ملفات

الأجر الإجتماعي حاجة إقتصادية بقدر ما هو حاجة إجتماعية

أسعد سمور

المرصد- إن النظر إلى الأجور يكون من خلال إتجاهين الأول تعبر عنه الليبرالية والثاني هو الإتجاه الإجتماعي. يحاول الإتجاه الليبرالي إخضاع الأجر لمفهوم السوق حيث يتم تحديد قيمته كما يتم تحديد قيمة أي سلعة أخرى. فكلما إزداد عرض سلعة ما بنسبة أكبر من الطلب عليها كل ما إنخفض سعرها، وكل ما إنخفض عرض سلعة ما أكثر من الطلب عليها كل ما إرتفع سعرها. كذلك هي الحال بالنسبة للأجور فكلما زاد عدد عارضي العمل أكثر من المطلوب في سوق العمل كل ما إنخفضت قيمة العمل المأجور، وكل ما إنخفض عدد العارضين أكثر عن المطلوب إرتفعت قيمة العمل المأجور.

إن ترك قيمة العمل المأجور رهينة لحركة السوق أدت إلى إضطهاد العمال حيث أن العمل المأجور تحول إلى نوع من أنواع الإستعباد بسبب الأجور المتدنية جدا وساعات العمل الطويلة جدا ولم تخف وطأة  هذا الإستعباد إلا مع تحديد حدا أدنى للأجور وحدا أقصى لساعات العمل.

هنا لابد أن نميز بين الأجر النقدي والأجر الإجتماعي، إن الإتجاه الليبرالي الذي يزعم أنه ينحي دور الدولة من التدخل سواء لصالح الأجراء أو أرباب العمل، لا يخرج مفهوم الأجر لديه عن الأجر النقدي، وهو بخلاف الأجر الإجتماعي. لقد طور الأوروبيون نظرتهم لإقتصاد السوق ليتحولوا إلى إقتصاد السوق الإجتماعي الذي يجمع بين القبول بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والشركات الخاصة ووضع ضوابط حكومية تحاول تحقيق منافسة عادلة، وتقليل التضخم، وخفض معدلات البطالة، ووضع معايير لظروف العمل، وتوفير الخدمات الاجتماعية. وبذلك كل ما توفرت الخدمات الإجتماعية كالصحة والتعليم والنقل... كل ما إنخفضت الأكلاف في ميزانيات الأسر، ما يمكنها من زيادة الإستهلاك أو الإدخار أي أنها تقوم فعليا بدعم الأجر بطريقة غير مباشرة، وفي الحالتين يساهم الأجر في دفع العجلة الإقتصادية قدما.  وبذلك فإن الأجر الإجتماعي لا يقف عند عتبة تحسين حياة العاملين بأجر بقدر ما يمتد إلى تحسين الإقتصاد برمته.

بطبيعة الحال فإن الحالة اللبنانية مختلفة كليا عن أوروبا، حيث أن الأجر وفق قانون الضمان الإجتماعي في المادة 68 هو "أي مكافأة أو كسب يمكن ان تقدر قيمته نقدا أيا كانت تسميته أو طريقة إحتسابه وتحدد قيمته بالتراضي أو بالقوانين أو باللوائح الوطنية، ويدفعه صاحب عمل لشخص يستخدمه مقابل عمل أداه أو يؤديه أو خدمات قدمها أو يقدمها بمقتضى عقد استخدام مكتوب أو غير مكتوب"، وأوجبت المادة 44 من قانون العمل اللبناني أن يكون الأجر كافيا لسداد حاجات الأجير. إلا أن السؤال من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان الأجر كافيا أم لا؟ يجيب مجلس شورى الدولة عن هذا السؤال إثر إستشارة بتاريخ 3/1/2012 ويوضح أن "قاعدة تصحيح الأجور في النظام اللبناني الإقتصادي الحر تقوم على التفاوض بين الأجراء وأصحاب العمل، وأن تدخل الدولة يكون إستثنائيا حين تشعر بأن الأمن الإجتماعي مهدد وإذا  رأت أن الأجر لا يسمح بأن يعيش المواطن بكرامة." ويغيب عن مجلس شورى الدولة في رأيه مسألة الأجر الإجتماعي خصوصا أنه يرتكز على طبيعة النظام الإقتصادي الحر، وبما أن اللبنانيون ينفقون من جيبهم الخاص 80% من كلفة التعليم، جزء أساسي منها يعود لدعم المدارس الخاصة "المجانية" سيئة المستوى التعليمي بأغلبها أو تابعة للزعامات الطائفية، كذلك يشكل الإنفاق الخاص حوالي نصف الإنفاق على الصحة. ولأن التعليم والصحة جزء لا يتجزأ من الضروريات التي يعتبر الإنفاق عليها جزء من الكفاية اللازمة للأجر، هنا يصبح من المفترض أن تكون معدلات الأجور مرتفعة وإرتفاع معدلات الأجور "المفترض" سيكون جنونيا إذا ما أضفنا إليها كلفة السكن اللائق. إذا أن الأجر الكافي لسداد حاجات الأجير يجب أن يكون أجرا مرتفعا، ولكن هل يستفيد الأجراء من رفع الأجور إلى مستويات عالية؟ نستطيع القول أن تجارب الحديث عن رفع الأجور في لبنان أتت لتثبت بما لا يدع مجالا للشك أن معدلات الأسعار ترتفع ليس مع إرتفاع الأجور، بل مع الحديث عن رفعها بغض النظر عن ما إذا إرتفعت أم لا. الأكثر سواء هو أن تكاليف رفع الأجور سيقع على عاتق المؤسسات الإنتاجية التي ونظرا لطبيعة عملها تحتاج إلى يد عاملة، في حين أن المؤسسات الريعية والإحتكارية التي تحقق أرباحا عالية ولا تشغل عمالة لن تتأثر في رفع الأجور إلا بشكل هامشي. ومع ذلك فإن هذه المؤسسات تشكل رأس الحربة في التصدي لأي محاولة لرفع الحد الأدنى للأجور، ذلك أنها غير مستعدة لتخفيف حجم تراكم الأرباح لديها ولو بشكل هامشي.

إن ذلك يقودنا إلى وجود أزمة أجر، وأن تناول هذه الأزمة من مقاربة حقوقية فحسب حال أغلبية منظمات المجتمع المدني هو بمثابة تشويه للحل وتعميق إستعصائه. فالأجر ليس مسألة حقوقية فقط منفصلة عن التقديمات الإجتماعية من جهة، وعن الحركة الإقتصادية وأزمة سوق العمل من جهة أخرى. إن النقطة الأساس التي يجب إبرازها هي أن الأجر الإجتماعي عنصر أساس وفعال في تحريك الإقتصاد المنتج. إلا أن السؤال الإشكالي هو أليس الإدخار والإستهلاك يأتي في صميم مصلحة الريعيين أيضا؟ وإذا كان فعلا كذلك فلم يعارض هؤلاء مسألة الأجر الإجتماعي، أو حتى رفع الأجر النقدي؟

من ما لاشك فيه أن المستثمرين الريعيين يمتلكون مؤسسات إنتاجية تضم مئات العمال، وهذه المؤسسات بطبيعة الحال تدر أرباحا على هؤلاء المستثمرين الذين لا يريدون أن يتأثر تراكم أرباحهم برفع الحد الأدنى للأجور، ومع ذلك يمكن القول أن الأرباح العالية والحقيقية تأتي عبر الريع بالإضافة إلى أنهم غير مضطرين للقبول برفع الحد الأدنى للأجور أو التسليم بالأجر الإجتماعي في ظل غياب تمثيل نقابي حقيقي يضغط لتحسين قيمة العمل المأجور. ومن ما لا شك فيه أن النزوع بإتجاه الأجر الإجتماعي في أوروبا وتحسين قيمة العمل المأجور أتى نتيجة نضال نقابي من جهة وتعويم السياسة الكنزية التي ارتكزت على الإستهلاك من جهة أخرى، وهذا الإرتكاز يفترض بالضرورة تأمين أجور عادلة وحياة الرفاه في "دولة الرفاه" الأوروبية هذا ما أدى إلى زيادة الإدخار وزيادة الإستهلاك وبالتالي إلى تراكم الرساميل التي دفعت بدورها بتحويل الإقتصاد العالمي من إقتصاد منتج إلى إقتصاد ريعي. إذا مفهوم الأجر تطور في أوروبا الغربية إنطلاقا من النضال النقابي الفعال الذي أجبر صانعو القرار على إعادة تقديم النموذج الليبرالي للسوق بصيغة السوق الإجتماعي، ولم يكن الأوربيون قادرون على الوصول إلى هذه الصيغة لولا التطور الذي أصاب النظام الأوروبي نفسه الذي إنتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية مترافقا مع عملية تحديث إجتماعي وسياسي ما أدى إلى بلورة وعي حداثوي (إنتاجي) ومن ثم وعي ما بعد حداثوي (إستهلاكي). أما نحن وفي محاولتنا لإسقاط التجربة الأوروبية-الغربية فإننا أمسكنا -لأسباب ذاتية (محاولة التماهي مع الغرب) ولأخرى موضوعية (العولمة، وتحقيق الربح السريع) – بتلابيب عصر ما بعد الحداثة بالرغم من أن البنى السياسية والإقتصادية التي نعيشها ما زالت أصولية أي إقطاعية. ما علاقة ذلك بالأجر؟

الإجابة عن هذا السؤال تفترض بنا وضع تصور عن وعينا للأجر، وللعمل المأجور نفسه. وليس إكتشافا أن نقول أننا ننفر من صفة الأجير، مع العلم أن الكلمة مشتقة من الأجر. ومفهوم الأجر في البنى الإقطاعية يختلف عنه في البنى الرأسمالية. ففي البنى الأخيرة يدرك الأجراء أنهم يقدمون خدماتهم لأرباب العمل مقابل أجر، ويدركون أيضا أن قوة عملهم، هي السبب وراء تحقيق أرباح رب العمل. ربما هذا الواقع كان سببا في دفع الحركات النقابية لترسم ليس فقط سياسة الأجور بل السياسة الإقتصادية الشاملة، لأن الإقتصاد مترابط بسلسلة عناصر فلا يمكن الحديث عن الأجر فقط بمعزل عن الأسعار، ولا يمكن الحديث عن الأسعار بمعزل عن الإحتكارات أو المنافسة... بالمحصلة فإن الدور الفاعل للنقابات يعيد نوعا من التوازن بين أطراف الإنتاج، ويحمي القدرة الشرائية للأجور من تقلبات السوق ومن محاولة أصحاب الرساميل تحقيق تراكم الأرباح على حساب قوة العمل للأجراء.

في الحالة اللبنانية لم تستطع النقابات أن تشكل حالة شعبية ضاغطة لفرض رؤية إقتصادية تعبر عن غالبية الأجراء، ففي الفترة التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية، وخلال الهيمنة السورية على لبنان تم نعي الحركة النقابية اللبنانية، وتحت ذريعة الحرب وإعادة الإعمار قامت السياسة الإقتصادية الجديدة-القديمة على تحميل الفقراء أعباء الحرب، وحافظت على ثروات أمراء الحرب وأثريائها. الأسوأ أن ضرب التقديمات الإجتماعية تحت شعار "ترشيق" القطاع العام وما أسفر عنه من إضعاف الإستشفاء والتعليم الرسمي، بالإضافة إلى الفساد الناجم عن حرمان المواطنين من كهرباء ومياه دائمة يؤدي إلى إستنزاف قيمة الأجر بشكل واسع. دون الحديث عن التضخم المبالغ فيه للأسعار. فهل يصبح الحد الأدنى المعمول به اليوم يتطابق مع ما قصده المشرع في القانون لجهة أن الأجر يجب أن يكون كافيا لسداد حاجات الأجير؟

Read 2969 times Last modified on الإثنين, 14 تشرين2/نوفمبر 2016 09:51
Share this article

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

صوت وصورة

افلام إرشادية حول الحقوق
تقارير
صور

 

تابعونا على

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   961-5-951573

إستشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة
سجّل شكواك

أخبار

أخبار محلية
أخبار عربية ودولية 
بيانات ومواقف

المكتبة

تشريعات لبنانية:
    قانون العمل
    قانون الضمان
    مراسيم
    عقود عمل جماعية 
إتفاقيات دولية
إتفاقيات عربية
إتفاقيات وقع عليها لبنان
دراسات وتقارير
إتحادات ونقابات

دراسات وتقارير

دراسات
تقارير


استشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة

سجّل شكواك

مقالات وتحقيقات

تحقيقات
قضايا
ملفات
 
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…

وحدة تحكم تشخيص الأخطاء لجوملا!

الدورة

معلومات الملف الشخصي

الذاكرة المستخدمة

استعلامات قاعدة البيانات