المصدر: جريدة النهار

 

اقرّ مجلس النوّاب قانون الموازنة للعام 2017 متضمّناً بندًا يتعلّق بحساب دعم المستأجرين المنصوص عنه في قانون الإيجارات الجديد تاريخ 2014/5/9 وتعديلاته. ولهذه الغاية تمّ رصد 30 مليار ليرة لبنانيّة لتمويل هذا الحساب، وهذا المبلغ يمثّل الدفعة الأولى من المساهمات السنويّة التي سوف تُلحظ كلّ عام تباعًا في قوانين الموازنة اللاحقة لتغطية التزامات الحساب، ومنها في وقت قريب موازنة 2018 المتوقّع أن يناقشها مجلس النواب في جلسات تشريعية قريبة لإقرارها وفق النمط نفسه الذي أقرّت به موازنة 2017. وقد نصّ قانون الإيجارات الجديد على إنشاء حساب لدعم المستأجرين اللبنانيّين من ذوي الدخل المحدود المحدّدين في القانون بالذين لا يتجاوز معدّل دخلهم الشهري العائلي خمس مرّات الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، أي ما قيمته 3.375.000 ليرة، وهذا الحساب يموّل بشكل رئيسي من خلال إسهامات سنويّة تُلحظ في موازنة وزارة المال، ولا يستفيد منه المستأجر الأجنبي. 

 

عمليا، تُدفع مساهمات الحساب إلى المالك وتبقى على عاتق الحساب ولا يمكنه، أي المالك، التذرّع بها على أنّها جزء من بدل إيجار المستأجر غير مسدّد، وبالتالي أعطى المشرّع نوعا من الطمأنينة للمستأجرين أنّه في حال لم يسدّد الحساب يبقى المستأجر بمنأى عن المطالبة وخطر سقوط حقّه في التمديد لعلّة عدم الدفع، وذلك طوال فترة التمديد التي تصل إلى 12 سنة من تاريخ دخول القانون حيز التطبيق في 2014/12/28 والتعديلات عليه بتاريخ 2017/2/28.

وجاء في النص القانوني أنّ كل من أعطى إفادة أو تصريحًا كاذبًا إلى اللجنة أو استفاد منهما يُلاحق بجرم التزوير واستعمال المزوّر، لأنّ في ذلك هدراً للمال العام وإضراراً بالخزينة وحرماناً للمستفيد الحقيقي من الاستحصال على المساهمة. ويقوم الحساب أيضًا بتسديد ما يستحقّ للمستأجر الذي يرغب في إخلاء المأجور بالاتفاق مع المالك مقابل حصوله على مساهمة ماليّة تُدفع أقساطًا شهريّة مساوية لرصيد مجموع ما كان سيدفعه له الحساب، وهنا يحقّ للمستأجر التفرّغ عن هذه الأقساط لمصدر تمويل أو اقتراض يختاره ويقرضه قيمة المساهمة دفعة واحدة، ويُعتبر هذا القرض قرضًا سكنيًّا يستفيد من خلاله بالإعفاءات المنصوص عنها قانونًا. ولأجل احتساب قيمة المساهمة في هذه الحالة يقتصر معدّل الدخل العائلي الشهري على مجموع الدخل للمستأجر وزوجته من دون سائر أعضاء الفريق المستفيد. ولم يشترط القانون على المالك والمستأجر وجوب إبراز براءة ذمّة ماليّة أو بلديّة من أجل الاستحصال على مساهمات الحساب، إذ انّ تسديد هذه المساهمات لا يمكن أن يكون مشروطًا بذلك.

وتعليقًا على الخطوة، رحّبت نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة في بيان برصد جزء من الأموال للحساب، وطالبت الدولة باستكمال الإجراء في قوانين الموازنة للسنوات اللاحقة، فيما تخوّفت لجان المستأجرين من اعتبار الحساب وهميًّا وعدم الاستمرار في تمويله، خصوصًا أنّ عدداً من المستأجرين يرغب في تقاضي تعويضات الإخلاء وترك المأجور، مقابل الحصول على التعويضات من الحساب.

وفي سياق متصل، يؤكد المنسق الاعلامي للجان المستأجرين حسيب قيلوح رفض لجان الدفاع وتجمع المستأجرين لهذا القانون جملة وتفصيلا، معتبراً ان القانون الجديد للإيجارات "صدر في كذبة خلال العام 2014، وانه ما زال معطلا إستناداً الى المادة 58 منه التي تلحظ: "خلافاً لأي نص مخالف، يعلق تطبيق أحكام مواد هذا القانون المتصلة بالحساب والمساعدات والتقديمات كما المراجعات القضائية في الاساس أو التنفيذ أو الاحكام التي سبق لها أن صدرت والتي تؤدي الى تحديد بدل ايجار أو إخلاء المستأجر المعني بتقديمات الصندوق المذكور الى حين دخوله حيز التنفيذ". وتطالب هذه اللجان المجلس النيابي بإلغائه وسحبه من التداول، والعمل على إقرار قانون جديد ينصف الطرفين اي المستأجرين والمالكين، ولو أخذ هذا الامر سنوات، ويقول قيلوح: "لا أحد يهدد المالك بسكنه بحسب اللجان، بينما المستأجر سيرمى في الشارع لو نفذ هذا القانون الذي لا يتحمله أكبر مديري المصارف في البلاد".

ونظمت لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين اعتصاما أمس في ساحة رياض الصلح رفضا لتطبيق قانون الايجارات الجديد، والتأكيد على وقف العمل به واقرار قانون عادل ومنصف بين المالك والمستأجر. 

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

لم ينتظر النواب أكثر من 10 أيام على اضطرارهم إقرار قانون الضرائب، خلافاً لرغبة الهيئات الاقتصادية، حتى سارعوا إلى استغلال فرصة التصديق على موازنة عام 2017 لإرضاء أصحاب الرساميل وتأكيد التزامهم التام بتأمين مصالحهم على حساب المال العام. فقانون الموازنة، إن لم يُطعَن فيه أمام المجلس الدستوري لكثرة مخالفاته وفداحتها، يوفّر المزيد من المكاسب والمكافآت والحمايات للمتهربين من الضرائب والمفلسين احتيالياً ومصادري الأملاك العامة... وشتى أنواع الجرائم المرتكبة لـ«نتش» المال العام

فيفيان عقيقي
 

تقريباً، لم ينسَ أحد من النواب الـ35، الذين استهلكت خطاباتهم يومين من الأيام الثلاثة المخصصة لمناقشة موازنة عام 2017، أن يشكو فداحةَ التهرّب الضريبي، ولا سيما في الجمارك. كانت الشكوى مخصصة لاستغلال البث التلفزيوني في تلميع الصورة وترك الانطباع عند الناخبين أن النواب حرصاء جداً على المال العام، ولكن ما إن أمر رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بقطع البث والمباشرة بالتصويت على الموازنة بنداً بنداً، حتى تنفس الجميع الصعداء، وسارعوا إلى نزع الأقنعة الثقيلة، وبدأوا مباراتهم المتوقعة في الدفاع عن مصالح أصحاب الرساميل والتشريع باسمهم ولهم.

فما أخذته الدولة بيد من ضرائب إضافية متواضعة جداً على أرباح المصارف وشركات الأموال والعقارات والأملاك العامة البحرية في قانون الضرائب رقم 45/2017 الصادر في 9/10/2017، عاد مجلس النواب وردّ لها باليد الأخرى عند إقرار قانون الموازنة في 19/10/2017، الذي لم يخرج قيد أنملة عن السياق المستمر من بداية تسعينيات القرن الماضي، إذ أغدق في الإعفاءات من الغرامات المفروضة على التهرب الضريبي، ورفض إقرار أي إجراء إداري، مهما كان بسيطاً أو محدوداً، يحدّ من هذا التهرّب، وكذلك شطب مواد وأضاف وعدّل وخفض بدلات وأموراً أخرى... كلها تخدم تلك الفئة القليلة من المسيطرين على الاقتصاد والمستأثرين بالحصة الأكبر من الأرباح والمداخيل.

هنا نماذج وأمثلة على بعض ما اقترفته الموازنة في هذا المجال؟

إشغال الأملاك العموميّة: البرلمان يحمي المستثمرين!

بموجب القانون الضريبي رقم 45/2017، فُرضت غرامات ضئيلة جداً على التعديات القائمة على الأملاك العموميّة البحريّة، وهو ما عُدَّ محاباة لمحتلي الشاطئ العام وتشريعاً لتعدياتهم. هذه المحاباة انسحبت على موازنة 2017. ففي مشروع القانون الذي أعدّته وزارة الماليّة وناقشته الحكومة قبل إرساله إلى المجلس النيابي، رُفعَت رسوم رخصة إشغال الأملاك العموميّة على كل متر مربع سنوياً، لتصبح كالآتي:

- مليون ليرة في بيروت والمناطق المحيطة بها ضمن مسافة 5 كيلومترات، بدلاً من 100 ألف.

- 500 ألف ليرة في مراكز المحافظات والمناطق المحيطة بها، بدلاً من 50 ألفاً.

- 250 ألف في مراكز الأقضية والمناطق المحيطة بها، بدلاً من 25 ألفاً.

- 100 ألف في المناطق الأخرى، بدلاً من 10 آلاف ليرة.

مناقشة هذه المادة في لجنة المال والموازنة أدت إلى خفض الرسوم المقترحة إلى النصف! لم يكتفِ النواب في الهيئة العامة بهذا الخفض غير المبرر، فعمدوا عند التصويت إلى خفضها مجدداً إلى ربع القيمة التي اقترحتها وزارة الماليّة، وكان قائد هذا المنحى فؤاد السنيورة، وأيّده نواب التيار الوطني الحرّ، ولم تفلح اعتراضات نواب حزب الله وحركة أمل، لينتهي الأمر إلى تحديد رسم رخصة الإشغال في بيروت ومحيطها بقيمة 250 ألف ليرة لكل متر مربع، و125 ألفاً في مراكز المحافظات والمناطق المحيطة، و62.5 ألف ليرة في مراكز الأقضية والمناطق المحيطة بها، و25 ألفاً في المناطق الأخرى. وليس هناك حاجة إلى جهد كبير لمقارنة قيمة هذا الرسم المتواضع مع القيمة الفعلية الرائجة للسوق لإدراك مدى المحاباة التي أظهرها النواب لهذه الفئة من شاغلي الملك العام.

دعم المستثمرين: من الضرائب إلى الأرباح!

 

كما في السنوات الماضية، لحظت الموازنة اعتمادات، ضمن موازنة وزارة الماليّة، بقيمة 200 مليار ليرة لدعم ما يسمى «فوائد القروض الاستثماريّة». في الواقع، تدعم الدولة أصحاب الأعمال بتخصيص هذا المبلغ سنوياً من الضرائب التي يسددها الجميع. لا أحد يعلم كيف يجري التصرّف بهذا المبلغ الكبير، إذ يُحوَّل إلى مصرف لبنان لإنفاقه عبر المصارف من دون تقديم أي معلومات عن المنتفعين بحجة السرية المصرفية! تقوم آلية الدعم على تحميل الخزينة العامة كلفة فارق السعر بين الفائدة التي يقترض بها صاحب رأس المال، والفائدة التي تفرضها المصارف لتعظيم أرباحها.

عند دراسة هذا البند في لجنة المال والموازنة، سارعت إلى خفضه بمعدّل 20%، من ضمن «حملة» خفض «على العمياني» طاولت معظم التحويلات للقطاع العام ولغير القطاع العام والجمعيات. ولكن في الهيئة العامّة، قصد وزير المال علي حسن خليل إبلاغ النواب بطبيعة هذا الدعم وهوية المستفيدين منه، متسائلاً: «هل هناك اتفاق على إلغاء هذه القروض لأشطبه؟»، فسارع رئيس اللجنة النائب إبراهيم كنعان، إلى تبرئة ساحته من هذا «الغلط»، وقال: «الخَفض تمّ عشوائياً، لذلك من الأفضل الإبقاء عليه»، ولم يعترض إلا النائب حسن فضل الله، الذي استنكر «عدم التزام ما ناقشته لجنة المال، والاستمرار بدراسة الموازنة خارج المهل الدستوريّة، وبعد إنفاق اعتماداتها على مساهمات ومساعدات غير محدّدة المعايير»، ولم يلقَ كلامه أي اهتمام!

 

إعادة تقييم الأصول: هديّة أخرى للمصارف!

أجاز قانون الموازنة «للأشخاص الحقيقيين والمعنويين الملزمين بمسك محاسبة منتظمة، باستثناء الشركات العقارية، ولمرة واحدة، وضمن مهلة اثني عشر شهراً، (حدّدت بستة أشهر في مشروع وزارة الماليّة وعدّلتها لجنة المال)، من تاريخ نفاذ هذا القانون، إجراء إعادة تقييم استثنائية للأصول الثابتة وتصحيح آثار التضخم النقدي الناتج من التغيير في قيمها. وخفَض القانون معدّل الضريبة المفروض على الأرباح التي ستنجم عن هذه العملية من 15% حالياً إلى 5% فقط.

هذه المادّة أثارت سجالات كثيرة في السابق، في كل مرّة جرى طرحها، نظراً إلى ما تنطوي عليه من إعفاءات ضريبية للمصارف والشركات بمئات ملايين الدولارات، من دون أي مبرر، إذ إن القوانين المرعية الإجراء تنظم عمليات إعادة تقييم موجودات الشركات، إلا أن معظم الشركات لا يلتزمها ويعمد إلى إخفاء القيمة الحقيقية لهذه الموجودات تهرّباً من تسديد الضريبة، وبالتالي يُبقي تخمينها على الأسعار القديمة المسجّلة في الميزانيات المصرّح عنها، وأكثر من يستفيد من الخفض الضريبي هي المصارف التي استحوذت على عقارات واسعة في موجوداتها على أساس الأسعار السابقة، وتسعى حالياً إلى إعادة تقييمها بالأسعار الحالية لرفع قيمة رساميلها، أي رفع الثروات الشخصية للمساهمين بمليارات الدولارات من دون تسديد إلا 5% كضريبة.

فرض القانون 45/2017 الذي أقرّه المجلس أخيراً، ضريبة بمعدّل 15% على أرباح العقارات، و10% على إعادة تقييم الأصول، فيما نصّ قانون الموازنة على جعلها 5% كتعديل استثنائي ولفترة محدّدة بـ12 شهراً!

مكافحة التهرّب الضريبي: شعارات للاستهلاك!

عمدت لجنة المال والموازنة إلى إجهاض بعض التدابير التي تحدّ من التهرّب الضريبي، فيما أجهز البرلمان على المواد التي لم تتمكّن لجنة المال من حذفها.

ينصّ قانون الإجراءات الضريبيّة رقم 44 الصادر في عام 2008 على «سقوط الضريبة غير المسدّدة الصادرة بموجب جداول تكليف أو المصرّح عنها بعامل مرور الزمن بعد 4 سنوات»، اقترحت الحكومة في مشروع الموازنة رفع المهلة إلى سبع سنوات، إلّا أن لجنة المال عدّلتها وخفضتها إلى خمس سنوات». وخلال المناقشات في الهيئة العامة، أشار وزير المال إلى أن «المدّة ليست كافية لتحصيل الضرائب وجبايتها، لذا اقترحنا تعديل القانون ورفع المدّة إلى 7 سنوات»، إلا أن أحداً من النواب لم يكن معنياً ببحث بمصلحة الخزينة العامة.

بحسب النائب نواف الموسوي، تندرج هذه المادّة «في إطار تشريع التهرب الضريبي وقوننته». لم يوافقه إلا النائب حسن فضل الله، الذي أشار إلى «عدم جواز سقوط الضريبة بمرور الزمن لعدم تشجيع المكلّفين على التهرّب من دفع المتوجب عليهم»، وسأل فضل الله وزير المال: «من المستفيد من هذا الإجراء؟ الشركات التي تتهرّب من دفع ضرائبها؟ لمَ لا تقدّمون لنا لوائح لمعرفة المستفيدين؟».

حاول كنعان تبرير التعديل الذي أجرته لجنته، فأشار إلى أن «سقوط الضريبة يشمل الأشخاص الذين صرّحوا عن أرباحهم، وهنا تأتي مسؤولية الإدارة لجبايتها في غضون المدّة المحددة».اقترح السنيورة «إسقاط كل التكاليف»، فردّ خليل بأن «إجراءً مماثلاً حصل في عام 2004، وأسقطت التكاليف الصادرة قبل عام 1999 وتكبّدت الخزينة خسائر بملايين الدولارات». عرض بري المادة على التصويت: نواب حزب الله وحركة أمل صوتوا بعدم إسقاط الضريبة بمرور الزمن، فسقط طرحهم، وأقرّ «تمديد المدة من أربع إلى خمس سنوات» بأصوات المستقبل والتيار الوطني الحرّ.

 

الإفلاس الاحتيالي: حماية التجار الكبار!

أسقط ثنائي المستقبل – الوطني الحرّ، تدبيراً اقترحته وزارة الماليّة في مشروع الموازنة، بحجة الحدّ من التهرّب الضريبي أيضاً. وينصّ على «استيفاء مبلغ نسبته 1% من قيمة كلّ عمليّة استيراد وتصدير كأمانة على حساب ضريبة الدخل، على أن يدخل المبلغ في حساب المكلف الضريبي ويحسم من الضريبة السنويّة على أرباحه».

طرح هذه المادّة في مشروع الموازنة كشف عن طريقة متبعة للغش والتهرّب من ضريبة الأرباح، إذ يعمد بعض المستوردين والمصدرين إلى إنشاء شركات تستورد أو تصدِّر بضائع، وتعمد إلى بيعها، ثم يقوم أصحابها بإنهاء وجودها وإعلان إفلاسها للتهرب من تسديد الضريبة المتوجبة على الأرباح... هذه الفضيحة كان يمكن أن تدفع إلى إجراءات أكثر قسوة تتجاوز حفظ حق الخزينة بنسبة 1% فقط من قيمة كل عملية، إلا أن ما حصل كان عكس ذلك تماماً، إذ شُطبَت هذه المادة بالتصويت ضدها، بناءً على اعتراضات السنيورة وكنعان ونبيل دو فريج التي عدّت «هذه الضريبة بمثابة رسم جمركي مباشر يتعارض مع الاتفاقات المبرمة، ويؤدّي إلى رفع الأسعار. ما يوجب دراستها وإعادة النظر فيها». حاول خليل وفضل الله الإبقاء عليها، لكن دون نتيجة! ولم تنفع تحذيرات وزير المال من أن «هناك قطاعاً يخسّر الخزينة حقوقها من 95% من عملياته، نتيجة إنشاء شركات تستورد البضائع ثم تفليسها، للتهرب من تسديد ضريبة الأرباح».

الإعفاءات من الغرامات: شطارة المتهربين وسذاجة الملتزمين

رسا قانون الموازنة بعد إقراره على سلسلة من الإعفاءات الضريبيّة، التي مرّرتها لجنة المال والموازنة عند إجراء تعديلاتها على مشروع القانون المرسل من الحكومة. وهو ما وصفه خليل بـ«فرسان الموازنة» لكونها تكافئ المتهرّب من دفع ضرائبه وتعاقب من يلتزم دفع الضريبة. فردّ عليه كنعان قائلاً: «صحيح أنها فرسان، ولكن أضفناها».

تشتمل هذه الإعفاءات التي صدّق عليها النواب مباشرة، حتى قبل تلاوة المادة كاملة، على:

- خفض غرامات التحقق والتحصيل بنسبة 85% (وهي كانت واردة وحيدة في مشروع الحكومة)، إضافة إلى خفض الغرامات المتوجبة بنسبة 90% على متأخرات أوامر التحصيل الواردة من الإدارات والمؤسسات العامّة، ومتأخرات رسوم الميكانيك، ومتأخرات الرسوم البلدية، ومتأخرات الرسوم البلدية على المؤسسات السياحيّة.

- ألغت لجنة المال مجموعة تدابير كانت مُدرجة في مشروع الموازنة الأساسي، وهو ما اعترض عليه نواف الموسوي، لكونها تدابير تطاول قطاعات قادرة على تحمّل الأعباء، وغالباً ما تتهرّب من الضريبة، وهي:

* رفع الضريبة المقطوعة المفروضة على شركات الأوف شور من مليون إلى 5 ملايين ليرة.

* تعديل التقديرات المباشرة الخاضعة لضريبة الأملاك المبنية للوحدات المشغولة من غير المستأجرين بنسبة 200% للإشغالات الحاصلة قبل 1/1/1997، ونزولاً وصولاً إلى زيادة بنسبة 50% على الإشغالات ما بين 1/1/2003 و31/12/2006.

* تعديل رسوم الميكانيك المفروضة على مختلف أنواع السيارات والمركبات.


بري: «كلنا بنعرف إنو عم نرقّع ترقيع!»

نال المركز اللبناني لحفظ الطاقة حصّة واسعة من النقاش، إذ اعترض النائب محمد قباني على تخصيص مبلغ 6 مليارات ليرة له ضمن موازنة وزارة الطاقة، كون لجنة الطاقة النيابيّة تطلب منذ سنتين إمدادها ببيانات هذه الجمعيّة وأنظمتها وميزانيتها «وما من مجيب»! ملاحظة قباني دفعت الرئيس نبيه بري إلى طلب الإيضاحات من وزير الطاقة سيزار أبي خليل، الذي حاول الالتفاف على الموضوع بالإشارة إلى أن «هذه الجمعية ناجحة باعتراف مصرف لبنان، وهناك قانون مرسل منذ عام 2012 لجعلها مؤسسة عامة». إصرار بري على معرفة الأسباب التي تحول دون إرسال ملفاتها، أربك أبي خليل، قبل أن يسعفه كنعان بإشارته إلى أن لجنة المال النيابية «حصلت على هذه المستندات عندما طلبتها»، فيما نفى النائبان قباني وفضل الله حدوث ذلك، وأشار الأخير إلى أن هذه الجمعية «كانت مشروعاً للـ UNDP وعندما انتهى المشروع أعطيت علماً وخبراً وتحوّلت إلى جمعية موجودة دائماً في وزارة الطاقة وتصرف من المال العام». اشتداد الجدل حسمه بري بشطب ميزانية المركز، قبل أن يعيد منه ملياري ليرة بناءً على طلب كنعان وأبي خليل لدفع أجور الموظفين فيها. وهو ما دفع فضل الله إلى القول «هذا هو الفساد، 2 مليار ليرة للتنفيعات. أين هو عمل 4 أشهر داخل لجنة المال؟». ردّ بري بالقول: «كلنا بنعرف إنو عم نرقّع ترقيع!».


15 ملياراً لاستئجار مبنى من «سوليدير»

على الرغم من تلاقي خطابات النواب على «مكافحة الهدر»، إلا أنهم لم يظهروا مثل هذا الحرص عند التصويت على بنود الموازنة، بل بالعكس تماماً. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم طرح قضية استئجار الدولة مبنى الإسكوا من شركة «سوليدير»، الذي ارتفع إيجاره ملياراً و800 مليون ليرة خلال سنة واحدة، ووصل إلى 15 مليار ليرة في سنة 2017. طلب الرئيس بري توضيح سبب هذه الزيادة الباهظة في سنة واحدة، فردّ عليه وزير العدل سليم جريصاتي بوصفه وزير الخارجية بالوكالة، كون الوزير الأصيل جبران باسيل لم يحضر أياً من جلسات مناقشة الموازنة، أن «العقد المبرم ينصّ على هذه الزيادة، وأن الوزير باسيل يتفاوض مع الإسكوا لنقل وزارة الخارجية إلى مبناها، ونقل مكاتب الإسكوا إلى مبنى أرخص»! بحسب «الدولية للمعلومات»، يشكّل إيجار مبنى الإسكوا 15% من مجمل كلفة إيجار المباني الحكوميّة، البالغة 100 مليار ليرة، أما مجموع ما دفعته الحكومة كبدلات إيجار لهذا المبنى منذ عام 1997 حتى اليوم فيبلغ نحو 165 مليون دولار أميركي، أي أكثر من كلفة إنشاء عدد من المباني المماثلة.

انتهى النقاش، وصدّق البند كما هو.


لا تحقيقَ برلمانياً في قضية GDS

حث الرئيس نبيه بري نواباً معترضين على طلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية خاصّة، تتولى التدقيق في قضية الامتياز الممنوح لشركة GDS لمدّ شبكة فايبر أوبتيك خاصّة بها. جاء ذلك بعدما أثار عدد من النواب هذه القضية، نظراً إلى الخسائر الهائلة التي يتوقّع أن تلحق بالخزينة العامّة بنتيجتها. يقول النائب حسن فضل إن «وزير الاتصالات لجأ إلى الحكومة لإعطائه سلفة خزينة بقيمة 151 مليار ليرة لتوسيع الشبكة الثابتة التي ستستفيد منها شركة خاصّة، وهو أتى بعدما رفضنا إدراجها في إطار قانون البرنامج المقدّم ضمن الموازنة، علماً بأن إصراره على صرف المبلغ يعني مباشرة التنفيذ قبل إقرار القانون».


محاولة لتهريب تسوية مخالفات البناء منذ 1971

جرت محاولة في الموازنة لتهريب تسوية مخالفات البناء الحاصلة منذ عام 1971، وهو ما عارضه السنيورة بوصف هذا البند بمثابة «جيش الموازنة» وليس مجرّد «فرسان الموازنة»، في حين أشار سمير الجسر إلى أنها «المرة الثانية التي يمرّر بها ونتصدّى له»، واعترض فضل الله عليه ووصفه بالـ«تهريبة». في المقابل، دافع كلّ من ابراهيم كنعان وأنطوان زهرا عن القانون باعتبار أنه «يحلّ مشاكل عالقة منذ عام 1994، وبأن الناس تنتظر إجراءً مماثلاً، وخصوصاً بعدما أقررنا غرامات على الأملاك البحريّة». فقرّر الرئيس بري «إحالته إلى لجنة الإدارة والعدل لدراسته في مهلة شهر».

المصدر: جريدة الجمهورية
 
البروفسور جاسم عجاقة
 
 
 
أقرّ مجلس النواب موازنة العام 2017 في جلسته امس الاول، الخميس بعد ثلاثة أيام من النقاشات. هذا الأمر الذي يُعدّ إنجازا في الظاهر نظراً لتداعياته الإيجابية على صعيد التصنيف الإئتماني للبنان، أرسى سابقة بإستنسابية تطبيق الدستور وأظهر مُشكلة عامّة تتمثّل بمعرفة قيمة الدين العام.

لا يُخفى على أحد أن تسارع زيادة الدين العام بين العامين 2005 و2017 سببه الرئيسي الإنفاق من خارج الموازنة. فقد إرتفع الدين العام من 38 مليار دولار في العام 2005 إلى 77 مليار دولار حتى شهر تموّز 2017 أي تضاعف خلال 12 عامًا.

 

والأصعب في الأمر أن هذا المبلغ الهائل تمّ إنفاقه بالدرجة الأولى على الإنفاق الجاري (الأجور وخدمة الدين العام والكهرباء) دون أن يكون هناك إنفاق إستثماري ملحوظ.

 

منذ العام 2005 وحتى يومنا هذا تتقدّم وزارة المال بمشاريع موازنات إلى مجلس النواب. هذه المشاريع تُعتبر نسخة عن السنة السابقة مع إرتفاع في حجم البنود من عام إلى أخر، وبالتالي فإن طرح موازنة العام 2017 جاء في سياق إستمرارية مشاريع الموازنات السابقة.

 

وهنا تظهر مُشكلة أساسية تتمثّل في معرفة دقّة الأرقام التي تظهر في مشاريع الموازنة (بالطبع لا يجب أخذ هذه الملاحظة إنتقادًا لأداء وزارة المال بل إلى القرار السياسي الذي يعود له الأمر).

 

فالمعروف أن أخر قطع حساب تمّ إقراره من مجلس النواب كان في العام 2005 عن سنة 2003. وبالتالي من المفروض أن يُشكّل قطع الحساب هذا مرجعا موثوقا لحسابات الدولة اللبنانية، إلا أن الواقع مُختلف.

 

بحسب الأسباب المُوجبة التي رافقت مشروع قطع حساب العام 2015 والذي رفعه وزير المال إلى مجلس الوزراء في جلسة مجلس الوزراء نهاية أيلول الماضي، هناك عيوب كثيرة تشوب الحسابات في الفترة التي طالت قطع حساب العام 2003 نذكر منها على سبيل المثال عدم وجود حسابات لـ 92% من الهبات التي تلقتّها الدولة اللبنانية. وبالتالي، فإن قطع حساب العام 2003 هو قطع حساب غير دقيق لأنه لا يعكس واقع المالية العامّة في لبنان.

 

المُشكلة الأساسية التي حالت دون تصديق ديوان المحاسبة على قطع الحساب خلال الأعوام الماضية هي في الأرصدة الإفتتاحية للعام 1993 والتي تمّ تصفيرها بشكل عشوائي بحسب تقرير وزارة المال. لكن في ظل فرضية معالجة هذه الأرصدة بشكل علمي، هناك مُشكلة غياب قيود للعديد من العمليات مما يعني أن مُعظم الحسابات المطروحة لا تعكس حقيقة المالية العامّة وعلى رأسها الدين العام.

 

كم يبلغ دين عام الدولة اللبنانية؟ سؤال يتوجّب على السلطة السياسية الإجابة عنه، فغياب واقع دقيق للمالية العامّة في الأرقام المطروحة في قطع حساب الأعوام التي تلت الحرب الأهلية يعني أن الجواب على هذا السؤال هو رهينة تصحيح الأرقام.

 

وهنا يحق للقارئ أن يسأل عما إذا كانت فترة ستّة أشهر أو سنة التي طالبت بها وزارة المال كافية لتحضير قطع حساب دقيق؟

 

بإعتقادنا أن هذا الأمر هو شبه مُستحيل وذلك لسببين: الأول يتمثّل بملايين القيود التي يتوجّب إعادة درسها وهذا الأمر يتطّلب الكثير من الوقت. والثاني يتمثّل بغياب إثباتات عن كل العمليات التي تمّت. من هذا المُنطلق نرى أن هناك شبه إستحالة لوضع قطع حساب دقيق للدولة اللبنانية في ظل المنهجية المُعتمدة وفي ظل الوقت المطلوب.

 

لماذا هناك أهمّية لقطع حساب دقيق؟

 

إن أهمّية قطع الحساب الدقيق لها تداعيات على الواقع المالي للدوّلة اللبنانية ولكن أيضًا على طريقة إدارة المال العام.

 

الواقع المالي للدولة: يحق للمواطن اللبناني الذي يقبل بدفع الضرائب أن يعرف كمّ يبلغ دينه العام. هذا الأمر هو من أبسط حقوق المواطن على السلطة السياسية ولا يُمكن لهذه الأخيرة أن تقول له إكتشفنا أن هناك ديونا لم تكن مُسجّلة وبالتالي يتوجّب دفع ضرائب لتسديدها.

 

وهنا نتذكّر ما حصل في حزيران العام 2015 حين ظهر من العدم إستحقاق مالي على الدولة اللبنانية بقيمة 800 مليون دولار أميركي إضطّر مصرف لبنان إلى دفعه عن الدوّلة اللبنانية.

 

إدارة المال العام: لا يُمكن إنتظام المالية العامّة من دون معرفة حقيقة الإنفاق في مختلف وزارات ومؤسسات الدوّلة اللبنانية. هذا الأمر هو أحدّ أسس الإدارة المالية الرشيدة في الشركات والدول لترشيد الإنفاق وتعظيم فوائد إستهلاك الموارد المالية والإقتصادية، وبالتالي يتوجّب على الدوّلة معرفة حقيقة المالية العامّة.

 

ولمن يقول أن هذا الأمر معروف من خلال بنود الموازنة، نقول له أن غياب قطع حساب دقيق يمنع معرفة هذا الأمر خصوصًا أن تقرير وزارة المال أقرّ بوجود أخطاء (بغضّ النظر إذا كان عمدًا أو عن قلّة معرفة) وبالتالي لا يُمكن توزيع الإنفاق بشكل دقيق على كافة البنود في الموازنة.

 

منهجية لقطع الحساب

 

المراحل التي يُمكن من خلالها تحقيق قطع حساب دقيق تتضمّن آلية علمية مبنية على التالي:

 

أولًا: مراجعة كل الحسابات من جديد وذلك من خلال العوّدة في الوقت إلى العام 1991. هذا الأمر يفرض تدقيقا حسابيا مُضنيا ولو لزم الأمر تفريغ 2000 موظف من موظفي الإدارة العامّة يجب القيام به بشكل منهجي ودقيق.

 

ثانيًا: فصل العمليات المشكوك بأمرها (لا تملك أوراق ثبوتية...) عن العمليات السليمة ودراسة إمكانية إجراء تصحيح لهذه القيود من خلال مُقاربة علمية (كل حالة بحالة).

 

ثالثًا: إن العمليات التي لا يُمكن تصحيحها يجب وضعها في خانة خاصة حيث تتمّ دراسة تداعياتها المالية على حسابات الدولة (مدينة أو دائنة).

 

رابعًا: إستعادة مستحقات الدوّلة على الغير من خلال تحصيل هذه المستحقات بآلية تضعها الحكومة.

 

خامسًا: عزل العمليات التي تُظهر إستحقاقات على الدوّلة اللبنانية وإنشاء لجنة تحقيق لمعرفة تداعيات هذه الإستحقاقات مع الوقت وإظهار الجهات المعنية فيها لكي يتّم تحديد إذا ما كان هناك من تداعيات مع الوقت مُستمرّة حتى الساعة.

 

سادسًا: في حال لم يتمّ الوصول إلى نتيجة مع هذه العمليات، يتوجّب تكوين مؤونة لها.

 

سابعًا: إعتماد منهجية علمية في تحديد حسابات الأرصد الإفتتاحية للعام 1993 وعكس هذه الأرصدة في قطع الحسابات للأعوام التالية حتى العام 2016.

 

كل هذا يتمّ بإشراف مباشر من قبل ديوان المحاسبة الذي أظهر مصداقيته كل هذه السنوات بعدم المُصادقة على قطع حساب مُخالف للقوانين المرعية الإجراء.

 

وبالتالي يُمكن من خلال هذه المنهجية تحديد حقوق الدولة لدى الغير ومُستحقات الغير على الدوّلة اللبنانية مما يعني الوصول إلى قطع حساب دقيق ومعه قيمة الدين العام.

 

موازنة العام 2018

 

بإعتقادنا يتوجّب على السلطة إقرار موازنة للعام 2018 على أساس قطع حساب العام 2016 حتى ولو كان هذا الأخير غير دقيق مع إدخال عبارة «على ان تؤخذ في الاعتبار التعديلات التي قد يقرها ديوان المحاسبة لاحقاً». هذا الأمر يسمح بإحترام الدستور وفي نفس الوقت يُبقي الباب مفتوحًا أمام التعديلات التي سيجريها ديوان المُحاسبة على كل قطع حساب منذ العام 1993 وحتى يومنا هذا.

 

في الختام، يُمكن الجزم من خلال تقرير وزارة المال أن الدوّلة اللبنانية لم تمتلك يومًا قطع حساب دقيق وهذا الأمر غير مقبول إذ لا ينقص لبنان مهارات لتصحيح وضع مهترئ يعود إلى سبعينات القرن الماضي.

 

المصدر: جريدة الاخبار

 

صوّت 56 نائباً مع مشروع القانون الرامي إلى إضافة مادة إلى مشروع قانون موازنة 2017 تجيز نشرها بمعزل عن قطع الحساب، فيما صوّت ضد المشروع 11 نائباً، وامتنع نائبان عن التصويت. هذه النتيجة جاءت على الرغم من إقرار الجميع بأنها تنطوي على مخالفة دستوريّة واضحة!

فيفيان عقيقي
 

بأقل من نصف ساعة في نهاية جولة، أمس، من مناقشة قانون موازنة 2017، حسم مجلس النواب سجالاً مديداً حول دستوريّة إقرار الموازنة العامّة من دون قطع الحساب بحسب ما توجبه المادة 87 من الدستور. حاز مشروع القانون الرامي إلى إضافة مادة إلى مشروع الموازنة تجيز نشرها قبل إقرار قطع الحساب على أصوات 56 نائباً، في مقابل معارضة 11 نائباً من الكتائب والقوات والنائبين نقولا فتوش وبطرس حرب، فيما امتنع النائبان إبراهيم كنعان وعماد الحوت عن التصويت.

كانت جولة المناقشات العمومية قد انتهت، أمس، ليبدأ مجلس النواب بمناقشة مواد مشروع قانون موازنة عام 2017، تمهيداً للتصويت عليها بنداً بنداً. اختار الرئيس نبيه بري أن يبدأ الجولة الثانية مع التصويت على مشروع إضافة المادة المذكورة. اعترض النائب بطرس حرب على ذلك، مشيراً إلى وجوب المباشرة بمناقشة مشروع الموازنة نفسه، إلا أن بري استند إلى نص المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تنصّ على أن يبدأ المجلس بإقرار قطع الحساب، ثم يبدأ بإقرار بنود الموازنة، ما يعني أنه اعتبر إضافة هذه المادة بمثابة بديل لإقرار قطع الحساب. كرّر حرب اعتراضه، معتبراً أن ذلك ينطوي على «تعديل ضمني للدستور». ردّ بري: «عم ضيف مادة على مشروع الموازنة مش عم عدّل الدستور». طرح حرب إجراءً شكلياً يقضي بأن يحيل وزير المال مشروع قطع حساب عام 2015 لإقراره بصورة غير نهائيّة ريثما تنتهي وزارة المال من إعادة تكوين كل الحسابات المالية النهائية من عام 1993 إلى اليوم. تبنّى النائب سامي الجميّل طرح حرب، واعتبر أن «التصويت على مشروع إضافة المادة المذكورة هو بمثابة تصويت على مخالفة الدستور». تدخّل رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان ودار سجال بينه وبين الجميّل، إذ رأى كنعان أن اقتراح حرب والجميّل لا يحلّ المعضلة الدستورية والقانونية، إذ إن المادة 195 من قانون المحاسبة العمومية تفرض أن يوافق ديوان المحاسبة على قطع الحساب قبل إقراره في مجلس النواب. طرح بعض النواب تعديل الدستور عبر قانون دستوري، إلّا أن بري رفض ذلك رفضاً قاطعاً.

 

قبل هذا السجال، كان وزير المال، علي حسن خليل، قد أقرّ في كلمته بوجود الخلل الدستوري «كيفما تعاطينا مع المسألة»، لكنه رأى أن الخطر الأكبر يكمن في عدم إقرار الموازنة وبقاء الوضع سائباً «بكل ما تعنيه الكلمة». وتعهّد خليل بأن لا يكون هناك أي تسوية على الحسابات، بل محاسبة «مهما كانت الأخطاء صغيرة أو كبيرة». وأقرّ خليل أيضاً بوجود مخالفة أخرى باعتماد القاعدة الاثني عشرية الصالحة لشهر واحد على مدى 12 عاماً، معتبراً أن الإجازة بنشر الموازنة قبل قطع الحساب هو مخرج قانوني وليس قاعدة قانونية!

 

التمادي بالمخالفات الدستورية

إعداد الحسابات المالية منذ عام 1979 لم يراعِ نصوص الدستور والقوانين المرعية. وبحسب تقرير لوزارة الماليّة (المرفق مع مشروع قانون إضافة مادة إلى مشروع الموازنة تجيز نشرها قبل إنجاز الحسابات النهائية للسنوات الماضية)، هناك أسباب عدّة حالت دون التزام هذه النصوص، بحسب المراحل المختلفة، إلا أن معظمها جاء كنتيجة لصرف النظر عن إعداد حساب مهمة المحتسبين المركزيين، وحساب المهمة العام، وقطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة. ففي عامي 1991 و1992، أعفيت الإدارة من إعداد الحسابات بحجة فقدان الكثير من بياناتها. علماً أن الوزارة حاولت تكوين حسابات مهمّة المحتسبين لهذين العامين، لكن خلاصة العمل لم تكن مكتملة ولم يوافق عليها ديوان المحاسبة. أمّا بين عامي 1993 و2006، فقد عجزت الوزارة عن إعداد الحسابات نتيجة تصفير الحسابات الماليّة في عام 1993 دون أي مسوغ قانوني، ما أدى إلى غياب ميزان دخول عام 1993 في تراكم حركتها، بحسب ما تؤكّد تقارير ديوان المحاسبة، الذي لم ينظر بعدها في ما بقي من أخطاء ونواقص في هذه الحسابات، ودرج مجلس النواب منذ ذلك الحين على إصدار قوانين قطع حساب من عام 1993 وحتى 2003 غير نهائيّة وغير مصدّقة من ديوان المحاسبة. ومنذ عام 2006 درجت الحكومة على الصرف دون إجازة قانونية.

في عام 2011، باشرت وزارة الماليّة بإعادة تكوين العناصر الأساسية في مديرية الخزينة ومديرية المحاسبة العامة، ومعالجة آثار ترتبت عن مخالفات في مسك القيود أدّت إلى تداخل بعض الحسابات الرئيسيّة والتفصيليّة، ووجود سندات قيد محاسبية غير موقعة أو موقعة من الشخص نفسه كمعد ومدوّن ومدقّق للقيد، والامتناع عن القيام بعمليّة جرد دوريّة للمبالغ العالقة في حسابات الغير ولسلف الخزينة، وعدم التنبه إلى وجود سلف موازنة غير مسددة تعود لسنوات سابقة، عدم فتح حسابات للهبات والقروض، وفتح سنوات ماليّة بعد مرورها لتسجيل نفقات جديدة... وقد تمكنت فرق عمل وزارة الماليّة من إعادة تكوين حسابات عام 1993 ولغاية 2010، وانتهت من إعداد 9 تقارير من أصل 12 تقريراً، وهي التقارير العائدة لحسابات الهبات، سلف الموازنة، سلف الخزينة، حسابات البنوك، قيد مؤقت للنفقات، قيد مؤقت للواردات، حسابات الصندوق، سندات الخزينة وحسابات الأمانات. أما التقارير التي ما زالت قيد الإعداد وعددها 3 فتعود لحسابات القروض، والحوالات، الودائع.

الضرب في الميت حرام

إقرار الموازنة دون إنجاز الحسابات الماليّة النهائية للدولة شكّل الموضوع الأبرز في اليوم الثاني من جلسات مناقشة موازنة عام 2017. أبرز المداخلات تمثّلت بتقديم النائب نقولا فتوش درساً في الدستور يتناول «عدم جواز مناقشة الموازنة بمعزل عن الحسابات، بما يسمح بتمرير عمليات اختلاس وسرقة المال العام دون أي محاسبة»، استند فتوش في كلمته إلى ما «عرضته وزارة الماليّة من مخالفات في أخطاء واردة في الحسابات الماليّة للدولة منذ عام 1993 وحتى اليوم، تتمثّل بعدم تسجيل 92% من الهبات، إعادة فتح حسابات سنوات سابقة وإضافة نفقات جديدة عليها مع ما قد تحمله هذه العمليات من سرقة واختلاس مال عام، عدم أرشفة المستندات الثبوتيّة، عدم وجود سلف خزينة، إلغاء قيود التسوية، وجود إنفاق عالق في قيود النفقات لكونه لم يحصل على إجازة من المجلس النيابي...»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن النواب مناقشة الموازنة بصورة منفصلة عن قطع الحساب، لكون النصوص الدستوريّة واضحة (المادتين 83 و87)، وقرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 22/9/2017، تفرض إنجاز وإقرار قطع الحساب قبل إقرار الموزانة العامّة، وعلى إدارات الدولة ومؤسّساتها احترام هذه النصوص والقرارات، إذ لا يمكن مجلس النواب مناقشة موازنة من دون حساباتها، لأن الضرب في الميت حرام».

اختلافات عونية

اللافت كان موقف النائب زياد أسود المتمايز عن موقف كتلته النيابية، إذ بدا كأنه يسائل حزبه لا الحكومة في معرض مناقشة الموازنة. ففيما ينظر «التيار الوطني الحر» إلى إقرار الموازنة بالشكل المتفق عليه على أنه «إنجاز» للعهد، وفق ما أشار النائب آلان عون في كلمته رداً على «المزايدات»، ورافضاً توصيف الأمر بـ«التسوية السياسيّة على المال العام، بل اتفاقاً سياسياً لا بدّ منه لإعادة الانتظام إلى الماليّة العامّة ريثما تنجز وزارة الماليّة الحسابات منذ عام 1993»، يقول أسود: «سنقرّ الموازنة، وسنصادق عليها، لكننا لم نصدق القول بالفعل. فهل هذه تسوية أم بداية إصلاح، أهي مساومة أم تصحيح نهج؟ ألا يوجد مسوؤل واحد عن استباحة المال العام لمحاسبته؟ أم إنها الأرواح تعطّل ديوان المحاسبة وتخفي المستندات ولا تنجز الحسابات، وهي الحجّة التي تعفي المجموعة الحاكمة من تحمّل مسؤوليّاتها وإيجاد الحلول». فيما يشير النائب سيمون أبي رميا إلى أن «في عام 2010، خلال جلسة مناقشة الموازنة، أقرّت وزيرة المالية في حينها ريّا الحسن بعدم وجود حسابات للدولة اللبنانيّة، والتزمت إنجازها خلال شهرين. لقد مرّت 7 سنوات ولم تنجز هذه الحسابات. على مدار هذه السنوات أنفقت مبالغ ضخمة دون أي رقابة، عبارة عن هبات بقيمة 6 مليارات دولار لا يعلم بها غير الواهب والموهوب له، قروض بقيمة 24 مليار دولار، وسلفات خزينة بقيمة 128 مليار دولار، سندات خزينة بمعدّل فائدة يتخطّى 45%، فضلاً عن فقدان حوالات صرف ومستندات... وبدلاً من تصويب الأداء المالي، ترد دعوات لتصفير الحسابات أسوة بما حصل في عام 1993، وإقرار الموازنة دون حسابات ماليّة».

المصدر: جريدة النهار

 

موريس متى

 

 

 

يقترب مجلس النواب من إقرار الموازنة العامة لسنة 2017 التي استغرقت أشهراً من العمل والتحضير والتعديل، وبخاصة في لجنة المال والموازنة التي خصصت 42 جلسة بين 25 نيسان و28 آب 2017 لإنهاء هذه الموازنة، بعد انقضاء أكثر من 11 سنة بلا موازنة، تعذرت خلالها ممارسة رقابة برلمانية وفقاً للأصول. 

 

يمكن إعتبار موازنة 2017 موازنة حسابية أو موازنة أرقام للجباية مع نفقات كبيرة، فيما تفتقد الى رؤية إقتصادية وإجتماعية شاملة تلحظ سلسلة إصلاحات هيكلية مطلوبة وملحة بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني. ويشيد وزني بملاحظة تقرير لجنة المال والموازنة لخفض النفقات العامة في موازنة 2017 بقيمة 1008 مليارات ليرة، والتي أتت نتيجة إلغاء قانون برنامج شراء الباصات لسكك الحديد بقيمة 10 مليارات ليرة، بالاضافة الى خفض المساهمات لغير القطاع العام بقيمة 191 مليار ليرة، مع خفض المساعدات الاجمالية بنحو 207 مليارات ليرة وخفض النفقات المدرجة ضمن إحتياطي الموازنة بقيمة 600 مليار ليرة.

وقد قامت لجنة المال والموازنة في تقريرها المقدم الى المجلس النيابي بخفض مجمل الاعتمادات المقدمة بقيمة 75 مليار ليرة ضمن قانون البرنامج الخاصة بوزارة الاتصالات مع خفض اعتمادات بقيمة 71.5 مليار ليرة من الاعتمادات المرصودة في النفقات الاستثمارية للموازنة العامة لسنة 2017، مما يؤدي الى زيادة الايرادات المتوقعة بقيمة 151 مليار ليرة. وتلحظ ارقام الموازنة نفقات تقارب 22.760 مليار ليرة مع إيرادات عامة تصل الى نحو 16.539 مليار ليرة، مما يرفع العجز العام في الموازنة الى نحو 6240 مليار ليرة اي ما يقارب 4.16 مليارات دولار وما يشكل نسبة تقارب 7.5% من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة يصفها وزني بالمرتفعة والمقلقة، وبخاصة مع إستمرار تنامي الدين العام الى 79 مليار دولار والذي يشكل نسبة 143% من إجمالي الناتج المحلي. من هنا يحذّر وزني من إمكان ان ينعكس هذا الامر سلباً على التصنيف الائتماني للبنان. وبالفعل، تؤكد وكالة التصنيف الائتماني "موديز"، أن معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الذي يبيّن قدرة البلاد على تسديد الدين، يقارب نحو 140 في المئة في سنة 2018، وتوقعت الوكالة يوم خفضت التصنيف الائتماني للبنان إلى B3 من B2، الا تؤدي الإصلاحات الأخيرة التي اعتمدتها الموازنة إلى خفض العجز في 2017 و2018، مما يتطلب المزيد من التدابير لتغيير المسار التصاعدي للدين.

في ما يتعلق بتوزيع النفقات العامة، يذهب ما يقارب 72% من إجمالي هذه النفقات الى تغطية 3 بنود اساسية من موازنة 2017، بحيث تصل المخصصات التي تلحظها الموازنة لبند الرواتب والاجور وملحقاتها الى ما قيمته 8737 مليار ليرة، بالاضافة الى نفقات تقارب 7100 مليار ليرة تذهب لتغطية خدمة الدين العام اللبناني. وكانت تقارير البنك الدولي قد أكدت أن مدفوعات الفوائد على الدين في العام 2016 التهمت نحو 48% من اجمالي الايرادات بالمقارنة مع 38% عام 2014. أما التحويلات الى "مؤسسة كهرباء لبنان"، فلطالما كانت محط انتقاد من المؤسسات الدولية، لضخامتها، والتي لحظتها موازنة 2017 بنحو 2100 مليار ليرة. ويؤكد البنك الدولي، انه ومع إنفاق مبالغ كبيرة على دعم الكهرباء، لن تتبقى للبنان إيرادات تذكر لتطوير البنية التحتية المتهالكة لشبكات المياه والاتصالات والطرق وغيرها، والتي يمثل تطويرها أمراً ضرورياً لتشجيع الصناعة وتحفيز النمو، مما يساهم في تعزيز الايرادات الضريبية. الامر الذي يوافق عليه ايضاً صندوق النقد الدولي، والذي لم يخف مخاوفه الكبيرة من العجز الكبير في الموازنة والدين العام الآخذ في الارتفاع، فيما توقع أن يبقى النمو الاقتصادي الحقيقي ضعيفاً في سنة 2017. ويعتبر وزني أن إقرار موازنة 2017 من دون أن تكون مرفقة بقطع الحساب لعام 2016، خطوة تأتي بعد إضافة مادة ضمن مشروع الموازنة الذي يجيز نشر هذه الموازنة استثنائياً ولضرورات الانتظام المالي، على أن يتم إنجاز قطع الحساب لاحقاً. هذا، ويشدّد وزني على ضرورة ضم قانوني سلسلة الرتب والرواتب والموارد الضريبية التي تم تعديلها أو استحداثها ضمن موازنة 2017 تقيداً بمبدأ شمولية الموازنة واحتراماً للمادة 83 من الدستور ولتوصية المجلس الدستوري الذي ارتكز على هذا المبدأ لقبول الطعن بقانون الضرائب الاخير.

أما النقيب السابق لنقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان إيلي عبود، فيعتبر انه إذا تمّ إقرار مشروع قانون موازنة 2017 ولو جاء متأخراً قبيل انتهاء السنة المالية وبعد 11 عاماً من الانفاق من خارج الموازنة، يعتبر الحجر الاساس والخطوة الأولى نحو ضبط الانفاق. من هنا، أهمية المباشرة فوراً بإعداد مشروع قانون موازنة 2018 وإقرارها ضمن المهل القانونية، بالتوازي مع إقرار قانون قطع الحساب لعام 2016، والتي يتوجب أن تعكس رؤية إقتصادية شاملة تتضمن سلسلة إجراءات عملية وفورية، ضمن إطار رسم هذه السياسات الإقتصادية الشاملة بالتكامل مع السياسات المالية والضريبية والرقابية والتي تهدف الى ترشيد الانفاق بتحسين جباية الضرائب وزيادة الإنفاق في المشاريع الرأسمالية بما فيه مصلحة في تحسين نوعية الخدمات للمواطنين وتحفيز النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يأتي التشدّد في تفعيل الجباية الضريبية في كل المناطق والقطاعات إنفاذاً للقانون 44 الذي صنّف التهرّب الضريبي ضمن الجرائم المالية وخصوصاً ضبط مرافق الدولة من الموانئ البحرية وغيرها، مع إعادة النظر بالسياسات الضريبية المتبعة من خلال مشاركة القطاع الخاص والمهن الحرة من إصدار قانون الضريبة الموحدة بما يحققه من عدالة ضريبية، ويوفر موارد إضافية بقيمة 600 مليار ليرة لخزينة الدولة. ومن ناحية أخرى، يشدد عبود على أهمية المباشرة بتفعيل العمل الرقابي من خلال وضع مشروع قانون لانشاء الهيئة الرقابية العليا أو ما يسمّى بالمجلس الاعلى للمحاسبة والمساءلة برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية كل من وزير المال ورئيس لجنة المال والموازنة ورئيس مجلس القضاء الاعلى ونقيبي المحامين في بيروت وخبراء المحاسبة المجازين ورئيس إتحاد غرف التجارة، ويعاونهم جهاز تقني واداري من أجل القيام بالتدقيق المالي على حسابات الدولة والتأكد من التزام كل الوزارات والادارات القوانين المرعية الاجراء والتحقق من إنفاقها بموجب الموازنة التي قررها مجلس النواب.

 
المصدر: جريدة الاخبار
 
 
فيفيان عقيقي
 

عقد رئيس لجنة المال والموازنة، النائب إبراهيم كنعان، مؤتمراً صحافياً، أمس، أعلن خلاله التقرير النهائي لمشروع موازنة 2017، بعدما درسته اللجنة، وأجرت عليه تعديلات، توصّلت على أثرها إلى خفض بعض الاعتمادات المرصودة، وتحقيق وفر بقيمة 1004 مليار ليرة لبنانيّة. وقدّم كنعان مجموعة اقتراحات كفيلة بأن تحقق وفراً إضافياً بقيمة 4870 مليار ليرة لبنانيّة، وذلك في حال الاستغناء عن سياسة دعم الكهرباء ورُفعت التعرفة الكهربائيّة (توفير 2100 مليار ليرة)، فضلاً عن خفض كلفة خدمة الدين العام، أي نسبة الفوائد المُرتفعة، التي تنقل من الخزينة العامّة إلى المصارف الخاصّة، بما يفوق المعدّلات العالميّة للفائدة (توفير 1000 مليار ليرة)، إضافة إلى ترشيد إدارة حساب الخزينة الذي ارتفع 5 أضعاف خلال 10 سنوات نتيجة الأموال التي استدانها مصرف لبنان دون حاجة لها (توفير 830 مليار ليرة)، وخفض قيمة احتياطي الموازنة التي تتخطّى النسبة المحدّدة قانوناً وتنفق دون علم المجلس النيابي ومراقبته (940 مليار ليرة).

التعديلات على الموازنة!

هذا الوفر كان من الممكن أن «يكون أكبر لو أن اللجنة تسلّمت مشروع الموازنة ضمن المهلة الدستوريّة»، بحسب ما يشير كنعان، وبالتالي «تمكّنت من دراسته قبل بدء السنة الماليّة».

في الواقع، أحالت الحكومة مشروع الموازنة إلى المجلس النيابي متأخراً سبعة أشهر عن المهلة الدستوريّة، وكانت قد أنفقت نسبة كبيرة من اعتماداته، وباشرت بإنفاق بعض اعتمادات قوانين البرامج منذ عام 2016، وبدأت استعمال احتياطي الموازنة منذ منتصف شهر كانون الثاني الماضي لتغذية الاعتمادات التي نفذت، أي قبل انقضاء أكثر من نصف السنة الماليّة وقبل إقرار مشروع الموازنة في مجلس الوزراء.

طاولت تعديلات لجنة المال 3 أبواب في مشروع الموازنة، هي:

1- مشروع قانون الموازنة، بحيث عدّلت 32 مادة من أصل 76 مادة، أي أكثر من 42% من المواد، فألغت قوانين برامج، وعدّلت مجموعة من المواد تتعلّق بإجازة الاقتراض بعد تحديد سقف لها وإعلام المجلس النيابي بتنفيذها، وإخضاع إنفاق الهبات لرقابة ديوان المحاسبة، فضلاً عن تحديد أصول تخصيص اعتمادات لدفع الفوائد على القروض الاستثماريّة بإصدار مرسوم. وأضافت 4 مواد تتعلّق بالأعفاء من نسبة 90% من الغرامات المتوجبة على متأخرات رسوم ماليّة وبلديّة وميكانيك وأوامر تحصيل.

2- اعتمادات مشروع الموازنة، بحيث ألغت قانون برنامج لشراء باصات لسكك الحديد بقيمة 10 مليارات ليرة. وخفضت المساعدات والمساهمات لغير القطاع العام بنحو 398 مليار ليرة، فضلاً عن خفض 600 مليار ليرة من الاعتمادات المخصّصة للاحتياطيات والبالغة 1388 مليار ليرة، وخفض نفقات مشروع الموازنة الملحقة للاتصالات بقيمة 151 مليار ليرة. وزيادة بعض اعتمادات الأجهزة العسكرية والأمنية والصليب الأحمر اللبناني بقيمة 152 مليار ليرة.

3- واردات مشروع الموازنة، بحيث ارتفعت الواردات العاديّة بعدما أضيفت إليها بعض الخفوضات التي أجريت على اعتمادات مشروع الموازنة بقيمة 155 مليار ليرة (151 من موازنة الاتصالات، و4 مليارات من موازنة مديرية اليانصيب الوطني). كذلك انخفضت الورادات الاستثنائيّة التي تمثل عجز الموازنة من 7289 مليارات إلى 6284 مليارات، أي ما يعادل 1004 مليار ليرة (الوفر المحقّق).

اقتراحات توفّر 4870 مليار!

لا تتوقّف مكامن النزف المالي في بعض الاعتمادات المُضخمة والمرصودة في مشروع الموازنة، بل تطاول أربعة مواطن، يقول كنعان إنها كفيلة بتحقيق وفر بنحو 4870 مليار ليرة، في حال اعتمادها. هي:

1- إلغاء الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان، الذي استنفد نحو 2100 مليار ليرة خلال عام 2017، أي ما يعادل 8.55% من نفقات الموازنة (وهو رقم قابل للارتفاع مع ارتفاع أسعار النفط). واعتماد التعرفة الاقتصاديّة لهذه السلعة (أي سعر مبيعها على أساس كلفة إنتاجها)، بما يسمح بالتخلّي عن خيار المولدات التي ناهزت كلفتها 1.8 مليار دولار سنوياً.

2- ترشيد إدارة رصيد حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، الذي ارتفع من 2963 مليار ليرة في 31/12/2007 إلى 8282 مليارات ليرة في 31/12/2008، ومن ثمّ وصل إلى 14753 مليار ليرة في 30/6/2017. وذلك نتيجة 14852 مليار ليرة استدانها مصرف لبنان دون أن يكون هناك من حاجة لها، وترتب عن ذلك فائدة لا تقلّ عن 830 مليار ليرة سنوياً. فيما الدولة ليست بحاجة إلى أكثر من 3 آلاف مليار، نظراً إلى دوريّة تدفّق الإيرادات إلى الخزينة من الجمارك والضريبة على القيمة المضافة.

3- خفض كلفة خدمة الدين العام المقدّرة بنحو 7100 مليار ليرة، التي تشكّل 29% من نفقات الموازنة الإجماليّة. علماً أنها تتأتى من فائدة 7% تدفع إلى المصارف الخاصّة، وهي نسبة مرتفعة قياساً إلى الفوائد العالميّة التي تصل في بعض الدول إلى صفر%. إن خفض نقطة واحدة من الفوائد المدفوعة على سندات الخزينة كفيلة بخفض مبلغ ألف مليار ليرة من خدمة الدين العام.

4- احتياطي الموازنة محدّد قانوناً بما لا يقل عن 1% من مجموع اعتمادات الجزءين الأول والثاني من الموازنة، في حين أنه بلغ نحو 6.2% في مشروع موازنة عام 2017، وهي أموال لا يخضع إنفاقها لرقابة المجلس النيابي، وتالياً تحديدها بنسبة لا تتجاوز 2%، من شأنه أن يخفض ما لحظ للاحتياطي، بقيمة 940 مليار ليرة.

 
المصدر: جريدة الجمهورية
 
البروفسور جاسم عجاقة
 
 
 
بعد الزلزال الذي أحدثه قرار المجلس الدستوري بإبطال القانون 45 المُتعلق بالضرائب، يُطرح السؤال عن مُستقبل الموازنة في ظل القيود القانونية والمالية التي تُقلّل من هامش تحرّك السلطة السياسية؟

أهم ما في قرار المجلس الدستوري، الحيثيات التي رافقت القرار والتي أتت لتُنظّم العملي التشريعي المالي للدوّلة اللبنانية بعد أكثر من عقد من الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية.

 

وبالتالي، أصبحت الحكومة والمجلس النيابي مُلزمين بحكم القانون الإلتزام بالمبادئ الدستورية التي شدّد عليها قرار المجلس الدستوري:

 

أولًا: الإلتزام بنصّ المادّة 83 من الدستور والتي تنصّ على أنه في «كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة لنفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً».

 

ثانياً: الإلتزام بنصّ المادّة 87 من الدستور والتي تنصّ على أن «حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس النيابي ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة».

 

وهذا يعني أن نهج الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية أعتبره المجلس الدستوري «إنتهاكًا فاضحاً للدستور» وبالتالي يُلزم الحكومة تقديم قطع حساب للمجلس النيابي للتصويت عليه وبعدها التصويت على الموازنة.

 

مُشكلة قطع الحساب

 

من هذا المُنطلقّ يُطرح السؤال عن جهوزية الحكومة لتقديم قطع حساب عن الأعوام 2005 حتى 2016؟ وفي حال لم تكن جاهزة، ما هي الإحتمالات الواردة؟

 

من المعروف أن هناك إشكالية كبيرة حول موضوع قطع الحساب والذي يُعتبر السبب الأول لعدم إقرار موازنات منذ العام 2004. وبحسب الدستور، يُشكّل قطع الحساب أداة دستورية تسمح لمجلس النواب بالتأكد من أن الحكومة التزمت في العام المُنصرم بمُقررات مجلس النواب في ما يخص الإنفاق.

 

لكن قطع الحساب يشهد منذ العام 2006 تجاذبات سياسية فرضت إشتباكات سياسية وعطّلت المؤسسات الدستورية حيث أن القوى السياسية إستخدمت هذا المُستند المالي البحت كأداة لفرض تسويات وللأسف دفعت الموازنة الثمن الباهظ.

 

يُمكن القول اليوم أن قطع الحساب غير جاهز ولا يُمكن تقديمه لمجلس النواب للتصديق عليه قبل طرح مشروع الموازنة على التصويت. من هنا كان بعض الإقتراحات التي تُنادي بتعليق العمل بالمادّة 87 من الدستور لمرّة واحدة. هذا الأمر بالطبع غير مقبول ويطرح أسئلة عن مصداقية الدولة اللبنانية حول حساباتها المالية وإذا ما كان دينها العام الفعلي 77 مليار دولار كما تدّعي الأرقام الرسمية.

 

وهنا نرى أهمّية إظهار قطع الحساب كما هو، مع إظهار الإنفاق الذي لا يحوي إثباتات عن وجهة صرفه لكي يتمّ التأكد من حسابات الدوّلة وتكون موازنة العام 2017 دقيقة خصوصًا إلتزاماتها المالية تجاه الأطراف الدوّلية والداخلية من دون إدخال الحسابات السياسية في هذا العمل.

 

حصر التشريع الضريبي

 

من جهة أخرى شلّ قرار المجلس الدستوري عمل المجلس النيابي في ما يخصّ التشريع الضريبي وحصره في إطار الموازنة العامّة مع الحفاظ على بعض الإستثناءات. هذا الأمر يلجم شهية الحكومة في ما يخص الوظيفة المالية للضرائب ويُعيد تموضع السياسة الضريبية في إطار وظائفها الثلاث : المالية، الإقتصادية، والإجتماعية.

 

عجز الموازنة

 

إن مشروع الموازنة الذي رفعته الحكومة إلى المجلس النيابي في الفصل الأول من هذا العام لا يحوي على السلة الضريبية التي كانت موجودة في القانون 45 والذي أبطله المجلس الدستوري.

 

هذا المشروع يحوي على عجز يبلغ 4.8 مليار دولار أميركي وبالتالي فإن إلغاء القانون 45 لن يُغيّر في هذا العجز إلا بقيمة السلسلة البالغة 1.2 مليار دولار أميركي أي أن العجز سيُصبحّ 5.2 مليار دولار أميركي بعد ضم نفقات السلسلة إلى الموازنة على أربعة أشهر فقط.

 

الإجراءات المطلوبة

 

إن إقرار مشروع الموازنة من دون قطع الحساب ومن دون قيود، ستكون له تداعيات سلبية على تطبيق القوانين وعلى المالية العامّة. وبالتالي المطلوب التصديق على قطع الحساب كما هو وإظهار الأرقام التي لا تحوي إثباتات من ناحية وجهة إنفاقها لمعرفة إلتزامات الدوّلة الفعلية وهذا الأمر مالي بحتّ وليس له علاقة بالسياسة.

 

أيضًا، يتوجّب على القوى السياسية العمل على إصلاحات جذرية دون أن يكون هناك من مردود فوري لهذه الإصلاحات وعلى رأسها لجم الهدر ومحاربة الفساد والتخفيف من كتلة الأجور في القطاع العام عبر توظيف شخص واحد لكل شخصين يبلغان سنّ التقاعد.

 

أيضًا، من بين الإصلاحات المطلوبة أن تعمد الحكومة إلى تغيير هيكلية الإقتصاد عبر تقوية القطاعات الإنتاجية. هذا الأمر يجب أن يمرّ إلزاميًا عبر وضع لائحة بالسلع الأكثر إستيرادًا ودراسة جدوى تصنيعها في لبنان، وخلق المناخ المؤاتي لجذب الإستثمارات التي يجب أن ترتفع إلى 20% من الناتج المحلّي الإجمالي.

 

ماذا عن تمويل «السلسلة»؟

 

إن قرار المجلس الدستوري كان واضحًا من ناحية أنه لا يُمكن تخصيص إيرادات لإنفاق مُعين، بل على الدولة التأكد أن الإعتمادات المطلوبة مُتوفرّة قبل القيام بالإنفاق وبالتالي فإن إبطال القانون 45 قلّل من قيمة الواردات التي كانت مُتوقّعة والبالغة 1.2 مليار دولار أميركي. لكن هذا لا يؤثّر على قيمة العجز المذكور أعلاه (5.2 مليار دولار أميركي).

 

من هنا هناك ثلاثة إحتمالات أمام السلطة:

 

أولًا: إدخال السلّة الضريبية المنصوص عليها في القانون المُبطل 45 بإستثناء البندين المُتعلقين بالإزدواج الضريبي على المصارف (تقريبًا في حدود الـ 400 مليون دولار أميركي) والغرامات على الأملاك البحرية (بقيمة 100 مليون دولار أميركي).

 

ثانيًا: عدم إدخال السلة الضريبية وبالتالي تمويل العجز بالكامل من خلال الإستدانة أي أن الدين العام سيرتفع بقيمة 5.2 مليار دولار أميركي هذا العام. وهذا الأمر غير مُحبذّ من قبل المنظمات الدولية والتي تُهدّد بخفض تصنيف لبنان الإئتماني.

 

ثالثًا: إتباع النظرية الإقتصادية والتي تنصّ على فرض ضرائب على الموارد غير المُستخدمة وعلى رأسها الإملاك البحرية (بعد حلّ مُشكلة المخالفة الدستورية التي أظهرها المجلس الدستوري) والشقق الشاغرة، والودائع المصرفية التي تفوق عتبة مُعيّنة (بحيث لا تطال الطبقة الوسطى والفقيرة). وبإعتقادنا هذا الحلّ قادر على جلب ما لا يقلّ عن مليار إلى ملياري دولار أميركي.

 

في الختام، لا يسعنا القول إلا أن رمزية إقرار مشروع موازنة العام 2017 هي قصوى، لكن العمل الفعلي يجب أن يبدأ على مشروع موازنة العام 2018 حيث ستُشكّل موازنة العام 2017 قاعدة ثابتة وأكيدة للبدء بإصلاحات جذرية تسمح بالخروج من الأزمة الإقتصادية والمالية الحالية.

بروفسور جاسم عجاقة
 
المصدر : جريدة الجمهورية
 
في ظل إرتفاع الدين العام وتراجع النشاط الإقتصادي، تظهر إلى العلن أكثر من أي وقت مضى أهمّية خفض العجز في الموازنة. وبغضّ النظر عن المسار السياسي لقانون الإنتخاب وحتى الإنتخابات النيابية، هناك إلزامية لخفض هذا العجز. فما هي الإجراءات لتحقيق هذا الأمر؟
بحسب أرقام وزارة المال، بلغت قيمة العجز المُتراكم منذ العام 2004 حتى العام 2016، 40.7 مليار دولار أميركي (58% من إجمالي الدين العام).

وتُشير الحسابات الى أن العجز في العام 2017 سيتجاوز الـ 7 مليار دولار أميركي بحكم أن العجز المُتوقّع في مشروع موازنة العام 2017 والبالغ 4.8 مليار دولار أميركي هو رقم غير جدّي للأسباب التالية:

أولًا – لم يتمّ إدراج كلفة سلسلة الرتب والرواتب في مشروع موازنة العام 2017 والبالغة 800 مليون دولار أميركي (رفع الحدّ الأدنى للأجور).

ثانيًا – لم يتمّ إدراج كلفة الخطّة الإنقاذية للكهرباء والبالغة بحدود الـ 850 مليون دولار أميركي.

ثالثًا – التأخير الحاصل في إقرار مشروع موازنة العام 2017 والذي يُقلّل حكمًا المداخيل بما يوازي نصف المداخيل المُتوقّعة في المشروع.

رابعًا – تبقى نسبة النمو الإقتصادي (بحدود الـ 2% من 50 مليار دولار أميركي) أقلّ بكثير من نسبة الفوائد على الديّن العام (بحدود الـ 7% من 77 مليار دولار أميركي).

من هذا المُنطلقّ، تظهر إلى العلن أهمية لجم العجز في الموازنة والذي يُشكّل السبيل الوحيد للجم الدين العام الذي تخطّت نسبته الـ 150% من الناتج المحلّي الإجمالي للدوّلة اللبنانية.

إن إجراءات خفض العجز يُمكن تقسيمها إلى قسمين: إجراءات على المدى القصير (إجراءات مؤقّتة) وإجراءات على المدى البعيد (إصلاحات هيكلية).
على هذا الصعيد، تأتي تجربة نيوزيلندا في خفض العجز كحالة مدرسية يُمكن أخذ الدروس منها.

فقد قامت الحكومة النيوزيلندية بخفض العجز عدّة نقاط (نسبة العجز إلى الناتج المحلّي الإجمالي) خلال عدّة سنوات ويعود الفضل إلى الإجراءات التي إتخذتها الحكومة في البرامج الإجتماعية والتوظيف العام، كما والإصلاحات الهيكلية التي قامت بها، وضع قواعد ترشيد مالية وشفافية في الإدارة المالية. أضف إلى ذلك، أصبحت آلية وضع الموازنة أكثر شفافية وهذا ما خفّض الإنفاق العام.

خفض الإنفاق العام أظهر إنقسامًا بين الإقتصاديين، فمنهم من يعتبر أن خفض الإنفاق يخلق ركودا إقتصاديا. إلا أن دراسة لصندوق النقد الدولي أُجريت على العديد من الدوّل التي خفّضت إنفاقها العام، أظهرت أن خفض الإنفاق لا يخلق بالضرورة ركودا إقتصاديا، بل على العكس يُعطي ثقة أكبر للمُستثمرين وبالتالي يزيد من الإستثمارات الخاصة من ناحية غياب المنافسة بين القطاعين العام والخاص على سوق الأموال. من هذا المُنطلق، تأتي سياسة خفض الإنفاق كإجراء أساسي للجم العجز في الموازنة.

الإنفاق العام في لبنان يتراوح بين 19% و23% وذلك منذ العام 2004 وحتى نهاية العام 2016. هذا الإرتفاع في الإنفاق العام لم يواكبه أي تطورّ إجتماعي وحتى على الصعيد الإقتصادي بإستثناء الأعوام 2007-2010. فمُعظم الخدمات الإجتماعية تراوح مكانها، حتى أن بعضها تراجع نسبة إلى العام 2004 على مثال ملف النفايات. أمّا في الدول المُتطوّرة وعلى الرغم من إرتفاع الإنفاق العام على نفس الفترة، شهدت مُجتمعات هذه الدول تطورا إجتماعيا وإقتصاديا إيجابيا.

وبالنظر إلى الإنفاق العام في لبنان، نرى أن مُعظم هذا الإنفاق محصور في بندين: بند الأجور والتعويضات وبند خدمة الدين العام. وبإعتقادنا، دخل لبنان مرحلة الحلقة المُفرغة مع زيادة تلقائية في هذين البندين مع كل زيادة في الناتج المحلّي الإجمالي!

إن خفض الإنفاق العام يمرّ حتما بعدد من الإجراءات التي تمنع تآكل المالية العامّة وعلى رأسها:

أولًا – خفض الإنفاق على المدى القصير ويتضمّن إجراءات مؤقتة وإجراءات بنّاءة.

الإجراءات المؤقتة تحوي خفضا إجماليا لكل بنود الموازنة بنسبة «مقطوعة»، خفض المناقصات العامّة، وتجميد الأجور لمدّة سنتين.
أمّا الإجراءات البنّاءة فتحوي على خفض عدد العاملين في القطاع العام من خلال تفادي توظيف أشخاص بدلًا من الأشخاص الذين يبلغون سنّ التقاعد، والقضاء على الإنفاق غير المُجدي (هدر وفساد).

ثانيًا – الإصلاحات الهيكلية للإنفاق العام من خلال إعادة هيكلة هذا الإنفاق بالعمق وتوزيعه بما يضمن إستدامة خفضه. هذا الأمر يفرض إعادة تقييم مُعمّقة للقطاع العام والسياسات المُتبعّة فيه مما يعني وضع موازنة إبتداءً من الصفر.

إن تقييم القطاع العام يعني تحديد حقل تدخّل الدولة في الدورة الإقتصادية والخدمات التي تُقدّمها مثل الكهرباء والبريد والإتصالات وغيرها من القطاعات التي تحوي على مشاريع من نوع «الفيل الأبيض». الجدير بالذكر أن الفيل الأبيض هو تعبير إقتصادي يدلّ على المشاريع التي تستهلك الكثير من المال ولا جدوى فعلية منها.

أيضًا يأتي تقييم الأداء الإداري للدولة ووزاراتها ومؤسساتها على رأس الأمور الواجب تقييمها. كما تفرض إعادة التقييم هذه، إعادة النظر بالمساعدات الإجتماعية التي تقدّمها الدولة للمواطن وقياس مدى فعّاليتها.

ثالثًا – الإصلاحات المؤسساتية والتي تتضمّن تقييم الإدارة وموظّفيها على أساس تحقيق الأهداف الموضوعة في بداية كل عام، وتحسين آلية وضع الموازنة العامّة لتتضمّن المزيد من الفعّالية والشفافية.

إن هذه الإجراءات كفيلة بلجم العجز في الموازنة العامة وإعادة التوازن إلى المالية العامة من خلال خلق فائض أوّلي أكبر من قيمة خدّمة الدين العام مما يعني عودة الإنتظام المالي للدوّلة وبالتالي، خفض العجز ومعه الدين العام. وكنتيجة لخفض هذا الأخير تنخفض خدمة الدين العام بما يعني خفضا إضافيا في العجز وهكذا دواليك.

كل ما سبق ذكره من خطوات يبقى رهينة إرادة الطبقة السياسية التي إذا ما أرادت تستطيع أن تطبّقها وبالتالي، يحصل لبنان على إستقلاله المالي من جديد.

4 مواد في موازنة 2017 تهدد مالية الضمان واستمراره... فهل تلغى؟ شريف يدعو بري إلى التحرك... والاتحاد العمالي يلوّح بالإضراب العام

 

المصدر : جريدة النهار

 

 

يتحدث النقابي فضل الله شريف بأسى عن الحال التي وصل اليها الضمان من جراء المحاولات المتكررة لبعض المسؤولين منذ عام 1995 حتى اليوم، والقاضية بتسليم مهمة الضمان الاجتماعي الى القطاع الخاص. يقول شريف هذا الكلام منطلقا من حقيقة أن "مشروع الموازنة العامة للعام 2017 الذي أقرته الحكومة يشمل 4 مواد تعتدي بشكل صارخ على قانون الضمان". المادة الاولى 51 التي "تتعلق بعمليات تحويل الشركات ايا كان شكل هذا التحويل، واعفائها من موجب الحصول على براءة ذمة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي". فما حصل في اجتماع لجنة المال والموازنة الاربعاء الماضي هو أن العبارة التي تتعلق بصندوق الضمان شطبت، وتم الاتفاق على ان يستكمل النقاش بعد ظهر اليوم عينه في حضور المدير العام للصندوق ومساعديه. لكن جلسة بعد الظهر لم تعقد بسبب عدم اكتمال النصاب! لذا اعتبر شريف أن من واجبه رفع الصوت "لأن المادة 53 المتعلقة بحصر موجب الحصول على براءة ذمة الضمان الاجتماعي في حالتي التصفية وحل المؤسسة، لا تزال موجودة في قانون الموازنة وهي تلغي عمليا المادة 65 من قانون الضمان بكاملها لأن حالتي التصفية والحل لا تشكل نسبتهما أكثر من 2% من مجموع براءات الذمة التي يعطيها الصندوق لأصحاب العمل والتي تقدر بنحو 40 ألف براءة سنويا".

والاخطر برأيه هي المادة 54 التي لا تزال موجودة أيضاً في مشروع الموازنة وتتعلق بإعطاء حوافز للمؤسسات لاستخدام أجراء لبنانيين جدد عبر اعفائها "من تسديد الاشتراكات المترتبة للصندوق بكل فروعه ولمدة سنتين من تاريخ ترتبها". ووصف شريف الامر بأنه "محزن ومخيف" على اساس أن "العباقرة الذين وضعوا هذا النص، يعتبرون ان الصندوق دولة مستقلة وبإمكانها صك العملة من أجل تأمين التقديمات الاجتماعية، في حين ان القانون الذي أقرته حكومة العدالة الاجتماعية في الستينات فرض مدة ثلاثة أشهر لاستحقاق الافادة من فرع المرض والامومة بعد الانتساب وتسديد الاشتراكات".

أما المادة 67 المتعلقة بالديون المترتبة للصندوق على الدولة والمؤسسات العامة والقطاع الخاص فهي "كارثية بكل ما للكلمة من معنى" لأنها وفق شريف "تعتدي على أكثر من مادة في قانون الضمان، ومن اخطرها تجاهل ان النفقة معقودة حكماً لتأمين التقديمات، إذ ربطت فتح الصناديق بمجلس الوزراء وأحيت قانونا ميتا انتهى مفعوله (القانون 753/2006)، بعدما جردته من ايجابياته اي التقسيط لزمن محدد أقصاه عشر سنوات وبفائدة 5% على السندات لضمان قيمة الاموال بسبب التضخم، فيما تركت دفع الديون المترتبة على الدولة على همّة وزير المال". وأشار الى ان مجلس الوزراء اتخذ القرار الرقم 1، محضر الجلسة 21/7 تاريخ 2009/6/12 والذي ينص على "الموافقة على تقسيط الديون المترتبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وفقا للآتي: تطبيقا لأحكام القانون الرقم 357 تاريخ 2006/5/22 الذي يجيز للحكومة تقسيط المبالغ المتوجبة عليها للصندوق لغاية نهاية العام 2007 على مدى عشر سنوات...". وهنا يتوجب سؤال وزيري العمل والمال كم قسطا دفعت الدولة؟ ولماذا لم تنفذ القرار مع أنه اتخذ من دون احتساب الفائدة التي نص عليها القانون 5%؟".

"إننا في الوقت الذي ندعو إلى زيادة الضمانات والائتمانات، نرى ان أي زعزعة غير مسؤولة لمؤسسة الضمان ستهدد الأمن الاجتماعي للبنان، وهذا أمر ليس في مصلحة احد. ان أمراض هذه المؤسسة ناتجة أولاً من عدم دفع الدولة مستحقاتها مما يؤثر على تقديماتها"... هذا الكلام لرئيس مجلس النواب نبيه بري في الاول من ايار من عام 2006، استذكره شريف ليتوجه الى الرئيس بري بالقول: "كلامي المخنوق من الحسرة والألم اليوم وكلام امثالي من العمال والمضمونين هو: كما كنتم يا دولة الرئيس الامل والملاذ دائما لحماية الصندوق، نناشدكم حمايته من هجمة اجرأ واقسى من عام 2006، وذلك بتمرير المواد 51 و53 و54 و67 في مشروع الموازنة العامة للعام 2017. وأدعوكم الى اسقاط هذه المواد من مشروع الموازنة، وحماية هذه المؤسسة واهلها هذه المرة لأن وزير المال يمثل المحرومين، أما وزير العمل فينتخبه الفقراء والعمال في الشمال". ليختم بالقول: "اللهم اشهد اني أضأت على الخطر، وبلّغت المرجع الصالح واملي في محله ان شاء الله".

اضراب عام لـ"العمالي"؟

وحذر شريف الاتحاد العمالي العام ونقابة مستخدمي الصندوق وكل المضمونين من "النوم على حرير، لأن النيات غير صافية كون الاحزاب المشاركة في الحكومة تتنصل من هذه المواد"، داعيا الجميع الى التعاون "من أجل اصلاح المؤسسة وتطويرها بما يخدم مصلحة العمال واصحاب العمل ويريح الدولة".

لكن رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الاسمر لم ينتظر هذا التحذير لكي يتحرك، فأكد لـ "النهار" ان الاتحاد "مدرك للاخطار التي تنتظر الضمان في حال بقيت هذه المواد في مشروع الموازنة، وان الاصرار على هذه المواد سيجبر الاتحاد على الدعوة الى اضراب عام يشل لبنان دفاعا عن مؤسسة الضمان". إلا أنه عاد وطمأن الى أن الرئيس بري "حريص على مؤسسة الضمان، وقد أكد لي شخصيا أن هذه المواد لن تمر في الهيئة العامة".

كما دعا النقابي اديب بو حبيب الى "التحضير لمؤتمر نقابي وطني تكون نقطة واحدة على جدول اعماله هي الدفاع عن الضمان الاجتماعي كأهم مكسب حققته الحركة النقابية بعد قانون العمل، والتحضير في قواعد النقابات والعمال للاضراب العام الوطني في حال عدم تراجع الحكومة واللجان البرلمانية عن المواد التي تلحق الضرر بل تنهي الضمان الاجتماعي".

سلوى بعلبكي

باتت مشاريع قوانين الموازنة هي السبيل لتمرير «الموبقات». ففي مشروع موازنة عام 2017 توجد مادّة تجيز تسوية كل مخالفات البناء المرتكبة خلال السنوات الـ45 الماضية، دفعة واحدة. هذه المادة تعدّ أخطر ما في المشروع، وهي لم تخضع لأيّ نقاش جدّي، على الرّغم من الإقرار بآثارها «التدميرية». تسعى هذه المادة لشطب كلّ المخالفات التي ارتكبها الناس وتجار البناء منذ عام 1954، بشحطة قلم، على غرار التسويات السابقة، التي حققت للبعض أرباحاً فاحشة بالمليارات، فيما خسر الجميع فرص التطوير الحضري الجيّد والحقوق بالبيئة المصانة والبنى التحتية الفعالة والخدمات العامة الكافية

محمد وهبة
 

بحجّة البحث عن مورد يدرّ إيرادات استثنائية للخزينة، جرى تضمين مشروع موازنة 2017 المادة 64، التي تُجيز تسوية مخالفات البناء الحاصلة خلال الفترة من 13/9/1971 ولغاية 31/12/2016 ضمناً.

مشروع التسوية المقترح، هو القانون السادس لتسوية مخالفات البناء، بعد قوانين الأعوام 1964 و1979 و1983 و1990 و1994، ويشكّل امتداداً لها، في سياق نهج تدميري لأسس الدولة ووظائفها، والانتظام العام، والمساواة بين المواطنين، وحقوقهم بالعيش في مدن وبيئات سليمة، تتوفر فيها البنى التحتية والخدمات العامّة الكافية للحاجات الآن وفي المستقبل.

تسوية مخالفات بالجملة

صدر أول قوانين تسوية مخالفات البناء في آذار 1964، وشطب كلّ المخالفات المُرتكبة اعتباراً من 20 كانون الثاني 1954، وصدر آخر هذه القوانين في عام 1994 وشطب بدوره كل المخالفات المرتكبة اعتباراً من 26 آذار 1964... يأتي الاقتراح الحالي ليستكمل المسار، إذ يرمي إلى شطب كل المخالفات المرتكبة منذ 13/9/1971 إلى 31/12/2016، ويشمل جميع الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة خلافاً لقوانين وأنظمة البناء، كما يشمل الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة على غير الأملاك الخاصة لأصحابها! إذ يشرّع هذا الاقتراح تسوية المخالفات المرتكبة على الأملاك الخصوصية العائدة للدولة والمشاعات العائدة للقرى، من خلال إجازة بيع هذه الأملاك للمخالفين، من دون أيّ شرط أو ضابط، سوى موافقة مجلس الوزراء على عمليات البيع، بناء على اقتراح الوزير المختص! ليس هذا فحسب، بل يذهب الاقتراح الوارد في مشروع موازنة عام 2017 إلى أبعد من ذلك، إذ يجيز أيضاً وأيضاً تسوية مخالفات الأبنية وأجزاء الأبنية، من أيّ فئة كانت، المنشأة ضمن الحرم والبراحات العائدة للطرق والأملاك العامة وضمن البراحات والتراجعات العائدة للتخطيطات، ومن ضمنها التراجعات عن الأملاك العمومية، ولا يستثني سوى الأملاك البحرية، التي يبشّر الاقتراح أن قانوناً خاصاً بها سيصدر لتسوية المخالفات المرتكبة عليها! ويغطي الاقتراح المخالفات لعوامل الاستثمار، وكلّ تحوير حدث قبل 31/12/2016 في وجهة استعمال المرأب والملجأ أو إلغائهما في جميع الأبنية، فيما يصنّف الأبنية المخالفة تلك التي نفذت كلياً أو جزئياً بموجب رخص بناء معطاة خلافاً للقوانين والأنظمة منذ 24/3/1994... بمعنى أوضح، يسعى الاقتراح الحالي التسوية كلّ المخالفات من أيّ نوع كانت ومهما بلغت الأضرار الناجمة عنها.

تشجيع المخالفات بدلاً من ردعها

لا يختلف الاقتراح الحالي عن القوانين الصادرة منذ الخمسينيات، إلا في توسّعه ليشمل كلّ المخالفات من كل الأنواع والفئات، بما فيها التعديات على أملاك الدولة والمشاعات والمجال العام، كما لا يختلف في تركيب معادلة احتساب المبالغ المترتّبة على المخالف. كل هذه القوانين، بالإضافة إلى الاقتراح الأخير، كانت متشابهة في خطورتها، ولم ينتج عنها إلا المزيد من التشويه للمدن والقرى، وتحويل مخالفة قوانين وأنظمة البناء إلى قاعدة وليس استثناء، وتعطيل أيّ فعالية للتنظيم المدني والتخطيطات والتصاميم التوجهية وتحديد عوامل الاستثمار، وتوسيع دائرة الاعتداءات على الأراضي المصنّفة والأملاك العامّة... وتحقيق المزيد من الأرباح والمكاسب للمعتدين على الغير والحق العام والقانون.

 

أدّت هذه القوانين إلى إحلال سلوك يحرّض على مخالفة القانون بوصفه سلوكاً قابلاً للتسوية في مقابل مبلغ مالي زهيد، بدلاً من إنزال العقاب بالمخالفين وردعهم عن تكرار المخالفة. كلّ مخالفة مرتكبة لإنشاء بناء غير مرخّص أو لتوسيع بناء قائم، أفقياً وعامودياً، أو سواها من المخالفات المماثلة، بات يمكن معالجتها بتسديد مبلغ مالي للخزينة مقابل الاعتراف بشرعية البناء المنشأ أو التوسعة المنفذة. المبلغ المدفوع يمحو كل أثر للمخالفة رغم كل ما ينتج عنها من أضرار، وليس ذلك فقط، بل يكرّس العودة إلى المخالفة مجدداً في انتظار قانون جديد يمحوها!

جاء الاقتراح الحالي بناءً على توافق بين رئيس الحكومة ووزيري المال والأشغال، وجرى تسويقه بحجة تأمين إيرادات استثنائية للدولة. وقد درسته لجنة وزارية فرعية ونوقش في إحدى جلسات مجلس الوزراء المخصصة لدرس موازنة 2017، وأُدرج في مشروع الموازنة بعلم كلّ الوزراء، خلافاً لما أُشيع عن «دسّه» بطلب من رئيس الحكومة. إلّا أنه ظلّ اقتراحاً خارج التداول إلى أن بدأ تجار البناء يسألون عن مصيره سؤال المرتكبين عن قانون العفو.

 

الأسباب الموجبة

هذا الاقتراح يتّسم بوقاحة «مميزة»، تظهر جلياً في صياغة أسبابه الموجبة، التي تشير إلى أن «مخالفات البناء ارتُكبت من قبل بعض تجار البناء والمواطنين في ظلّ عدم إمكانية أجهزة الدولة في مراقبتها ومنع حصولها». وأضافت الأسباب الموجبة أن هذه المخالفات تحول دون استيفاء الإدارة الضريبية لرسوم وضرائب سنويّة مستمرّة (تسجيل وإفراز وأملاك مبنية وسواها)، فضلاً عن أن «الرسوم والغرامات المقترحة عن المخالفة تؤمن للخزينة موارد إضافية»، لتخلص إلى إعلان زوال الدولة نهائياً، إذ «أن معظم مخالفات البناء أصبحت أمراً واقعاً ويستحيل أو يتعذر إزالتها».

تحمل هذه الأسباب الموجبة دلالات واضحة على أن المخالفات كان يجرى تشجيعها لأهداف مختلفة تتراوح بين الأهداف الانتخابية وأغراض السمسرة المالية. فمن جهة تزعم السلطة أنها عاجزة عن قمع المخالفات وعن منع حصولها، فيما يحصي المتابعون عدداً من التعاميم الصادرة عن وزراء الداخلية المتعاقبين تسمح بإنشاء أبنية استناداً إلى «ورقة بلدية» من دون الحاجة إلى ترخيص من التنظيم المدني! في المقابل، توجد قصص كثيرة عن نافذين يقبضون ثمن صدور هذه التعاميم، سواء في السلطة المحلية أو في الأجهزة المولجة تطبيق القانون، فيما يستفيد تجار البناء من التعاميم المخالفة للقانون لتشييد المزيد من الشقق غير المرخصة.

تتذرع الأسباب الموجبة بحالة محددة، إلا أنها تستغلها لتبرير تسويات لشتى أنواع المخالفات التي لا تستند إلى أيّ حقوق من أيّ نوع كانت، إذ يرد في الأسباب «أن كثيراً من المواطنين اشتروا بالتقسيط وحدات سكنية أو غير سكنية على الخريطة (...) وتبيّن لهم بعد إنجاز هذه الوحدات أن منشئ العقار قد ارتكب مخالفات بناء في الوحدات التي اشتروها، مما حال دون تسجيل هذه الوحدات (...) أو الاستحصال على قرض سكني (...) مما أدى إلى نزاعات قانونية (...)». هذه الحالة المحدّدة تحتاج إلى معالجة خاصة بها، تنطوي على عقاب لمنشئ الوحدات المخالفة وإنصاف لمشتريها، لا إلى تسويات بالجملة.

القاعدة هي المخالفة وتسويتها!

يشير المعماري عصام بكداش إلى أن الخطر في هذه التسويات هو «تراكم عدم الانتظام، إذ اعتاد اللبنانيون على إنشاء نظام ومخالفته ثم تشريع المخالفة، وأصبح ذلك نمطاً في الثقافة العامة، فيما هو تدمير للحاضر والمستقبل، لأن التخطيط المديني لا يتعلق بالوضع الحالي، بل هو ينظر إلى توالي الأجيال». ويرى بكداش أن تعميم التسويات له مخاطر واسعة متصلة بما هو أبعد من مخالفات موضعية، فعلى سبيل المثال إن إنشاء الخطّ السريع في كورنيش المزرعة كان يُفترض أن ينشأ على جوانبه طرقات جانبية، لكن إغفال المرحلة الثانية حوّل كورنيش المزرعة إلى بولفار، وصار للمباني حق مكتسب أن تتمدد إلى المساحات التي كانت مخصّصة للطرقات الجانبية... يوضح فكرته بالقول: «لو تخيّلنا فقط أن الطرقات سهلة بين بيروت والضواحي من خلال التخطيط المديني، لأمكن التخفيف من وطأة التركز السكاني والاقتصادي في المدينة. لكن النمط فرض نفسه، ففي إحدى المرّات صدر مرسوم بتعديل التخطيط التنظيمي للمنطقة التي توجد فيها مباني مشروع cap sur mer، وبعد يوم من الحصول على الرخصة، بناء على هذا التعديل، صدر مباشرة مرسوم ثانٍ يعيد التنظيم إلى ما كان عليه قبل منح الرخصة».

باتت «مخالفات البناء هي القاعدة في العمل، وقد تكون المخالفة أكبر من الأصل (المرخص) في بعض الأحيان، كما هي الحال في منطقة عرمون جنوبي مدينة بيروت مثلاً، حيث تم إنشاء أبنية من خمسة عشر طابقاً، بينما يحدد النظام المصدّق في المنطقة العدد الأقصى المسموح به بثلاثة طوابق». هذا ما أورده الوزير السابق، شربل نحاس، في ورقة أعدّها في عام 2000، يبين فيها كيف يتحول الممنوع إلى مسموح بعد دفع غرامة، من دون أن يتزامن ذلك مع التطبيق الجدي للقانون، إذ «رغم وجود قوانين التسوية فإن المخالفات لم تتوقف، علماً بأن كلّ قانون لتسوية مخالفات بناء ينصّ على إزالة المخالفات التي تحصل بعد العمل به، ولم يأخذه الكثيرون على محمل الجد، لا بل تبيّن أنه لم يتقدم الكثيرون بالتصريح لتسوية المخالفات، ولم تُفرض الغرامات على المخالفات غير القابلة للتسوية».

القوانين لا تطبّق

في المقابل، فإن فاعلية وحدود إمكانات تطبيق أنظمة التنظيم المدني تبقى متدنية إن لم تكن غائبة كلياً. فبحسب دراسة نحاس، تبيّن أن هناك العديد من القوانين التي يجب تطبيقها لقمع المخالفات، المادة 36 من قانون التنظيم المدني تنصّ على أن «جميع الأشغال المنفذة خلافاً لأحكام التصاميم والأنظمة النافذة يجب أن تُهدم أو أن يجعلها المخالف منطبقة على أحكام القانون بعد إنذار تحدّد فيه مهلة التنفيذ يوجهه إلى المخالف رئيس السلطة التنفيذية في البلدية أو المحافظ أو القائمقام حيث لا يوجد بلدية، وإذا لم يرضخ المخالف في نهاية المهلة تنفذ حكماً على نفقته ومسؤوليته الأشغال اللازمة لإزالة المخالفة. يحدّد المبلغ المتوجب من قبل السلطة التي وجهت الإنذار ويحصّل من قبل دوائر الضرائب في وزارة المالية وفقاً للقواعد المتبعة في جباية الضرائب والرسوم. ويعاقب المخالف عدا ذلك بغرامة تتراوح من 5000 إلى 000 50 ليرة لبنانية وبالحبس من يوم إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين».

 

كذلك تنصّ المادة 22 من قانون البناء على أن «كلّ حفر أساسات أو بناء أو ترميم أو تحويل يباشر به من دون ترخيص أو تصريح حسبما يكون العمل خاضعاً لرخصة أو لتصريح أو يجري خلافاً للرخصة أو للوصل بالتصريح يوقف حتماً وينظم بحق المالك والمسؤول عن التنفيذ محضر ضبط بالمخالفة وعلى صاحب الشأن أن يتقدّم بدون إبطاء بطلب رخصة أو بالتصريح حسب الاقتضاء. إذا ظهر أن الإنشاءات لا تتنافى مع التخطيط ولا مع الشروط القانونية، تعطى الرخصة أو الوصل بالتصريح مع فرض غرامة تعادل ثلاثة أضعاف قيمة جميع الرسوم المتوجبة عن القسم الذي يكون قد تم. يُعتبر تاماً كل بناء صب سقفه. تعتبر الغرامة والرسوم ديناً ممتازاً على العقار ولا تعطى براءة ذمة من البلدية إلا بعد استيفائها وتسوية وضع المخالفة». وتنصّ المادة 23 من قانون البناء على أنه «يعاقب المسؤول الذي يخالف أحكام هذا المرسوم الاشتراعي والنصوص التي تتخذ لتطبيقه من /1000/ الى /000 50/ ليرة وبالسجن من ثلاثة أيام إلى أسبوع أو بإحدى هاتين العقوبتين. إن المخالف الذي يواصل العمل بعد أن يكون قد أوقف يعاقب بغرامة من /2000/ إلى /000 100/ ليرة لبنانية وبالسجن من أسبوع إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين على ألا يحول ذلك دون تنفيذ الهدم عند الاقتضاء». أيضاً تنصّ المادة 24 من قانون البناء على أنه «يحظّر على المالك بيع أو تأجير أيّ قسم من البناء قبل الحصول على رخصة البناء، كما يحظر إشغال البناء قبل الحصول على رخصة الأشغال العائدة له. يعاقب كلّ من يخالف ذلك بغرامة من /2000/ إلى /000 10/ ليرة لبنانية بالإضافة إلى اعتبار عقد الإيجار باطلاً».

وتشير المادة 37 من قانون التنظيم المدني على أنه «يُعاقب كلّ من قام بإفراز دون الحصول على الإجازة التي يفرضها هذا المرسوم الاشتراعي أو كل من ينفّذ إفرازاً دون التقيّد بالأحكام الخاصة التي تفرضها الإجازة بالإفراز بغرامة من 5000 إلى 000 50 ليرة لبنانية، وبالحبس من يوم واحد إلى 15 يوماً أو بإحدى هاتين العقوبتين»... هذه الأمثلة تشمل أيضاً المادة 38 من قانون التنظيم المدني، وهي كلّها تظهر أن «تطبيق أنظمة التنظيم المدني فاعلية وإمكانيات تكاد تكون غير محدودة، وتعطي نتائج جيدة وحاسمة، وإن لم تكن كافية في بعض الأحيان حيث يفرض واقع المنطقة أو الحاجة إلى السرعة في التنفيذ تدخّل السلطة العامة لإجراء الضم والفرز أو إنشاء شركة عقارية أو إنشاء مؤسسة عامة لترتيب المنطقة». ويذكّر نحاس بأن «الوصول إلى النتائج المناسبة يفترض حكماً التقيّد بأحكام القانون، الأمر غير المتوفر حتى الآن مع الأسف، إذ يشكّل عدم تطبيق القانون أحد الأسباب الرئيسية للوضع الراهن غير المرضي في حقل التنظيم المدني والبناء».

 


إجراءات التخمين

تسوية مقابل المال

ينصّ مشروع تسوية مخالفات البناء على تعيين لجان تخمين مختصة، من قبل مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزراء الأشغال والمالية والداخلية والعدل. مهمة هذه اللجان تخمين ثمن الأرض، وتعدّ قراراتها غير قابلة للمراجعة، على أن يجري التخمين بالأسعار الرائجة مع حسم تراجعي يختلف بحسب شطور زمنية، فيتراوح الحسم بين 10% في 2011 و85% في 1971، على ألا يكون هناك أيّ حسم على المخالفات بعد مطلع 2012. وتهدم المخالفات التي تحصل بعد 1/1/2017، علماً بأنه لا تتم تسوية أيّ وضع إلا بعد تسوية وضع الجورة الصحية وتسكير الآبار ذات الغور المفقود لتصريف المياه المبتذلة، فيما توزّع الغرامات الناتجة عن تطبيق هذه المادة على البلديات بنسبة 30% وعلى الخزينة بنسبة 70%.


تسوية مقابل المال

تنص المادة 64 من مشروع قانون موازنة عام 2017 على احتساب الرسوم والغرامات، المفروضة لتسوية مخالفات البناء، على أساس شطور لسعر متر الأرض بين حدّ أدنى يساوي مرتين قيمة الرسوم التي تُدفع عند الترخيص القانوني وما يعادل نصف ثمن الأرض الوهمية، وبين حدّ أقصى يصل إلى أربع مرات الرسوم ومرتين ثمن الأرض، وتدفع الغرامة عن كامل المساحة المخالفة. أما إذا تجاوزت المخالفة ضعف عوامل الاستثمار المسموح بها، فتزداد الغرامة وصولاً إلى تضاعفها في حال البناء على عقار غير صالح للبناء. أما المخالفات الأخرى، فيتوجب تسديد غرامة تصل إلى عشر مرات قيمة الرسوم ورسم رخصة بناء ورسم خاص عن عدم تأمين المرأب بين 15% من ثمن الأرض اللازمة للمرأب بمساحة 25 متراً مربعاً، وذلك بين ثمن أدنى قيمته 500 ألف عن كل متر وثمن أقصى قيمته 25 مليون ليرة. وينصّ مشروع القانون على أن تعدّد المخالفات يؤدي حكماً إلى تعدّد الرسوم والغرامات.

كذلك، ألغى المشروع التسويات والرخص والمعاملات التي تمّت خلافاً للقانون، وأعطى البلديات والمحافظين صلاحية إعادة النظر بها وتحديد قيمة الرسوم والغرامات المتوجبة على المخالفين، على أن تُخفّض الغرامة إلى 50% من قيمتها، وإذا لم يسدّد المخالف ما يترتب عليه، يسجّل المبلغ ديناً ممتازاً على الصحيفة العقارية.

وبالنسبة إلى الأبنية المنشأة وفقاً لقوانين وأنظمة البناء من دون ترخيص قانوني، يمكن تسوية وضعها لقاء دفع مرتين قيمة الرسوم المتوجبة عند الترخيص خلال ستة أشهر من صدور القانون.

بحسب هذه المادة، على المخالف التصريح عن المخالفة خلال ستة أشهر، وإذا لم يصرّح أو لم ينجز ملف إتمام التسوية أو اختار هدم المخالفة من دون تنفيذ ذلك، يصبح ملزماً بأداء الرسوم والغرامات التي تحتسبها الدوائر الفنية المختصّة بالاستناد إلى قرار لجنة التخمين. وتخفض الغرامة بنسبة 40% إذا سدّد المخالف المبالغ المترتبة عليه خلال شهرين، فيما ينال إعفاء يتراوح بين 20% و40%، بحسب الفترة الزمنية للتسديد، أما إذا لم يدفع الرسوم والغرامات خلال ستة أشهر فيتوجب عليه عندها غرامة إضافية بنسبة 1 بالألف عن كل شهر تأخير. أما بالنسبة إلى الراغبين بالتسوية وتسديد المترتب عليهم، فيمكنهم تقسيط الرسوم والغرامات لمدة خمس سنوات.

  1. الأكثر قراءة
مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشاري! 3 شركات لمناقصة "الإشراف"... ومحاولات لإبعاد "الهندية

مقدمو خدمات الكهرباء يعملون من دون استشا…

تشرين2 14, 2018 13 مقالات وتحقيقات

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في مصرف لبنان؟

كيف طارت الأموال من الحساب الرقم 36 في م…

تشرين2 14, 2018 11 مقالات وتحقيقات

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالبة بتطويرها ليست خيانة

هذه هي تحديات الجامعة اللبنانية والمطالب…

تشرين2 14, 2018 11 مقالات وتحقيقات

«خوّة» التأمين الإلزامي: الشركات تقبض والضمان يدفع

«خوّة» التأمين الإلزامي: الشركات تقبض وا…

تشرين2 12, 2018 11 مقالات وتحقيقات

أهالي المفقودين «يطمئنون» النواب: لا نريد أن نحاسب

أهالي المفقودين «يطمئنون» النواب: لا نري…

تشرين2 12, 2018 9 مقالات وتحقيقات

ذوو الاحتياجات الخاصة لا «يصلحون» لقيادة «العمومي

ذوو الاحتياجات الخاصة لا «يصلحون» لقيادة…

تشرين2 09, 2018 23 المجتمع المدني

قراءة في تقرير البنك الدولي

قراءة في تقرير البنك الدولي

تشرين2 05, 2018 33 مقالات وتحقيقات

تعاونيّة الموظفين: تراجع التقديمات أم ضبط «الكومبينات»؟

تعاونيّة الموظفين: تراجع التقديمات أم ضب…

تشرين2 02, 2018 55 مقالات وتحقيقات

عصام خليفة ردا على رئاسة الجامعة اللبنانية

عصام خليفة ردا على رئاسة الجامعة اللبنان…

تشرين2 02, 2018 30 مقالات وتحقيقات

الليرة ومُعجزة الثبات

الليرة ومُعجزة الثبات

تشرين1 31, 2018 43 مقالات وتحقيقات

عصام خليفة ليس مجرماً

عصام خليفة ليس مجرماً

تشرين1 31, 2018 30 أخبار

البنك الدولي: مستقبل قاتم للاقتصاد اللبناني

البنك الدولي: مستقبل قاتم للاقتصاد اللبن…

تشرين1 31, 2018 31 مقالات وتحقيقات

قباني يكافح أشباح المثلية وأمن الدولة يطارد مرضى الإيدز

قباني يكافح أشباح المثلية وأمن الدولة يط…

تشرين1 31, 2018 31 المجتمع المدني

الضمان يكشف 324 أجيراً وهمياً في شركة واحدة متى دور 40 ألف مؤسسة لا تصرّح عن عمّالها؟

الضمان يكشف 324 أجيراً وهمياً في شركة وا…

تشرين1 29, 2018 35 مقالات وتحقيقات

"ستريت سمارت" تستبيح الاملاك العامة، وتعيد ترتيب أولويات الاتحاد العمالي العام

"ستريت سمارت" تستبيح الاملاك ا…

تشرين1 27, 2018 83 مقالات وتحقيقات

هل يقَرّ الإيجار التملكي لحل أزمة الإسكان موقتاً؟ مشروع يحفّز المستثمرين للتملك بشروط تحددها العقود

هل يقَرّ الإيجار التملكي لحل أزمة الإسكا…

تشرين1 25, 2018 47 مقالات وتحقيقات