الاخبار-8-7-2019

إيلدا الغصين 


ينطلق غداً جهاز التفتيش في وزارة العمل، بمؤازرة أجهزة أخرى، لتطبيق خطة «مكافحة» العمالة الأجنبيّة غير الشرعيّة. قبل ذلك، يفترض أن يكون أصحاب العمل قد سجّلوا عمالهم في الضمان الاجتماعي ومؤسسات التأمين. وأن يكون العمال الأجانب، بمن فيهم السوريّون للمرّة الأولى، قد استحصلوا على إجازات عمل وفقاً لفئات أربع يختلط فيها «الطاهي» بـ«الشيف» و«الطبّاخ» بـ«العشّي»... هذا التداخل بين الفئات واللغط الذي يثيره، يفتح الباب أمام «تحايل» أصحاب العمل - قبل العمال - طمعاً بتخفيض الرسوم التي ستتضاعف وفق موازنة الـ2019، ومعها الغرامات على المخالفين

لم تنصّ البنية القانونيّة في لبنان يوماً على عدم تشغيل الأجانب فيه، لكنّها أُلحقت تباعاً بمراسيم وقرارات تحدّد الأعمال التي يمكنهم القيام بها. ليس المطلوب فعلياً حرمان العمال الأجانب (خصوصاً السوريين) من نوع معيّن من المهن، إنما وضع إطار قانوني يشرّع عملهم، وفي الوقت نفسه يؤمّن حمايتهم ولا يكون عدائياً تجاههم. خطة وزارة العمل لـ«مكافحة» العمالة الأجنبية غير الشرعيّة على الأراضي اللبنانية عليها تخطّي عائقين أساسيّين في هذا السياق، هما: تمكين العمّال من دفع الرسوم المتوجّبة عليهم ليكونوا «شرعيّين»، وإلزام أصحاب العمل إعطاءهم الحقوق القانونيّة التي «يعطونها» للبنانيّين. إذ لطالما استسهل هؤلاء تشغيل العمال الأجانب هرباً من قيود قانونيّة، كالاستحصال على إجازات عمل لهم وتسجيلهم في الضمان الاجتماعي ومنحهم الحدّ الأدنى للأجور مقابل عدد محدّد من ساعات العمل. هذان العائقان يمكن «استشرافهما» من خلال الرسوم التي تفرضها الخطة على العمال للتسجيل والحصول على إجازات عمل، والغرامات على أصحاب العمل المخالفين، وأيضاً من خلال المهن المحصورة باللبنانيين والفوارق الكبيرة بين رسوم الفئتين الثانية والثالثة. وهذا ما يفتح الباب أمام إمكانية «التحايل» للتسجيل في الفئة الثالثة مثلاً والعمل في الثانية تخفيفاً من كلفة الرسوم، وتهرباً من حصرية بعض الأعمال للبنانيّين. «العزم» الذي تُبديه وزارة العمل على تطبيق خطّتها، قد لا يقترن بالواقع لأسباب متعلّقة بالقدرة الاستيعابيّة لحملات التفتيش وشموليتها لمراكز العمل كافة وفي كل المناطق.

ما هي الفئات؟
يبدي أصحاب العمل، ومعهم العمال، حيرةً تبدو «مشروعة» حيال معرفة الفئات التي تندرج أعمالهم ضمنها، وكيف سيسجّلون عمالهم ويستحصلون لهم على إجازات عمل، قبل انتهاء المهلة الممنوحة من وزارة العمل يوم غد (9 تموز الجاري).
وفقاً للقرارات الملحقة بخطة الوزارة، تنقسم الفئات وفق نوع العمل إلى أربع، تتفاوت من حيث الرسوم ونوع العمل لكنّها تعود وتلتقي بتصنيفات لا هامش واضحاً بينها.
الفئة الأولى مثلاً، تحدّد إذا كان الراتب الشهري يتجاوز الحد الأدنى للأجر (675 ألف ليرة) بثلاثة أضعاف (أي مليونين و 26 ألف ليرة)، وتضمّ إلى أصحاب العمل وصاحب العمل الشريك والإداريّين... بعض الأعمال التي قد يشغلها أجانب ومنها على سبيل المثال: طبّاخ، طاه، شيف، مساعد عشي، مساعد شيف، بائع، مزينة، ممرض، عاملة تزيين أظافر، مسؤول ورشة دهان.

 

تلتبس على أصحاب العمل والعمال الفئات التي تندرج أعمالهم ضمنها (هيثم الموسوي)

الاختلاط في نوع العمل، وشغله «تاريخياً» من غير اللبنانيين، ينسحب على الفئة الثانية، (الراتب الشهري يتجاوز ضعفي الحد الأدنى للأجر، أي مليون و351 ألف ليرة، ولغاية ثلاثة أضعاف أي مليونين و25 ألفاً). هذه الفئة تضمّ مثلاً، مساعد خياط، طاهٍ، مساعدة مزيّن، مدبرة منزل، مساعد/ة مريض، عامل فني حدادة، عامل دهان موبيليا، مساعد طبّاخ، عامل حلويات، عامل خياطة، نادل/ة، عامل غسيل سجّاد، عامل تلحيم، نجّار، عامل مطبخ، عامل صيانة، ميكانيكي، عامل تلبيس صخر، أمين مستودع، عاملة توضيب، عامل استقبال وخدمة زبائن في المطعم/الشركة، بائع/ة، مساعد ممرض، دهّان موبيليا، عامل استقبال، مساعد معلّم حلويات شاميّة، معلّم معجنات، عامل نجّار موبيليا، عامل دهان، سائق فان، مساعد/ة طاه.
أما الفئة الثالثة التي يشغلها عادة معظم العمال الأجانب فيتراوح الراتب الشهري فيها بين الحدّ الأدنى للأجر ولغاية ضعفيه (أي مليون و350 ألف ليرة)، وتشمل على سبيل المثال: جنيناتي، منجّد، مورّق، حداد، حاجب، مساعد بائع، طرّاش، عامل/ة هاتف، ناطور، وكلّ عامل: صناعي، رخام، تمديد وتركيب خطوط نقل توتر عالي، توزيع مازوت، نجار باطون، خرده، طرش، مقلع، مصارف صحيّة، تفريغ وتحميل، تركيب سقالات، تنظيف وفرز نفايات، تنظيف وغسيل سجاد، تزفيت، توصيل، صالة، طبّاخ، مساعد مريض، تنظيفات، بناء، غسيل وتشحيم، في الخدمة المنزلية، زراعي، كومي، صحيّة، باطون، حمّال، بلاط، تمديد وتركيب، محطة محروقات، تنظيفات، فرن، مقهى، كسارة، مسلخ، غسيل، نقل، كروم، ورشة، مزرعة، حفريات... وسواهم من العمال.
وتشمل الفئة الرابعة العاملات في الخدمة المنزلية غير الخاضعات لقانون العمل، اللواتي يقلّ أجرهن الشهري عن الحد الأدنى للأجور.

الأعمال المحصورة باللبنانيين
الأعمال المحصورة باللبنانيّين دون سواهم، سواء أجراء أو أصحاب عمل، يحدّدها «قرار المهن» الذي يحقّ لوزير العمل (كميل أبو سليمان) استثناء بعض الأجانب منه، في حال توافر فيهم أحد الشروط الواردة في المادة 8 من المرسوم 17561 /1964. الاستثناءات (يُستثنى منها الفلسطينيون المولودون في لبنان) تشمل: اختصاصي أو خبير أو فني لا يمكن تأمين عمله بواسطة لبناني (على أن يثبت ذلك بواسطة إفادة من المؤسسة الوطنيّة للاستخدام، وبعد ان يقدّم طالِب الأجنبي الوثائق التي تثبت أنه حاول إيجاد لبناني خلال 3 اشهر ولم يجد)، كل مدير أو ممثل لشركة أجنبية مسجلة في لبنان، كلّ مقيم في لبنان منذ الولادة، من هو من أصل لبناني أو مولود من أم لبنانية، وفي حال كانت الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي تسمح للبنانيين بممارسة العمل أو المهنة التي يطلب الأجنبي ممارستها في لبنان.
تقسم الخطة العمال إلى أربع فئات تتفاوت من حيث الرسوم ولا تقسيمات واضحة بينها

قرار الأعمال المحصورة باللبنانيين يضمّ مهناً قد تثير اللغط بدورها. إذ تضمّ فئة الأجراء أعمالاً جرت العادة على تسليمها تحت إدارة لبناني إلى غير اللبنانيين، ومنها: بائع، أمين مستودع، خياط، الرتي باستثناء عامل رتي السجاد، أعمال الدهان، التمديدات الكهربائية، تركيب الزجاج، الحاجب، الحارس، السائق، النادل، الحلاق، طاهي مأكولات شرقيّة، المهن الفنيّة في قطاع البناء ومشتقاته كالتبليط والتوريق وتركيب الجفصين والألومينيوم والحديد والخشب والديكور وسواه، أعمال الحدادة والتنجيد، التمريض، وسائر المهن التي يتوافر لبنانيون لإشغالها. وهنا يبدو مفهوم «توافر» اللبنانيين واسعاً. أما أصحاب العمل حصراً من اللبنانيين، فهُم أصحاب مهَن: الحلاقة، تصليح السيارات بكافة أشكاله، المهن الحرة، وسائر المهن المنظّمة بقانون يحظر ممارستها من غير اللبنانيين، أو التي تشكّل ممارستها مزاحمة أو ضرراً لأصحاب العمل اللبنانيين.

زيادات الرسوم
الرسوم التي تنوي وزارة العمل استيفاءها سترتفع وفقاً للموازنة الجديدة. وتشمل جميع العمال الأجانب، بمن فيهم السوريون الذين كانوا يكتفون بإبراز إقامتهم للعمل في لبنان. مع الإشارة إلى أنّ العامل السوري يدفع ما قيمته 25% فقط من الرسم المتوجّب عليه بموجب اتفاقية بين لبنان وسوريا. احتساب ارتفاع الرسوم وفقاً للفئات وبحسب الموازنة يبيّن زيادة كبيرة قد لا يكون باستطاعة جميع العمال دفعها، لذا قد يعمد جزء كبير منهم إلى «التحايل» على التصنيفات خصوصاً أنها «مبهمة» أساساً. الأرقام اللاحقة تتضمّن رسم الموافقة المسبقة (يرتفع رسمها أيضاً في الموازنة) والتي يدفعها العامل لمرة واحدة فقط لدى استحصاله على إجازة عمل لأول مرة، وهي تعني العمال السوريين بشكل خاص كونهم لا يستحصلون على إجازات عمل (1733 عاملاً سورياً حصلوا على إجازة قبل إقرار خطة الوزارة مطلع حزيران الماضي). إذ ترتفع الرسوم في الفئة الرابعة الأقل دخلاً من 276 ألف ليرة (من ضمنها الموافقة المسبقة التي تمنح للعامل للمرة الأولى 36 ألف ليرة) إلى 350 ألفاً. وفي الفئة الثالثة من 600 ألف ليرة (ضمنها الموافقة المسبقة بقيمة 120 ألف ليرة) إلى مليون و300 ألف بارتفاع نحو 217%، وفي الفئة الثانية من مليون و560 ألفاً إلى 3 ملايين ليرة بارتفاع نحو 192%. مقارنة الرسوم وفق الموازنة، بين الفئتين الثانية والثالثة يبيّن أن الفارق بينهما انخفض ليصبح بنحو 231% (كان قبل الموازنة 260%). زيادة الرسوم بنحو ضعفين سيجعل العمال وأصحاب العمل يسعون إلى التسجيل كعمال فئة ثالثة والعمل في الواقع ضمن الفئة الثانية، بهدف تخفيض الكلفة عليهم. لأن الفارق في كلفة الرسوم على العامل إذا احتسبناه شهرياً سيقارب الـ 94 دولاراً، وهي كلفة مرتفعة كونها تعادل 21% من قيمة الحد الأدنى للأجور.


الغرامات تتضاعف
غرامة مخالفة أحكام قانون العمل والمراسيم والقرارات المتخذة لتطبيقه، سترتفع وفقاً لموازنة 2019 (يُعمل بها بعد إقرارها في مجلس النواب) فيصبح الحد الأدنى للغرامة 750 ألفاً (بدلاً من 250 ألفاً)، وحدها الأقصى 5 ملايين ليرة (بدلاً من مليونين و500 ألف). الغرامات تحال «إلى المحاكم ذات الاختصاص، ويعاقب مرتكبها عن كل مخالفة لوحدها بالغرامة المذكورة وبالحبس من شهر إلى 3 أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

أما «الكسور» عن السنوات السابقة، التي لم يدفعها العمال للحصول على إجازات عمل سنويّة وهم غالباً من السوريّين فسيتمّ خفضها ليدفع العامل السوري دون غيره الكسور عن السنتين السابقتين فقط. وسيكون على السوري الذي يتسجّل للمرة الأولى على أنه عامل فئة ثالثة مثلاً دفع رسم إجازة مسبقة وإجازة عمل سنوية، أي نحو 300 ألف ليرة بعد إقرار الموازنة (قيمة 25% مما يدفعه العمال الآخرون)، كما يتعيّن عليه الحصول على إقامة سنويّة من الأمن العام (ترتفع قيمتها أيضاً مع إقرار الموازنة).
أما ما يتعلق برسوم التأخير عن إنجاز الإقامة السنوية، وفقاً للموقع الإلكتروني للأمن العام اللبناني، فإنه «لا تقبل طلبات إعفاء من رسوم التأخير عن إنجاز الإقامة السنوية لأعذار غير جدية (سقط سهواً، عدم إنجاز إجازة عمل، التأخير في إنجاز اجازة العمل...)، باستثناء الطلبات المتعلّقة أو العائدة لحاملي إقامات مجاملة لأولاد لبناني/ة، زوجة اللبناني وزوج اللبنانية».

إيلدا غصين

الاخبار-17-6-2019
«
بدلاً من «تنظيم العمالة الأجنبيّة»، اختارت وزارة العمل تعبير «المكافحة» لعنونة خطتها «مكافحة العمالة الأجنبيّة غير الشرعيّة على الأراضي اللبنانية». الخطة تربط معضلة سوق العمل في لبنان بالعمال السوريين بالدرجة الأولى، ومن بعدهم باقي العمال الأجانب، وتظهرهم جميعاً كمنافسين للعمّال اللبنانيين، على رغم اقرارها بان العمال الاجانب يقبلون بظروف عمل لا يقبل بها اللبنانيون، حيث الاجور متدنية وساعات العمل اليومي طويلة.
خطة وزارة العمل لـ«مكافحة العمالة الأجنبيّة غير الشرعيّة على الأراضي اللبنانية»، التي أطلقها وزير العمل كميل أبو سليمان الأسبوع الماضي، «رُفعت بكتاب رسمي إلى مجلس الوزراء، وحصلت على موافقات مبدئيّة، وقد توافق عليها الحكومة في الجلسة المقبلة»، كما يوضح لـ«الأخبار» المدير العام للوزارة جورج أيدا. علماً أن سريان الخطّة بدأ في 10 الجاري، اذ مُنح العمال وأصحاب العمل مهلة شهر لتسوية أوضاعهم، «قبل إقرار الموازنة ومضاعفة الرسوم على تسجيل العمال الأجانب والبدء بتحرير محاضر ضبط للمخالفين». وفق أيدا «الوزارة تتصرف وكأن الخطة والموازنة أقرّتا ومهلة الشهر تنتهي في 10 تموز المقبل»، مؤكداً انها «لا تستهدف جنسية معيّنة»، وأن الأمر «ليس خطوة استعراضية. فأصحاب الفنادق عرضوا على موقع إلكتروني مستحدث ألف وظيفة جديدة تقدّم إليها 17 ألف طالب عمل من اللبنانيين... ما ينفي أن اللبناني لا يحب العمل».
يُعتبر «تنظيم» العمالة الاجنبية مطلباً مزمناً، وهو يتصل بمطلب أشمل يطال «تنظيم» العمالة عموماً، اي التصدّي لمشكلة تفشي ما يسمى «العمالة اللانظامية» التي يقدّر حجمها بأكثر من نصف القوى العاملة في لبنان، فيما يقدّر حجم «الاقتصاد اللانظامي» بأكثر من ثلث مجمل الناتج المحلي. بمعنى آخر، ليست العمالة الاجنبية سبباً لمشكلة سوق العمل، بل واحداً من عوارضها. تراجع الاقتصاد الحقيقي، ولا سيما الصناعة والزراعة، وتقويض القدرة التنافسية للمؤسسات اللبنانية، وهجرة العمالة الماهرة، وزيادة تركّز النشاط الاقتصادي في الخدمات ذات الانتاجية المتدنية، فضلا عن تدهور البنى التحتية والخدمات الاساسية وتراجع دور الدولة الرقابي وفقدان السيطرة على الحدود... كلها عوامل ساهمت في تشجيع اصحاب المشاريع والمؤسسات على احلال العمال الوافدين من بلدان افقر محل العمّال اللبنانيين، بغية استغلال موقعهم الضعيف والهش وتحقيق الارباح على حساب اجورهم الضئيلة وساعات عملهم الطويلة وحرمانهم من اي حماية اجتماعية او قانونية... في ظل هذه الاوضاع، يُفترض بأي خطّة مطروحة ان تنطلق من اهداف سياسية واجتماعية واقتصادية، لخلق اقتصاد حقيقي محلي قادر على استيعاب آلاف المتخرجين من الجامعات في وظائف تتناسب مع اختصاصاتهم ومعارفهم ومهاراتهم وطموحاتهم، وهي وظائف غير متاحة في ظل النموذج الاقتصادي القائم، ولا توجد فيها منافسة من العمالة الاجنبية.
الخطة المطروحة باختيارها عنوان «المكافحة» بدلا من «التنظيم» المقرون بالاصلاح البنيوي للسياسات والمؤسسات، لا تفعل شيئا سوى تغذية الموجة العدائية ضد النازحين السوريين، وتحميلهم وزر الازمات التي يعاني منها المجتمع اللبناني منذ سنوات طويلة قبل اندلاع الصراع في سوريا، والتي تفاقمت مع تدفق النازحين بأعداد كبيرة... بهذا المعنى، تساهم خطة وزارة العمل في صنع «المتطفل الخارجي» او «الغريب»، الذي لولاه لكانت اوضاعنا على ما يرام. فهل هذا صحيح؟ وكيف ستجري «مكافحة» هذا «المتطفل» الذي تصوّره الخطة المطروحة كما لو انه مرض خبيث.
تطلب الخطة، في إطار التعاون مع القطاع الخاص، من جميع أصحاب العمل وجمعية الصناعيين واتحاد غرف الصناعة والتجارة والزراعة ونقابات أصحاب العمل ولجان التجار والاقتصاديين، «التقيّد بعدم تشغيل عمال أجانب في الأعمال والمهن والحرف والوظائف المحصورة باللبنانيين والتي تخضع حالياً للقرار 1/29 (صادر في 2018)، وضرورة الاستحصال على إجازات عمل للعمّال الأجانب في المهن التي يحق لهم العمل بها، إضافة إلى تشغيل اللبنانيين مكان الأجانب في المهن المحصورة باللبنانيين فقط».

على الوزارة تحسين شروط العمل للجميع وليس حث اللبنانيين على القبول بالشروط التي يرضاها الأجانب

الأسباب الموجبة للخطة تبدأ من العمالة السوريّة والنزوح السوري الذي بنتيجته «أصبح مئات الآلاف من العمال السوريين أصحاب الكفاءة والمهارة ينافسون اللبنانيين»، ووجودهم «لم يعد يقتصر على الأعمال الزراعية والبناء كما كان قبل الحرب السورية، فأصبحت بذلك العمالة السورية متواجدة في الفنادق والمطاعم وخدمات الاستقبال والإدارة والمستشفيات والصيدليات والمهن الخاصة بالكهرباء والتجارة والخياطة وغيرها». تعداد الخطة للمهن التي «تغزوها» العمالة الأجنبيّة، يفترض دقّة أكبر، ولا سيما ان الخطة تعترف في اكثر من موضع بأنها لا تملك معلومات واحصاءات ما عدا انطباعات غير موثقة وليست صحيحة بالضرورة. كما انها لا تقدّم اي فهم او تشخيص للنقص الذي يعانيه لبنان في بعض المهن، مثل التمريض، بما يوجب على المخطّطين التفكير بزيادة عدد الخريجين في هذا المجال وتحسين شروطه، أو القبول بالعمالة الأجنبية في المستشفيات، نظرا للحاجة الملحة اليها. والأمر نفسه ينطبق على وظائف عدّة.
تردّ الخطة الإشكالية «الكبيرة» إلى أن اللبنانيين «لا يعملون بشروط العمل نفسها التي يقبل بها السوريون من ناحية دوام العمل والأجر»، وهذا ما يفرض على الوزارة العمل على تحسين شروط العمل للجميع، وليس حث اللبنانيين على القبول بالشروط التي يرضاها النازحون. وبدلاً من أن تبدأ الخطة بالسبب الأساسي لمنافسة اليد العاملة الأجنبيّة، وهو «استرخاص» أصحاب العمل توظيفها وجنيهم الأرباح من عدم تسجيلها في الضمان الاجتماعي ومنحها حقوقها من إجازات اسبوعية وسنوية ومرضية ودوامات محدّدة وأجوراً عادلة تفوق الحدّ الأدنى للأجور... تمرّ عرضاً على أنه «فضلاً عن رغبة أصحاب العمل بعدم تحمّل أعباء اشتراكات الضمان الاجتماعي، وغياب شبه تام لإدارات الدولة في التنسيق بينها، مما خلق الفوضى القائمة في سوق العمل وعدم الالتزام بقانون العمل والفلتان في عمليات التوظيف في القطاعات كافة». فالمعالجة يجب أن تبدأ من تسوية أوضاع المؤسسات غير النظاميّة، وليس فقط تسوية أوضاع العمال لدى المؤسسات النظامية، قبل التهويل بـ«عدم شرعيّة» العمالة الأجنبيّة. إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة النشاط الاقتصادي غير النظامي في لبنان تبلغ 35% من مجمل الناتج المحلي، إضافة إلى أنه في عام 2010 - قبل النزوح السوري - قدّر البنك الدولي مجموع العاملين غير النظاميين في لبنان بنحو 56% من مجموع القوى العاملة. ما يعني أن العمالة اللبنانية أيضاً غير منظّمة ويجري استغلالها في ظروف عمل قاسية شأن العمالة الأجنبية. وتنظيم الأخيرة الذي تقترحه الوزارة سينعكس، والحال هذه، ازديادا في حجم العمالة اللبنانية غير النظامية، إلاّ إذا استطاعت الخطة فرض الرقابة على جميع القطاعات، وهذا مشكوك فيه.
يظهر جدول تتضمنه الخطة عدد إجازات العمل الصالحة حالياً التي حصل عليها سوريون، وهو 1733 فقط. وتعلل بأنه «رقم بعيد كل البعد عن الواقع، ولا يقارن بالعدد الفعلي لهم الذي يعدّ بمئات الآلاف»، بما يشير إلى أن العمال السوريين «لا يتقدمون للاستحصال على إجازات عمل من الوزارة العمل لانهم لا يخافون من الترحيل بسبب السياسة المتبعة من الدولة رغم التسهيلات العديدة». وتشمل التسهيلات للعامل السوري «إعفاءه من 75% من قيمة رسم إجازة العمل، إعفاء صاحب العمل من كفالة مصرفية قيمتها مليون و500 ألف ليرة كما هو مطلوب من سائر العمال الأجانب، إعفاء العامل السوري من طلب الموافقة المبدئية والمسبقة كما هو مفروض على سائر العمال الأجانب». باستثناء هذه البنود «يخضع العامل السوري لتعديلات المرسوم 17561/1964 المعدّل بالمرسوم 14268/2005 الذي ينظّم العمالة الأجنبيّة بشكل عام، ويفرض على العمال المرتبطين بصاحب عمل معين بموجب عقد عمل الحصول على إجازة عمل من الوزارة». عملياً العامل السوري «يحصل على إقامة مؤقتة لستة أشهر ويجري اعتبارها أنها تسمح له بالعمل، غير أن المطلوب هو حصوله على إقامة خاصة للعمل تتضمن الحصول على بطاقة عمل من الوزارة تكون صالحة لسنة واحدة» وفق أيدا، خصوصاً أنه «يدفع ربع الرسم الذي يدفعه أي عامل أجنبي آخر للحصول على إجازة عمل، بموجب الاتفاقية المشتركة بين لبنان وسوريا».
في المقابل، تبقى فئة العمال غير المرتبطين بصاحب عمل معيّن ومنهم الموسميّون والمؤقتون كالعمال الزراعيين والمياومين وعمال الورش، وتقترح الخطة تنظيم عملهم بـ«أن يتقدم صاحب العمل من دائرة العمل المختصة بطلب استخدام عمال سوريين مؤقتين أو موسميين، وأن تدرس الوزارة الطلب وتتأكد من صحة مضمون المستندات وتمنح العامل بطاقة عمل مؤقتة بمهلة أقصاها 6 أشهر» كما يرد في الخطة. فيما يؤكد أيدا أن بطاقة العمل ستكون «لسنة كاملة».
لا توضح الخطة كيف ستؤدي الاجراءات التي تقترحها الى تسجيل جميع العمال السوريين، ومصدر الشكوك في جدواها انها تنظر الى العمالة الاجنبية اللانظامية كما لو انها خيارات فردية للعمال السوريين، في حين ان الوقائع التي تستعرضها الخطة نفسها تبين ان تسهيل حصول السوريين على اجازات العمل وتخفيض كلفة الرسوم والاعفاء من العديد من المعاملات الادارية المفروضة على العمال الاجانب من جنسيات مختلفة... لم يساهم بزيادة معدلات الامتثال، ما يعني ان اصحاب العمل هم الذين يتحمّلون المسؤولية بالدرجة الاولى لا العمّال المضطرين للرضوخ الى شروط قاسية مفروضة عليهم.
تشير الخطة إلى أنه «إضافة إلى عبء العمالة السورية، تأتي أزمة العمالة الأجنبية الأخرى التي يعود سببها إلى تدفّق العمال الأجانب إلى لبنان وتهرّب قسم منهم من الالتزام بقوانين العمل وكسر إقاماتهم لسنوات وجني الأموال من دون دفع الرسوم المتوجّبة عليهم لصالح الدولة، ما يؤثّر على الوضع الاقتصادي وتفاقم حالة البطالة نتيجة منافسة اليد العاملة الأجنبيّة». فوفقاً للخطة «عشرات آلاف العمال الأجانب والعرب غير السوريين يعملون أيضاً في لبنان، جزء كبير منهم لا يمتلك إجازات عمل وهم في غالبيّتهم يستخدمون في لبنان تحت اسم «عمال التنظيفات»، بينما في الواقع يعملون في مجالات أخرى على سبيل المثال لا الحصر: محطات الوقود، الخدمة في المنازل، في مجال المهن اليدوية كالبناء ومتفرعاته، في القطاع الصناعي، في قطاع الخدمات السياحية كالفنادق والمطاعم». وقد بلغ عدد العمال «من الفئة الثالثة (ذكور/ تنظيفات) في 2018 الذين استحصلوا على إجازات عمل 71138 عاملاً، فضلاً عن عدد كبير وغير محدد يعملون بدون إجازات عمل». المخالفات التي تشير إليها الخطة، تعني غياب الرقابة وقبول العمال الأجانب بأعمال «لا يرتضيها» اللبنانيون وفق ما تردد الخطة نفسها. الا انها تقفز مباشرة الى خلاصة تقول إن «العمالة غير الشرعيّة تترك تداعيات سلبيّة كثيرة على الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمواطن اللبناني تتمثل بأحداث جنائيّة وجنحيّة»! كما تتسبّب بـ«إخراج أموال خارج لبنان إضافة إلى بطالة حادة في صفوف الشباب اللبناني». غير أن الاقتصاد اللبناني يقوم أساساً على تدفق أموال المغتربين الذين يخرجون أموال غير بلدان إليه، اذ ان هناك اكثر من 700 الف لبناني يعملون في الخارج ويحوّلون نحو 8 مليارات دولار الى اسرهم المقيمة في لبنان، وفي المقابل هناك عمال اجانب في لبنان يحولون اموالا الى اسرهم المقيمة في بلدانهم، وهذه ليست ظاهرة جديدة في لبنان بل هي سمة اساسية من سمات نموذجه الاقتصادي تاريخيا، ولا سيّما وأن الدستور اللبناني يتبنّى الاقتصاد الحرّ ويعتمد سياسات الحدود المفتوحة لتدفق الرساميل والسلع والخدمات... وهو ما ينسحب على تدفق اليد العاملة. لذلك، تعمد وزارة العمل في خطّة «المكافحة» الى التأكيد على «حرصها على الحدّ من الضرر بمصالح المؤسسات والشركات اللبنانية»... علماً أن المخالفين بالدرجة الأولى هم المؤسسات والشركات وأصحاب العمل.
مراقبة تنفيذ الخطة ترتكز على 35 مفتشاً فقط في الوزارة، وتطالب بدعم جهاز تفتيشها من خلال «السماح بالنقل من فائض الموظفين في الوزارات الأخرى ليتمكّن هذا الجهاز من القيام بمهامه كاملة من خلال تفتيش يومي ودوري أكثر فعاليّة للقطاعات والشركات والمؤسسات والإنشاءات والمحلات». علماً أن فائض الموظفين في غير وزارات ليس بالضرورة من أهل الاختصاص والخبرة بالتفتيش الذي تسعى وزارة العمل إلى تطبيقه لمراقبة عشرات آلاف المؤسسات والمشاريع والعمال الذين تذكرهم في خطّتها. وعليه يردّ المدير العام للوزارة: «ما تعتلوا همنا، فريق المؤسسة الوطنية للاستخدام سيساعد كون الخطة تهدف إلى خلق فرص عمل للبنانيين، وكذلك مختلف الأجهزة الأمنيّة، والوزارات التي تملك أجهزة تفتيش... فوزارة الاقتصاد مثلاً بادرت إلى إقفال عدد من المؤسسات في الفترة الأخيرة. ومفتشو الضمان أيضاً شركاء في الخطة، ويتوجّب على كل صاحب عمل تسجيل عماله بالضمان كوثيقة أساسية لمنح إجازة العمل». تأمين تمويل من خلال نقل اعتمادات من باب الاحتياط في الموازنة العامة إلى موازنة وزارة العمل من أجل دعم جهاز التفتيش و«إطلاق حملة إعلاميّة وإعلانيّة لمدة شهر واحد بكلفة إجماليّة قدرها 300 مليون ليرة»، والحملة تهدف إلى «التفاعل مع المواطنين لتوضيح أهدافها وغاياتها والإضاءة على حقوق وواجبات أصحاب العمل والعمال الأجانب».
تفعيل العمل الإداري وجهاز التفتيش في الوزارة، يهدف أيضاً إلى «إقفال المؤسسات المملوكة أو المستأجرة من أجانب لا يحملون إجازة عمل وفقاً للقوانين والأنظمة»، علماً أن الإقفال إذا تمّ خلال مهلة الشهر الممنوحة في الخطة فإن الخسارة من الجانب اللبناني ستكون أكبر كون المؤسسات المملوكة من أجانب يفترض بها توظيف 75 بالمئة من عمالها من اللبنانيين. بحسب الخطة «يحق للأجانب التقدم بطلب لفتح مؤسسات تجارية اذا كانت مساهمتهم لا تقل عن 100 مليون ليرة، ويلزمون بأن يكون 75% من العمّال لبنانيين ( اي مقابل كل عامل اجنبي يجب ان يكون هناك 3 عمال لبنانيين)». مما يشير إلى إقفال المؤسسات «الأجنبيّة» الصغيرة. أما التذرّع بعدم تطبيق المؤسسات المملوكة من أجانب هذا الشرط في التوظيف فيفترض أن تساءل عنه الوزارات المعنيّة لعدم تطبيقه.


الغرامات ستتضاعف
بعد شهر ستتراوح الغرامات على المؤسسات المخالفة بحسب مدير عام وزارة العمل جورج أيدا، «بين مليونين و5 ملايين ليرة عن كل عامل أجنبي لديها لا يملك إجازة عمل، أما المخالفة الثانية فتقضي بإقفال المؤسسة». وبشأن الانذار فهو «بدأ إعلامياً وسيصبح لدى الجميع علم بالتدبير». بعد إقرار الموازنة، سترتفع الرسوم على إجازات العمل «من 480 ألف ليرة للفئة الثالثة إلى مليون ليرة، ومن 960 ألفاً للفئة الثانية إلى مليوني ليرة، ومن مليون و800 ألف للفئة الأولى إلى 3 ملايين». وهو ما يحذر منه أيدا بعد إقرار الموازنة لأن الكلفة سترتفع على صاحب العمل «كونه سيضطر إلى تسجيل العامل الأجنبي لديه في الضمان الاجتماعي بالإضافة إلى تأمينه في مؤسسة للتأمين (لأنه لا يستفيد من الضمان)... توفير صاحب العمل لهذا كلها سيدفعه إلى توظيف لبناني وتشغيل عائلة».

الاخبار-2-5-2019

راجانا حمية 


عندما وُضع قانون العمل، كان الظرف عادياً، فلم يلحظ أنه يمكن أن تمرّ ظروف «غير عادية» كالتي نعيشها اليوم. بلاد واقعة في أزمة اقتصادية تلجأ معها المؤسسات إلى صرف عمّالها وإقفال أبوابها، فيما لا يزال القانون متوقفاً عند آخر تعديل عام 1970. في ظل هذا القانون الذي لا يحمل أيّ عناصر حماية للأجراء، سرّحت المؤسسات العام الماضي آلاف العمّال، وقفت وزارة العمل إزاءهم موقف الساعي لـ«تحسين شروط صرفهم»، من دون اتخاذ أي تدبير يحميهم من التعسّف

4000 شكوى عمل فردية موجودة اليوم أمام مجالس العمل التحكيمية في المحافظات الخمس. هذا الرقم هو «الخلاصة» الموثّقة لمن صُرفوا تعسّفاً من أعمالهم العام الماضي، وفي الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الجارية، فيما حقّقت وزارة العمل، عام 2018، في 1793 شكوى عمل فردية وعملت على حل الجزء الأكبر منها عن طريق الوساطة بين صاحب العمل والأجير.
يعني ذلك أن الرقم «الرسمي» للمصروفين وصل الى أقل من ستة آلاف بقليل. إلا أن هذا ليس الرقم النهائي. ثمة جيش من المصروفين ممن يحلّون أمورهم «حبياً» مع صاحب العمل، ولا تعرف بهم مجالس العمل ولا الوزارة الوصية. قبل ثلاث سنوات، لامست تقديرات أعداد هؤلاء عتبة العشرة آلاف، وفي عام 2017 حدود الـ 11 ألفاً. اليوم، «لا شك في أن الأعداد ستزيد»، يقول الباحث في نشرة «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، متوقّعاً أن تناهز 15 ألفاً. وهو رقم يمكن تحصيله من إفادات «ترك العمل» في الضمان. لكن، العداد لا يقف هنا. فهناك من يُصرفون في كل يوم بلا صخب، خصوصاً من العاملين في القطاعات الهامشية كالبناء والزراعة وغيرهما.

 

أنجل بوليغان - المكسيك

«الواقع حزين. منذ ثلاث سنوات الوضع يزداد سوءاً»، تقول رئيسة دائرة مراقبة عمل الأجانب والمتابعة لملف المصروفين مارلين عطا الله. وتوضح: «سابقاً كنا نتلقى حوالى 4 ملفات أسبوعياً، أما اليوم فنتلقى بين 9 و10 ملفات». ثمة مؤشر آخر على ازدياد حدة الأزمة، وهو عدد «طلبات التشاور» التي تقدّمت بها مؤسسات العام الماضي لإنهاء عقود العاملين لديها، وقد بلغت 55 طلب تشاور. ثمة زحمة في طلبات الصرف، يمكن الاستدلال عليها من «تفرطع» الطلبات بين جهات عديدة. فمنهم من يقصد الاتحاد العمّالي العام، ومنهم من يلجأ إلى الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين، وآخرون يستشيرون المرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظفين. بحسب آخر رقم يورده المرصد، «يستحوذ الصرف التعسفي على 47,8% من مجمل الاستشارات التي تردنا». فيما يشير كاسترو عبدالله، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين، إلى أن «الاتحاد وحده أحصى 3 آلاف حالة صرف العام الماضي، وبحدود 200 شخص العام الجاري».
«الصرف من العمل شغّال بشكل يومي»، يقول بشارة الأسمر، رئيس الاتحاد العمّالي العام، مشبّهاً دور الاتحاد بـ«متعهّدي دفن الموتى، حيث نعمل على تسوية أمور العمّال تمهيداً لإرسالهم إلى بيوتهم»!

«تحسين» شروط الصرف
من المادة 50/و من قانون العمل تنطلق المؤسسات في رحلتها نحو تسريح العاملين فيها، إذ تمنح هذه المادة «إجازة» لصاحب العمل لـ«إنهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة في حال اقتضت قوّة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر، أو التوقّف نهائياً عن العمل». أعطت هذه المادة «الحق» لصاحب العمل للإمساك برقاب الأجراء لديه، إذ ليست كل طلبات التشاور تعني أن المؤسسة تعاني أزمة مادية. مع ذلك، استناداً لما وفّره القانون، يتقدّم صاحب العمل بطلب تشاور لدى وزارة العمل قبل شهرٍِ من إعلام الموظفين بالصرف، على أن تحقّق الأخيرة في الطلب بـ«الاطلاع على موازنة آخر ثلاث سنوات للمؤسسة وإفادات الأجراء»، تقول عطا الله. بعدها، يأتي التبليغ، وتبدأ شكاوى العمل الفردية تنهال على الوزارة لتسجيلها و«توجيه العامل المصروف لتقديم شكوى أمام مجلس العمل التحكيمي لحفظ حقّه ضمن المهلة القانونية المسموح بها، وهي شهر فقط». لا وظيفة للوزارة، هنا، سوى «تحسين شروط الصرف»، بحسب وزير العمل السابق سجعان القزي. لذلك، غالباً ما يقبل المصروفون بالحل «الحبّي» في الوزارة، ولو جاء في أحيانٍ كثيرة على حسابهم، لسببين: أولهما تحصيل الحدّ الأدنى في ظلّ الأزمة، وثانيهما اليأس من سلوك درب القضاء الطويل.

مجالس «التدوير»
«مش عاجبك روح اتشكى». تنطبق هذه العبارة على ما يحصل في دعاوى العمل الفردية التي تصل إلى مجالس العمل التحكيمية. فعندما تفشل وساطة وزارة العمل، لا يبقى أمام المصروف سوى سلوك درب القضاء. لكن، هذه دونها سنوات طويلة، ما يشكّل مخالفة صريحة للمادة 80 من قانون العمل التي تنص على أن «مجالس العمل تنظر بالقضايا المرفوعة أمامها بالطريقة المستعجلة»، كما شدّدت المادة 50 على أن «أمام مجالس العمل مهلة 3 أشهر للبت بالقضية المطروحة أمامها».
هذا ما ينص عليه القانون. أما واقعاً، فإن القضايا العمّالية التي تحمل صفة الاستعجال تقبع في المجالس بين ثلاث وست سنوات.
الأسمر: الاتحاد كمتعهّدي دفن الموتى... نعمل على تسوية أمور العمّال تمهيداً لإرسالهم إلى بيوتهم!
يلفت المحامي قاسم كريم الى وصول 1128 شكوى عمّالية فردية إلى مجلس العمل التحكيمي في بيروت عام 2019، جرى تدويرها عن أعوامٍ سابقة، إضافة الى نحو 1009 شكاوى جديدة. في جبل لبنان، نحو 450 من أصل 1100 هي شكاوى «مدوّرة» عن أعوامٍ سابقة، وكذلك الحال في صيدا والنبطية وزحلة ولبنان الشمالي. يعزو كريم ذلك إلى جملة أسبابٍ، في مقدّمها النقص في عدد غرف مجالس العمل التحكيمية في المحافظات. مثلاً، في جبل لبنان، هناك ثلاث غرف فقط لأكثر من 1200 شكوى سنوياً، فيما الحاجة الى ما بين خمس وسبع غرف. في بيروت خمس غرف، تعمل أربع منها. في غرفة النبطية، مثلاً، تكمن المشكلة في أن القاضي الذي يرأس مجلس العمل التحكيمي هو في الوقت نفسه الرئيس الأول لمحكمة النبطية ورئيس محكمة الاستئناف المدنية ورئيس الهيئة الاتهامية. وكذلك الحال في غرفٍ أخرى.
ثمة أسباب أخرى للتأخير، منها «مثلاً مطالعة مفوّض الحكومة لإبداء الرأي التي تستغرق 3 أشهر، ثم 3 أشهر أخرى تؤجل خلالها الجلسات لإبداء الرأي بها، علماً بأنها استشارة غير ملزمة، إضافة الى العطلة القضائية» بحسب كريم. هذه تسعة أشهرٍ كاملة. يضاف إليها غياب أحد أطراف الشكوى والجهل المبرر لدى الأجراء بإجراءات التقاضي والتبليغ، كلها عوامل تطيل أمد المحاكمة. من هنا، يشير كريم إلى أن «معدّل بتّ الشكاوى يبدأ بأربع سنوات ويمتد إلى حدود 6 سنوات في حال كان الأجير هو من يتابع الدعوى، أما في حال وجود محامٍ فقد تستغرق 3 سنوات»، فضلاً عن أن الكثير من الدعاوى «تشطب في حال التغيب المتكرر لأحد الأطراف».
ثمة جانب مؤلم آخر يتعلّق بالحصيلة النهائية للحكم، والتي غالباً ما تصبّ في مصلحة أصحاب العمل. في تحقيق لـ«المفكرة القانونية»، عام 2014، تبيّن أن ممثلي الأجراء في المجالس «تحوّلوا إلى أعضاء صامتين (…) وقد صدرت قرارات كثيرة بالإجماع من دون أي اعتراض من هؤلاء (...)»، وهو ما يطرح تساؤلاً عن ممثلي الأجراء الذين يتم تعيينهم في مجالس العمل، إذ إنهم «جزء من سياسة المحاصصة، وقد يكون البعض منهم متورطاً في مسايرة أصحاب العمل»، بحسب الباحث والخبير الاجتماعي غسان صليبي.

قانون العمل مشكلة مزمنة
لن تتوقف أزمة الصرف ما دام هناك أزمة تهدّد اقتصاد البلاد. الصرف «شغّال» في كل القطاعات، الصناعي والاعلامي والسياحي وغيرها. رغم ذلك، قد تكون هذه مشكلة «آنية»، أما المشكلة «المستدامة» فتكمن في قانون العمل الذي يفتقر إلى عناصر الحماية للأجراء، ولا يزال، منذ خمسين عاماً، على حاله، اللهم إلا من تعديلات طفيفة. «وعدا عن كونه قديماً وتفوته الكثير من العناصر الحامية لحقوق الفئات الضعيفة، فقد صيغ في ظروف عادية، ولم يلحظ إمكانية حصول ظروف استثنائية كالتي نشهدها اليوم»، يقول صليبي. من هنا الحاجة «إما إلى تعديل القانون أو إلى إيجاد عقد اجتماعي يدخل فيه كل الأطراف، لأن العمّال غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وحيدين».

تقبع الشكاوى في مجالس العمل التحكيمية نحو 6 سنوات رغم أنها تحمل طابع «العجلة»!
وقد جرت محاولات في وزارة العمل لتعديل القانون، ولا سيما المادة 50 «التي ليست لمصلحة العمّال»، بحسب صليبي، لافتاً إلى «صوغ اقتراحات للتعديل تتغيّر من وزير عمل إلى آخر»، والى تأليف لجنة ثلاثية في الوزارة لتعديل القانون، «لكنها منذ مدة لم تجتمع». اليوم، ثمة محاولة لإعادة إحياء التعديلات على القانون، ويتردّد أن الوزير الحالي كميل أبو سليمان في صدد الاستعانة بمنظمة العمل الدولية لصوغ التعديلات انطلاقاً من مضمون الاتفاقيات الدولية. ولكن، في انتظار تلك التعديلات، يُفترض بحسب صليبي إعادة الزخم الى الحركات النقابية، خصوصاً القطاعية منها. فهذه الأخيرة «هزيلة وضعيفة إلى درجة لا تستطيع معها حتى الدفاع عن حقوق العاملين في القطاعات التي تمثلها. وتكاد تكون غير موجودة».


المصروفون أمام القضاء
2173 هو عدد الشكاوى الفردية التي تنظر فيها غرف مجالس العمل التحكيمية في بيروت الإدارية، منها 1009 شكاوى جرى تسجيلها مؤخراً، فيما دُوّرت البقية من أعوامٍ سابقة. العام الماضي، بتّت هذه الغرف 933 حكماً (410 أحكام نهائية و523 حكماً هي عبارة عن قرارات شطب وتحويل إلى وزارة العمل). أما في العام الحالي، فلم يبتّ أي ملف إلى الآن.
في غرف مجالس العمل التحكيمية في جبل لبنان، سجّلت العام الماضي 1300 شكوى، فيما شهد العام 2017 تسجيل 1200 شكوى، وسجّل نحو 430 شكوى منذ مطلع العام الجاري. وقد أصدرت غرف جبل لبنان العام الماضي نحو 700 حكم، ما يعني أن عدد الشكاوى المقدمة هو ضعف عدد ما يتمّ بتّه.
غير أن أرقام بيروت وجبل لبنان لا يمكن تعميمها على بقية المناطق. في المحافظات الثلاث التي تحوي مجالس عمل تحكيمية يتراوح عدد الملفات بين 60 و150 كحدّ أقصى. ويعود السبب إلى أن غالبية المصروفين، إما أنهم لا يملكون ثقافة قانونية فتفوتهم المدة المسموحة للتقدم بشكوى، وإما أنهم يجهلون بإجراءات التقاضي. كما أن الكثير من الشكاوى في هذه المناطق يُحلّ «حبياً»، خصوصاً أن غالبية المؤسسات هناك تتخذ طابعاً عائلياً.

تأخير البتّ إنكار للعدالة
أجبر عمال فرنسيون دولتهم على تعويضهم عن التأخير غير المبرر الذي سلكته قضية صرفهم أمام مجلس العمل التحكيمي. لم يستطع هؤلاء «بلع» 3 سنوات استغرقتها قضيتهم التي يفترض أنها تحمل طابع العجلة أمام محكمة الشغل، فتقدموا بدعوى في وجه الدولة طالبوا فيها بتعويضهم. وقد صدر القرار عن المحكمة حينذاك بإدانة الدولة، لأن ما فعلته محكمة الشغل يشكل «إنكاراً للعدالة». وعلّلت قرارها بأنه «عندما لا تستطيع الدولة وضع وسائل وأدوات العمل الضرورية أمام العدالة لحسم النزاعات في آجال معقولة، خصوصاً أن نزاعات الشغل تقتضي صدور أحكام سريعة، فإن ذلك يعدّ إنكاراً للعدالة». وقضت بإلزام الدولة تعويض كل متقاضٍ بين 3000 و4500 يورو بحسب الوقت الذي استغرقته القضية.

 

 

الاخبار-2-5-2019

صباح أيوب 


قبل 3 أيام، وفي 28 نيسان من كلّ عام، يحتفل العالم بهدوء بما يسمّى «اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل»، تصدر الدراسات وتُرفع التوصيات والثابت الوحيد من عام الى عام، أرقام مأساوية تبيّن انخفاض مستوى السلامة، وتردّي وضع الصحة في أماكن العمل حول العالم. آلاف العمّال يموتون يومياً بسبب أمراض مهنية، وجسدية، ونفسية، تفتك بالقوى العاملة على اختلاف المهن والوظائف. الحقوق العمّالية والقيم الإنسانية تُنسف كل يوم لكي تبقى الأسواق التنافسية مفتوحة وحرّة

عندما تنبّهت شركة «فوكسكون» العملاقة لتصنيع الهواتف المحمولة إلى أن عمّالها في الصين ينتحرون بسبب ضغط العمل (18 محاولة انتحار عام 2010)... قامت بمدّ شِباك تحت شرفات غرفهم! تقول هذه الحادثة الكثير عن العصر الحديث و«نظامه المشغّل» وعمّا آلت إليه علاقة العمّال بعملهم وطريقة تعريف المجتمعات للعمل والعامل. حادثة «فوكسكون» ليست الوحيدة بل عيّنة عما يحدث ويتكرر في أماكن العمل منذ فترة طويلة.
زمن العبودية لم ينتهِ، عكس ما يُروّج له «العالم الحرّ». الاستعباد، وفق الوقائع والأرقام، ما زال هنا، والعمّال، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي، يموتون بسبب أعمالهم وأثناء تأديتهم لها! أوضاع لا إنسانية ترافق مراحل الإنتاج كافة: ضغوط جسدية تسبب اضطرابات في الدورة الدموية، أمراض سرطانية، قلق مزمن واكتئاب، ظلم في الأجور، عنف وتحرّش وتمييز عنصري وجندري… لا شيء في واقع العمل اليوم يدلّ على أن المجتمعات الحديثة حققت أيّ تقدّم إنساني في تحصيل الحقوق وحماية العمّال. كلّ ما انتزعته النقابات والأحزاب من مكتسبات للعمّال عبر التاريخ يُنسف كل يوم.
7500 عامل يموتون يومياً بسبب العمل الذي يؤدّونه، رقم مفجعٌ يمرّ وسط صمت نقابي وتجاهل عام، علماً أنه لا يحصي سوى الحالات المسجَّلة، أي إن عدد الضحايا الفعليّ هو أكبر بكثير والكارثة أضخم مما تصوّره بعض المنظمات الحقوقية والنقابات العمالية. كارثة بدأت منذ أن أرسى النظام الرأسمالي مفهوماً جديداً للعمل لا يرى فيه سوى عملية ربحية ضيّقة في سوق تنافسية كبيرة.

بالأرقام
2,78
مليون وفاة في حوادث عمل سنوياً حول العالم من ضمنها 2,4 مليون وفاة بسبب أمراض مرتبطة بالعمل و380,500 ألف وفاة في حوادث مباشرة
3/2
من وفيات حوادث العمل في العالم تتركز في آسيا


المنافسة المفتوحة لا ترى في العمّال سوى «كلفة» يجب تخفيضها إلى حدّها الأدنى. كيف؟ تقليص عدد العمّال على حساب زيادة دوام العمل، ضغوطات في الإنتاج تتحكّم بها حاجات السوق المتزايدة لا القوانين العمّالية ولا حتى المنطق، إهمال حقوق العمّال الأساسية مثل الحدّ الأقصى لساعات العمل والحد الأدنى للأجور، ظروف العمل الصحية، أيام العطل المستحقّة، إجازات الأمومة، الإجازات المرضية، الضمان الصحي، التعويضات… يعمل ملايين العمّال حول العالم اليوم بأدنى من حقوقهم القانونية وبظروف غير مؤاتية لتأدية أي مهام إنتاجية، تلك الظروف التي تتسبّب، في النهاية، بقتلهم.
تتهدّم المصانع على رؤوس العاملين فيها، فلا تعوّض الشركات المشغّلة (شركات ضخمة تحقق أرباحاً سنوية بالمليارات) كما يجب على أهل الضحايا أو على المصابين، ولا تغيّر حتى من نمط استعبادها للناجين أو تحسّن من ظروف عملهم، كما حصل ويحصل في مصانع بنغلاديش ومثيلاتها. غرف مكتظة لا تستوفي أيّاً من الشروط الصحية للعمل، ساعات طويلة من العمل المتواصل، احتكاك مباشر مع مواد سامّة من دون إجراءات وقائية، ضغوط لتسليم السلع في الوقت المحدد… بيئة العمل هي نفسها في معظم مصانع البلدان الفقيرة التي تشرف عليها شركات ضخمة.

 

يرى البعض أن المشكلة تعود في الأساس إلى أنه، منذ أواخر الثمانينيات، بدأ الاقتصاد الرأسمالي يضع معايير جديدة للعمل لا تراعي سوى هدف مراكمة الأرباح والفوز في السباق التنافسي. نقلت الشركات الكبرى مصانعها إلى بلدان فقيرة، أجور اليد العاملة فيها متدنية ومراقبة تطبيق قوانين العمل شبه غائبة، البيئة الأمثل لتستعرض فيها الشركات الكبرى عضلاتها غير آبهة بالأثمان البشرية.
ومن المعايير الجديدة التي وضعها النظام الرأسمالي أيضاً أنه لم يعد مطلوباً من المدير المسؤول المعيّن أن يكون ملمّاً بتفاصيل العمل ومراحل الإنتاج وكيفية التنفيذ، بل بات عليه فقط أن يطبّق خطّة مؤلفة من شروط وأرقام لتحقيق الربح السنوي المطلوب وزيادته. خطّة المدراء الجدد لا تلحظ، طبعاً، أيّ جانب واقعي ـ إنساني يتعلق بمدى قدرة العمّال على تحقيق الرقم المطلوب. يذكر بعض العمّال في شهاداتهم العلنية القليلة بأنه خلال فترة الذروة، أي قبيل الموعد المحدد لإنهاء كمية ضخمة من السلع (تحدّده السوق التنافسية أيضاً) يُطلب من العمّال زيادة إنتاجهم بطريقة لا تسمح حتى بالنوم لأيام متواصلة!

 

«يصبح العامل أكثر فقراً كلّما أنتج ثروة أكثر، كلّما زاد إنتاجه قوّة واتساعاً. يصبح العامل حتى سلعة أرخص كلّما زاد ما ينتجه من السلع. إن انخفاض قيمة العالم الإنساني تزداد في تناسب مباشر مع زيادة عالم الأشياء»، ترى الماركسية.
الموت لا يصيب فقط عمّال المصانع في الدول النامية أو الدول الصناعية الكبرى بل يمكن أن يرى كل عامل/ موظف نفسه ضحيةً للعمل المفروض عليه وفق المعايير التي وضعتها الرأسمالية. عمّال «المكاتب» أيضاً غير مستثنين من الأمراض المهنية (الجسدية والنفسية) وإهدار حقوقهم وإجبارهم على تأدية أعمالهم في جوّ ضاغط يلاحقهم حتى إلى منازلهم بعد انتهاء الدوام وإلى «عطلهم» في معظم الأحيان. حتى الشركات الكبرى ذات المباني النظيفة التي لا تتهدم على رؤوس عمّالها، لا تراعي شروط العمل السليمة إذ إن من يتحكّم بوتيرة العمل وظروف العمّال ليس المدير ولا حتى صاحب الشركة بل حاجة مفتوحة في الأسواق لإنتاج المزيد في وقت قصير وبتكلفة أقلّ.

اضطرابات العمل النفسية
إلى الأمراض الجسدية القاتلة (أمراض الدورة الدموية والأمراض السرطانية، أمراض الجهاز التنفسي…) تضاف الأمراض النفسية التي تسببها ضغوط العمل المتزايدة، قلق مزمن وتوتّر واكتئاب يؤدي إلى الانتحار في معظم الأحيان. لكن العالم ما زال يجهل نسبة الإصابات بتلك الأمراض ومدى تأثيرها الفعلي، لأن العمّال، في أغلب الأحيان يجهلون أن سبب اضطراباتهم النفسية هو عملهم، يساعد على ذلك عدم اعتراف أصحاب العمل وشركات التأمين والضمان بكون تلك الاضطرابات النفسية «أمراضاً» في الأساس. أضف إلى ذلك عدم تقديم الموظفين شكاوى حول عللهم النفسية وتسجيلها لدى المسؤولين في مكان عملهم لأسباب كثيرة تتعلّق بعدم الدراية الكافية لحالاتهم، والخجل والخوف.


أنقر على الرسم البياني لتكبيره


العنف الجندري
شكل آخر من أشكال ظروف العمل المأساوية هو العنف الجسدي والنفسي الذي يتعرّض له العمّال في مكان عملهم. النساء يتعرّضن بشكل أكبر من الرجال وباستمرار وفي كلّ بقاع الأرض للتحرّش اللفظي والجسدي والجنسي كما تشير الأرقام. علماً أن التبليغ عن التحرش ليس مألوفاً بعد والأرقام الواردة في التقارير الرسمية هي أقلّ بكثير مما يحصل على أرض الواقع.
تعريفاً: «العنف الجندري هو أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء كان من الناحية النفسية أو الجسدية أو الجنسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء كان ذلك في الحياة الخاصة أو العامة» (إعلان الأمم المتحدة، 1993).
المشكلة تبقى في غياب القوانين الواضحة الملزمة في هذا الشأن، والاكتفاء باعتماد عدد قليل نسبياً من المؤسسات قواعد وشرعات عمل أخلاقية خاصة بها تحدّد كيفية التصرف تجاه حالات التحرّش والعنف في مكان العمل.

الاخبار-2-5-2019

فيفيان عقيقي 


بيئة العمل في لبنان غير آمنة، فوفقاً لإحصاءات «جمعية شركات الضمان في لبنان» حتى أيلول/ سبتمبر 2018، يتبيّن أن 45.622 عاملاً فقط من مجمل العمّال اللبنانيين والمهاجرين يستفيدون من بوليصة تأمين ضدّ حوادث العمل والأمراض المهنية، أي ما يوازي 2.8% من مجمل العاملين بأجر أو شبه الأجر، علماً أن القانون يفرض على أصحاب العمل التأمين على جميع العمّال ضدّ هذه الحوادث

تقدّر «منظّمة العمل الدولية» عدد المقيمين الناشطين اقتصادياً في لبنان في عام 2018، بنحو مليونين و230 ألف عامل. فيما يشير «مسح ميزانية الأسر لعام 2012»، وهو المسح الأحدث الصادر عن «إدارة الإحصاء المركزي» و«البنك الدولي»، إلى أن 72.3% من مجمل القوى العاملة (أي ما يساوي 1.613 مليون عامل في عام 2018) هم مستخدمون شهريون أو مياومون أو على أساس الإنتاج أو متدرّبون أو يعملون لدى أسرهم، ويُفترض قانوناً تسجيلهم في الضمان الاجتماعي والتأمين عليهم من حوادث العمل، إلّا أن 60.7% منهم (979 ألف عامل) مكتومون وغير مسجّلين ولا يحظون بأيّ حماية من أيّ نوع، وهو ما يتوافق نسبياً مع نسبة العمالة اللانظامية التي قدّرها البنك الدولي في عام 2010 بنحو 56% من مجمل القوى العاملة، وتشمل الغالبية الكبرى من العمّال الأجانب والعاملات في الخدمة المنزليّة، ونحو نصف العاملين في القطاع التربوي والجهاز المدني في القطاع العام، وأكثر من ثلث العاملين بأجر في القطاع الخاص. هذه المعطيات تبيّن أن نسبة العمّال المحميّين من حوادث العمل تقلّ عن 2.8%، وربما أقل بكثير في حال الأخذ بالحسبان عدم دقّة الأرقام المتعلّقة بالعمّال المهاجرين وظروف العمل التي يعانون منها.

 

 

5 وفيات و6 إصابات شهرياً
وفقاً لإحصاءات قوى الأمن الداخلي سُجّل نحو 165 حادث عمل بين عام 2017 ومنتصف نيسان/ أبريل 2019، أدّت إلى وفاة 72 عاملاً وإصابة 93 آخرين. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، توفي 15 عاملاً وأصيب 19 آخرون، أي بمعدّل 5 حالات وفاة وأكثر من 6 إصابات شهرياً، وهو يعدّ رقماً كبيراً بالنسبة إلى اقتصاد شبيه بالاقتصاد اللبناني يفتقر للصناعة والزراعة وسلاسل الإنتاج وتتركّز 70% من العمالة في التجارة والقطاعات الخدمية والوساطة المالية، في مقابل 16.3% في الزراعة والصناعة، و13.7% في الإنشاءات والنقل وأنشطة البريد والاتّصالات.
إلى ذلك، لا تتضمّن هذه الإحصاءات، وفقاً لشعبة العلاقات العامّة في المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي، «سوى حوادث العمل التي جرى التبليغ عنها وسطّرت فيها محاضر نتيجة ادّعاء عامل مصاب أو أهل عامل متوفى، وبالتالي هناك حالات أخرى لا يتمّ التبليغ عنها ولا يعلم أحد بها، خصوصاً أن هناك عمّالاً لبنانيين وأجانب لا يبلّغون عن الحوادث التي يتعرّضون لها خوفاً من طردهم وفقدان عملهم، أو خوفاً من الاعتقال والترحيل بسبب عدم قانونية أوراقهم، وكذلك لا تشمل هذه الإحصاءات انتحار العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية، أو التصريحات التي تفيد بأن الإصابة ناتجة عن حادث خارج العمل للاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي، لا سيّما في الحالات التي يكون فيها ربّ العمل متهرّباً من التأمين على العمّال لديه».

دولة أصحاب العمل
هذه الحماية المتوافرة لعدد قليل جدّاً من العمّال مجتزأة، وهي لا تقيهم من أيّ عجز مؤقّت أو دائم، جزئيّ أو كلّي قد يعيقهم عن العمل، وكذلك لا تحمي أسرهم من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتّب عليها جرّاء تعرّض العامل المعيل لعجز أو وفاته. ويعود ذلك إلى امتناع السلطة السياسية، منذ 56 عاماً وحتى اليوم، عن إقرار مرسوم يجيز بدء العمل بفرع طوارئ العمل والأمراض المهنية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والذي يتضمّن أحكاماً تتضمّن تدابير إلزامية للوقاية من حوادث العمل، وتقدّم الحماية الاجتماعية والاقتصادية للعامل في حال تعرّضه لحادث في عمله وأدّى إلى تعطّله عن العمل مؤقتاً أو بشكل دائم، أو إصابته بمرض مهنيّ نتيجة القيام بعمله، عبر تأمين التقديمات الصحّية الكاملة والتعويضات وراتب دائم يقيه العوز.
333
دولاراً أميركياً هي القيمة الوسطية التي دفعتها شركات التأمين الخاصة حتى أيلول/ سبتمبر 2018، لقاء التكفّل باستشفاء العاملين الذين تعرّضوا لحوادث عمل وهي لا تشمل العاملات في الخدمة المنزلية


يقول رئيس مصلحة القضايا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صادق علوية: «لا شيء يحول دون وضع فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية قيد التنفيذ سوى عدم وجود إرادة لإصدار مرسوم بدء تنفيذ القانون وتحديد نسبة الاشتراكات المفترض بأصحاب العمل تسديدها. وهنا لبّ المشكلة كون أصحاب العمل غير موافقين على زيادة مساهمتهم بالاشتراكات، ويكرّرون الحجّة نفسها منذ أكثر من نصف قرن، وهي أن الاقتصاد لا يحتمل ولا يجوز تحميلهم أعباء إضافية. لكن في المقابل، يتمّ ترك العامل لقدره كونه الحلقة الأضعف، فهو يبيع قوّة عمله لصالح ربّ عمل يراكم رأسماله، ومن دون الحصول على أيّ حماية، خصوصاً أن شركات التأمين لا تعوّض عنه، وفي حال دفعت التعويضات غالباً ما تكون ضئيلة وضمن هوامش تحافظ على ربحيتها». ويتابع علوية: «قد تكون حوادث العمل في لبنان أقل خطورة من الأمراض المهنية الناجمة عن العمل، لا سيّما أن الاقتصاد اللبناني يفتقر للصناعات الكبيرة التي تشهد الحوادث الطارئة الأكثر خطورة، في حين أن الوظائف المتوافرة تترتّب عليها أمراض مزمنة ودائمة، مثل إصابة عمّال معامل الترابة بالسرطان ونسيانهم، أو تعرّض موظّفي المصارف والإدارة لأمراض مزمنة في الظهر، أو تعرّض عمّال الكهرباء لتشوّهات دائمة نتيجة عملهم أو لأمراض تنفسية مختلفة... علماً أن كلّ هذه الحالات يلحظها قانون الضمان الذي لا يحتاج لأي إعادة نظر، وإنّما مجرّد السماح بتطبيقه».
حالياً تخضع حوادث العمل لأحكام المرسوم الاشتراعي رقم ET 25 الذي ألقى مسؤولية التعويض عن إصابات العمل على عاتق صاحب العمل، وحصر هذه المسؤولية ببعض الأعمال والمشاريع التي تعدّ خطيرة بطبيعتها، كالعمل في المناجم والمقالع والبناء وورش حفر الأتربة واستثمار الغابات وأعمال الشحن والتفريغ والتنقيب عن الآثار، والذي عُدّل في عام 1983 بموجب المرسوم الاشتراعي 136 وتضمّن أحكاماً أكثر شمولية من المرسوم القديم، تخضع لها كلّ الإصابات المفاجئة الناجمة عن عامل خارجي وقد تلحق بأجير مرتبط بعقد استخدام، مع إبقاء مسؤولية التعويض عن إصابات العمل على عاتق صاحب العمل فيتكفّل بها مباشرة أو يؤمّن على الأجير بموجب بوليصة ضدّ حوادث العمل لدى شركة تأمين خاصّة. إلّا أن أحكام المرسوم 136 هذه بقيت دون تلك المنصوص عنها في قانون الضمان الاجتماعي الصادر في عام 1963، سواء على صعيد الفئات المشمولة بأحكامه أو الإصابات المغطّاة أو التعويضات المدفوعة.


الموت حرقاً وصعقاً وفرماً... وإهمالاً
تُبيّن إحصاءات قوى الأمن الداخلي أنه خلال السنتين الماضيتين مات 3 عمّال حرقاً، و8 بصعقات كهربائية، و13 سقطوا أثناء تركيب لوحات إعلانية أو صيانة أعطال كهربائية، و7 آخرون عند قيامهم بتنظيف شرفات منزلية، وكذلك توفي عامل علِق شاله بـ«كومبرسور الهواء» في أحد المعامل، وآخر بسبب وقوع «سلك ونش» على رأسه، و10 آخرون بسبب سقوط آلة حادّة أو حائط دعم عليهم، فيما قضى 71 عاملاً سقوطاً في ورش بناء... تدلّ هذه النماذج على مدى وحشية بيئة العمل في لبنان، إلّا أنها تمرّ من دون أيّ اكتراث. فوزارة العمل عاطلة عن العمل في هذا المجال، وهي لا تجد نفسها معنيّة بأكثر من «متابعة الشكاوى التي قد تصلها»، مع ما يشوب هذه المتابعة من انحياز في أحيان كثيرة لصالح أصحاب العمل.

الدولة التي لا تكترث لعمّالها


المصدر: قوى الأمن الداخلي (إحصاءات 2017 - نيسان/أبريل 2019)

تعدّ وزارة العمل الجهة الأولى المعنية بمتابعة قضايا العمّال وتنظيم العمل وتحسين ظروفه تبعاً للقوانين المرعية والاتفاقيات الدولية التي تُعنى بالعمّال. إلّا أن الوزارة لم تسجّل في تقاريرها السنوية بين عامي 2009 و2017 سوى حادث عمل واحد في عام 2017. يبرّر مدير عام الوزارة جورج أيضا الأمر في اتصال مع «الأخبار» بالقول إن «لا علاقة لوزارة العمل بحوادث العمل. مش شغلتنا. الموضوع عند شركات التأمين. نحن نتدخّل في حال اشتكى أحد العمّال من عدم التعويض له». في المقابل، لا يملك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نظاماً خاصاً لإحصاء حوادث العمل باعتبارها «لا تدخل ضمن صلاحيّاته الراهنة نتيجة عدم تأسيس فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية»، وفقاً لرئيس مصلحة القضايا في الصندوق صادق علوية. أمّا قوى الأمن الداخلي فهي لا تقوم بفرز هذه الحوادث بطريقة آلية فور وقوعها، إلّا أنها الجهة الوحيدة التي تعاونت في توفير إحصاءات حول حوادث العمل في لبنان، وقد حصلت عليها «الأخبار» بناءً على طلب وُجّه إلى المدير العام اللواء عماد عثمان عبر شعبة العلاقات العامّة، وتفرّغ لتنفيذه مجموعة من العناصر العاملين في المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي على مدار أكثر من ثلاثة أسابيع تمّ خلالها تفريغ كلّ المحاضر التي تعود إلى عامي 2017 و2018 وحتى منتصف نيسان/ أبريل 2019.

 

الاخبار-2-4-2019

محمد وهبة

 

يزور وزير العمل كميل أبو سليمان، اليوم، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. طبيعة الزيارة بروتوكولية، إلا أنها تأتي في أشدّ الظروف سوءاً في هذه المؤسسة التي تعاني من عجز مالي وإداري، في ظل شبه انعدام للرقابة وتبعيّة سياسيّة ورغبة متنامية في اتجاه تقويضها كأداة اجتماعية

أكثر من عشر سنوات مرّت على انتهاء ولاية مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وأكثر من ست على شغور مقعدَي عضوَي اللجنة الفنية، وفترة مماثلة على انتهاء ولاية اللجنة المالية، وأكثر من ثماني سنوات على انعدام التدقيق الخارجي، فيما بات الشغور الوظيفي في المؤسسة يتجاوز 50% من الملاك، وتتركز غالبيته في الفئات التي تعمل مصفِّياً أو مراقباً مالياً أو ما يماثلهما.
طوال هذه الفترة، استمرّ مجلس الإدارة بتسيير أعمال المؤسسة من دون أي قيمة مضافة فعلية. ولم تكن الإدارة في أفضل حالاتها أيضاً. إذ لم يشهد الصندوق أي تطوّر نوعي في أدائه وآليات عمله، لا مع المضمونين ولا مع الأطراف الخارجية من مستشفيات وصيادلة وأطباء… فالمكننة التي بدأت قبل عشر سنوات لا تزال «بسيطة جداً» بحسب أحد أعضاء مجلس الإدارة، إذ إنها لا تزال جزئية في أعمال المحاسبة، ولا وجود لها في الربط الخارجي مع المستشفيات والصيادلة والأطباء. باختصار، يعمل الصندوق في ضوء المكننة الحالية وكأنه عبارة عن جزر تتناقل المعلومات فيما بينها يدوياً، وتعيد إدخالها من دون وجود الترابط الفعلي الذي يفترض أن توفّره المكننة.
أما الدولة التي أنيطت بها الوصاية على أعمال الصندوق عبر المادة الأولى من قانون إنشاء الضمان التي تخضعه لوصاية وزير العمل المباشرة ووصاية مجلس الوزراء المسبقة، ورقابة ديوان المحاسبة المؤخّرة، فقد تخلّفت عن أي دور لها أيضاً، تاركة أجهزة الصندوق تعمل بحسب مصالح القوى السياسية المسيطرة عليه، وعلاقاتها بأصحاب العمل.
أدّى تقصير الدولة مع الصندوق إلى تراكم مستحقات مالية للضمان بذمة الخزينة بقيمة 2785 مليار ليرة ما عدا فوائدها، وهي ناتجة من تخلف الدولة عن سداد مساهمتها في نفقات المرض والأمومة بنسبة 25%، واشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان. والأنكى من ذلك، أنه خلال الأشهر الأخيرة، استعملت الدولة الضمان أداةً تمويلية لسدّ العجز في الاكتتابات في سندات الخزينة، ما أدّى عملياً إلى رفع حصّة الضمان في سندات الخزينة بأكثر من 5 نقاط مئوية نسبة إلى توظيفاتها في هذه السندات. هذه المبالغ هي أموال فرع نهاية الخدمة، أي تعويضات العمال التي يجب التعامل معها بجديّة.
تسأل مصادر مطلعة: لماذا لم تدفع وزارة المال أي قرش للضمان منذ سنوات عديدة؟ ولماذا لا تدفعها له عبر سندات الخزينة، إذ إن هذا الحلّ ممكن ولا يزيد الضغط على سيولتها؟
على أي حال، مكمن القصّة كلّها في السيطرة السياسية على الصندوق. فمن المعروف أن الصندوق يعدّ أحد أبرز المؤسسات التي تسيطر عليها حركة أمل، إلا أن التيار الوطني الحرّ يسعى لتفكيك هذه السيطرة من خلال إجراء انتخابات لمجلس إدارة الصندوق تؤدي إلى تعيين النائب السابق نبيل نقولاً رئيساً لمجلس إدارة الصندوق.

ليس هناك أي مدير أصيل في الضمان من أصل 14 مديراً

قد لا يكون سهلاً على التيار فرض تعيين نقولا، إذ إن انتخابات مجلس إدارة الصندوق ثلاثية التمثيل: 10 أعضاء يسمّيهم الاتحاد العمالي العام، 10 أعضاء تسمّيهم تجمعات أصحاب العمل، و6 أعضاء تسميهم الدولة. وكما هو واضح ومعروف للجميع، فإن سيطرة حركة أمل على المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام تمنع إشراك أي طرف آخر في القرار، كذلك إن للحركة نفوذاً قوياً على بعض تجمّعات أصحاب العمل أيضاً، ما يؤدي عملياً إلى فوزها المسبق بأكثرية مجلس الإدارة، إضافة إلى حصّتها في تعيينات ممثلي الدولة.
في مقابل ذلك، برز اقتراح يتعلق بتعيين مجلس الوزراء لجنة مؤقتة من أجل إنهاء الحالة «الشاذة» للسيطرة السياسية على الصندوق، إلا أن التجربة السابقة للجنة المؤقتة التي عينت مطلع التسعينيات، لم تكن مشجّعة، فرُوِّج لاقتراح خفض عدد أعضاء مجلس الإدارة من 26 إلى 14. إلا أن الاقتراح يتطلب تعديلاً قانونياً يمرّ في مجلس النواب، ويتطلب أيضاً تعديل مراسيم الهيئات الأكثر تمثيلاً للعمال ولأصحاب العمل، ما يعني أن التعديل قد لا يخدم الوظيفة السياسية التي يُطرح من أجلها.
وبحسب مصادر معنيّة، اتّفق وزير العمل مع النائب ياسين جابر الذي سمّاه الرئيس نبيه بري لمتابعة ملف الضمان، على أن يطلق انتخابات مجلس الإدارة قريباً، في انتظار حسم مسألة خفض عدد الأعضاء التي قد تتطلب تعديلات قانونية ووقتاً طويلاً. أما بالنسبة إلى تعيين عضوَي اللجنة الفنية وتعيين اللجنة المالية، فليس هناك اتفاق بشأنها بعد، رغم وجود حاجة ملحة لهما. إذ إن اللجنة المالية هي التي تحدّد أصول توظيف أموال الضمان وسياساته، وتعيين عضوَي اللجنة الفنية ضروري لنصاب اللجنة الفنية التي تقوم بالرقابة الداخلية على أعمال الصندوق.
ومن نتائج غياب الدولة عن الضمان، أن سدّ الشغور في الوظائف بات محصوراً بقرار من مجلس الوزراء وبموافقة مجلس الخدمة المدنية، خلافاً لما هو عليه قانون الضمان الذي يمنح هذه المؤسسة استقلالية كاملة. وقد أدّى هذا الأمر إلى النتيجة الآتية: ليس هناك أي مدير أصيل في الضمان من أصل 14 مديراً حالياً ملحوظين في الملاك. والاسوأ، أنه من بين هؤلاء، هناك اثنان معينان بالوكالة من قبل مجلس الإدارة، فيما هناك خمسة معينون بالتكليف من قبل المدير العام خلافاً للأصول.
وبسبب العجز المالي في فرع تقديمات المرض والأمومة، اعتادت إدارة الضمان، بموافقة مجلس الإدارة، وتحت أعين اللجنة الفنية، مدَّ اليد إلى أموال فرع نهاية الخدمة بشكل غير قانوني، وسحبت أكثر من 2000 مليار ليرة لتغطية العجز في المرض والأمومة.
في الواقع، حاولت الدولة على مدى السنوات الماضية تقويض الضمان كأداة اجتماعية تخدم أكثر من ربع اللبنانيين. فبدلاً من تطبيق قانون الضمان وتعميم تغطيته على كل اللبنانيين، قرّرت فتح دكاكين للتقديمات الصحية والاجتماعية والتوسع فيها وصولاً إلى البطاقة الصحية لوزارة الصحة. كذلك برز في الفترة الأخيرة اقتراح لإنشاء قانون يؤدي إلى إدخال أرباب العمل في الضمان دون غيرهم من الفئات المعوزة والفقيرة.


اختلاس «نائم» في مركز بنت جبيل
تراكمت عمليات الاختلاس في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هناك قضايا أحيلت على القضاء وصدر حكم فيها، وهناك الكثير من القضايا التي لم يصدر أي حكم فيها ولا تزال نائمة في أدراج القضاء مثل قضية الاختلاس في مركز الدورة. لكن المشكلة أن هناك فضائح اختلاس تجري التعمية عليها، مثل تلك التي كشفت في مركز بنت جبيل. في ذلك المركز، هناك مياوم (ليس أجيراً في الصندوق) قام بعملية اختلاس فريدة، إذ كان ينظّم وصفات طبية بأسماء مضمونين حقيقيين ومن دون علمهم، ويمرّر المعاملة في المركز ويستصدر الموافقة عليها والشيك الخاص بها، وهو الذي يقبض الشيك من المصرف بالتعاون مع ثلاثة موظفين هناك. تقول مصادر مطلعة، إن قيمة المبالغ التي اختلسها المياوم بلغت كمتوسط 45 مليون ليرة شهرياً على فترة طويلة نسبياً، لكن المشكلة أن هذه القضية انكشفت قبل وقت طويل ولا تزال نائمة في أدراج التفتيش الإداري، ولم تُحَل على النيابة العامة كما أحيلت ملفات اكتشفت بعدها، علماً بأن المصرف المعني اكتشف السرقة وطرد الموظفين الثلاثة المتواطئين مع المياوم، وادّعى عليهم.

الاخبار14-3-2019

آمال خليل


قرار مدير عام وزارة العمل جورج أيدا إعفاء العمال المصريين في لبنان من دفع الإشتراكات في الصندوق الوطني الاجتماعي يعكس واحداً من أمرين: إما أن الصندوق في بحبوحة على عكس ما هو معروف، أو أن الوزارة الوصية عليه (العمل) تتبع معايير مزدوجة، لمصلحة المصريين على حساب أقرانهم من بقية الجنسيات، وعلى حساب اللبنانيين الذين يلاحقون لعدم تسديد إشتراكاتهم

«تأميناً لحسن سير العمل، وخلافاً لأي نص آخر، يعفى العامل المصري من تقديم إفادة خدمة من الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي من ضمن المستندات المطلوبة للحصول على إجازة عمل». هذه العبارة المقتضبة، غير المرفقة بأي تفصيل، تشكل نص قرار أصدره المدير العام لوزارة العمل جورج أيدا في الثامن من الشهر الجاري، ولم يرد فيه أي ذكر لوزيره كميل بو سليمان. أيدا أكّد في اتصال مع «الأخبار» بأن ما أصدره ليس استثنائياً. إذ أن «عدة وزراء صاروا عاملينها». والقرار «يفصل بين الإنتساب للضمان والحصول على إجازة العمل، بحيث يصبح بإمكان العامل المصري الحصول على إجازة عمل من دون إبراز إفادة خدمة تشترط حكماً الإشتراك في الصندوق». هنا، يبدو أيدا وكأنه يغني على ليلاه. فالصندوق المعني يرفض إعفاء المصريين من نسبة الإشتراك التي تبلغ 3 في المئة من الراتب بعد أن كانت 2 في المئة.
أحد أعضاء مجلس إدارة الضمان أوضح لـ«الأخبار» أن قرار أيدا «مخالف لأربعة قوانين ومرسوم وقرارات وزراء العمل السابقين». فالعامل الأجنبي، والمصري ضمناً، يخضع لقانون العمل والضمان الإجتماعي، لكنه لا يستفيد إلا إذا كانت دولته تعامل لبنان بالمثل وتفيد اللبناني العامل لديها من التقديمات. «وفي حالة اللبناني في مصر، لا يتوافر هذا الإمتياز. مع ذلك، يعفي قرار المدير العام أرباب عمل الأجراء المصريين من تسجيلهم في الضمان الاجتماعي، عندما أعفاهم من إبراز إفادة الخدمة التي تشكل مستنداً لتسجيل العامل في الضمان». بحسب العضو، خالف أيدا بقراره، أيضاً، قانون العمل الذي ينص على وجوب تنفيذ الأحكام الخاصة بعمل الأجانب، لا سيما المادة ٥٩ التي تنص على إلزام الأجير الأجنبي الحصول على إجازة عمل، ولا يجوز التمييز بينهم، «باستثناء العمال الفلسطينيين الذين يطبق عليهم حكم خاص».

اتخاذ قرار مماثل يفترض معاملة بالمثل وهو ما لم يحدث

أيدا برّر قراره بقانون «أصدره مجلس النواب عام 1992 يعفي العمال المصريين من تسديد اشتراكات الضمانـ وباتفاقية وقعت عام 2008 بين لبنان ومصر تنص على مبدأ المعاملة بالمثل بين عمال البلدين». وفق أرقام أيدا، يبلغ عدد العمال المصريين في لبنان 25 الفاً والعمال اللبنانيين في مصر 18 ألفاً. إلا أن عضو مجلس إدارة الضمان يصحح بأن القانون صدر عام 2009 وليس 1992 «لكنه ربط تنفيذه بتوقيع اتفاقية المعاملة بالمثل بين البلدين». ويؤكد بأن المعاهدة لم توقع بعد بخلاف ما قاله أيدا، «ما يجعل القانون معلقاً إلى حين توقيع الإتفاقية». وفي الإطار نفسه، صدر مطلع عام 2009 أيضاً مرسوم حمل الرقم 1190 «ينص على إعفاء رعايا مصر من الرسم المالي لاستصدار إجازة العمل عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل، ولم ينص على إعفائهم من الخضوع للضمان». وبعد أربعة أشهر، صدر القانون رقم 74 الذي «أجاز للحكومة إبرام اتفاقية بين وزارة العمل اللبنانية ووزارة القوى العاملة والهجرة في مصر في مجال التعاون الفني وتنقل الأيدي العاملة». لكن الإتفاقية لم تبرم. وكان وزير العمل الأسبق محمد فنيش قد أصدر في تشرين الأول 2008 قراراً بـ«وجوب إبراز مستند يبين التصريح عن جميع اللبنانيين والأجانب في الصندوق ووجوب إبراز تعهد من صاحب العمل بالتصريح عن الأجنبي في الصندوق وتوقيع عقد عمل بأجر محدد يظهر التقديمات التي ستمنح له».
يطرح العضو تساؤلات عدة عن سبب التمييز بين المصري واللبناني وباقي العمال الأجانب وتكبيد الصندوق خسارة انخفاض وارداته التي قد يجنيها من آلاف العمال المصريين. فيما يستغرب أيدا الرفض. إذ أن «قانون مجلس النواب أعلى من قرارات المؤسسات. وقد أرسلنا كتاباً إلى هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل يطلب من الضمان تنفيذ القرار».


«التجربة الصربيّة»
في كانون الثاني 2019، تلقى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي إحالة لإبداء من وزارة العمل لإبداء الرأي القانوني «في مشروع الإتفاق بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية صربيا حول الضمان الإجتماعي». المقترح نص على إعفاء العمال الصرب في لبنان من الإشتراك في الصندوق. لكن مصلحة القضايا في الصندوق رفضت المقترح ربطاً بقوانين العمل والضمان ومبدأ المساواة في المعاملة مع الرعايا الموجودين في لبنان. واوصت بـ«عدم الموافقة على مشروع الإتفاق بين الجمهورية اللبنانية وجمهورية صربيا حول الضمان والإكتفاء بتوقيع اتفاقية للمعاملة بالمثل أسوة بالإتفاقيات المعقودة مع كل من فرنسا وبلجيكا و إيطاليا وبريطانيا بموجب قرارات يُصدرها مجلس إدارة الصندوق بعد استشارة وزارة الخارجية والمغتربين».

الاخبار-11-3-2019

محمد وهبة


وجّه وزير العمل كميل بوسليمان كتاباً إلى مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يطلب فيه إنجاز الحسابات المالية للصندوق عن السنوات الثماني الماضية. فتح هذا الملف أربك أجهزة الضمان بعد التقرير المالي الذي أعدّه 5 أعضاء في المجلس عن حسابات غير صحيحة وغير شفافة، بعدما تبيّن أن العجز الفعلي أكبر بكثير مما يصرّح عنه

حسابات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم تخضع للتدقيق منذ أكثر من ثماني سنوات، لم يجر خلالها تعيين مدقق حسابات خارجي وفقاً للأصول المتبعة، ما يعني «عدم قدرة سلطة الوصاية أي مراقبة لأعمال الصندوق» بحسب مصادر مسؤولة. هذا الوضع الشاذ المستمر منذ 2010، دفع وزير العمل كميل بوسليمان إلى مراسلة مجلس الإدارة وإبلاغه بضرورة إنجاز الحسابات الختامية للصندوق بعد تعيين مدقق خارجي.
كتاب الوزير فتح الملف المالي في الضمان على مصراعيه في ضوء ما ورد في تقرير أعدّه خمسة أعضاء في مجلس الإدارة، وأحاله وزير العدل السابق سليم جريصاتي إلى النيابة العامة التمييزية طالباً منها التحقيق في «جرم الإهمال الوظيفي بالحدّ الأدنى. وإخفاء هدر أموال عامة». إذ أكّد التقرير أن «حسابات الصندوق غير صحيحة وغير شفافة في ظل عجز متزايد في صندوق المرض والأمومة». واستند إلى ملاحظات المدقق الخارجي UTC international، وأبرزها أنه «لا يمكن إبداء الرأي في صحة أرصدة أوراق القبض في المحفظة وأوراق القبض المستحقة غير المسدّدة وفي إمكانية تحصيل هذه الأوراق». الأعضاء الخمسة تحدثّوا عن أخطاء خطيرة في حسابات الصندوق، من بينها تراجع عدد المؤسسات الممكننة في وحدة المشتركين والمسجلة كمؤسسات منتسبة للصندوق، من 51967 مؤسسة في 2006 إلى 47041 في 2010، أي بانخفاض 4962 مؤسسة من دون تبرير أين ذهبت قيود هذه المؤسسات وحساباتها وديونها والعاملين فيها. وتبيّن أيضاً تراجع قيمة الاشتراكات المحققة بنسبة 20% لعدم تطبيق أحكام المادة 78 من قانون الضمان التي تعطي الصندوق حق تقدير الاشتراكات حكماً عند امتناع صاحب العمل عن التصريح بالاشتراكات المتوجبة عليه. كما جرى تدوين الاشتراكات المسددة كـ«متوجب» و«مدفوع»، في الوقت نفسه، من دون فصل بين العمليتين «لإخفاء حجم المبالغ الباقية من دون تحصيل».
والأخطر من ذلك كلّه، غياب أي متابعة لتحصيل أموال الصندوق. إذ «لم تتجاوز نسبة التحصيل 68%». وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه النقطة بالتحديد تثير الاستغراب، لأن الاشتراكات تحدّد من خلال تصريح المؤسسات عن موظفيها ورواتبهم، وبالتالي لماذا يتم تحصيل نسبة من هذه الاشتراكات من دون الباقي؟
ثمة الكثير من العينات عن الوضع المالي الشاذ في الضمان، أبرزها تلك المطروحة على جدول أعمال مجلس إدارة الضمان حاليا بشأن الوضع المالي في 2017. فقد تبيّن أن تقديمات فرع ضمان المرض والأمومة تبلغ 900 مليار ليرة من بينها 660 مليار ليرة سلفاً للمستشفيات. فهل يعقل أن تكون قيمة فواتير الطبابة والأدوية 240 مليار ليرة فقط؟ هل يعقل أن تكون المستشفيات من أولويات الضمان على حساب المضمونين؟ بحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الأرقام المبنية على أساس محاسبة نقدية في الصندوق بين ما هو مدفوع فعلياً وما هو مصروف فعلياً، لا تعكس الحقيقة كاملة في الصندوق حيث تتراكم مئات آلاف المعاملات العائدة للمضمونين غير مدفوعة. ولا تقدير واضحاً لقيمة هذه المعاملات وما ترتّبه على أموال الصندوق، سوى أنها تخفي عجزاً مكتوماً. «الهدف هو إخفاء العجز الفعلي في فرع ضمان المرض والأمومة، تقول مصادر مطلعة. «والأنكى من ذلك أن الصندوق يتذرّع بعدم قدرته على تصفية المعاملات، فيما هناك مراكز في الضمان تتكتّم على المعاملات المنجزة وتؤجل تسديدها أكثر من ثلاثة أشهر من دون أي تبرير».

وزير العمل يطلب تعيين مدقق خارجي وإنجاز الحسابات الختامية

حتى نهاية 2017 تراكمت على ضمان المرض والأمومة ديون بقيمة 1919 مليار ليرة، تم تمويلها من أموال تعويضات نهاية الخدمة، أو بالأحرى سحبها بطريقة غير شرعية. ويبرّر الصندوق هذا العجز الكبير (الذي لا يعبّر أصلاً عن العجز الحقيقي) بأن الدولة لا تدفع متوجباتها للصندوق. وهذه المتوجبات هي كناية عن مساهمة الدولة في نفقات المرض والأمومة بنسبة 25%، واشتراكات عن موظفيها المصرّح عنهم للضمان. وقد بلغت قيمة هذه المتوجبات في نهاية 2017 نحو 2785 مليار ليرة ما عدا الفوائد المترتبة عليها بمعدل 5%. تقرير الأعضاء الخمسة يجيب عن هذه المعضلة الشائكة بالإشارة إلى أن «العجز الحقيقي لصندوق المرض والأمومة، حتى لو أخذنا في الاعتبار تسديد الدولة لكامل ديونها المتوجبة لهذا الصندوق، يبلغ 620 مليار ليرة في نهاية 2016». هذه الأرقام التي تحتاج إلى تحديث عن عامي 2017 و2018، تعني أن العجز الفعلي أكبر بكثير مما يصرّح عنه. فالعجز المتراكم المصرّح عنه بلغ في 2017 نحو 2140 مليار ليرة، من دون الأخذ في الاعتبار أن هناك أموال احتياط، ومن دون احتساب المعاملات النائمة في الأدراج، سواء كانت مصفّاة وغير مدفوعة، أو غير مصفّاة، وسواء كانت للمستشفيات أو للمضمونين والمستفيدين على عاتقهم. وهذا العجز يموّل من تعويضات نهاية الخدمة، وتترتّب عليه فوائد أيضاً.
هكذا قرّر وزير العمل الانطلاق في إصلاح الضمان. تقول المصادر إنه اتفق مع الرئيس نبيه برّي والوزير جبران باسيل على بدء عملية الإصلاح. الخطوة الأولى ستكون من خلال سلّة تعيينات جذرية في الصندوق، من دون إغفال المخاوف من عوائق طائفية ومذهبية وحزبية أمام هذه التعيينات، خصوصاً أن أكثر من طرف يسعى إلى أن تكون له الكلمة الأقوى في الصندوق، سواء في مجلس الإدارة أو في الإدارة أو في اللجنة الفنية.
المدير العام للصندوق محمد كركي، من جهته، قال لـ«الأخبار» لدى سؤاله عن الأمر: «ما لديّ قلته للقضاء، وأكتفي بذلك».


مهمة تدقيق الحسابات
خلال السنوات الماضية جرى تعيين مدقق خارجي للحسابات. يومها برزت مشكلة استلام الأعمال المنجزة. فقد طالب أعضاء في مجلس الإدارة بأن يشرف المجلس، لا الإدارة، على عملية الاستلام، ما اعتبرته الإدارة انتقاصاً من صلاحياتها. لا يركن أي من الطرفين إلى المعايير العلمية للتدقيق التي توجب أن تكون لجنة الاستلام مؤلفة من عناصر غير معنية بإعداد الحسابات. على رغم ذلك جرى تكليف مديرين معنيين في الضمان ضمن لجنة الاستلام. ربما لم يكن هذا الأمر هو السبب الوحيد في عدم تعيين مدقق حسابات خارجي للصندوق منذ 2010 إلى اليوم، بل كانت هناك أسباب تتعلق بالملاحظات «القاسية» و«المحرجة» التي ركّز عليها المدقق السابق. هذه المهمة تبدو سهلة وصعبة في الوقت نفسه. أي خلاف بين مجلس الإدارة وبين الإدارة حول تعيين المدقق الخارجي يجعل من وزير العمل، أو سلطة الوصاية، حكماً بينهما.
يتم تعيين المدقق الخارجي من خلال مناقصة ودفتر شروط واضح يشير إلى حجم الأعمال ويحدّد الشركات المسموح لها بالاشتراك. هي مناقصة بطريقة استدراج العروض، لأن الضمان ملزم بتطبيق المعايير التي حدّدتها وزارة المال لأعمال التدقيق الخارجي المفروضة على المؤسسات العامة، وإن كان الضمان عبارة عن مؤسسة مستقلة ذات طابع عام. لذا، فإن الشركات المدعوة للاشتراك في استدراج العروض، هي الشركات التي تعترف بها وزارة المال ويبلغ عددها 14. وقد يزيد العدد أو ينقص تبعاً لما تقرّره وزارة المال في تصنيفها لشركات التدقيق الخارجي.

- المرصد

ندى غازي- مهنة  "الخباز" أو "الفران" ليست مهنة عادية، هذه المهنة القديمة تساهم في تأمين عنصر أساسي في معيشة المواطن هو "الرغيف". يمارس عامل الفرن عمله في ظروف قاسية وخطيرة، الوقوف لساعات طويلة أمام بيت النار وماكينات العجين، يتطلب الصبر والحذر، كما تشهد شدة مزاحمة اليد العاملة الأجنبية.

يبغ عدد المؤسسات (الافران) والاجراء العاملين فيها لا يعبر عن الواقع الحقيقي. حيث أكدت مصادر  مطلعة في حديث لـ"المرصد" ان عدد الاجراء العاملين في الافران والمصرح عنهم للضمان حوالي 900 عامل (جنسية لبنانية- معامة بالمثل). المستفيدون منهم من التقديمات الصحية 244 عامل فقط حسب إحصائيات صادرة بتاريخ 29/09/2017، ويقدر عدد المكتومين غير المسجلين بنسبة 60% إلى 70% من العدد المصرح عنه.

 

أوضاع عمال الافران سيئة من كافة النواحي: "قانون العمل لا يطبق".

 

 في لقاء مع نقيب عمال الافران شحادة المصري تلاه زيارة لاحدى الافران في بيروت سجلت الخلاصات الاتية:

  • يعمل عامل الفرن في لبنان طيلة الاسبوع ما بين 10الى12 ساعة يومياً بدون فترة استراحة، ساعات العمل الاضافية التي تتعدى الـ 8 ساعات لا تحتسب. علما ان ساعات العمل تقسم على ستة ايام واجر ساعات العمل الاضافية يساوي اجر ساعة ونصف، على ان يمنح الاجير عند منتصف نهار العمل راحة لا يجوز ان تقل عن ساعة، استنادا الى قانون العمل (المواد 31-32-33-34).
  • تترواح اجور عمال الافران ما بين 750.000 ليرة لبنانية الى1200.000 ليرة لبنانية كحد اقصى، بناءا عليه يكون الاجر اليومي لعامل الفرن (12 ساعة عمل) 25 الف ليرة الى 40 الف ليرة لبنانية. باستثناء العمال الاجانب الذين يجري استغلالهم حسب المصري عبر تخفيض اجرهم اليومي الى نحو20 الف ليرة لبنانية فقط. في حين حدد الاجر اليومي (8 ساعات عمل) بـ 33 الف ليرة لبنانية وفق الحد الادنى للاجور دون احتساب ساعات العمل الاضافية.
  • حسب تقديرات المصري، حوالي 5% من عمال الافران على الاكثر يحصلون على اجازات تمنح في حالات اضطرارية فقط، غالبا ما تحسم من راتبه الشهري. بينما قانون العمل نص على منحهم إجازات مدفوعة الراتب تتضمن الاجازة السنوية، اجازة الزواج، اجازة الولادة، اجازة الوفاة، الاجازات المرضية (المواد 19-20-22-23).
  • تهرب بعض الافران من التصريح عن جميع عمالها وتسديد الاشتراكات عنهم، والاستمرار في إقدام بعض أصحاب الافران على "تسجيل مئات من إخوة لهم وأقارب وأصحاب كاجراء وهميين يستفيدون من تقديمات الضمان مجاناً وبدون أي مقابل"، مما يرتب على صندوق الضمان مليارات تهدر سنوياً، دون محاسبة ومساءلة اي مسؤول عن هذا الهدر الفظيع.
  • تفتقر غالبية الافران الى أدنى الشروط الصحية التي لا تراعي العامل والمستهلك على حد سواء. الحريق الذي اندلع في احد الافران في صور هذا العام نتيجة لتسرب الغاز اودى بحياة ثلاثة عمال وجرح اخرين، دليل على الاهمال وغياب الرقابة، قلة عدد المفتشين احد أسبابها (في دائرة بيروت 2 وفي جبل لبنان 4).

 

المزاحمة غير اللبنانية في سوق العمل

بعض القطاعات في لبنان تشغلها يد عاملة أجنبية بالكامل أو تشكل الأغلبية الساحقة فيها، على سبيل المثال قطاع التنظيفات، البناء، من بينها أيضاً الافران. ما يطرح أمام المهنة ازمة جديدة هي أزمة المزاحمة. جهاد سائق لبناني لدى احد الافران مهمته توزيع الخبز على المحلات التجارية في بيروت يقول"العمالة الاجنبية تكتسح السوق، بين كل 10 عمال أجانب تجد عامل لبناني". في الاطلاع على التقرير السنوي الصادر عن وزارة العمل للعام 2017 يتضح ان عدد الإجازات المجددة الممنوحة لعمال الافران الاجانب بلغ 415 عامل أجنبي موزعين على الشكل التالي (2 باكستاني، 1 برازيلي، 58 ينغلادشي، 1 تركي، 1 جزائري، 1 سنغالي، 2 سوداني، 35 سوري، 293 مصري، 2 نيبالي، 19 هندي) دون إحتساب من يعملون بطريقة غير شرعية.

 من الثابت ان الحجم الحقيقي للعمالة الاجنبية  في الافران البالغ عددها حوالي 450 تفوق الارقام المصرح عنها، لاسيما وان الافران التي تسيطر على صناعة الخبز (حوالي 12 فرن) أصبحت مؤسسات تجارية كبيرة تستخدم عدداً لا يستهان به من الاجراء. ومن الثابت أيضا أن استبدال العمال اللبنانيين بغير اللبنانيين إنما يعبر عن منهجية لدى أصحاب الاعمال عموما ومالكي الافران خصوصا تقوم على زيادة الارباح على حساب العمال اللبنانيين عبر صرفهم من العمل أو عدم تشغيلهم من جهة والاعتماد على العمال غير اللبنانيين وحرمانه من الحقوق الاساسية كالاجر العادل والضمانات الاجتماعية وسائر الحقوق المنصوص عنها في قانون العمل اللبناني ما يوفر على الأفران جزء كبير من كلفة الانتاج وتحويلها إلى أرباح صافية تدخل في جيوب أصحاب الأفران.

 تضيف رئيسة دائرة العمل في جبل لبنان الجنوبي في وزارة العمل  د.ايمان خزعل "تمنح  أحيانا إجازة عمل لعامل تنظيفات يتبين فيما بعد انه عامل فرن"، تشك بدورها في مقولة أن العامل اللبناني لم يعد يتحمل مشقة المهنة والوقوف أمام بيت النار ما يبرر ندرة اليد العاملة اللبنانية في المهنة.

 شعار حماية اليد العاملة اللبنانية الذي رفعه وزير العمل السابق سجعان قزي من خلال تشدده في منح الاجازات للاجانب، بقي مجرد شعار لم يطبق على أرض الواقع. على سبيل المثال، المخابز والافران، كما يعلم الجميع، تجاوزت في نشاطها صنع الرغيف وتحولت الى مؤسسات تتعاطى بيع كل انواع الحلويات والمعجنات والالبان والمشروبات والمأكولات وغيرها، أي تدخل ضمن نطاق المأكولات الشرقية، المحصورة  للبنانيين فقط، وفق القرار الذي اصدره وزير العمل السابق قزي. رغم ذلك استثنيت وصُنفت من المهن المفتوحة لكافة الجنسيات خلافاً للنص. في النطاق ذاته، صدر القرار رقم 49/1 عن وزير العمل محمد كبارة تاريخ 3 شباط 2017، ينص في المادة الرابعة منه على"عند البت بالطلبات المشار اليها في المادة السابقة الفقرة 2 على رؤساء الدوائر المعنية الالتزام  كحد ادنى بالنسبة للبنانيين بنسبة تشغيل تعادل اجنبي مقابل عشرة عمال لبنانيين. باستثناء المؤسسات التي تتولى اعمال التنظيف التي يمكن ان تتعدى هذه النسبة لتصل الى لبناني واحد مقابل كل عشرة اجانب، والمؤسسات التي تتولى اعمال البناء ومن كان في حكمها فتكون النسبة فيها لبناني مقابل كل اجنبي". ما لبث ان عُدل بموجب القرار رقم 158/1 بعد شهرين فقط من تاريخ صدوره، الغي بموجبه النسب الواردة في المادة الرابعة اعلاه، بعدما كان الهدف منها "حماية اليد العاملة اللبنانية". نستنتج اذن ان تنفيذ المراسيم الصادرة عن زارة العمل طيلة الحكومات المتعاقبة كانت إستنسابية بامتياز، ولا تراعي حاجات سوق العمل اللبناني .

هديل فرفور الثلاثاء 1 أيار 2018
هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل توصّلت في رأيٍ عام 2005 إلى «أنّ المهام المنوطة بالصندوق (الامتناع عن إصدار براءة ذمّة) قابلة للتطبيق بذاتها من دون الحاجة لمراسيم تطبيقية».

«الضمان» لا ينفّذ قرار «الشورى»
في تشرين الثاني 2015، تقدّم «الإتحاد اللبناني للمُقعدين» بمراجعتين أمام مجلس شورى الدولة؛ الأولى تتعلّق بإبطال المذكرة رقم 300 ضدّ إدارة صندوق الضمان الإجتماعي، والثانية بإبطال قرار رفض وزارة العمل استيفاء الغرامات من أصحاب العمل. وفي 13/2/2017، أصدر مجلس الشورى قراراً قضى بإبطال كل من المُذكّرة الإعلامية والقرار الصادر عن وزارة العمل.
أكثر من سنة مضت على قرار «الشورى»، و«حتى الآن، لم تستجب إدارة الصندوق للقرار القضائي ولم تعمد إلى تنفيذ مضمونه»، بحسب العضو في الإتحاد ياسر عمّار، لافتاً الى استمرار الصندوق بمنح براءة الذمّة لأصحاب العمل المخالفين لموجب توظيف المعوّقين في القطاع الخاص، «خلافا لما ينصّ عليه القانون رقم 220 المُتعلّق بحقوق الأشخاص المعوّقين الصادر في 29/5/2000».
في اتصال مع «الأخبار»، اعتبر رئيس الديوان في صندوق الضمان الإجتماعي شوقي بو ناصيف أن «الأمر لا يتوقّف على إدارة الضمان، بل يتعلّق أيضا بكل من وزارة العمل التي لم تتخّذ بعد الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لاستيفاء الغرامات من المخالفين، وبوزارة الشؤون الإجتماعية التي يترتبّ عليها أيضا اتخاذ بعض التدابير المتعلقة بإصدار إفادات لأصحاب الحقوق وغيرها».
وزارة العمل ترفض استيفاء الغرامات
إتحاد المُقعدين يرى أن هناك مماطلة «مُمنهجة» في ملف حقوق الأشخاص المُعوّقين تتحمّل مسؤوليتها كل من إدارة الضمان ووزارة العمل. في 24/8/2015، تقّدم الإتحاد بمذكّرة ربط نزاع طلب فيه من وزارة العمل المُباشرة باستيفاء الغرامات، إلّا أن الوزارة «رفضت الإستجابة للطلب بسبب عدم إدراج بند استيفاء الغرامات في الموازنة العامة»، وفق ما يرد في نص المراجعة الثانية المُقدّمة أمام «الشورى». وأضاف نصّ المراجعة في هذا الصدد أنّ القانون رقم 220 «كان واضحا لجهة تحديد مسؤولية وزارة العمل باستيفاء غرامات سنوية من أصحاب العمل المخالفين لموجب توظيف ذوي الإعاقة، ولجهة تحديد الأشخاص المُستهدفين من استيفاء هذه الغرامة، وهم أصحاب العمل في مؤسسات القطاع الخاص التي لا يقل عدد الأجراء فيها عن 30 موظفاً».
يقول عمّار إنّ قرار «الشورى» أنصف المُعوّقين، إلّا أن «العبرة تبقى في التنفيذ»، لافتا الى توجّه الإتحاد إلى التصعيد بعد الإنتخابات النيابية من أجل الضغط لتنفيذ قرار «الشورى» وتكريس حق المعوقين البديهي في التوظيف.
«الأخبار» حاولت التواصل مع المعنيين في وزارة العمل للوقوف على موقفهم من القضية، إلّا أن هؤلاء لم يردّوا على الاتصالات

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
قسم الأخبار إلى المواجهة الشاملة: الأزمة تتفاقم في "المستقبل"

قسم الأخبار إلى المواجهة الشاملة: الأزمة…

حزيران 19, 2019 196 عمالية ونقابية

قرار الأحزاب يهتز: العودة عن الاستقالات "تنعش" إضراب "اللبنانية"

قرار الأحزاب يهتز: العودة عن الاستقالات …

حزيران 19, 2019 177 تربية وتعليم

غليان في اللبنانية رفضاً للضغوط واستقالات نقابية وقف الإضراب الموقت الخميس غير محسوم

غليان في اللبنانية رفضاً للضغوط واستقالا…

حزيران 18, 2019 199 مقالات وتحقيقات

العمالة الأجنبيّة»: الوزارة تحبّ «المكافحة» لا «التنظيم»!

العمالة الأجنبيّة»: الوزارة تحبّ «المكاف…

حزيران 17, 2019 331 مقالات وتحقيقات