إلى ذلك العدد القليل من الموقوفين بهذا الجرم (وصل عددهم إلى 8 عام 2014) في مكتب الاتجار بالبشر وحماية الآداب، مقابل 381 بجرم ممارسة الدعارة و146 بجرم تسهيل الدعارة.

في الحالة الراهنة، يعدّ القرار تقدمياً في دعاوى الاتجار بالبشر، بحسب محامية قسم الاتجار بالبشر في منظّمة "كفى" موهانا إسحق، نظراً إلى صدور القرار الاتهامي الذي سيحيل الملف حكماً إلى محكمة الجنايات لبدء المحاكمة العلنيّة، متخطياً مؤشّرات كان تثير المخاوف من تخفيف العقوبة من اتجار بالبشر إلى تسهيل الدعارة. وتضيف المحامية إسحق: "لقد أتت الأوصاف الجرميّة مطابقة للحالات والأفعال، من دون أن يلطّفها بما يهدر حقوق الضحايا، وهو يكمل المسار الذي انطلق منذ أشهر، ويثبت وجود حالة اتجار".


22 موقوفاً

تم الادّعاء في ملف شبكة "شي موريس" للاتجار بالبشر على 26 شخصاً. أوقف 22 منهم على مراحل، وهم موريس جعجع، وإبراهيم عثمان، وجعفر سليمان، ويوسف الباشا، وأمجد السليمان، ومحمد شحرون، وفرزات المحمد، وعلي الحايك، ونوار سلطون، وغياث دفضع، ومحمد القصّار، وزياد الشدياق، وجوزة الحسين، ودلال دبوري، وأماني حمصي، ورقية حمدان، وريم إبراهيم، وفاطمة جيرودي، وعماد الريحاوي، ورياض العلم، وجيزيل أراكيلو، وجورج أواكيان، فيما لا يزال كلّ من فواز الحسين، ومدين الحسين، والياس أبو رجيلي، ومدين العبيد متوارين وموقوفين غيابياً.

 

يبدو أن مقولة «شاريها للأتلة» لا تنحصر فقط بالسلطة «الابوية» المفروضة من الأهل على الأولاد، كما يُقصد بها في المعنى الضيّق المُتعارف عليه، بل تشمل في لبنان سلطة النظام البوليسي المفروضة على المواطنين أيضاً. هذا أبسط تفسير لأوامر التحصيل المالية الصادرة عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي في وزارة الداخليّة والبلديّات، التي تطالب فيهما عدداً (غير معروف) من المُشاركين في تظاهرات «الحراك المدني» بدفع مبالغ (غير معروفة) كثمن أعتدة استعملتها القوى الأمنيّة لقمعهم وفضّ تظاهراتهم بالقوّة، وكذلك نفقات معالجة العناصر المصابين وبدل مدّة تعطيلهم عن العمل

فيفيان عقيقي
 

حصلت «الأخبار» على نموذجين من أوامر تحصيل صادرة لعشرات المشاركين في احتجاجات ما عُرف باسم «الحراك المدني» في الصيف الماضي.

هذان الامران بالتحصيل هما مجرد نموذجين عن عدد غير معروف من اوامر التحصيل الصادرة، وهما موقّعان من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص. الأول رقمه 13378 صادر بتاريخ 14/7/2016، تطلب فيه المديريّة من 13 شخصاً هم علي بري، محمد عمر، ابراهيم عباس، علي عبدالله، حسن دولاني، محمد حيدر، حسين طه، حسن عبدالله، عباس علوية، ابراهيم مرتضى، جهاد غادر، علي محمود، علي عساف، دفع مبلغ 3 ملايين و817 ألف ليرة لبنانيّة، نفقات معالجة العناصر المصابين وبدل مدّة تعطيلهم عن العمل وثمن الأعتدة المتضرّرة في خلال ما وصفتها بأعمال الشعب الحاصلة قرب السرايا الحكومية في وسط العاصمة بتاريخ 25/8/2015. والثاني رقمه 13753 صادر بتاريخ 17/11/2016 تطلب فيه من عشرات الأشخاص من ضمنهم بيار الحشّاش، حسين ابراهيم، محمد الترك، خلدون جابر، وارف سليمان، وخضر أبو حمدة دفع 39 مليون و610 آلاف ليرة لبنانيّة، نفقات معالجة وبدل مدّة تعطيل العناصر المصابين عن العمل وثمن الأعتدة المتضرّرة لفضّ التظاهرة التي أقيمت في وسط العاصمة قرب فندق لوغراي بتاريخ 8/10/2015.

الشخص الوحيد المبلّغ بأمر التحصيل رقم 13753 حتى اليوم، هو خضر أبو حمدة، الذي يُحاكم أمام المحكمة العسكريّة بتهمّة «عدم فضّ تظاهرة». يقول أبو حمدة لـ»الأخبار» انه وقّع بلاغ إيصال التحصيل منذ أيام في مخفر بلدته (كفرملكي – الجنوب)، من دون أن يسمح له بأخذ نسخة عن الملف، وهو عبارة عن مئات الصفحات التي تتضمّن وصفاً لما سُمي شغبا حاصلا في 8 تشرين الأّول 2015، وجداول بفواتير الأموال التي تكبّدتها الدولة خلالها، وتشمل أضرارا لاحقة بعتاد أميري، واستعمال قنابل مسيّلة للدموع والرصاص المطاطيّ، ومدّة تعطيل عناصر قوى الأمن المصابين عن العمل، وتكسير عصي وخوذ وغيرها، وذلك بقيمة 39 مليون ليرة. ومدوّنة عليه أسماء بعض المكلّفين بالدفع بـ»قلم رصاص». مشيراً إلى أن محاكمته ما زالت جارية أمام القضاء العسكري ولم يُصدر حكماً فيها بعد».

من هم هؤلاء المغرّمون؟

الأسماء المذكورة في البلاغين، واردٌ بعضها في القرار الظنيّ الصادر عن المحكمة العسكريّة بحقّ الموقوفين خلال تظاهرات عام 2015، وبعضٌ آخر غير موقوف، أو مُنعت عنه المحاكمة، أو أوقف في ثكنه الحلو قبل بدء أعمال الشغب، بحسب ما يشير المحامي المُتابع للملف فاروق المغربي. وينتمي هؤلاء إلى مجموعات «الحراك المدني»، التي نزلت إلى الشارع في صيف العام الماضي اعتراضاً على الأداء الحكومي بعدما عجزت تلك السلطة لأشهر عن رفع النفايات عن الطرقات، وما زالت عاجزة حتى اليوم، قبل أن يتحوّل اعتراضهم الى نقمة شعبيّة على الفساد المستشري في أجهزة ومؤسّسات الدولة، قوبلت بقمع انتهجه النظام الحاكم بكلّ أجهزته الرسميّة وغير الرسميّة، وأدى الى تكوين ملفين في المحكمة العسكريّة للمعتقلين في تلك التظاهرات.

الأوّل هو ملف 29 آب ويشمل الموقوفين في التظاهرات التي امتدّت من 22 إلى 29 آب ولم يصدر قرار ظنيّ فيه بعد. وملف 8 تشرين الذي صدر قراره الظنيّ وقضى بالإدعاء على كلّ من رامي محفوظ وبيار الحشّاش، وفايز ساسين، وحسين ابراهيم ووارف سليمان بموجب المواد 346 و348 و381 و733 من قانون العقوبات لتشكيلهم جماعات شغب، ومقاومة القوى الأمنيّة بالعنف والشدّة ورشقهم بالحجارة، وتخريب ممتلكات الغير، وعدم تفرّقهم إلّا بعد استعمال القوة بحقهم، وكلّ من يوسف الجردي وعلاء فقيه، وزين نصرالدين، وحسام غولي، ومحمد الترك، ومحمد موسى، خضر أبو حمد، سينتيا سليمان، ليال سبلاني، وضياء هوشر بموجب المواد 346 و348 من قانون العقوبات لتشكيلهم مجموعات شغب خلال الحراك، وعدم تفرّقهم إلّا بعد استعمال القوّة. ومنع المحاكمة عن كلّ من فاطمة حطيط، ومايا مالكاني، وكارين هلال، وإياد الشيخ حسين، وخلدون جابر، ومنح حلاوي، وبلال علاوه، وسامر مازح، وحسن قطيش.

قرار غير قانوني

استندت المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي إلى أحكام المادّة 45 من قانون المحاسبة العموميّة، لطلب دفع هذه المبالغ في مصلحة الخزينة في وزارة الماليّة، على أن يكون للمُطالبين حقّ الاعتراض على أمر التحصيل خلال شهرين من تاريخ التبليغ، دون أن يوقف الاعتراض التنفيذ، إلّا إذا قرّرت المحكمة ذلك.

تحدّد المادة 45 كيفيّة تحصيل ديون الدولة ووارداتها الأخرى، وهي أعطت لرؤساء الإدارات إصدار أوامر تحصيل بالديون والواردات التي لم تعيّن القوانين النافذة طرق تصفيتها وتحصيلها وإجراء الملاحقة بشأنها، وفقاً للأصول المتبعة في تحصيل الضرائب المباشرة والرسوم المُماثلة لها.

قانوناً فإن تحصيل حقوق ماليّة من مواطنين عن أضرار مرتكبّة منهم تستوجب تحقيقاً وكشفاً عن الأضرار وقراراً قضائياً، كما أن الاعتداء على عسكريين أو عتاد عسكري هو جناية يعاقب عليها القانون بموجب قرار قضائي يصدر عن المحكمة العسكريّة، إلّا أن وزارة العدل تحيل الموضوع إلى وزارة الداخليّة والبلديات، باعتبار أن لقوى الأمن الداخلي، بموجب نظامها، أن تغرّم من يخالف القانون.

تشير مصادر المديريّة إلى أن «قرارات مماثلة طبيعيّة وروتينيّة، تصدر بعد أي حادثة تترتب عنها أضرار لاحقة بعسكريين أو بعتادهم العسكري، وهي اوامر تحصيل قابلة للاعتراض أمام القضاء الجزائي أو في شعبة الشؤون الإداريّة التابعة للمديريّة، فتسقط عندها بموجب حكم قضائي أو تحصّل لمصلحة الخزينة العامّة»، وتتابع المصادر أن «هذه الاوامر أشبه بضبط المخالفة الصادر عن القوى الأمنيّة، وتالياً لا يحتاج لحكم قضائي، بل يستند إلى التحقيقات التي أجريت في الفصائل والصور والفيديوهات التي بحوزة القوى الأمنيّة».

مخالفة أو دين للدولة!

بحسب المحامي فاروق المغربي، فإن إصدار أوامر تحصيل ماليّة يعني «اعتبار الأشخاص مديونين للإدارة». لكن ماذا عن قانونيّة قرار كهذا؟ يردّ: «لا يوجد ما يؤكّد قانونيّة قرار كهذا، لاستناده إلى معلومات استخباريّة، ولغياب أي تحقيق يثبت أنهم مديونون للإدارة، أو إن كانوا هم السبب في الضرر الحاصل في العتاد، وهو مخالف للمادة 733 التي يُحاكم البعض بموجبها وتفرض صدور قرار التغريم عن المحكمة». فيما يشير المحامي واصف حركة من مجموعة «بدنا نحاسب» إلى أن «أي قرار قضائي يُفترض صدوره بناءً على تحقيق، وهو ما لم يحصل في هذه الحالة، بحيث لم يستدعَ أي من المكلفين لأخذ إفادته والتحقيق معه، وتبيان العتاد والأملاك المتضرّرة. وهو ما يعطينا حقّ الاعتراض وإبراز تقارير طبيّة بحوزتنا تبيّن الضرر الجسدي اللاحق بالمتظاهرين نتيجة القمع المُمارس ضدهم».

يقول المحامي المغربي إننا «أمام سابقة تترتب عليها إشكاليّة قانونيّة حول المرجع المُفترض الإعتراض أمامه، إن كان القاضي المنفرد المالي لكون أمر التحصيل وصّفهم بمكلّفين بديون تجاه الدولة اللبنانيّة، أم أمام القاضي المنفرد الجزائي لكونه صادرا عن وزارة الداخليّة باعتباره ضبط مخالفة تجري عليه أصول التحصيل المعروفة. في الحالتين نحن أمام بدل مادي يدفع للدولة عن القمع الذي مارسته على متظاهرين».

كمّ الأفواه باسم القانون

ما يحصل يندرج ضمن إطار القمع المستمرّ المُمارس من النظام، بدأ مع العنف المفرط الذي استعمل في فضّ التظاهرات، واستكمل بتخوين كلّ المشاركين فيها ووصفهم بخرّيجي السفارات، وردّ الحركة الاعتراضيّة على النفايات إلى مخطّطات خارجيّة مدفوعة لتقويض الأمن والاستقرار الداخلي، إضافة إلى تجاوز أصول المحاكمات خلال التوقيف، وصولاً إلى فرض الغرامات.

وقد تكون هذه الغرامات أشبه بأسلوب استباقي لكمّ الأفواه وترهيب الناس ومنعهم من التعبير عن رأيهم. وهو ما يعتبره الأمين العام للمركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر «تجريم لكلّ العمل النقابي، وتقييد حريّة الناس بالمطالبة بحقوقهم، وقضاء على حقّ التظاهر المفترض بالدولة أن تحميه، وخصوصاً أنه مكفول بمجموعة من الحريات المدنيّة والسياسيّة الدستورية، أبرزها التعبير عن الرأي والتجمّع وإنشاء الجمعيّات والعمل في الشأن العام، المكفولة في مقدّمة الدستور وفي شرعة حقوق الإنسان الدوليّة التي وقّعها لبنان منذ السبعينات، والتزم احترام بنودها».

سابقة في اساليب القمع

ما يحصل هو سابقة أن تصدر قوى الأمن الداخلي أمر تحصيل مالي يحتاج الى قانون لحكم قضائي بغرامات، و»تولّفه» بصورة غير قانونيّة على أنه ضبط مخالفة، مفرّطة بذلك بالمال العامّ أي مال كلّ المواطنين، إذ إنها بذلك تجبي بدل طبابة العسكريين ثمن عتادهم مرّتين، مرّة من الضرائب المفروضة على كافة المواطنين لمصلحة الخزينة العامّة، ومرّة من أوامر التحصيل التي تصدرها، على حدّ وصف المحامي وديع عقل، الذي يرى أن «لا شيء يبرّر تحميل المسؤوليّة لأشخاص اعتباطياً، بحجّة ضبط الأمن والحدّ من أعمال الشغب، وخصوصاً لأنه صادر عن جهة (قوى الأمن) تُعدّ طرفاً في النزاع القضائي القائم في المحكمة، التي يفترض بها وحدها أن تحدّد المسؤوليات والأضرار.

كما وتعتبر الأقوى لامتلاكها كل أعتدة القمع وسلطة ممارسة العنف على المتظاهرين وهم الجهة الأضعف، المُعترضة في تحرك مطلبي سياسي، ناتج عن تقصير الحكومة في معالجة أزمة النفايات، وهي القضية الأساسيّة التي لم يُحاسب القضاء المسؤولين عنها، أي الحكومة وسوكلين ووزير البيئة، ولم يرتّب تعويضات للمواطنين عن الأضرار الصحيّة اللاحقة بهم، مع ما يحمله ذلك من تفسيرات طبقيّة، تحوّلت بنتيجتها السلطتان القضائيّة والأمنية إلى حماية النظام والسلطة السياسيّة وقمع المواطن الضعيف».

يرى المحامي عقل ان «الوضع يحمل كيديّة في التعاطي مع فئة من المواطنين المعترضين على عمل الحكومة، ولا يطاول من نزلوا بالسكاكين لفضّ الاعتصام، مع ما يشكّله ذلك من خطر على الأمن الاجتماعي، كما أنه يحدّ من حريّة التظاهر والتعبير عن الرأي المصونة في الدستور اللبناني، وكأن الهدف القيام بعمليّة استباقيّة لكمّ الأفواه، والضغط لمنع الاعتراض تحت وطأة الغرامات الماليّة. فيصبح بذلك التهديد والقمع مُمارسين بقوة السلاح والغرامة الماليّة والاعتقال الاعتباطي».

في ظل طغيان الريوع على الاقتصاد اللبناني وتمويل الاستهلاك العام والخاص بالاستدانة المفرطة والتحويلات الخارجية، ارتفعت قروض المصارف للأسر والقطاع الخاص الى أكثر من 60 مليار دولار، وباتت تمثّل نسبة تتجاوز 116% من مجمل الناتج المحلي (حجم الاقتصاد المحلي مقدّر بنحو 51 مليار دولار). هذا المؤشّر يعدّ خطيراً جداً وينبئ بالمزيد من الأزمات، ولا سيما أن حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، اعترف سابقاً بأن خدمة مديونية الأسر باتت تستنزف نحو 55% من مداخيلها

فيفيان عقيقي

 

منذ تسعينيات القرن الماضي، ترسّخ نموذج اقتصادي في لبنان يقوم على تمويل الاستهلاك العام والخاص بواسطة الدين وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج وتدفقات الاموال الموجّهة نحو المضاربات العقارية والمالية والاستثمارات السياحية.

في ظل ذلك، ارتفعت مديونية الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) من أقل من 3 مليارات دولار الى أكثر من 120 مليار دولار حالياً، وكذلك ارتفعت مديونية الاسر وشركات القطاع الخاص الى نحو 60 مليار دولار، ما يعني أن المجتمع اللبناني بات رازحاً تحت عبء مديونية مباشرة تبلغ 180 مليار دولار، أي ما يمثل 352% من حجم الاقتصاد (مجمل الناتج المحلي). هذا العبء يشكّل، في المقابل، مصدر الربح الوحيد للمصارف، إذ تكفي الاشارة إلى أن حجم الفوائد المقبوضة عبر المصارف بلغ في العام الماضي نحو 9.8 مليارات دولار (أعيد توزيع نحو 6.6 مليارات دولار منها الى كبار المودعين واحتفظت المصارف بنحو 3.2 مليارات دولار بالإضافة الى نحو 622 مليون دولار من العمولات الصافية).

بدلاً من الانكباب على معالجة الوضع الناشئ بسبب ذلك، يعمد مصرف لبنان عبر ما يسمّى "الهندسة المالية" (الجارية حالياً) الى الذهاب أبعد ومراكمة المزيد من المخاطر، فهذه "الهندسة" حققت للمصارف أرباحاً استثنائية (تقارب خمسة مليارات دولار) وزادت مديونية الدولة (دفعة واحدة) بنحو 10 مليارات دولار... وكذلك أغرقت السوق بسيولة إضافية بالليرة تقدّر بنحو 24 ألف مليار ليرة، يجري حالياً امتصاصها مجدداً بأدوات الدين العام، ما يعني المزيد من الارباح والمزيد من الأعباء.

115 مليار دولار موظّفة لدى الدولة

يمكن لأي كان ملاحظة الاعلانات المنتشرة حالياً على الطرقات وشاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والمجلات. تدعو هذه الاعلانات الناس إلى الاقتراض بالليرة من المصارف، كما لو أنها الحل لكل المشاكل، لا بوصفها المشكلة الأهم والأكثر ثقلاً. لا تكشف هذه الاعلانات عن منتج جديد أو وضع ناشئ، بل تكشف عن عمق الازمة ومستوى المخاطر التي باتت ترتّبه على المقيمين في لبنان.

فالمصارف اعتادت أن توظّف موجوداتها بالطرق السهلة والمضمونة وذات العوائد المرتفعة، التي تمثلها أدوات الدين العام (سندات خزينة وشهادات إيداع وودائع لدى مصرف لبنان)، وبحسب الاحصاءات حتى منتصف هذا العام، بلغت موجودات المصارف نحو 200 مليار دولار، منها ودائع بقيمة نحو 154 مليار دولار. توظّف المصارف نحو 77 مليار دولار منها لدى مصرف لبنان (بالليرة والدولار) ونحو 38 مليار دولار في سندات الدين (سندات خزينة ويوروبوندز)، أي إن 115 مليار دولار من موجودات المصارف موظّفة عبر الدولة وتبلغ كلفة خدمتها على المجتمع اللبناني نحو 7.5 مليارات دولار سنوياً.

 

إلا أن كلفة خدمة أرباح المصارف وكبار المودعين لا تقتصر على المديونية العامة، بل تشمل أيضاً المديونية الخاصة، التي بلغت حالياً أكثر من 60 مليار دولار، معظمها يتركّز في قروض السكن والبناء والشركات العقارية والانشطة المتصلة بها، وهو ما يحذّر منه الخبراء، إذ يرفع مستوى مخاطر التركّز بشكل مقلق، ويضع النظام المصرفي برمته رهينة المضاربات العقارية ومستوى الاسعار المرتفع.

بحسب تقرير حديث أعدّه بنك لبنان والمهجر، فقد نمت القروض المصرفية للشركات الخاصة والأسر بنسبة 2.4% منذ بداية عام 2016 حتى شهر تموز الماضي، ووصلت إلى 59.32 مليار دولار أميركي.

بحلول تموز 2016، حصدت القروض الشخصية (الافراد) الحصة الأكبر من إجمالي القروض الممنوحة، وبلغت نسبة 32.4%، ومثّلت 37% من الناتج المحلي المقدّر، ما دفع مصرف لبنان المركزي إلى إحياء تعميمه الرقم 369 الصادر منذ عام 2014، لناحية إصدار لوائح أكثر صرامة بشأن قروض التجزئة، فيما حصدت قروض المقاولات والبناء نسبة 19% من إجمالي القروض، تليها قروض التجارة بالجملة بنسبة 14.9%، ومن ثمّ قروض الصناعات التحويليّة بنسبة 9.6%، وبعدها قروض تجارة التجزئة بنسبة 6.1%، تليها قروض العقارات والإيجارات وخدمات التوظيف بنسبة 5.7%، ومن ثمّ قروض النقل والمستودعات والاتصالات بنسبة 2.9%، وأخيراً قروض الفنادق والشقق المفروشة والمطاعم بنسبة 2.7%.

 

قروض الافراد

ارتفع إجمالي قروض الافراد بنسبة 7% حتى تموز 2016، ووصل إلى 19.21 مليار دولار أميركي، علماً بأن القروض السكنيّة تمثل أكثر من نصف قيمة إجمالي القروض الفرديّة، وهي نمت بنسبة 5.7% منذ بداية العام حتى تموز 2016، ووصلت إلى 11.54 مليار دولار أميركي. إلى ذلك، تمثّل قروض الاستهلاك الحصّة الثانية الأكبر ضمن إجمالي القروض الشخصية، بنسبة 28.9%، وهي نمت بنسبة 14.1 عن العام الماضي ووصلت إلى 5.56 مليارات دولار أميركي بحلول تموز 2016، تليها قروض السيارات مع حصّة بلغت نسبة 6.7% من إجمالي القروض الشخصية، علماً بأنها الفئة الوحيدة بين القروض الشخصية التي انخفضت بنسبة 4.5% عن السنة الماضية، ووصلت إلى 1.29 مليار دولار أميركي حتى تموز 2016، نتيجة السياسة المفروضة من مصرف لبنان والقاضية بدفع 25% من قيمة أي سيارة، للاستحصال على قروض. إلى ذلك مثلت قروض بطاقات الائتمان نسبة 3.3% من إجمالي القروض الفرديّة، وهي نمت بنسبة 0.6% ووصلت إلى 633 مليون دولار أميركي. أمّا بالنسبة إلى القروض التعليميّة والجامعيّة فقد استحوذت على نسبة 0.8%، وهي نمت أيضاً بنسبة 4.7% وبلغت 157 مليون دولار أميركي.

قروض المقاولات والبناء

في عام 2016، تعافى نشاط البناء نسبياً، ما انعكس تالياً على القروض الممنوحة لهذا القطاع، علماً بأن ما يشهده هذا القطاع هو أقرب من كونه تعديلاً على الأنشطة، من كونه انتعاشاً في القطاع. شهد القطاع السكني، على سبيل المثال، تعديلاً في مواصفات المشاريع المشيّدة حديثاً، التي أضحت قريبة من طلب السوق الموجّه نحو الوحدات الصغيرة، والدليل انخفاض مساحات البناء المرخّص لها، من 8.22 ملايين متر مربّع في آب 2015 إلى 7.93 ملايين متر مربّع في آب 2016. مع الإشارة إلى أن عدد رخص البناء بحسب نقابة المهندسين في بيروت وطرابلس ارتفعت من 9814 رخصة من تموز عام 2015 إلى 11289 رخصة في تموز 2016. وهو اتجاه طبيعي وخصوصاً أن الناتج المحلي الإجمالي ينمو بنسب ترواح بين 1 و2% خلال السنوات الست الأخيرة.

ووفقاً لإحصاءات المصرف المركزي، تمثّل قروض المقاولات والإنشاءات الحصة الثانية الأكبر ضمن إجمالي قروض المصرفية للقطاع الخاص، بنسبة 18.7%، علماً بأنها نمت بنسبة 3.9% ووصلت إلى 11.26 مليار دولار منذ بداية العام حتى تموز 2016. إلى ذلك، حصدت قروض المقاولين السكنيّة نسبة 3.8% من إجمالي قيمة قروض المقاولات والبناء ونمت بنسبة 12.1% ووصلت إلى 2.48 مليار دولار حتى تموز 2016، فيما حصدت قروض المقاولين التجاريّة نسبة 5.9% من إجمالي قيمة قروض المقاولات والبناء ونمت بنسة 4.9% ووصلت إلى 3.56 مليارات دولار حتى تموز 2016. إضافة إلى ذلك، نمت قروض مواد البناء بنسبة 0.5% منذ بداية العام حتى تموز 2016 ووصلت إلى 309 ملايين دولار خلال الأشهر السبعة الاولى من العام، فيما تراجعت قروض بناء الملاعب والمراكز الرياضيّة والمجمّعات السكنيّة بنسبة 1% ووصلت إلى 90 مليون دولار أميركي، وكذلك قروض بناء المصانع والمعامل بنسبة 1.6% ووصلت إلى 46 مليون دولار أميركي، وقروض بناء المسالخ والمطاحن والمصانع التي انخفضت بنسبة 9.8% ووصلت إلى 16 مليون دولار حتى تموز 2016.

 

قروض التجارة بالجملة

تشغل قروض التجارة بالجملة، المرتبة الثالثة، بين القروض الممنوحة عام 2016، بحصة بلغت 14.9%؛ وفي تفصيل للقروض الممنوحة ضمن هذا القطاع، فقد حصدت قروض المواد الغذائيّة والمشروبات نسبة 18.7% من إجمالي قروض التجارة بالجملة، وهي انخفضت بنسبة 3.8% منذ بداية العام حتى تموز 2016، ووصلت إلى 1.66 مليار دولار أميركي. وترافق مع ذلك، انخفاض بنسبة 1.6% بنسبة القروض الممنوحة لمخازن المواد الغذائيّة التي وصلت إلى 265 مليون دولار أميركي حتى تموز 2016. ونتيجة انخفاض أسعار النفط عالمياً، تأثرت حصّة قروض المنتجات النفطيّة التي انخفضت بنسبة 12.1% منذ بداية العام ووصلت إلى 705 ملايين دولار أميركي، علماً بأنها تمثّل 8% من إجمالي قروض تجارة الجملة.

مجدّداً، ينحو مجلس شورى الدولة نحو تكريس دوره في حماية المصلحة الشخصية على حساب المصالح العامّة. اصدر المجلس اخيرا قراره بوقف تنفيذ قرار وزير الصحة بتعيين لجنة مؤقتة لإدارة مستشفى فتوح كسروان الحكومي، بذريعة وقوع ضرر معنوي على موظّف برتبة مدير عام ورئيس مجلس إدارة، علما ان وزير الصحّة بدا في هذه القضية كما لو انه أصدر قراراً لا يريد له الحياة، والدليل إكتفاء هيئة القضايا في وزارته بطلب ردّ مراجعة وقف التنفيذ دون تعليل أسباب اتخاذ القرار بالأدلّة والمستندات التي بحوزتها

فيفيان عقيقي

 

عادت قضية ادارة مستشفى "فتوح كسروان الحكومي" الى الصفر. فبعد مرور ثلاثة أشهر على صدور القرار 1338/1 (في تاريخ 15/7/2016) عن وزير الصحة وائل ابو فاعور، الذي قضى بتعيين لجنة مؤقّتة لتسيير أعمال المستشفى، برئاسة الدكتور أندريه قزيلي، أصدر "مجلس شورى الدولة" قراراً يقضي أولاً بوقف تنفيذ قرار الوزير بناءً على الاعتراض الرقم 21615/2016 المقدّم في 27/8/2016 من رئيس مجلس إدارة ومدير عام المستشفى الدكتور شربل عازار، وثانياً بقبول تدخّل قزيلي استناداً إلى "طلب التدخّل في الدعوى" الذي قدّمه في 28/9/2016.

حفاظاً على معنويات موظّف

يتبيّن من خلاصة القرار أنه استند إلى المادة 77 من قانون المجلس، التي تتيح له وقف أي قرار إذا ثبت الضرر الحاصل. وهو نظر إلى "ضرر معنوي" إدّعت الجهة المستدعية بأنه لاحق بها، متغافلاً عن الضرر الحقيقي الذي يمكن ان يصيب سكان قضائيين (جبيل وكسروان) وحقّهم بالحصول على خدمات طبيّة واستشفائيّة، من المفترض أن يقدّمها مستشفى حكومي في محيطهم، اذا ثبتت الادعاءات بوجود سوء ادارة للمستشفى يعطّل وظائفها.

 

يحمل القرار تناقضاً في مضمونه، فهو اعترف بصفة اللجنة المؤقّتة التي شكّلت لتسيير المرفق العامّ (المستشفى) وقبل تدخّلها في القضية، ولكنّه أوقف تنفيذ القرار. كما أتى مفتقراً إلى التعليل لكونه لم يناقش صحّة قرار الوزير، ولم يتطرّق إلى أصل المشكلة والنقاط المتنازع عليها قانوناً ليصدر قراراً بالأساس، فأوقف تنفيذ قرار الوزير، بدل تعيين خبير لإجراء استقصاء ميداني يُبنى على خلاصته.

تغاضى قرار المجلس عن صلاحية الوزير بتشكيل لجنة مؤقتة. علما ان كتاب مجلس الخدمة المدنيّة، المُرسل ردّاً على طلب أبو فاعور الذي سأل موافقته لإنهاء خدمة مجلس الإدارة والمدير ومفوّض الحكومة، اوضح ان القانون ترك للوزير هذه الصلاحيّة لتسيير المرفق العام، فيما لو تعذّر تعيين مجلس أصيل، علماً أنه سبق أن شكّلت لجان مماثلة في نحو 13 مستشفى حكومياً.

أساس المشكلة

منذ افتتاح المستشفى رسمياً في عام 2010، شهد سلسلة من الإضرابات التي قام بها الطاقمان الطبي والتمريضي، احتجاجاً على ما اعتبروه سوء ادارة، ادّى الى عدم دفع رواتبهم ومستحقاتهم. واستقال كثيرون بسبب ادعاءات عن وجود استهتار بحياة المرضى، وتفشي الأوبئة، وتعطّل المعدّات الطبيّة دون المبادرة إلى تصليحها، ما أدى إلى اعتكاف غالبية الأطباء عن ارسال مرضاهم إليها (مُسجّل في المستشفى نحو 200 طبيب يعمل منهم حوالى عشرة)، وتالياً انخفاض عدد الأسرّة العاملة فيها إلى 20 سريراً كحد أقصى.

صراع لجنة الأطباء والمستشفى المزمن أدّى إلى استحصال وزير الخارجيّة جبران باسيل من أبو فاعور على قرار بتعيين اللجنة المؤقّتة (مؤلّفة من 7 أشخاص محسوبين على التيار الوطني الحرّ والنائب السابق منصور البون) مقابل تعيين لجنة مماثلة لمستشفى شبعا، وفق مبدأ المحاصصة السياسيّة، لكن عدم حصول النائب السابق فريد هيكل الخازن على حصّته من التشكيلة، وتمسّك البطريرك الراعي برئيس مجلس الإدارة ومدير المستشفى الحالي لكونه الداعم الأوّل له بعد انقضاء ولاية ميشال سليمان، منع عمليّة التسلّم والتسليم إلى أن صدر قرار وقف التنفيذ، وهذا ما يعطي القضية ابعادها السياسية.

قرار الوزارة ليس للتنفيذ!

انطلاق من هذه الابعاد، اصدر وزير الصحّة قراره في تموز لتعيين لجنة إداريّة مؤقتة لتسيير أعمال "مستشفى فتوح كسروان الحكومي"، إلّا أنه وأجهزة وزارته لم يحرّكوا ساكناً لتنفيذ القرار، وإتمام عمليّة التسلّم والتسليم وفق الأصول.

وبحسب المتابعين، ترضخ الوزارة لتمنيات البطريرك بشارة الراعي بالمماطلة بتنفيذ قرار تعيين اللجنة حتى صدور قرار وقف التنفيذ عن القضاء الاداري. فلم تتكبّد هيئة القضايا في الوزارة عناءً ملحوظاً لصياغة لائحة جوابيّة للردّ على اعتراض عازار، بحجّة انها لم تستلم من الوزارة الأدلّة والمستندات التي تبيّن وضع المستشفى الحقيقي وأسباب الإضرابات المتتالية للجسم الطبي والتمريضي احتجاجاً على أداء الإدارة، فاكتفت بطلب ردّ "طلب وقف التنفيذ" لعدم ارتكاز المراجعة على "أسباب جديّة ومهمّة باعتبار أن القرار المطعون فيه يهدف إلى حسن سير المرفق العامّ بعدما انتهت مدّة ولاية مجلس الإدارة، وأن الضرر المُدلى به لا يمكن وصفه بالبالغ الذي لا يعوّض عنه بالمال".

 

حجج الإدارة المنتهية الصلاحية

في المراجعة المقدّمة أمام "مجلس شورى الدولة"، استندت الجهة المستدعيّة (مدير عام المستشفى ورئيس مجلس إدارته) إلى:

1- المرسوم الرقم 14254 الصادر في 28/2/2005 الذي أنشئ بموجبه مؤسّسة عامّة لإدارة مستشفى فتوح كسروان الحكومي في البوار وعيّن عازار رئيساً متفرّغاً لإدارتها (انتهت صلاحيته بعد ثلاث سنوات أي منذ عام 2008)، وإلى المرسوم الرقم 14853 الصادر في 28/6/2005 والقاضي بتعيين عازار أيضاً في مركز مدير عام المؤسّسة، ليشير إلى أن إزاحته تحتاج إلى مرسوم درءاً للضرر المعنوي الذي قد تسبّبه له، وأنه باقٍ في موقعه لتسيير المرفق العام، مشيراً إلى أن كلّ مراسيم تعيين مجالس إدارة للمستشفيات الحكوميّة ما زالت نافذة رغم صدورها قبل مرسوم تعيينه.

2- إلى تصنيف أجرته وزارة الصحّة منذ ما يقارب العام وضعَت بموجبه المستشفى في الدرجة الأولى، أي في أعلى درجة ضمن التصنيف (علماً أن شروط تصنيف المستشفيات يرتكز على الاختصاصات والأقسام المتوافرة فيها، في وقت لا يستقبل فيه المستشفى المذكور أكثر من 20 مريضاً كحدّ أقصى، وهناك أقسام لا تعمل فيه، وتنقصه الكثير من الأجهزة الطبيّة اللازمة لإجراء العمليّات الجراحيّة).

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تراجع الأعداد في مدارس البعثة العلمانية الفرنسية دوبير: تجميد الأقساط وصرف 38 معلماً

تراجع الأعداد في مدارس البعثة العلمانية …

أيلول 13, 2019 43 مقالات وتحقيقات

المستأجرون نحو التصعيد

المستأجرون نحو التصعيد

أيلول 13, 2019 61 أخبار

«إصلاحات» وزارة الصحة: أين الحلول الجذرية؟

«إصلاحات» وزارة الصحة: أين الحلول الجذري…

أيلول 12, 2019 40 مقالات وتحقيقات

اللاجئون الأفارقة: تمييز المفوضية السامية مستمرّ

اللاجئون الأفارقة: تمييز المفوضية السامي…

أيلول 06, 2019 66 مقالات وتحقيقات

خطة بعبدا: عصر جيوب الفقراء مقابل وعود كاذبة

خطة بعبدا: عصر جيوب الفقراء مقابل وعود ك…

أيلول 05, 2019 164 مقالات وتحقيقات

متحولو الجنس أكثر عرضة للاعتقال التعسفي

متحولو الجنس أكثر عرضة للاعتقال التعسفي

أيلول 05, 2019 123 مقالات وتحقيقات

الخلاف على المهل مستمر: قانون الايجارات نحو التطبيق

الخلاف على المهل مستمر: قانون الايجارات …

أيلول 05, 2019 114 مقالات وتحقيقات