ملفات

صحة اللبنانيين بين مافيا الدواء وتواطؤ نظام المحاصصة الطائفي

المرصد

أسعد سمور- تشكل الصحة واحدة من الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها مؤشرات التنمية، ولا تقتصر قضية الصحة على بعدها التنموي والإقتصادي، بقدر ما هي قضية إنسانية ( وحقوقية عالمية)تتعلق بالحفاظ على حيوات المواطنين والمقيمين من السكان. ويشكل القطاع الصحي واحد من أكثر القطاعات تشعبا وتعقيدا فهو يتناول المستشفيات، والمستوصفات، والمختبرات، والأدوية ...إلخ

ويشكل الدواء القضية الأكثر إثارة على المستوى الصحي بعد فضائح طالت جودة الأدوية المروجة في الأسواق اللبنانية، وفي هذا الإطار يؤكد النائب السابق ورئيس الهيئة الوطنية الصحية د. إسماعيل سكريه أنه "لا يوجد سياسة دوائية  وطنية في لبنان ويخضع الدواء للتفكير التجاري والربح المادي والتواطؤ ما بين التاجر والإدارة وبحماية من الفساد السياسي. ومنذ تشكيل أول حكومة إلى اليوم يتم  إستثمار موضوع الدواء سياسيا  فكل الحكومات رصعت بياناتها الوزارية  بوعود متعلقة بتأمين الدواء الجيد والرخيص وتنتهي القصة عند البيان الوزاري. فشركات الإحتكار القوية اخترقت الوسط السياسي  ووصلت لدرجة تمويل الحملات الإنتخابية."

التجارب الإصلاحية تبؤ بالفشل

وبالرغم من غياب السياسة الدوائية وهيمنة الشركات الإحتكارية على سوق الدواء، إلا أن ذلك لا يعني إنعدام وجود محاولات إصلاحية في هذا القطاع وقد بدأت بالفعل أولى هذه المحاولات عام 1971 مع وزير الصحة د. إميل بيطار في حكومة الشباب برئاسة صائب سلام،  حيث أصدر بيطار  قرارا بتخفيض أسعار الأدوية وسعيه لإلغاء المرسوم 34  الذي ينص على الحق الحصري بالإستيراد ويكرس الإحتكارات عندها أقدم التجار على إخفاء الأدوية الأساسية من السوق لإحداث تململ في الشارع اللبناني ودفع المرضى لمحاربة القرار، فاضطر الوزير بيطار إلى الطلب من مجلس النواب بوضع قانون معجل مكرر يسمح له بمواجهة هؤلاء التجار وعند تعيين الجلسة إمتنع النواب عن الحضور فلم يكتمل نصابها  ما أدى إلى إسقاط التجربة إعادة الأسعار المرتفعة. وتبعها إستقالة الوزير البيطار قبل أن تكر سبحة الإستقالات من "حكومة الشباب" لعدد آخر من الوزراء نتيجة إستعصاء عملية الإصلاح في ظل النظام الطائفي.

أما المحاولة الإصلاحية الثانية فكانت عام  1989 ومن خارج إرادة السلطة اللبنانية الحاكمة حيث كان لبنان أول دول عربية تقوم منظمة الصحة العالمية بمكننة الدواء لديها، ما يساهم في الحد من التلاعب بالأدوية، إلا ان الكومبيوترات تعطلت فجأة، وأعيدت الكرة في العام 1996 فلم تتعطل الكومبيوترات وحسب، بل بيعت المعلومات الموجودة.

المحاولة الثالثة تمثلت بالقرار 90/1 عام 1999 والذي يقضي بالسماح لأي كان بإستيراد الأدوية شرط ان يكون سعرها أقل 25% من سعر السوق، فأقدمت شركات الإحتكار على شراء الأدوية المنخفضة السعر وقامت بتسجيلها في الوزارة إلا أنها لم تطرحها في السوق وأبقت على الأدوية المرتفعة السعر.

أما المحاولة الأخيرة فهي السعي لوضع لائحة أساسية للأدوية حيث يتوجب على الطبيب أن يصف من الأدوية الموجودة في اللائحة لكنها فشلت.

مختبر الدواء: الضمانة المفقودة

محاولات الإصلاح التي منيت جميعها بالفشل نتيجة التواطؤ بين أركان السلطة وشركات الإحتكار لا تظهر حجم التلاعب بصحة اللبنانيين وألامهم فقط بقدر ما تظهر غياب رؤية صحية متكاملة، فيصف د. إسماعيل سكرية غياب مختبر الرقابة على الدواء في لبنان بـ"أم الفضائح في الإصلاح الفاشل"  حيث يقوم هذا المختبر بإجراء الفحوصات الصحية على الدواء والغذاء والماء والمخدرات، والدهون والزيوت وكان سكرية خلال دورته النيابية في العام 1998 قد طرح موضوع المختبر المركزي أثناء إستجواب حكومي حيث تبين معه بعد زيارة المختبر في 20/7/1998 أن "هذا المرفق الحيوي لا يعمل، وبأن هناك مخالفات إدارية ومالية جسيمة ونقص علمي وفني خطير يعرض مبدأ الصحة والسلامة العامة للخطر، وأن هناك 10% فقط من الكادر البشري المطلوب"، وفي الجواب الحكومي على سؤال د.سكرية أفادت الحكومة اللبنانية أنذاك أنه "تم إعداد مشروع تمهيدي بالخطوات العملية اللازمة للنهوض بمختبر الدواء. وأنه على أثر زيارة وزير الصحة السويدي والمباحثات اللاحقة مع الوفود السويدية، تم التوافق على مشروع خطة لإعادة تأهيل مختبر الدواء وإدخاله حيز التنفيذ" وبالفعل فقد قدمت الحكومة السويدية التجهيزات اللازمة للنهوض بالمختبر، إلا أن المفارقة الفاضحة أنه وبعد أقل من 10 سنوات كان المختبر المركزي قد أختفى من الوجود لدواعي أمنية لأن المختبر يقع في عين التينة على مقربة من منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتذرعت الحكومة أنذاك بأن المختبر يحتوي مواد يمكن إستخدامها في أعمال إرهابية قبل أن تقدم على هدم المختبر، وفيما بدأت الشكوك تثار حول بيع المعدات المقدمة من حكومة السويد للمختبر والمقدرة قيمتها أنذاك بـ600 ألف دولار إلا أن الحكومة ادعت بأن هذه المعدات تم نقلها إلى مختبر في برج البراجنة.

وبعد هدم المختبر، لجأت الحكومة إلى سياسة "الترقيع" فأصدرت وزارة الصحة القرار رقم 199/1 الذي يعفي الأدوية الـ"أوريجينال" المصنعة في الشركات الدولية من تحليل جودة الأدوية التي تنتجها، في حين يخضع دواء الـ"جينيريك" للتحليل في مختبرات دول المنشأ، ومن ثم في أحد المختبرات الجامعية. إلا أن هذه السياسة الترقيعية ليست سوى ورقة التين التي حاول أركان السلطة ستر عورة السرقات الفجة في بلد الفضائح لبنان، فالشركات الدولية المصنعة للدواء الـ"الأورجينال" هي كما كل الشركات الدولية التي تصدر بضائع مخصصة للدول النامية وهذه البضائع لا تتطابق مع معايير الدول المتطورة، وبالتالي فإن إعفاء الأدوية المبتكرة في هذه الشركات يعبر إما أن عن جهل مخيف بدينامية عمل هذه الشركات أو لخضوع السلطة اللبنانية لإرادة مافيا الدواء ومصالحها على حساب صحة المواطن. أما في ما يتعلق بالأدوية "جينيرك" فإن السؤال المطروح يبقى ما هي الضمانة التي تؤكد أن التاجر لا يستطيع أن يرشي هذه المختبرات، خصوصا أن الأدوية لن تباع في السوق المحلية لدول المنشأ؟ وفي هذا الإطار يقول  د. سكرية أن  "لبنان هو البلد الوحيد الذي لا يوجد فيه هكذا مختبر، أما المختبرات الجامعية فهي غير مؤهلة لإجراء الإختبارات للأدوية كافة، بما فيها مختبرات الجامعة الأميركية، كما أن إرسال الأدوية إلى الخارج لا يعني أن الأدوية أصبحت صالحة لأن التاجر غالبا ما يتواطء مع المختبرات في الخارج خصوصا أن الدواء لن يوزع في بلادهم."

الوصفة الطبية الموحدة: إيجابية وهمية

في ظل غياب المختبر المركزي للدواء، صدر قرار بوضع الوصفة الطبية الموحدة موضع التنفيذ ويرى د. سكرية أنها "تفتح باب تشجيع دواء الـ"جينيريك" وهناك ثغرتين الأولى تتمثل بوجود إشارة تمنع إستبدال الدواء، والثانية غياب المختبر الوطني للدواء، بالإضافة إلى أن المريض يدفع بين 10 و 30 ألف ليرة لبنانية إضافية. ولابد من الإشارة هنا إلى أن 11 مستوردا للأدوية يسيطرون على 80% من سوق الدواء، ما يزيد الشكوك حول نوعية وجودة هذه الأدوية" ما يعني أن إطلاق هذه الوصفة يجب أن يأتي كتتمة لإنجاز مختبر مركزي الذي يعطي المريض الضمانة لفعالية دواء "جينيريك"، وهذا غير ممكن في ظل الفوضى المنظمة في سوق الدواء اللبناني، حيث يبلغ عدد الأدوية المسجلة في الوزارة حوالي 7200 دواء موجود منها في السوق حوالي 5000 دواء تنقسم هذه الأدوية إلى أنواع هي الدواء الجيد، والدواء مجتزأ الفعالية (فعالية ضعيفة)، والدواء المقلد (وقد يكون ضعيف الفعالية للغاية، أو بلا فعالية، أو يتسبب بعوارض جانبية)، والدواء مجهول المصدر، وهو الدواء غالبا ما يكون موضب بشكل جيد ويشار إلى أنه صناعة أوروبية ولكنه غير موجود في الدولة التي صنع فيها ولا أثر للمصانع التي تصنعه هناك، والدواء المسحوب من التداول عالميا لأنه يسبب الكثير من العوارض. الملفت أنه وبحسب تصريح وزير الصحة وائل بوفاعور فإن 50% من الأدوية الموجودة في السوق لا حاجة علاجية لها، ويلفت د.سكرية إلى أن "30% من الأدوية في السوق اللبنانية فاسدة" ويوضح سكرية "أن الأدوية مجهولة المصدر والمسحوبة من التداول عالميا تندرج ضمن تصنيف الأدوية الفاسدة". ويضاف إلى هذه الأدوية المتممات الغذائية وأدوية الأعشاب التي اشتعلت في السوق اللبنانية إثر المرسوم رقم 1170 الذي حرر الأعشاب والمتممات من سلطة قانون الدواء حيث ظهر في السوق اللبنانية حوالي 1200 صنف من هذه الأدوية فشكلت وزارتي الصحة والإقتصاد لجنة لتنظيم هذه الأدوية، والمضحك المبكي أنه وبفضل هذه اللجنة قفزت أعداد الأدوية من 1200 دواء إلى حوالي 5000 دواء.

أسعار الأدوية تسبب أمراض خطيرة ومميتة

يعتبر سوق الدواء اللبناني من أغلى الأسواقفي العالم حيث تباع الأدوية بأضعاف سعرها الحقيقي، وقد جرى في الحقيقة تخفيض فعلي لأسعار الأدوية مؤخرا، إلا  أن تخفيض الأسعار طال الأدوية رخيصة الثمن والتي تشكل 20% من الحاجة الإستهلاكية، في حين أن 80% من الحاجة الإستهلاكية هي للأدوية المزمنة ومرتفعة الكلفة، كالكوليسترول والأعصاب حيث لم تنخفض أسعار هذه الأدوية بل ارتفعت أسعار البعض منها، بالرغم من إنخفاض سعر اليورو 30%.

ويشكل الإنفاق على الأدوية 30% من مجمل الإنفاق على الصحة، وتزداد حدة الأزمة عندما يتبين أن 60% من التمويل يقع على كاهل الأسر، ما يعني أن المستفدين من الصناديق والمؤسسات الضامنة يشكلون فقط 40% من الأسر. وإذا كانت حصة الإنفاق الخاص على العلاج للأسر مرتفعة الدخل تشكل 8% فإن الأسر الأكثر فقرا تدفع 20% من حجم الإنفاق الخاص على الأدوية. هذه الأرقام تدل على أن 72% من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل تنفق من ميزانيتها الخاصة على العلاج، هذا ما يؤشر على أن نسبة عالية من هؤلاء حققوا دخل متوسط أو منخفض نتيجة قيامهم بعمل مأجور، وهم بالتالي غير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ولا في أي من الصناديق الضامنة.

ولا يتوقف تقصير الدولة عن متابعة الأجراء غير المسجلين في صناديق الرعاية الإجتماعية المنصوص عليها قانونا، بل ذهبت أبعد من ذلك في سياسة الفساد الممنهج من خلال القضاء على المكتب الوطني للدواء الذي تقوم مهمته على بيع الأدوية مباشرة إلى المرضى ما يسهم بتخفيض فاتورة الدواء بنسبة 50%، وتم تشكيل مجلس إدارة للمكتب الوطني للدواء في منتصف التسعينيات من أجل إستيراد الأدوية للجهات الضامنة كالضمان الإجتماعي، وتعاونية موظفي الدولة، واللواء الطبي في الجيش، والأمن الداخلي، والأمن العام ورصد له خمسة مليارات ليرة. إلا أن المليارات الخمسة صرفت ولم تحصل أي من الجهات الضامنة على أي "حبة دواء" ومن ثم تبخر المكتب الوطني للدواء الذي يعتبر واحدة من أهم أعمدة الإصلاح في قطاع الصحة.

ومن الجدير ذكره أن أركان السلطة الذين حاربوا المختبر الوطني للدواء هم أنفسهم الذين حاربوا المكتب الوطني للدواء، ما يشير إلى أن تحقيق الأرباح لمافيات الدواء يفوق بأهمية أي إعتبار آخر بما فيه صحة اللبنانيين أنفسهم.

Read 3294 times Last modified on الجمعة, 05 أيار 2017 09:59
Share this article

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

صوت وصورة

افلام إرشادية حول الحقوق
تقارير
صور

 

تابعونا على

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   961-5-951573

إستشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة
سجّل شكواك

أخبار

أخبار محلية
أخبار عربية ودولية 
بيانات ومواقف

المكتبة

تشريعات لبنانية:
    قانون العمل
    قانون الضمان
    مراسيم
    عقود عمل جماعية 
إتفاقيات دولية
إتفاقيات عربية
إتفاقيات وقع عليها لبنان
دراسات وتقارير
إتحادات ونقابات

دراسات وتقارير

دراسات
تقارير


استشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة

سجّل شكواك

مقالات وتحقيقات

تحقيقات
قضايا
ملفات
 
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…

وحدة تحكم تشخيص الأخطاء لجوملا!

الدورة

معلومات الملف الشخصي

الذاكرة المستخدمة

استعلامات قاعدة البيانات