عن الأجور والإتحاد والأوليغارشيا

عصام الجردي

 8-2-2018

يستطيع الاتحاد العمالي العام المطالبة بتصحيح الأجور ورفع حد الأجر الأدنى الى مليون ونصف مليون ليرة. ويستطيع المطالبة بأكثر من ذلك. الوضع المعيشي المزري الى حد المهانة، والأعباء الثقيلة على الناس وذوي الدخول المتدنية، كل ذلك يدفع الى ثورة اجتماعية وربيع يزهر وينتج ثماراً.  ويستطيع أصحاب العمال إعلان الاستنفار من الدرجة الثالثة للوقوف للتصدي على جاري العادة لتلك المطالب البديهية. ولسان حالهم أن اعطونا من الحوافز والخِدمات، ووقف الإغراق والدعم بأنواعه، نعطيكم ما تريدون وأكثر. وإلاّ، فهذه مفاتيح مؤسساتنا وعلى الدنيا السلام. بينما تقف السلطة العاجزة عن القيام بدورها على كل الصعد بحياد مفتعل، وانحياز تام لمنطق أصحاب الأعمال، وسدنة النظام من لدنهم وصلبهم.

يعلم رئيس الاتحاد وأركانه أن جسم الاتحاد واتحاداته الأعضاء جميعها من صناعة السلطة السياسية. كلٌ بحسب نفوذه وما استطاعه عبر عقود من تأسيس نقابات وهمية لمهن غير موجودة أصلاً، أو لها نقاباتها، واتحادات نقابات مماثلة بلغ بها الشطط والتزمُّت، حد إطلاق تسميات لنقابات تحمل إيحاءات دينية ومذهبية، بلا أي عنوان لمهنة أو حرفة. هذه هي البنية التحتية للاتحاد العمالي العام الذي خرج نهائياً من كونه أداة نقابية مستقلة تدافع عن مصالح العمال، ويفترض أنها تمثل نواة المجتمع المدني والدولة المدنية. 24 نيسان 1997، كان يوماً فاصلاً في تاريخ الحركة النقابية حين شقّت السلطة ووزارة العمل الاتحاد العمالي العام، تمهيداً لوضع اليد عليه بعد ذلك. وضرب آخر معلم تمثيلي من معالم التوازن الهيئوي والنقابي بين نقابات أصحاب الأعمال والهيئات الاقتصادية وبين الطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود. بات الاتحاد العمالي العام نسخة منقّحة للتوازنات السياسية الطائفية والمذهبية، في صرف النظر لمن الغلبة. فالمعركة في السياسة والاستحصاص والمصالح الاقتصادية والنفعية على مستوى السلطة والمؤسسات، مفتوحة أيضاً في الاتحاد العمالي العام، واتحاداته الأعضاء الأبرز في المصالح المستقلة والمؤسسات العامة، لتعديل ميزان القوى بين رجال السلطة أنفسهم وحركاتهم وأحزابهم وتياراتهم. لذلك، فتركيبة نقابية من هذا النوع، تُسقط من يد الاتحاد العمالي أسلحة دفاعه عن مصالح العمال الاقتصادية والاجتماعية التي كفلها القانونن واتفاقات العمل العربية والدولية، ومواثيق الأمم المتحدة بحق العمال بأجر عادل في مقابل عمله، وبحقهم  بالرعاية الاجتماعية والصحية، وبالتعليم والسكن اللائق. أهم تلك الأسلحة الاضراب والاعتصام والتحرك في الشارع، من دون أن تُعزى الأشكال تلك الى خلفيات سياسية ضيقة مدفوعة و/ أو مُشجع عليها من أحد اطراف السلطة وأحزابها. وهذا مقتلٌ للحركة النقابية والاتحاد العمالي.

هناك اضرابات بالجملة الآن في أكثر من مرفق عام في البلد، وفي وقت واحد. يباركها الاتحاد العمالي ولا يضيف اليها، سوى موقف الدعم الاعلامي. قوتها إنها في المصالح المستقلة. وهي قطاعات مهنية وخِدمية متمركزة وغير مشتتة ادارياً ووظيفياً. الاتحاد العمالي عاجزٌ عن اعلان اضراب عام في القطاع الخاص لتصحيح الأجور. لو حصل سيكون جزئياً. وسيفشل من دون اشتراك اتحادات عمال المصالح المستقلة والمؤسسات العامة. بما في ذلك التي تعمل بموجب قانون التجارة. ببساطة، لأن البطالة بواقع 25 في المئة ونحو 35 في المئة من الفئة العمرية بين 20 عاماً و35. هؤلاء ليسوا مرتبطين بعمل. والعاملون المثبتون في القطاع الخاص عرضة للصرف لو أضربوا. إنعدام المنافسة لمصلحة العمالة  الأجنبية في القطاعات الصناعية والسياحية والتجارية والحرفية والزراعية، ضيّق على العمالة اللبنانية حقها في استخدام الاضراب والاحتجاجات المطلبية الأخرى. وترك الحرية لأصحاب الأعمال لاستخدام لبنانيين آخرين من دون حقوق بالتثبيت، والاجازات الأسبوعية والمرضية، والتنسيب الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. تماماً كما يحصل مع العمالة السورية والمصرية والأجنبية، كيف بحق الانتساب الى نقابات واتحادات والتحرك لتحسين الأجور والظروف المعيشية؟ هذا الأمر كان أحد أهم التغيرات البنيوية في سوق العمل التي حدّت من وتيرة التحركات المطلبية في لبنان. بينما الأمر غير ذلك في المصالح المستقلة. والمستخدمون فيها مثبتون وحقوقهم متوجبة الإداء في حالات التحرك.

لو استثنينا قطاعات المصارف والمؤسسات المالية، والتأمين، والنفط، والاتصالات وشركات التكنولوجيا، وكبريات الشركات الهندسية والانشائية، لا يوجد استقرار وظيفي في القطاع الخاص اللبناني. مع ذلك فالهيئات الاقتصادية وجمعيات أصحاب الأعمال تلعب دوراً فاعلاً للحفاظ على مصالح أعضائها. أكان في قرارات الحكومة، أم كل ما يتصل بقوانين الضريبة والموازنة، والعمل والضمان الاجتماعي. وبشؤون الأجور والتقديمات الاجتماعية. هذا لا يتيسر للاتحاد العمالي العام. ليس نتيجة أوليغارشية السلطة والمال فحسب، بل ولقصور الاتحاد بنية وتنظيماً ونقابيةً عن القيام بدوره التقليدي، كما في بلاد أخرى نقول أن "نظامنا البرلماني الديموقراطي" يجاور أنظمتها ويشببها. هناك تناقش النقابات والاتحادات الموازنات العامة وقوانين العمل والبرامج الاقتصادية والاجتماعية. وتلعب دوراً سياسياً على خلفية مصالح العمال والنقابات. ولا تستدعي السياسة وأحزابها لاستخدام النقابات منصة لتحقيق أغراض سياسية. علماً، أن النقابات وقياداتها محسوبة على أحزاب وأيديولوجيات متباينة. لنرَ ما حصل في قانون العمل الفرنسي. وكم من حكومة في ايطاليا أطيحت بضغط النقابات. هناك أيضاً حصة الأجور الى الناتج المحلي لا تقل عن 60 في المئة. التقديرات ( غير الموثقة ) عندنا نحو 35 في المئة. أما قيمة هذه الأجور المضافة في الاقتصاد بوجود هذا الكمّ من العمالة الأجنبية فلا تقدير لها. الأمر نفسه في أثرها السالب على ميزان المدفوعات، ونفقات الدولة والعجز المالي.  يُسأل عن ذلك المحتربون على القرارات والمؤسسات والمصالح النفعية.

الحكومات تلتزم قرار عدم التوظيف في القطاع العام من دون المرور بمجلس الخدمة المدنية. لكنها ترفض من عبروا امتحان الجدارة في المجلس. وتوارب بالتعاقد مع مياومين لحشرهم زبائن للأوليغارشيا بلا ضمانات ولا ديمومة عمل. تصحيح الأجور مستحق. وتثبيت المياومين الأكفياء مستحق. الأوليغارشيا "لها حقوق أيضاً ودين مستحق"! إلاّ الوطن والمواطن. يتيمان بلا حقوق.

عن موقع ليبانون كورا - http://lebanesequora.com/articles/607/

 

 

Read 87 times

صوت وصورة

افلام إرشادية حول الحقوق
تقارير
صور

 

تابعونا على

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   961-5-951573

إستشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة
سجّل شكواك

أخبار

أخبار محلية
أخبار عربية ودولية 
بيانات ومواقف

المكتبة

تشريعات لبنانية:
    قانون العمل
    قانون الضمان
    مراسيم
    عقود عمل جماعية 
إتفاقيات دولية
إتفاقيات عربية
إتفاقيات وقع عليها لبنان
دراسات وتقارير
إتحادات ونقابات

دراسات وتقارير

دراسات
تقارير


استشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة

سجّل شكواك

مقالات وتحقيقات

تحقيقات
قضايا
ملفات
 
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…