النهار  -    3 أيار 2018 

 


رحّبت المؤسسة العامة للإسكان اليوم بمضمون البيان الصادر عن مجلس ادارة جمعية مصارف لبنان الخاص بالموافقة على اعطاء القروض لطالبيها الذين نالوا موافقة هذه المصارف قبل 15 آذار الماضي. وكان مجلس ادارة جمعية المصارف قد قرر اليوم تحمل المصارف كلفة الدعم لعقود الاقراض التي صدرت في شأنها لوائح الى مصرف لبنان والتي نالت موافقة المصارف قبل 15 آذار الماضي.

انطوان فرح 

الجمهورية-26-2-2018
ماذا يقول مشروع قانون موازنة 2018 للداخل والخارج؟ هل صحيح انه أقرب الى اعلان تفليسة البلد مع وقف التنفيذ لفترة محدودة؟ وأين هي الخطة الانقاذية الرؤيوية التي وُعد اللبنانيون والدول المانحة بها؟
يجول فريق عمل شركة «ماكينزي»، المتواجد في بيروت في هذه الاثناء على المسؤولين والسياسيين، في مرحلة اولى تهدف الى الاستماع الى المواقف والاراء في شأن الوضع الاقتصادي في البلد، والافكار المقترحة لمعالجة الأزمات.

وسوف يتنقل هذا الفريق، الذي حظي بتعميم خاص من رئيس الحكومة سعد الحريري، لفتح الادارات الرسمية والعامة امامه، بين النواب والوزارات والادارات، باحثاً عن مكامن الضعف والخلل، لكي يتمكّن من تشخيص المرض، ووصف العلاج المقترح.

ورغم ان طريقة عمل فريق «ماكينزي» تشبه طريقة عمل فريق المحكمة الدولية، اي انه يوسّع مروحة اللقاءات مع سياسيين لا علاقة مباشرة لهم في توصيف الوضع على حقيقته، لأنهم في الواقع لا يعرفون، الا أن ذلك لا يعني ان هذا الفريق، لن يصل في النتيجة الى الحقائق الاقتصادية القائمة، وسينجح في تشخيص العلة، ووصف الدواء.

وبنتيجة البحث والتحري والدراسة سوف يصل فريق ماكينزي، الى التوصيات التالية:

• اولا – خفض مستوى الفساد والفوضى في كل مكامن الدولة، لمنع سرقة ما يتراوح بين مليارٍ واربعة مليارات دولار سنويا. (مع التحفّظ على الارقام لأنه لا توجد دراسات جدية لتحديد رقم الهدر).

• ثانيا – معالجة قطاع الكهرباء سواء عبر الخصخصة او عبر البواخر المؤقتة، او عبر بناء معامل انتاج، او عبر الاستجرار المؤقت، لتأمين التيار 24 ساعة، وخفض نسبة السرقة والهدر في توزيع الكهرباء، ورفع التعرفة الى مستويات تسمح للمؤسسة بتأمين ارباح للتطوير. (رفع التعرفة يتزامن مع الغاء المولدات الخاصة).

• ثالثا – دعم قطاع صناعة المعرفة التي تشق طريقها حاليا لوحدها. ولولا رعاية مصرف لبنان، لأمكن القول انها صناعة واعدة، ولكنها يتيمة. والتركيز على هذه الصناعة ينطلق من مجموعة حقائق، من أهمها انها عابرة للحدود من دون الاضطرار الى التصدير البري او الجوي او البحري. وهي لا تتأثر بالحروب الاقليمية، ولديها أرضية نمو واعدة في لبنان بفضل العنصر البشري غير المتوفر بهده النوعية والكثافة في أي بلد في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

• رابعا – تأمين الرعاية للصناعة القائمة، والتي تؤمن العملة الصعبة والوظائف للبنانيين. وقد انخفض حجم التصدير الصناعي اللبناني في بضعة سنوات من 4,5 مليار دولار الى 2,5 مليار دولار. وهذا التراجع ساهم بلا شك في وصول العجز في الميزان التجاري، الى مستويات قياسية مرعبة اقتربت من 16 مليار دولار.

• خامسا – رعاية القطاع الزراعي لمساعدته على التصدير، وقد أصيب القطاع بنكبة بسبب الحرب السورية، وصعوبة التصدير البري.

• سادسا – الغاء سياسة الحماية لبعض القطاعات غير المجدية، والمرتبطة بحسابات سياسية.

• سابعا – خفض حجم القطاع العام والذي أصبح مجموع رواتبه يشكل حوالي 37 في المئة من موازنة الدولة، وهي نسبة مرتفعة تؤشر الى خلل يؤدي الى إضعاف الاقتصاد.

• ثامنا – تحييد القطاع النفطي عن الحسابات السياسية المرتبطة بمصالح اقليمية، والتركيز على البلوكات التي لا توجد عليها خلافات، لتسريع استخراج الغاز والنفط لأن الاقتصاد اللبناني يحتاجهما بقوة، وبأسرع وقت.

• تاسعا – التعاطي بواقعية مع الوضع السياحي الذي كان يشكل مصدرا مهما لإدخال العملة الصعبة. ولا يكفي التفتيش عن السياح في كل اصقاع الارض، بل المطلوب توفير بنية تحتية ملائمة. اذ ان بنية السياحة في لبنان مفصّلة في الاساس على قياس السائح الخليجي. والانتقال الى سياح من نوعيات مختلفة يحتاج الى تعديلات في البنية السياحية للتمكن من جذب هؤلاء.

لكن التوصية الأهم التي قد لا تستطيع «ماكينزي» ايرادها في دراستها النهائية، هي تلك المتعلقة بخفض مستوى الغباء لدى من يتحكّم بمصير الناس. اذ كيف يمكن ان يتبين اليوم، وبعد دراسات استمرت سنوات، ان تكاليف «سلسلة الرتب والرواتب»، أعلى بكثير من التوقعات؟

وكيف يمكن ان تُمنح هذه السلسلة في توقيت سمع فيه المسؤولون اللبنانيون كلاما واضحا من خبراء دوليين ومحليين يؤكد ان الانهيار المالي اصبح وشيكا؟ وكيف يمكن ان تحتسب الدولة ايرادات ضرائب جديدة تفرضها على المؤسسات والناس، ومن ثم تقول انه تبين لها ان هذه الضرائب ضربت الحركة الاقتصادية اكثر مما هي مضروبة، ولم تؤمّن بالتالي الايرادات المتوقعة لها؟

وأخيراً، كيف يمكن ان تصدق الدولة انها ستُقنع الدول المانحة بمساعدتها لأنها تمتلك خطة اصلاحية طموحة، اذا كانت ورقة اثبات حُسن النية هي ورقة موازنة هي أشبه بورقة نعي، تقول فيها الدولة ان دينها العام سيزيد فقط 6,3 مليار دولار في العام 2018. والأدهى، انها تحاول التشاطّر من خلال تحميل مصرف لبنان وِزر عجز الكهرباء في العام 2018 من خلال عمليات سواب لم تُقنع حتى من اقترحها.

في الخلاصة، تستطيع «ماكينزي» ان تقترح ما تشاء من توصيات، لكن الواقع كما يعرفه كل اللبنانيين يحتاج الى توصية وحيدة تقضي بوقف السرقة والغباء.

بالنسبة الى السرقة، قد ترِد توصية في شأنها، ولو بلُغة مخفّفة من خلال استعمال تعبير وقف الهدر والفساد. لكن بالنسبة الى الغباء، فمن المستبعد أن ترِد توصية بخفض مستواه. ومن دون وقف السرقة والغباء يصعُب التصديق ان الخروج من الأزمة مُتاح.

الاخبار-1-2-2018

يتوقع أن يصدر مصرف لبنان، قبل نهاية الأسبوع الجاري، تعميماً من شأنه تعديل شروط الحصول على القروض السكنية المدعومة في اتجاه تشديد الرقابة على المصارف، بعد اكتشاف عدد كبير من المخالفات لشروط منح القروض استفاد منها مضاربون عقاريون. ويتضمن التعميم زيادة أسعار الفائدة على القروض بنحو نصف نقطة مئوية انسجاماً مع ارتفاع أسعار الفائدة المحلية والتوقعات بارتفاع أسعار الفوائد عالمياً

محمد وهبة
 

قبل أسابيع، أوقفت المصارف إعطاء موافقات على القروض السكنية المدعومة مكتفية بتقديم تبرير بسيط لهذه الخطوة المفاجئة يضع الكرة في ملعب مصرف لبنان «الذي طلب إيقافها». وعلى غرابة هذا القرار الذي يأتي بعد شهرين على تخصيص مصرف لبنان مبلغ 750 مليار ليرة لدعم القروض السكنية، تضاربت المعطيات المسرّبة بين اضطرار «المركزي» للقيام بتجميد «تقني» بهدف إعادة النظر بالمبالغ المدعومة وتحديد سقوف لها، وبين وجود قرار بوقف القروض المدعومة نهائياً.

غموض الصورة أثار بلبلة واسعة في السوق، لا سيما أن عدداً كبيراً من طلبات القروض لدى المصارف وصل إلى مراحل متقدمة ثم توقف فجأة. فما هي حقيقة هذا التوقف وما هي أهدافه ولمصلحة من وكيف سينتهي؟

آلية جديدة

علمت «الأخبار» من مصادر في مصرف لبنان، أن كل الجدل في شأن وقف القروض السكنية المدعومة سينتهي قبل نهاية الأسبوع الجاري. فالتعميم المتوقع صدوره لإعادة العمل بالقروض السكنية المدعومة، تأخّر بسبب سفر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي عاد أمس، ويتوقع أن يُصدر التعميم قبل السبت المقبل. ويتضمن التعميم تعديلاً في آلية دعم القروض السكنية في اتجاه تشديد الرقابة على آلية منح القروض والمستفيدين منها، على أن يُسهم في تكريس مسؤولية المصارف تجاه منح القروض، إضافة إلى رفع أسعار الفائدة نصف نقطة مئوية، وضخّ 750 مليار ليرة للقروض السكنية المدعومة، وتحديد «كوتا» لهذه القروض وتوزيعها على المصارف للمرحلة المقبلة.
الآلية الجديدة، وفق المصادر، تنصّ على أن طلبات القروض الجديدة ستموّل مباشرة من سيولة المصارف، فيما يقدم مصرف لبنان الدعم بعد موافقته على كل قرض. بمعنى آخر، تختلف الآلية الجديدة عما كان معمول فيه سابقاً حين كان «المركزي» يمنح المصارف قروضاً بفائدة 1% مقابل إقراضها في السوق بفائدة 3.75%، علماً بأن عقود القرض الموقعة بين الزبون والمصرف قبل صدور التعميم الجديد تخضع للآلية السابقة وسيوافق مصرف لبنان على تمويلها. (يجب التمييز بين آليات القروض السكنية المدعومة. فهناك قرض مدعوم بواسطة قروض يعطيها مصرف لبنان للمصارف بفائدة 1%، وهناك قروض كانت مدعومة بواسطة الإعفاء من الاحتياط الالزامي وقد ألغاها مصرف لبنان، وهناك قروض مدعومة أيضاً بموجب بروتوكولات مثل المؤسسة العامة للإسكان والقوى الأمنية والقضاة...).

فضائح قروض السكن

خلفيات التشدّد في الرقابة وإعادة توزيع المسؤوليات، تتصل بفضيحة تكشّفت في محفظة القروض السكنية المدعومة. فقد تبيّن لمصرف لبنان أنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة، استهلكت المصارف (أقرضت في السوق) نحو 1500 مليار ليرة من المبالغ المدعومة واستنفدت كل المبالغ المخصصة للدعم السكني خلال فترة قياسية. وقد اثار ذلك شبهات وشكّل مفاجأة لمصرف لبنان الذي انهالت عليه طلبات القروض لدراستها وإعطاء موافقته أو رفضه عليها.
«المركزي» لم يجد ما يبرّر مثل هذا الطلب الكبير على الشقق السكنية. فمن المعروف أن الاسعار في السوق تراجعت إلى حدود كبيرة فيما تحوّل تجار العقارات إلى رهائن للديون المصرفية، فمن أين أتى هذا الطلب كلّه؟ والأغرب من ذلك، أنه نتيجة تتبّع حجم الطلب على التمويل السكني على فترات زمنية مختلفة، تبيّن لمصرف لبنان حصول طلب غير مبرّر على الشقق ولا يمكن تفسيره إلا من خلال أمرين: حصول معجزة في السوق العقارية حفّزت نموّ الطلب بوتيرة متسارعة وكبيرة، أو أن المصارف فاقمت من وتيرة مخالفاتها لشروط منح القروض المدعومة وإفادة من لا يستحق.

 


ما عزّز فكرة وجود المخالفات، أنها ليست المرّة الأولى. ففي السنوات الماضية عمد عدد من المصارف إلى منح قروض سكنية مدعومة لمضاربين عقاريين. ولم تظهر حقيقة هذه القروض التي بقيت مكتومة لسنوات، إلى أن انفجرت أزمة السوق العقارية ولم يستطع المضاربون بيع الشقق التي اشتروها بالقروض المدعومة، ما اضطر بعض المصارف الى إعادة تصنيف الزبائن لتضع قسماً منهم ضمن الديون المتعثرة والديون المشكوك في تحصيلها. لاحقاً اتضح حجم المشهد بعدما أصبحت لائحة المصارف المخالفة كبيرة وتتضمن مخالفاتها مئات المقترضين من المضاربين.
ويبدو أن الامر تكرّر اليوم رغم تغيّر الظروف المتعلقة بالعرض والطلب. فالمشكلة التي ظهرت أن هناك رغبات استثمارية في سوق العقارات نظراً إلى انخفاض الاسعار ما أتاح للزبائن قدرة عالية على التفاوض وانتزاع حسومات من تجار العقارات لم تكن متوافرة سابقاً. بدورها، المصارف بدأت تموّل هذه العمليات الاستثمارية بواسطة القروض المدعومة مع علمها بمخالفة ذلك لشروط منح القروض المحدّدة من مصرف لبنان.
انكشاف الأمر أمام «المركزي» استدعى توقيف برنامج القروض المدعومة فوراً. إلا أن هذا الأمرلم يكن السبب الوحيد. إذ لعبت التطورات النقدية التي سبقت احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية وما تلاها دوراً اساسياً في وقف البرنامج وتعديله. ففي تشرين الثاني شجّع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المصارف على رفع أسعار الفائدة. وبالفعل، أصدرت المصارف تعميماً يرفع الفوائد على المرجعية على الليرة إلى 10.65% بدلاً من 8.65%، ثم تبعتها أسعار الفوائد على إيداعات الدولار لترتفع من 4.5% إلى 7%. تلقائياً ارتفعت أسعار الفوائد على القروض لتغطية الكلفة التي تدفعها المصارف لاستقطاب الأموال لتصبح برامج دعم القروض السكنية غير قادرة على تحقيق أرباح للمصارف. أي أنه تحتّم رفع أسعار الفائدة على القروض السكنية التي تمثّل أكثر من ربع محفظة التسليفات المصرفية لتجنيب المصارف خسائر.
كذلك، تبيّن أن المصارف متخمة بسيولة كبيرة بالليرة اللبنانية لا تجد مسرباً لتصريفها إلا من خلال تحفيز القروض. هذه المرّة جاء التحفيز بالطرق غير النظامية، أي من خلال مخالفة شروط منح القروض.
ومن اللافت أن هذه التطوّرات، أي رفع الفائدة وحجم السيولة في السوق وعدم قدرة المصارف على استقطاب الدولارات من الخارج، يتطلب إدارة أكثر تشدداً للسيولة المصرفية، أي أنه لا يجب في أي وقت من الأوقات أن يضخّ مصرف لبنان سيولة يمكن أن تخلق طلباً على الدولار. سيولة من النوع المتعلق بالمضاربات العقارية في عزّ أزمة العقارات، أي في عز انخفاض الأسعار، قد ترفع الطلب على الدولار نتيجة تسييل المضاربين لاستثماراتهم وتحويل أموالهم إلى الدولار وتهريبها إلى الخارج.


4.25% فوائد «قرض مصرف لبنان»

قبل 12 شهراً خفّض مصرف لبنان أسعار الفوائد على القروض السكنية تبعا لمصدر تمويلها. الفوائد على القروض المعروفة باسم «قروض مصرف لبنان» تعطى ضمن آلية ينصّ عليها التعميم 313 الذي يشير إلى أن المصارف تحصل على قروض من مصرف لبنان بفائدة 1% مقابل إقراضها في السوق، سواء عبر المؤسسة العامة للإسكان أو غيرها، فأصبحت الفائدة عليها 3.75%، لكنها سترتفع اليوم إلى 4.25%. أما القروض التي كانت تتعلق بالإعفاء من الاحتياط الالزامي، فقد ألغاها مصرف لبنان من اساسها ولم يعد هناك مجال لاستعمالها من المصارف، وهي كانت 3.25%.


فوائد مؤسسة الإسكان وباقي البروتوكولات

مصادر في مصرف لبنان أوضحت أنه ليس نهائياً أو محسوماً كيف سيتم التعامل مع فوائد المؤسسة العامة للإسكان وباقي القروض المدعومة بموجب بروتوكولات مثل الجيش والقوى الأمنية والقضاة وسواهم. سعر الفائدة التي كان يحصل عليها الجيش على سبيل المثال، تبلغ 1.6% للقروض الممولة بواسطة الاحتياط الالزامي (هذا النوع من القروض ألغي بعد الغاء آلية الدعم عبر الاحتياط الالزامي قبل فترة وجيزة)، وكانت 2.2% على القروض المدعومة بواسطة قروض مصرف لبنان، إلا أن الجيش كان يحصل على 1.6% بغضّ النظر عن مصدر التمويل. وعندما ارتفعت أسعار الفوائد في تشرين الثاني حاولت بعض المصارف أن ترفع الأسعار إلى أكثر من 2.2% ما دفع قيادته إلى رفض التعامل مع هذه المصارف والانتقال إلى مصارف أخرى وافقت على إبقاء معدلات الفوائد ضمن 1.6% آملة في ان تبيع بوالص تأمين وتنقل توطين الرواتب إلى حساباتها.

 

المصدر: جريدة الاخبار

5/1/2018

 

مجدداً، تسعى جمعية المصارف إلى التملّص من تطبيق زيادة ضريبة الفوائد إلى 7% والغاء الإعفاءات التي كانت تحظى بها، عبر اعتبار أن ودائعها لدى مصرف لبنان وسندات اليوروبوندز وفوائد الانتربنك وشهادات الإيداع مستثناة بقرارات صادرة عن وزير المال السابق فؤاد السنيورة. تحقيق مطلب المصارف يعني حصولها على إعفاء يشمل 135 مليار دولار كانت ستدفع ضريبتها من أرباحها، خلافاً لبقية الحسابات التي يدفع ضريبتها الزبائن!

محمد وهبة
 

لم تنته بعد معركة زيادة ضريبة الفوائد من 5% إلى 7% والغاء الإعفاءات التي حظيت بها المصارف منذ عام 2003. جمعية المصارف سبق ان «هُزمت» بصدور القانون 64 الذي يزيد نقطتين مئويتين على ضريبة الفوائد، اضافة الى توسيع شمول ضريبة الفوائد لحسابات ونشاطات مصرفية كانت مستثناة بقرارات من وزير المال، آنذاك، فؤاد السنيورة.

تأمل الجمعية اليوم أن تنتزع سلّة إعفاءات مماثلة من وزير المال علي حسن خليل عبر دفعه الى تعديل قراره التطبيقي للقانون المذكور، بما يؤدي الى إعفاء سندات اليوروبوندز وشهادات إيداع مصرف لبنان وودائع المصارف لدى مصرف لبنان وفوائد الانتربنك من ضريبة الفوائد.

فبعد نشر خليل القرار التطبيقي رقم 1504 في الجريدة الرسمية (28/12/2017)، شرعت المصارف في حملتها. فأجرت اتصالات مع عدد من المسؤولين، بينهم رئيس الحكومة سعد الحريري الذي «جنّدته للعمل بالإنابة عنها» على حدّ تعبير أحد المطلعين. كما اجتمع أمس مجلس إدارة جمعية المصارف أمس، وقرّر أن يرفع «شكواه» إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي استجاب سريعاً وحدّد موعداً للجمعية اليوم للاستماع إلى مطالب المصارف بشأن «التعديل» المطلوب من خليل على قراره التطبيقي.

ويترجم القرار التطبيقي رقم 1504 بشكل شبه حرفي ما ورد في القانون 64 المقرّ في مجلس النواب (20/10/2017) والرامي إلى تعديل المادة 51 من القانون 497 المتعلق بتطبيق ضريبة الفوائد وشمولها. وجاء في المادة الأولى منه أنه «خلافاً لأي نص آخر، تخضع لأحكام قانون ضريبة الدخل وضريبة الباب الثالث منه بمعدل 7% فوائد وعائدات وإيرادات رؤوس الأموال المنقولة الناتجة عن الحسابات الدائنة كافة المفتوحة لدى المصارف العاملة في لبنان بما فيها حسابات التوفير (الادخار)، والودائع وسائر الالتزامات المصرفية بأي عملة كانت بما فيها تلك العائدة لغير المقيمين. وتشمل هذه الالتزامات على الأخص: شهادات إيداع مصرف لبنان، شهادات الإيداع وسندات الدين على أشكالها الصادرة عن المصارف العاملة في لبنان، القروض على مختلف أنواعها الممنوحة من المصارف العاملة في لبنان، التأمينات على الاعتمادات المستندية وعلى الكفالات، وحسابات الائتمان وإدارة الأموال، سندات الخزينة اللبنانية بأي عملة كانت بما فيها تلك التي يكتتب بها مصرف لبنان، والمبالغ الناتجة عن القانون 520 وعن القانون 234 والقرارات الصادرة عن مصرف لبنان التي تقوم بها المصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة المالية لصالح زبائنها».

ووردت استثناءات محدّدة في القرار تشمل الحسابات الدائنة المفتوحة لدى مصرف لبنان باسم الحكومة اللبنانية والبلديات واتحادات البلديات والمؤسسات العامة، والحسابات الدائنة المفتوحة لدى المصارف العاملة في لبنان باسم البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية.

هذه التعديلات لا تُخضِع كل أنواع الحسابات لضريبة الفوائد فحسب، بل تلغي أيضاً الإعفاءات التي صدرت بموجب قرارات السنيورة، والتي تطالب المصارف بتكريسها وتطبيقها في قرار خليل. ففي 18 آذار 2003 صدر قرار عن السنيورة رقمه 403/1 يستثني من ضريبة الفوائد كل حسابات الودائع المفتوحة باسم المصارف لدى مصرف لبنان، وكل الودائع بين المصارف (ما يسمى انتربنك). وفي 11/5/2004 أصدر السنيورة القرار رقم 665/1 الذي يشير إلى أن الضريبة على السندات بالعملات الأجنبية (سندات خزينة يوروبوندز) «تُحتَسَب»، إلا أنه يعاد «تسديد ما يعادل مبلغ الـ5% على الفوائد والإيرادات لحملة السندات».

وهذه القرارات ليست التفافية على المادة 51 من القانون 497 فحسب، بل تشكّل مخالفة واضحة لها. إذ أن هذه المادة التي صدرت في قانون الموازنة العامة لعام 2003 حصرت الإعفاءات بالمبالغ المودعة لدى مصرف لبنان وبالتوظيفات الأجنبية لدى الحكومة اللبنانية، ولم تنصّ على استثناء سندات اليوروبوندز ولا شهادات الإيداع ولا حسابات الانتربنك من ضريبة الفوائد كما ورد في قرارات السنيورة. وبالتالي فإن هدف الجمعية هو إعادة تفعيل قرارات السنيورة، لكنها لا تجاهر بالأمر على هذا النحو، بل تستعمل مطلب حقّ لتكريس هذا الباطل. فهي تتذرّع بعدم جواز تحميل الاحتياط الالزامي المفروض عليها بموجب قانون النقد والتسليف (15% من الودائع بالدولار و25% من الودائع بالليرة) لتضعها كاحتياط الزامي لدى مصرف لبنان بفائدة 1%. كذلك تتذرّع بأنه لا يجوز إخضاع فائدة الانتربنك إلى الضريبة. وتصنّف المصارف الاحتياطات الالزامية من ضمن باقي الودائع لدى مصرف لبنان، أي إن مطالبتها بإعفاء الاحتياط الالزامي يضمن لها إعفاء باقي الودائع. وبحسب إحصاءات جمعية المصارف، هناك ودائع لدى مصرف لبنان بقيمة 151781 مليار ليرة (100.6 مليار دولار). وبالتالي فإن الاحتياطات الالزامية تصل إلى 48 ألف مليار ليرة (32.1 مليار دولار)، ما يعني أن المصارف تحاول تهريب أكثر من 104 آلاف مليار ليرة (69 مليار دولار) من ضريبة الفوائد. كذلك تحمل المصارف شهادات إيداع صادرة عن مصرف لبنان بقيمة تصل إلى 70 ألف مليار ليرة (46.4 مليار دولار)، وتحمل سندات يوروبوندز بقيمة تزيد على 30 ألف مليار ليرة (20 مليار دولار). مجموع ما تحاول المصارف إعفاءه من الضريبة يصل إلى 135 مليار دولار.

واللافت في مطلب المصارف، أن هذا النوع من النشاط هو الذي يحقق لها أرباحاً خلافاً لما هي عليه الحال بالنسبة لحسابات الادخار والقروض والودائع التي يدفع ضريبتها الزبائن!

في المقابل يؤكد أحد أعضاء مجلس إدارة جمعية المصارف أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بالازدواج الضريبي فحسب، بل أيضاً بالأثر الناتج عن تطبيق هذه التعديلات على المصارف. إذ أن هناك مصرفين سيدفعان وحدهما أكثر من 200 مليون دولار، فيما القطاع كلّه سيدفع أكثر من 500 مليون دولار بسبب عدم إقرار هذه الإعفاءات. وهذا المبلغ يضاف إلى المبلغ المحصّل من الضريبة على فوائد باقي الحسابات والمقدرة بأكثر من 450 مليار ليرة (300 مليون دولار). ويضيف المصرفي أن المصارف تدير اليوم 200 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، والسبب يكمن في تحويلها إلى أداة لتمويل الدولة، «لا بل ينطبق على المصارف تسمية الواجهة المزيفة للبنان» بكل ما يعنيه هذا الأمر من فساد سياسي ومالي، وبالتالي «لا يمكن أن يكون هذا الوضع من مؤشرات الربحية المنخفضة والتي ستتدنى إلى 5% (المردود نسبة إلى رأس المال) قياساً مع 10% قبل هذه التعديلات الضريبية، وهذا ما سيدفعنا إلى مواجهة خيارين: الأول أن ندفع فوائد أقل للمودع، وعندها سيتراجع نمو الودائع ليؤثّر بشكل واضح على تمويل الدولة، والثاني أن نزيد الفوائد على المقترضين ما ستكون له انعكاسات اقتصادية سلبية جداً».

تشريح الوضع النقدي والمالي على طاولة "المركزي" والمصارف: رفع الفوائد على الليرة... وسؤال عن جدوى البقاء في العراق وسوريا

 

المصدر: جريدة النهار

سلوى بعلبكي

 

ليس مستغرباً أن تحدث الإستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة سعد الحريري وما رافقها من إرباكات سياسية ودستورية، خضّة في الداخل اللبناني، وأن تطرح علامات استفهام كبيرة عن مدى انعكاس هذه الخطوة المفاجئة على الاقتصاد اللبناني واستقرار سعر صرف الليرة. ولكن المفاجئ أن الاسواق المالية واجهت هذا التحدي بشيء من البرودة والثقة بالنفس، أرجعها البعض الى السياسة الاحترازية التي يتبعها مصرف لبنان والتي ساهمت في استيعاب أي ضرر كان يمكن ان ينتج من تفاعل السوق سلباً مع أي تطور دراماتيكي للإستقالة. وفي ظل تخوّف البعض من أن يطول أمد الازمة لتتحوّل أزمة حكم على نحو يضغط على العملة الوطنية أكثر، سارع المعنيون في السلطة المالية وبمباركة من اركان السلطة السياسية، الى التفكير بتطبيق سياسة جديدة أكثر مناعة للدفاع عن سعر صرف الليرة. هذه السياسة تقضي برفع الفائدة على الليرة من نحو 5% و7% حالياً الى ما بين 10 و12% في المرحلة الأولى، وهو أمر بدأ التباحث به جدياً بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، على ان تليه اجراءات اخرى تزيد من "تحصين" أسعار الليرة اذا اقتضى الأمر ذلك.  

 

واذا كانت الأسواق المالية والنقدية قد تجاوزت قطوع الاستقالة بدليل أنه "ليس ثمة ما يذكر من اموال قد خرجت من لبنان خلال فترة الأزمة"، وهو ما أكده سلامة ووافقته عليه جمعية المصارف ولجنة الرقابة، فإن ذلك لم يمنع من أن تحظى هذه التطورات بمساحة واسعة من النقاش خلال اللقـاء الشهـري بيــن الحاكم ولجنـة الرقابة وجمعيــة المصارف. فقد شدد سلامة على اهمية استمرار سياسة تثبيت القطع، وعلى قدرة مصرف لبنان بما لديه من إمكانات أن يحمي سعر صرف الليرة. وهذا الأمر كان قد اطلع عليه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري من الحاكم في الاتصالات التي اجراها الأخير معهما بعد استقالة الحريري. كما طمأن سلامة المجتمعين الى ان نتيجة الاتصالات التي أجراها أو تلك التي تلقاها من الجهات الخارجية بما فيها خصوصاً الجهات الأميركية، كانت الحرص على عدم تعريض الاستقرار في لبنان لأيّ هزة.

وفهم من النقاش المطوّل في شأن الأوضاع القائمة في سوقي القطع والفوائد، ثلاثة أمور ستدرسها المصارف جيداً وستتصرف على أساسها:

- مصرف لبنان على استعداد لتحمل الكلفة الإضافية بالفوائد التي قد تترتب على المصرف في حال حافظ المودع عند استحقاق الوديعة عليها بالليرة لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر. ويمكن المصارف أن تراجع بهذا الخصوص مديرية العمليات المالية في مصرف لبنان للاتفاق معها على الآلية لمساهمة مصرف لبنان في الكلفة الإضافية لكل مصرف. أي بمعنى آخر، شجَّع الحاكم المصارف على توسيع هوامش الفوائد بين الدولار والليرة، وشدّد في هذا الإطار على ضرورة التزام مديري الفروع تعليمات واضحة من إدارات المصارف لتشجيع منحى احتفاظ العملاء بودائعهم المحرّرة بالليرة، معوّلاً على الدور الاساسي لمديري الفروع على هذا الصعيد.

- سيدرس المجلس المركزي لمصرف لبنان في جلسته المقبلة موضوع الغرامات التي تنص عليها التعاميم والإجراءات المعمول بها، بما خصّ تجاوز مراكز القطع العملانية في اتجاه تخفيفها والتعامل الملائم مع التجاوزات على نحو يسمح للمصارف باتخاذ مراكز قطع مكشوفة وموقتة ليصبّ في مصلحة استقرار سوق القطع.

- لن يجري مصرف لبنان عمليات Repos (اعادة شراء) مع المصارف على سندات الخزينة لديها، خصوصاً أن هذه العمليات توقفت منذ 2006/2005. ولاحظ الحاكم أن المصارف أقرضت أكثر من 80% بالليرة اللبنانية في أواخر 2016 وطيلة 2017، مما ادى الى فجوة الآجال، أي مشكلة الـ Mismatch.

وتطرق النقاش الى التعميم الرقم 437 الذي أصدره مصرف لبنان في 8 تشرين الثاني 2016، والذي يفرض على المصارف الفصل بين نشاطاتها الاستثمارية ونشاطاتها التجارية، اذ ألزمت المصارف أن تقوم بهذه العمليات عبر مصارف متخصّصة (استثمارية) أو عبر شركات وساطة مالية، وتركت مراقبة العمليات المصرفية التقليدية خاضعة لرقابة لجنة الرقابة على المصارف. وتمنى مجلس الإدارة على مصرف لبنان تأجيل العمل مجدداً بهذا التعميم إفساحاً في المجال لإعادة درسه، خصوصاً وأن الاجتماعات التي عقدها فريق عمل الجمعية مع الدائرة القانونية في مصرف لبنان ومع لجنة الرقابة ومع هيئة الأسواق المالية، لم تصل إلى اتفاق على تعديلات تراعي قدرة المصارف المتوسطة والصغيرة الاستمرار في تقديم خدمات الأوراق المالية لزبائنها من دون اللجوء إلى تأسيس شركات وساطة، خصوصاً أن كلفتها غير متناسبة مع المردود لضيق حجم السوق من جهة ولصعوبة إيجاد مصارف مراسلة تتعامل مع شركات كهذه من جهة ثانية. ووافق الحاكم على تأجيل الالتزام ستة أشهر إضافية ووعد بطرحه على المجلس المركزي لاحقاً.

واذا كانت التطورات النقدية والمالية في الداخل قد نالت حيزاً مهماً من المناقشات، فإن ذلك لم يمنع الحاكم من التطرق الى موضوع فروع المصارف اللبنانية في سوريا والعراق خصوصاً بعد التطورات الاخيرة حيال الاشكالات المتعلقة بزيادة رساميل المصارف العاملة في هذين البلدين. فقد أكد الحاكم للجمعية أن المصارف اللبنانية في سوريا تواجه متطلبات زيادة رساميلها مع نهاية السنة بما يرتّب أعباء عليها حيال خروج العملات، وتالياً مخاطر عدة نتيجة تحويلها إلى العملات المحلية، اضافة الى ما تشكّله من خروقات للعقوبات الدولية. وفي حين تمنّت الجمعية على مصرف لبنان التواصل مع السلطات النقدية في سوريا والعراق لتأجيل التنفيذ "نظراً الى الظروف الصعبة القائمة لدينا ولديهم"، ولم يبد الحاكم اي حماسة للتدخل... وأكثر فقد سأل عن جدوى وجود المصارف اللبنانية في هذه الأسواق.

في ما يتعلق بالتطبيق الحسابي العالمي الجديد للأوراق المالية (IFRS9) والإيضاحات والتوجيهات المطلوبة من مصرف لبنان ولجنة الرقابة، تمنّت الجمعية ووافق الحاكم على تشكيل لجنة ثلاثية من مصرف لبنان ولجنة الرقابة والجمعية، للاتفاق على الجوانب التطبيقية المطلوب إيضاحها وإعطاء توجيهات في شأنها الى المصارف، ومنها موضوع التعامل مع المخاطر السيادية خصوصاً بالعملات الأجنبية، بالإضافة إلى الجوانب الضريبية التي تتعلق بتكوين المؤونات.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

في بداية عهده، تلقّى رئيس الجمهورية، ميشال عون، «وصفة» من البنك الدولي للمئة يوم الأولى من ولايته. هذه «الوصفة» تتحدث عن مخاطر نقدية واقتصادية كبيرة في حال تعرّض «الثقة» لضربة كبيرة، وتقترح ترتيباً زمنياً للأولويات المتصلة بحلقة الدين العام وتقليص العجز المالي وتخفيف المخاطر السيادية الغارقة فيها المصارف ومصرف لبنان

محمد وهبة
 

بعد فترة وجيزة على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، زاره وفد من البنك الدولي مقدماً له اقتراح "خطّة/ وصفة" الـ 100 يوم الأولى، تحت عنوان «أولوية الإصلاحات لحكومة لبنان». حصلت "الأخبار" على نسخة من هذا الاقتراح (غير المنشور)، وهو يتضمن ترتيباً زمنياً للإصلاحات، التي يقترح البنك الدولي تنفيذها في بداية العهد، انطلاقاً من أولويات حددها البنك واعتبر أن تحقيقها ممكن في فترة زمنية قياسية، تمهيداً للانتقال إلى الإصلاحات التي يمكن تحقيقها على المدى المتوسط، محذراً من أن عدم تنفيذ هذه الإصلاحات يؤدي إلى سيناريو خطير، بسبب أي ضربة مفاجئة للثقة قد تؤدي إلى انهيار سريع في التدفقات الرأسمالية، ليصبح النظام غير قادر على تلبية حاجات لبنان المتزايدة ويجبر الحكومة على التوقف عن السداد.

مصدر الخطر، بحسب "وصفة البنك الدولي" يكمن في استمرار ارتفاع الدين العام وزيادة الإنفاق نتيجة لارتفاع خدمة الدين العام والتحويلات المتزايدة من الخزينة إلى كهرباء لبنان، في ظل الأثر الناتج من ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وانخفاض أسعار النفط. الزاوية التي ينظر منها البنك مبنية على فهمه للاقتصاد اللبناني الذي يرزح تحت عبء الدين العام والعجز في الحساب الجاري، اللذين يتركان لبنان مكشوفاً على مخاطر تمويلية ملحوظة. وبذلك، فإن توقعات البنك أن يكون مسار الدين العام أسوأ بشكل ملحوظ، رغم أن الدين مرتفع أصلاً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بسبب السياسات القائمة ومستويات النمو الاقتصادي الحالية.

يعتبر البنك الدولي أن «استقطاب رؤوس الأموال الكافية، وبشكل خاص الودائع، لتمويل عجز الموازنة والحساب الجاري، يخلق تحديات قياساً إلى معدلات نمو الودائع بعد ارتفاع أسعار الفائدة في أميركا والأثر الناجم عن انخفاض أسعار النفط في دول الخليج، بسبب علاقتها بتدفقات رؤوس الأموال الوافدة إلى لبنان». وليس ذلك فحسب، فعلى الرغم من «تدخل مصرف لبنان القويّ، في إدارة التحديات المالية والاقتصادية، وحتى عندما نجح، فإنه لم يؤمن سوى تأجيل مؤقت وهو ليس بلا مخاطر اقتصادية ــ مالية إضافية. الهشاشة في الاقتصاد هي نتيجة انعدام توازن النموذج الاقتصادي الذي يعتمد بشكل أساسي على قطاعات محدّدة غير منتجة، وغير قابلة للتداول وهي لا تفيد إلا القلّة وفاشلة في تأمين وظائف وفرص عمل للشريحة الواسعة من الناس».

بهذه الخلفية، يرى البنك الدولي أن «بناء الثقة» عملية ضرورية متصلة بواقع «المؤسسات (الرسمية) الضعيفة والموصوفة بانعدام الفاعلية والفساد».

إذاً، الأمر يتعلق بالنموذج اللبناني. هذا النموذج وفق توصيف البنك الدولي، «يتميّز» بدين عام مرتفع، وعجز مالي كبير، ودولرة مرتفعة. ففي هذا الإطار، يتبيّن أن حاجات الدولة المالية مموّلة من القطاع المصرفي الذي توازي ميزانيته أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. لا يقدّم البنك الدولي هذه المعلومة على أنها مدعاة للفخر، بل هي مصدر للمخاطر، فهو يشير إلى أن مصرف لبنان «يضمن استمرار تدفق الودائع إلى القطاع المصرفي (من خلال الهامش بين أسعار الفائدة العالمية والفائدة المحلية)، لتأمين تمويل حاجات القطاعين العام والخاص (تمويل الدين العام وتسليف القطاع الخاص)، وبالتالي تمويل عجز الحساب الجاري الكبير. ولاستمرار استقطاب الودائع، فإن مصرف لبنان أصدر شهادات إيداع وآليات تمويل مدعومة. ولتأمين تمويل الحكومة، تحوّل مصرف لبنان إلى الشاري الأساسي للدين الحكومي في السوق الأولية والسوق الثانوية (شراء سندات الخزينة عند الاكتتاب ومن حامليها في السوق)، وبالتالي بات لدينا قطاع مصرفي بشقيه، المصارف ومصرف لبنان، ضمن حلقة المخاطر السيادية والأثر المضاعف على مخاطر النظام المالي ــ الاقتصادي».

في ظل هذا الوضع، يرى البنك الدولي أن هناك سيناريو خطيراً محتملاً بسبب أي ضربة مفاجئة للثقة قد تؤدي إلى انهيار سريع في التدفقات الرأسمالية ليصبح النظام غير قادر على تلبية حاجات لبنان المتزايدة ويجبر الحكومة على التوقف عن السداد. «بالاستناد إلى الهشاشة الواسعة للبنان، سواء في القطاع المصرفي المنكشف على المخاطر السيادية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر مصرف لبنان، فإن هذا السيناريو سيخلق تموجات سريعة عبر الاقتصاد. أولاً: عبر الإفلاسات في القطاع المصرفي وانهيار سعر صرف الليرة، إذ إن كل المصارف لديها نموذج الأعمال نفسه الذي يعتمد على التوظيف في السندات السيادية. ثانياً، الدخول في كساد اقتصادي عميق وطويل المدى. الناس سيخسرون ودائعهم (لدى المصارف) بشكل جزئي، وسينكسر سعر صرف الليرة المثبت وتنهار النشاطات الاقتصادية. حلقة الدين السيادي يجب أن تكون محور التركيز على المدى المتوسط، وبشكل أدقّ يجب تقليص العجز المالي بشكل كاف».

قبل كل ذلك، يشكّل إقرار الموازنة ضرورة للقرارات المتعلقة بالسياسة المالية، ولا سيما الضرائب والإنفاق العام، من أجل استعادة استقرار المالية العامة وتحسين النظام الضرائبي وتفعيل فاعلية الإنفاق، ولتكريس خيارات تنموية... "ورغم أنه قبل عام 2005 لم تكن هناك سياسة مالية متوسطة المدى، فإن المفاجئ غياب الرقابة والمساءلة الكافية بما فيها الرقابة على الصناديق خارج الموازنة مثل صندوق المهجرين ومجلس الإنماء والإعمار وكهرباء لبنان ومجلس الجنوب".

 


الصناعة وتكنولوجيا المعلومات: خطوة نحو النموّ المستدام

الورقة المقدمة من البنك الدولي لرئيس الجمهورية ميشال عون في بداية ولايته، تشير إلى أن النموذج الاقتصادي اللبناني يعتمد بصورة أساسية على قطاعات غير منتجة وفاقمت العجز الخارجي (العجز في الميزان التجاري والمالي بين لبنان والخارج) من دون ان تولّد فرص العمل. يعرب البنك عن قلقه من المخاطر الاقتصادية بسبب الاعتماد المفرط على التدفقات المالية، ويشير إلى أن قطاعَي الصناعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال كانا مهملين لفترة طويلة، ولكن يمكن أن يشكّلاً مصدراً لخلق الوظائف للعمال المهرة. سيكون هذا الأمر خطوة نحو النمو المستدام بسبب طبيعة هذين القطاعين الأقل عرضة للصدمات الخارجية، مقارنة مع محفزات الاقتصاد اللبناني التقليدية في قطاع العقارات والسياحة.

ردود على طلب عدوان التحقيق في أداء مصرف لبنان و"المال" تؤكد رد سلامة: قطع الحساب يتم سنوياً

الدكتور

المصدر: جريدة النهار

شكّل مضمون كلمة النائب جورج عدوان خلال الجلسة التشريعية المسائية يوم الثلثاء الفائت عنواناً أساسياً للأخذ والرد، بعدما كشف عن نيته التقدم بطلب لتشكيل لجنة تحقيق في موضوع مصرف لبنان للكشف عن أرباحه ومصاريفه خلال 20 عاماً.  

هذا الكلام أتى في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة ووزارة المال عن المزيد من الايرادات لتمويل نفقاتها ولجمع عجزها المتنامي، مع دين يقارب 79 مليار دولار، ولكن يرى متابعون ان كلام عدوان يمثل خلطاً بين السياسة المالية والسياسة النقدية للدولة اللبنانية. وقد تساءل عدوان عن الرقابة والمحاسبة غير الموجودة في مصرف لبنان، في الوقت الذي تصل فيه واردات المصرف الى 61 مليار ليرة مع 27 الف مليار على شكل سندات خزينة. الردود على كلام عدوان كانت وفيرة، بدأت برد مباشر من حاكم المركزي رياض سلامة أكد فيه انه لم تمض سنة من السنوات الـعشرين، التي تحدث عنها النائب عدوان، ولم يقدم مصرف لبنان على قطع الحساب السنوي والتقدم به إلى وزارة المال ودفع ما يتوجب عليه أن يدفعه ضمن القانون، مشيراً الى ان حسابات المركزي خاضعة للتدقيق من شركتين دوليتين خارجيتين لا علاقة لهما بمصرف لبنان.

بدوره، استغرب وزير العمل سليم جريصاتي مطالبة النائب عدوان بلجنة تحقيق برلمانية بموضوع مصرف لبنان، في وقت يتحرك فيه الحاكم سلامة لمعالجة العديد من القضايا التي تعني لبنان، أما الرئيس نجيب ميقاتي فشدّد على ضرورة ابعاد مصرف لبنان عن التجاذبات السياسية، مستغرباً الطريقة التي تمّت فيها مناقشة موضوعه في مجلس النواب.

واعتبر الرئيس السابق لجمعية المصارف في لبنان الدكتور فرنسوا باسيل أن الإتهامات التي وجهت الى مصرف لبنان ليس لها اي أسس من الصحة، لافتاً الى ان الكلام عن طلب فتح لجنة تحقيق هو كلام غير مسؤول خصوصاً وأن مصرف لبنان لم ينقطع يوماً عن إتمام عملية قطع الحساب وتقديم ميزانيته في نهاية كل سنة الى وزارة المال، وكل المستندات التي تؤكد هذا الامر موجودة في الوزارة. هذا وأكد ان مصرف لبنان لديه مداخيل من سندات الخزينة ولكنه يقوم أيضاً بدفع فوائد على الودائع التي يقبلها من المصارف. وطالب بضرورة تحييد مصرف لبنان والقطاع المصرفي عن التجاذبات السياسية.

واشار الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة إلى ان ما صرّح به النائب عدوان هو كلام غير دقيق ويدلّ على عدمّ إلمام بالحقيقة. فمصرف لبنان خاضع لشركتي تدقيق عالميتين وتُقدّم التقارير إلى وزارة المال سنوياً وفيها قطع الحساب الذي يُحدد الأرباح بدقّة، وهذا بشهادة وزير المال علي حسن خليل. وبالتالي فإن الحساب التقريبي الذي تمّ القيام به من قبل النائب عدوان أي 80% من الفوائد على حصة مصرف لبنان من الدين العام والبالغة 32% من 77 مليار دولار أميركي، هو حساب غير دقيق وقد أوصل إلى نتائج غير دقيقة، وهو ما تم الحديث عنه اي المليار دولار. وتابع: "بإعتقادنا هناك مُشكلة في نوعية الخطأ الذي ارتكبه النائب عدوان والذي يدلّ على عدم المعرفة ببعض الأمور المالية البسيطة. كما نعتقد أن تداعيات هذا التصريح خطيرة من ناحية أنها تُحوّل الأضواء عن مشكلة عدم وجود قطع حساب منذ العام 2003 إلى مُشكلة أخرى غير موجودة. فحتى قطع حساب العام 2003 هو مغلوط بإعتراف أصحاب السلطة، إذ ورد في تقرير وزير المال أن 92% من الهبات من العام 1977 حتى 2010 لا قيود لها في وزارة المال، كما أن هذه الأخيرة تدفع فوائد على قروض لا تعرف مصدرها ووجهة إستخدامها". واضاف: "هذا الأمر يُشكّل غطاء لسؤال أساسي: كم يبلغ دين لبنان العام؟ هل هو فعلًا 77 مليار دولار أميركي؟ لذا يتوجب التركيز على حسابات المالية العامّة التي تفتقر إلى أدنى متطلبات الشفافية، وعدم تحويل المُشكلة إلى مكان آخر لكي يتمّ تمرير موازنة 2017 من دون قطع حساب".

أما الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني فاعتبر أنّ للبنك المركزي مهمة اساسية تتمثل بالحفاظ على الاستقرار النقدي وليس جني الارباح. واشار الى أن لمصرف لبنان مصادر متعددة لتأمين المداخيل يأتي أبرزها من التوظيفات لدى الدولة في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية البالغة نحو 29 الف مليار ليرة بمعدل وسطي عند 6.83% مما يوفر مداخيل بقيمة 2000 مليار ليرة، بالاضافة الى سندات اوروبوند تبلغ قيمتها نحو 7 مليارات دولار اي ما يقارب 10700 مليار ليرة بمعدل وسطي عند 6.5%، مما يوفر مداخيل بقيمة 650 مليار ليرة. في المقابل، لدى مصرف لبنان مصاريف أو نفقات ناتجة من مدفوعات للودائع المودعة لديها من المصارف بقيمة نحو 128 الف مليار ليرة.

وأخيراً، لا بد من الاشارة الى أن المادة 113 من قانون النقد والتسليف تلاحظ أن الربح الصافي يتألف من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء، كما يوزع هذا الربح الصافي بنسبة 20% للاحتياط و80% لخزينة الدولة.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

لولا مداخلة النائب جورج عدوان، التي تناول فيها عمليات مصرف لبنان وتصرّفاته بالمال العام بلا أي رقابة أو محاسبة وعلاقاته التي هي «أكبر من أن يتخطّاها أحد»، لكانت مداخلات أكثرية النواب في جلسة أمس قد بقيت «مهووسة» بحسابات الانتخابات الصغيرة لا بحسابات الدولة المالية «الضائعة»، الى مستوى مناقشة مشروع قانون الموازنة بعد انقطاع دام 12 سنة حتى الآن، أنفقت الحكومة، في خلالها، وجبت ضرائب ورسوماً من الناس بآلاف مليارات الليرات من دون أي سند دستوري أو قانوني شرعي بإقرار من المجلس الدستوري

فيفيان عقيقي
 

شكّلت مداخلة النائب جورج عدوان العنوان شبه الوحيد، أمس، في الجزء الاول من جلسة مناقشة مشروع قانون موازنة عام 2017. فهو نجح في نقل الكلام الجاري من مرتبة الخفّة والعراضات الانتخابيّة الرخيصة التي طبعت مداخلات معظم النواب، إلى مرتبة الجدّية التي يفتقدها المجلس النيابي الممدد لنفسه 3 مرّات خلافاً للدستور، والذي شرّع للحكومة، على مدى 12 عاماً، إنفاق نحو 145 مليار دولار وجباية نحو 103 مليارات دولار من الضرائب والرسوم والعائدات، واستدانة نحو 39 مليار دولار اضافية... بلا أي قانون للموازنة وبلا أي تدقيق أو حساب.

تشكيل لجنة تحقيق مع سلامة

فما الذي تناوله عدوان وأثار ردود فعل واسعة واستدعى ردّاً سريعاً من حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، من وراء البحار؟

بحسب الاحصاءات حتى نهاية حزيران الماضي، بلغ الدين العام الاجمالي المصرح عنه نحو 76.4 مليار دولار، منها نحو 32.3% سندات خزينة وسندات يوروبوندز يحملها مصرف لبنان مباشرة، أي ما يعادل 24.7 مليار دولار، ويتقاضى عليها فوائد من الخزينة العامة بما لا يقل عن 1.5 مليار دولار سنوياً، وهذا المبلغ يمثل مصدراً مهماً لأرباح المصرف المركزي. وتنص المادة 113 من قانون النقد والتسليف على تحويل 80% من مجمل الارباح التي يحققها مصرف لبنان الى الخزينة العامة في كل سنة، إلا أن المصرف لا يحوّل إلا مبلغاً مقطوعاً يقارب 40 مليون دولار سنوياً، منذ عام 2009 حتى اليوم، ما يعني أنه يغطي خسائره ويموّل جزءاً من كلفة هندساته المالية من خلال الموازنة العامّة، خلافاً للمزاعم المتكررة بأن هذه الكلفة والخسائر لا ترتب أي أعباء على المال العام ولا تسهم في زيادة الدين العام.

في هذا الشأن، قال عدوان إن المراقبة والمحاسبة غير موجودتين «لأن مصرف لبنان لديه علاقات أكبر من أن يتخطاها أحد»، ملمّحاً الى منافع تمنح للسياسيين والاعلام، ومتحدثاً عن قروض للتلفزيونات بقيمة 15 مليون دولار بفائدة صفر تقريباً، وقال «فيما نحن مشغولون بالضرائب، كان على مصرف لبنان أن يُدخل مليار دولار سنوياً الى الخزينة العامّة وليس العكس»، وأعطى مثالاً أن مصرف لبنان دفع 6 مليارات دولار كأرباح استثنائية للمصارف في الهندسة المالية في العام الماضي، من ضمنها 800 مليون دولار لأشخاص. طلب من وزير المال إطلاع مجلس النواب عن الأرباح التي حقّقها مصرف لبنان خلال السنوات العشرين الماضية، متعهداً بتقديم طلب «تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في حسابات مصرف لبنان في غضون 48 ساعة»، وهو ما شجّعه الرئيس نبيه بري، الذي قال «يسترجي حدا يقول لأ!».

سلامة لا يقول الحقيقة

 

سارع حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، إلى الرد على كلام عدوان، وقال: «لم تمضِ سنة من السنوات الـ20، التي تحدث عنها النائب عدوان، لم يقدم المصرف المركزي على قطع الحساب السنوي والتقدم به إلى وزارة المال ودفع ما يجب عليه أن يدفعه ضمن القانون».

في الواقع، لم يقل سلامة الحقيقة، إذ إن المادة 117 من قانون النقد والتسليف تنص على أن «يقدّم حاكم المصرف لوزير المالية قبل 30 حزيران من كل سنة الميزانية وحساب الارباح والخسائر عن السنة المنتهية، وتقريراً عن عمليات المصرف خلالها. تنشر الميزانية والتقرير في الجريدة الرسمية خلال الشهر الذي يلي تقديمها لوزير المالية»؛ فمنذ عام 2002 لم يطبّق سلامة هذه المادة الا مرّة وحيدة، عندما نشر في 14/7/2016 (العدد 36 من الجريدة الرسمية) تقريراً ناقصاً عن عام 2015، وقد فعل ذلك تحت ضغوط تقارير صحافية نشرتها «الأخبار».

وجاء في رد سلامة أن «حسابات مصرف لبنان خاضعة للتدقيق من قبل شركتين دوليتين خارجيتين لا علاقة لهما بمصرف لبنان»، وقال: «تحدث النائب عدوان عن مداخيل المصرف المركزي من سندات الخزينة التي في محفظته، كأنها هي فقط البند الوحيد في المصرف وتشكل الدخل الكلي للمصرف، بينما مصرف لبنان من حيث القانون يقبل الودائع من المصارف ويدفع عليها فوائد. وعليه أيضاً أن يقوم بعمليات مفتوحة مع الأسواق بناء للمادة 70 من قانون النقد والتسليف للحفاظ على الاستقرار النقدي. ولذا، هنالك نقص في تحليل النائب عدوان، وهو أن مصرف لبنان لديه مداخيل ومصاريف من الفوائد»، لافتاً إلى أن «البنك المركزي له مداخيل أخرى من توظيفاته، وعليه مصاريف أخرى لها علاقة بكلفة مهام البنك وغيره»، ومشيراً إلى أن «مصرف لبنان خلال الفترة التي تحدث عنها النائب عدوان (أي منذ عام 1993) حوّل إلى الخزينة 4 مليارات و500 مليون دولار، وزاد أمواله الخاصة من 60 مليون دولار إلى 3 مليارات دولار».

هذا الرقم، أي تحويل 4.5 مليارات دولار الى الخزينة منذ عام 1993، يتضمن عمليات سابقة قام بها مصرف لبنان عبر احتساب فروقات سعر الذهب واستعمالها دفترياً في إطفاء جزء من الدين العام الحكومي، ولا سيما في أعقاب باريس-2، وبالتالي لا تمثل هذه حصة الخزينة من الارباح المفروضة بموجب قانون النقد والتسليف!

تقرير لجنة المال وتوصياتها!

وكان المجلس النيابي قد بدأ، أمس، جلساته المُخصّصة لمناقشة وإقرار موازنة عام 2017، التي أحالتها الحكومة إلى المجلس النيابي بعد انقضاء سبعة أشهر على المهلة الدستوريّة، والمُفترض أن تجيز للحكومة إنفاق وجباية المال العام في سنة صُرف أغلب اعتماداتها، وقبل شهرين من انقضائها. والأخطر، ورودها كنتيجة لاتفاق سياسي يسعى الى تمرير مخالفة دستوريّة إضافية، تقضي بعدم إنجاز الحسابات الماليّة النهائية للدولة عن السنوات السابقة، وعدم إقرار قطع الحساب، لا بل تعليق هذا الموجب الدستوري لمدّة سنة، إلى حين انتهاء وزارة الماليّة من إعدادها والتدقيق فيها.

استهلت جلسة المناقشة بتنويه الرئيس بري بعمل لجنة المال والموازنة التي درست مشروع القانون، وأجرت تعديلات عليه، فخفّضت الاعتمادات المرصودة بقيمة 1004 مليارات ليرة. عرض النائب ابراهيم كنعان تقرير اللجنة مرفقاً بمجموعة توصيات من المُفترض أن تأخذ بها الحكومة عند إعداد موازنة عام 2018، أبرزها إنجاز حسابات ماليّة مُعدّة أصولاً ومُدققة من ديوان المحاسبة، وإلغاء إدارات رديفة (UNDP)، وإعادة النظر في هيكلية الإدارات العامّة وأجهزة الرقابة وملاكاتها ورفدها بالعناصر المؤهلين، وإعادة النظر في المساهمات التي تقدّم لغير القطاع العام وتحديد المعايير اللازمة لمنحها والجدوى منها، واقتصار اعتمادات مجلس الإنماء والإعمار من القروض والتمويل المحلي على ما سيستعمل فعلياً منها، وغيرها...

العراضات الانتخابيّة!

أمام أهمّية هذا الحدث، بعد مرور 12 عاماً على إقرار آخر موازنة عامّة أُرسي خلالها نهج متفلت من أيّ رقابة ومساءلة في إنفاق المال العام وجبايته، وتحت وطأة الضغوط التي تمارسها المؤسّسات المالية الدوليّة ووكالات التصنيف، اتصفت مناقشة «ممثلي الأمة» لموازنة 2017 بالمراهقة لناحية التعاطي مع المخاطر الجدّية التي تتهدّد ماليّة الدولة؛ فبدلاً من مناقشة بنود مشروع الموازنة المعروضة أمامهم، تحوّل منبر مجلس النواب منصّة لإطلاق الشعارات عشية الانتخابات النيابيّة.

 

المطالب الإنمائيّة و«أوجاع الناس» شكّلت محور حديث أغلب النواب، من البقاع إلى بيروت، ومن الشمال إلى جبل لبنان، فيما كان النائب سيرج طورسركيسيان يمارس هواية «التنكيت». تصدّر نواب الشمال حلبة المداخلات الانتخابية، وتباروا في استنهاض الشارع «السنّي» عبر تكرار «معزوفة» المظلوميّة التي تتعرّض لها «الطائفة». ابتعد النائب أحمد فتفت في كلمته عن مناقشة الموازنة، مضفياً إليها الطابع السياسي، ومنتقداً شعار «استعادة الثقة» الذي ورد في البيان الوزراي، باعتبار أنها «ستبقى مفقودة في ظل وجود سلاح غير شرعي، وتطبيق سياسة النأي بالنفس استنسابياً، وتعطيل مسابقات مجلس الخدمة المدنيّة بحجّة التوزان الطائفي». أمّا النائب أنطوان زهرا فاستغل المنبر للتصويب على «العهد وتياره»، مشيراً إلى أن «مشروع المسيحيين هو الدولة وليس حصّتهم في الدولة، وحقوقنا ليست بالنهب، وأن الوطنيّة لا تعني المفاخرة بالعنصريّة بل بتعزيز الإنسانيّة بعيداً من العدائية والانعزاليّة». لقب «نجم الجلسة» ناله النائب خالد الضاهر الذي استهلّ كلمته بآية قرآنية، محوّلاً النقاش إلى عناوين شكّلت موضع جدل متكرّر بينه وبين بري، بعد أن ركّز فيها على الصراع السنّي الشيعي وخلفياته العقائديّة، وسلاح حزب الله وزجّ شبابه في الحرب السورية، ما دفع النائب علي المقداد إلى ترك القاعة.

 

نظام ضريبي جديد عادل

حذّر عدوان من اتجاه لبنان نحو الهاوية، كون «70% من النفقات مخصّصة للرواتب ودعم الكهرباء وخدمة الدين، و9% للنفقات الاستثمارية، فيما الدين ارتفع إلى 72 ملياراً ونتوجه إلى 80 ملياراً هذا العام، وخدمة دين من 3 مليارات إلى 5 مليارات دولار». كذلك تطرّق إلى ملف الكهرباء، داعياً إلى «إيقاف الهدر فيه، والتوجه نحو بناء معامل لإنتاج الكهرباء تعمل على الغاز المسيل وتخفيف الأعباء المترتبة جراء البواخر».

كذلك كان للنائب علي فيّاض مداخلة في صلب الموضوع أشار فيها إلى أن «قيمة هذه الموازنة تكمن في إصدارها بعد توقف دام 12 عاماً، إلّا أنها لا تؤدي أي دور في معالجة الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وما هي إلا استمرار للسياسة القديمة التي أدت إلى تدهور المالية العامة، وتالياً إن إقرار القانون دون قطع الحساب يجعل منه قانوناً غير دستوري». وركّز فيّاض على «ضرورة إنشاء نظام ضريبي جديد عادل، بعد التعديلات الضريبيّة التي أقرّت أخيراً، والتي قد يضاف إليها أكثر من 25 ضريبة جديدة ومعدّلة مدرجة في الموازنة»، كذلك دعا إلى «صياغة استراتيجيّة تستهدف خدمة الدين العام (28.7% من النفقات)، باعتبار أن تخفيض الفائدة بمعدل نقطة واحدة سيؤدّي إلى تخفيض هذه الكلفة بنحو 500 مليار ليرة»، فضلاً عن التحوّل إلى «سياسة التقشف وتحديد سقف سنوي للإنفاق لا يتجاوز معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وضبط الجمارك كون الإيرادات الجمركيّة انخفضت خلال السنوات الخمس الماضية فيما ارتفع حجم البضائع المستوردة، ومكافحة التهّرب الضريبي باعتبار أن إيرادات ضريبة الـTVA مستقرّة على عتبة الـ3300 مليار في حين أن الناتج المحلي الإجمالي ازداد بمعدل 2.4%، لذلك هناك نحو 800 مليون دولار من عائدات الضريبة لا تجد طريقها إلى الخزينة، ما يستدعي توسيع قاعدة المكلفين كالمهن الحرّة وعمليات انتقال الأسهم».

 

 المصدر: جريدة الاخبار
 

 

سجّل ميزان المدفوعات عجزاً تراكمياً بقيمة مليار دولار حتى نهاية تموز 2017، بسبب استمرار خروج الاموال من لبنان بكميات أكبر من الداخلة إليه. وهذا العجز يأتي رغم كل الإجراءات المالية التي اتخذت خلال السنتين الماضيتين بذريعة وقف نزف العملات الأجنبية التي يحتاجها لبنان لتمويل عجزه التجاري، لا بل تبيّن أن القدرة على الاحتفاظ بالكميات المجتذبة ليست ثابتة بالقدر الملائم لمتطلبات الاقتصاد اللبناني، ما يخلق قلقاً مبرراً من إمكانية الاستمرار في هذا المسار الانحداري. وبحسب إحصاءات مصرف لبنان، فإن ميزان المدفوعات سجّل عجزاً في ثلاثة أشهر من أصل سبعة أشهر في عام 2017. ففي شهر نيسان بلغت قيمة العجز 320.9 مليون دولار، ثم سجّل عجزاً بقيمة 591.5 مليون دولار في أيار أيضاً، وعجزاً بقيمة 758 مليون دولار في حزيران. أما الوفر المحقق في الأشهر الأربعة الباقية من السنة، فهو لا يكفي لتغطية العجز الحاصل في الاشهر الثلاثة المذكورة، فأصبحت النتيجة عجزاً تراكمياً بقيمة 1015.4 مليون دولار.

ويكشف ميزان المدفوعات عن مصدر النزف بالعملات الأجنبية. ففي الأشهر الأولى من السنة كان مصرف لبنان هو مصدر النزف، ثم أصبحت المصارف هي مصدر النزف. وتشير الإحصاءات إلى أن قيمة العجز المسجل على مصرف لبنان في شهر آذار بلغت 1158.1 مليون دولار، ثم عجز بقيمة 443.5 مليون دولار في شهر نيسان، وعجز بقيمة 675.7 مليون دولار في شهر أيار. وفي المقابل، سجّلت المصارف عجزاً كبيراً في شهري حزيران وتموز، إذ تشير الإحصاءات إلى نتيجة سلبية بقيمة 2523.4 مليون دولار في حزيران و1470.7 مليون دولار في تموز.

 

تعدّ هذه النتيجة مؤشراً على الصعوبات المالية في لبنان، إذ أن الحاجة ماسة للحصول على العملات الأجنبية لتمويل العجز التجاري الذي بلغ 15.7 مليار دولار في عام 2016، وبلغ 9.34 مليار دولار حتى نهاية تموز من عام 2017. كذلك، يتوجب النظر بشكل دقيق إلى مصدر النزف، فالمعروف أن الأزمة تصبح أعمق كلما كان النزف يعبر عن هروب أموال من لبنان، أي أنه يظهر في ميزانيات المصارف. العملات الأجنبية التي تدخل إلى مصرف لبنان تخرج منه إلى المصارف وقد تهرب من النظام بكامله وقد تبقى فيه، أما تلك التي تخرج من المصارف فهي تهرب إلى خارج البلاد وهنا مكمن الخطورة. إذا كانت الكميات الخارجة كبيرة وتفوق الكميات الواردة إلى لبنان، فإن الحاجة للعملات الأجنبية ستزداد وتؤثر سلباً على عامل «الثقة» الذي يُستعمل لاستقطاب التدفقات من الخارج. ومع ضعف هذا العامل، فإن المشكلة تغذّي نفسها وتستجر زيادة في الطلب على الدولارات ونزفاً لا يمكن وقفه بسهولة.

على أي حال، بعيداً عن السيناريو «الأسوأ»، فإن ما يظهر في ميزان المدفوعات هو أن الإجراءات التي اتخذت خلال الأشهر الماضية لوقف النزف، على ضخامتها وكلفتها الباهظة، تبدو غير قادرة على وقف النزف، بل تعالجه بشكل سطحي في عملية توصف بأنها «شراء الوقت»، وهو أمر ألمح إليه بيان صادر عن خبراء صندوق النقد الدولي خلال زيارتهم لبنان في إطار مهمة «البعثة الرابعة»، إذ قال رئيس فريق البعثة كريس جارفيس: «لا يزال نظام ربط سعر الصرف يشكل ركيزة اسمية ملائمة. ويتعين أن يكون مصرف لبنان على استعداد لزيادة أسعار الفائدة في حالة تباطؤ وتيرة تدفقات الودائع الداخلة بعد انتهاء آخر جولات عمليات الهندسة المالية. ومن الضروري كذلك أن يواصل مصرف لبنان رصد المخاطر وتخفيفها في القطاع المصرفي». علماً أن جارفيس لم يخف قلقه من المخاطر في القطاع المصرفي، ولا سيما بعد التقييم المالي الذي قام به الصندوق خلال الأشهر الماضية، والذي أظهر انكشافاً كبيراً لميزانيات المصارف على الدين السيادي في توظيفاتها، وعلى العقارات في قروضها للقطاع الخاص.

(الأخبار)

 

المصدر: جريدة الاخبار

 
 
ألبر داغر
 

حسناً فعلت جريدة "الاخبار" بنشر ورقة الباحث الدكتور توفيق كسبار حول خطر انهيار سعر صرف الليرة الذي يحدق بلبنان (الأخبار، 4 و5/9/2017). وهي ورقة تأخذ موقفاً حاداً في ميدان السياسة الاقتصادية يستدعي النقاش.

1. محتوى الورقة

تعالج الورقة أربع نقاط. يتناول الباحث في النقطتين الأولى والثانية من ورقته، عمل مصرف لبنان وممارسته لدوره على صعيدي سعر الفائدة والهندسات المالية. يُظهر أن أسعار الفائدة التي اعتمدها المصرف لاستقطاب الودائع والتمويل كانت كريمة أكثر من اللازم وغير مبرّرة. تتجاوز أسعار الفائدة هذه على سندات الخزينة بـ 500 نقطة "الليبور" الذي يشكل مرجعية المصارف المركزية، وتتجاوز بـ 650 نقطة هذه المرجعية في ما يخص شهادات الإيداع التي يصدرها. يرى الباحث أنه كان يمكن الاكتفاء بفارق يساوي 100 نقطة لضمان استقطاب التدفقات المالية الخارجية.

يتناول الباحث في النقطة الثانية من بحثه الهندسات المالية التي يجريها مصرف لبنان منذ 2016 لإعادة تكوين احتياطه المتناقص بالعملات الصعبة، والذي يعوّل عليه ككتلة مناورة يستخدمها للتصدي لعمليات شراء كثيفة للدولار ينجم عنها ارتفاع لسعره، أي خفض لسعر صرف الليرة. وقد منح للمصارف في هندسة 2016 ما يوازي 5 مليارات دولار بالليرة اللبنانية كعمولة، مقابل 5 مليارات دولار وفّرتها هذه الأخيرة له وانضافت إلى احتياطيه بالعملات الصعبة. لكنه يرى أن الهدف من تلك الهندسة المالية كان تعويض مصرفين لبنانيين كبيرين عن خسائر تكبداها في الخارج وبلغت مليار دولار.

ثمة إذاً نقل للثروة يتولاه المصرف المركزي، إن من خلال أسعار الفائدة المرتفعة التي يعتمدها أو من خلال الهندسات المالية التي يجريها، لصالح القطاع المصرفي. وهو دور يتواءم مع الأدوار التي لعبتها المصارف المركزية في الغرب منذ 1980 وما زالت، لجهة نقل الثروة إلى "أصحاب الريوع المالية".

يتناول الباحث في النقطتين الثالثة والرابعة من ورقته السياسات الحكومية المعتمدة ومقترحاته للتصدي لخطر انهيار سعر صرف الليرة. يبيّن ما بات معروفاً بالنسبة لسياسة الإنفاق العام، أي استحواذ خدمة الدين العام على ثلث الإنفاق في الموازنة، وذهاب الثلث الثاني كمرتبات وأجور للعاملين في القطاع العام، واستحواذ مؤسسة كهرباء لبنان على حصة مهمة من الإنفاق العام كدعم لتغطية عجزها الاستثماري، وعدم التمكن من تخصيص أكثر من 8% من الإنفاق العام للإنفاق الاستثماري. ويُظهر الباحث تزايد عجز الموازنة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بقيمة مليار دولار كل سنة.

النقطة الرابعة والأخيرة التي تتضمنها الورقة تشتمل على مقترحين للباحث. يتناول المقترح الأول ضرورة مساءلة حاكم مصرف لبنان عن السياسات التي اتبعها، خصوصاً على صعيدي أسعار الفائدة التي يعتمدها وهندساته المالية. وهناك مسألة المعلومات التي يمتنع مصرف لبنان عن نشرها وتتناول قيمة الودائع التي يستقطبها وأسعار الفائدة التي يدفعها. وهو يمتنع منذ 2003 عن نشر تقريره السنوي لئلا يظهر هذا التقرير الخسائر التي يتكبدها وتمثّل الفارق بين ما يدفعه للمصارف كفوائد وما يحققه كإيرادات من توظيف هذه الموارد في ظروف دولية حيث أسعار الفائدة الدولية منخفضة جداً، وأحياناً سلبية.

يتناول المقترح الثاني للباحث ضرورة الحصول على التزام رسمي من أركان السلطة التنفيذية، بخفض العجز في الموازنة إلى ما يوازي 4 مليارات دولار، وهو يبلغ في موازنة 2017 ما يوازي 6 مليارات دولار. والهدف من ذلك تطمين الأسواق المالية، الأمر الذي من شأنه أن يردع المودعين في المصارف عن الاستمرار في الهروب من الليرة ونقل مدخراتهم إلى الخارج والتسبّب بعجز ميزان المدفوعات المستمر منذ سنوات عدّة.

2. ملاحظات على الورقة

هناك ثلاث ملاحظات على الورقة، تتناول الأولى منها منشأ الأزمة المالية، وتتناول الثانية كيفية التصدي لهروب الرساميل، وتتناول الثالثة الموقف من الإنفاق العام.

يقدم الباحث قراءة تُظهر أن انهيار سعر صرف الليرة بفعل تحويلات كثيفة من الليرة إلى الدولار هو عنوان الأزمة المالية التي تتربص باللبنانيين. وهو خطر سوف يزداد بفعل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية المرتقب مع نهاية السنة الحالية. نشير في هذا الإطار إلى أن خبراء صندوق النقد الدولي يحذرون من أزمة مالية يكون منشؤها القطاع العقاري في لبنان. وهم ينتقدون مصرف لبنان لأنه يلعب دوراً تنموياً وتدخلياً في أكثر من قطاع، ولأن سياسة دعم الفوائد التي يوفرها للمقترضين لشراء مساكن هي ما يتيح استمرار نشاط القطاع العقاري. وهم يحرّضون المصرف على الامتناع عن التدخّل والاكتفاء بأدواره التقليدية (صندوق النقد الدولي، 2017: 9؛ الأخبار، 2017). وذلك رغم معرفتهم أن انسحابه من دعم الفوائد في القطاع العقاري سيؤدي إلى توقف الكثيرين من المقترضين عن الدفع، وانهيار الأسعار في هذا القطاع وانهيار المصارف التي تورّطت كثيراً في توفير قروض سكنية.

وهي قراءة لمسببات الأزمة المالية تذكّر بالتفسيرات للأزمة المالية في أميركا عام 2008 التي تسبب بها المقترضون في القطاع العقاري. وطبعاً فإن كلام هؤلاء الخبراء ليس منزلاً. وهم يحرّضون المصرف على الذهاب في الاتجاه الذي يفجّر الأزمة المالية وفق قراءتهم هم لها.

لكن الأرجح هو أن الأزمة المالية إذا حصلت، سوف تكون أزمة انهيار لسعر صرف الليرة تتسبّب به تحويلات كثيفة من الليرة إلى الدولار وإلى الخارج وعجز المصرف المركزي عن مواجهة هذه الموجة.

تتناول الملاحظة الثانية مسألة خروج الرساميل. يقترح الباحث حلاً هو تحسين المتغيرات التي تعكس خصائص الظرف الاقتصادي القائم (Fundamentals). وهي تتمثّل هنا بحجم الدين العام مقارنة بالناتج ونسبة العجز في الموازنة بالإضافة إلى تطور رصيد ميزان المدفوعات. ويرى أن خفض العجز سيحسّن صورة لبنان لدى المودعين ويردعهم عن الذهاب إلى الخارج. وهي مقاربة نيو-كلاسيكية بامتياز، ترى أن المتعاملين في الأسواق المالية، وهم أصحاب الودائع في حالة لبنان، يتصرّفون إفرادياً ويتخذون قراراتهم في ضوء حركة المتغيرات الأساسية هذه (غرابل، 2003(ب): 244).

والمشكلة الآن هي أن ثمة خروجاً للرساميل يتجاوز دخول الرساميل ويتسبّب بعجز ميزان المدفوعات. وهو عجز يستمر منذ سنوات على خلاف العادة في لبنان. وهذا في الأرجح ما يضغط على أعصاب الحاكم ويجعله معنياً بعدم قبول انخفاض احتياطيه بالدولار، والمسارعة إلى إعادة تعويض النقص بواسطة الهندسات المالية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ليس ثمة علاقة سببية ثابتة في كل وقت وزمن بين رصيد ميزان المدفوعات وبين سعر صرف العملة. يمكن أخذ مثال على ذلك من حقبة الثمانينيات في لبنان. وقد استعاد لبنان آنذاك الفائض المعهود في ميزان المدفوعات بدءاً من 1985 واستمر الأمر على هذا النحو حتى 1992. وخلال هذه الفترة كلها كان سعر صرف الليرة ينهار كل سنة أكثر وبشكل مريع. وذلك لأن ثمة من كانت له مصلحة في ذلك، ولأن المصارف السبعة الأولى في لبنان كانت هي من يحدد ما ينبغي أن يكون عليه سعر صرف الليرة. ولم يكن الشعب اللبناني المشرذم بالحرب آنذاك قادراً على التصدي لعملية تدمير مقومات عيشه تلك.

وقد بلور الباحثون الما - بعد - كينزيون مقاربة لمواجهة الأذى الذي تلحقه حركة التدفقات المالية السريعة دخولاً وخروجاً، هي على نقيض المقاربة النيو- كلاسيكية في هذا الميدان. وقد دفعت إليها تجربة تسعينيات القرن العشرين التي حفلت بأزمات مالية شديدة الوطأة تعرضت لها بلدان نامية عديدة، وتسببت بها حركات خروج سريع للرساميل كانت موجات شائعات تكفي أحياناً لإطلاقها. وقد بنى الباحثون هؤلاء مقاربتهم لكيفية تلافي الأزمات المالية التي قد تنجم عن خروج الرساميل على تجارب بلدان نجحت في ذلك كماليزيا وتشيلي.

وهي تتلخص بالرقابة على حركة التدفقات المالية من خلال تتبع حركتها والاحتراز منها. وذلك عبر توفير معلومات عن التدفقات إلى البلدان المعنية تتيح للمستثمرين خفض التزاماتهم تجاهها حين تصبح المخاطر مرتفعة (trip wires)، واعتماد آليات إبطاء لحركة التدفقات من الخارج إلى الداخل وبالعكس (speed bumps) (غرابل، 2003(أ)؛ داغر، 2010 و2011). وهي مقاربة تختلف عن "أنظمة الإنذار المبكر" التي تقوم عليها المقاربة النيو- كلاسيكية للاحتراز من الأزمات. وقد استطاعت ماليزيا أن تحد من حرية تحويل العملة المحلية إلى دولار خلال التسعينيات، من دون أن تتأثّر بذلك قدرتها على اجتذاب الرساميل.

وقد اعتمد حاكم مصرف لبنان إجراءات إبطاء للتحويلات من الليرة إلى الدولار بعد اغتيال الرئيس الحريري عام 2005 ونجح في ذلك. ويقتضي الأمر في حالة لبنان الحاضرة بناء مقدرة مؤسساتية أكبر للرقابة على حركة الرساميل وضبط هذه الحركة. وهو مطلب يوجّه إلى أركان السلطة التنفيذية ربما يكون أهم من الطلب إليهم الالتزام بخفض عجز الموازنة.

الملاحظة الثالثة تتناول الحل المقترح بخفض عجز الموازنة. وهو يعني انكفاء إلى المقاربة النيو-كلاسيكية أو النيو-ليبرالية التي ترى الدولة وحجمها وصلاحياتها شراً ينبغي التصدي له. وقد لا نختلف مع الباحث حول الطبيعة غير الإنتاجية لأغلب الإنفاق العام، وحول الدور السلبي الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد. لكن كيف يمكن خفض الإنفاق العام أكثر؟ وهل ينبغي مثلاً النكوص عن تصحيح أجور العاملين في القطاع العام، وهي التي لم تُصحّح منذ 21 عاماً؟ وما هو المدى الذي يمكن الذهاب إليه في زيادة شغور الإدارة العامة وتحطيمها؟

وعلى نقيض النيو-كلاسيكيين، لا ينبغي "رمي الدولة في المجرور" لأن هذا أمر غير ممكن في الأساس، ولأن البديل عن "دولة الحد الأدنى" النيو-ليبرالية هو "تعلّم الدولة"، أي بناء المقدرة المؤسساتية للدولة لكي تتمكّن من الاضطلاع بمهامها التنموية والرقابية. ونقترح بديلاً عن مطالبة أركان السلطة التنفيذية الالتزام بخفض الإنفاق العام وخفض العجز في الموازنة، مطالبتهم بإقامة "هيئة رقابة على حركة الرساميل وضبط لحركتها".

أخيراً، تثير الابتسام نبرة الباحث في التوجّه إلى أركان السلطة التنفيذية. وهي نبرة المؤسسات الدولية حين كانت تعتقد أن ثمة حقيقة وحيدة، هي المخوّلة التعبير عنها. وقد سال ماء كثير تحت الجسور منذ ذلك التاريخ.

 

المراجع

Grabel Ilene, “International Private Capital flows and Developing Countries », in H-J Chang (ed.), Rethinking Development Economics, London : Anthem press, 2003(a), pp. 325-345.

Grabel Irene, "Predicting Financial Crisis in Developing Economies: Astronomy or Astrology?" Eastern Economics Journal, symposium on "Financial Globalization" 2003(b), 29(2), pp. 243-258.

International Monetary Fund, Lebanon: Financial System Stability Assessment, Country Report, No. 17/21, January, 2017, 70 pages.

ألبر داغر، "الصراع السياسي وافتعال الأزمة المالية في لبنان"، الأخبار، 17/3/2011، وأعيد نشرها في ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 224 صفحة، ص. 193 – 199.

ألبر داغر، "احتمالات الأزمة المالية في لبنان وطرق التصدي لها"، الأخبار، 22/3/2010، في ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 224 صفحة، ص. 188 – 192.

الأخبار، "تقارير صندوق النقد قبل التنقيح وبعده: النظام المالي ليس على ما يرام"، 24/4/2017.

  1. الأكثر قراءة