-المرصد أسعد سمور- أصبح اللاجئون السوريون الشماعة التي تعلق ...
-المرصد أسعد سمور- لم يعر مدير قناة العالم د.محمود بوجنوردي ...
-المرصد أسعد سمور- إعتصم موظفو الضمان الإجتماعي بمشاركة الإتحاد
  - المرصد أسعد سمور- اجتمعت رابطة المجالس الإقتصادية ...
المرصد- قضى غسان غصن 16 عاما في رئاسة الإتحاد العمالي العام ...
-المرصد أسعد سمور- أطلق الإستقرار السياسي يد مجلس النواب وفتح

المرصد

أسعد سمور- تشكل الصحة واحدة من الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها مؤشرات التنمية، ولا تقتصر قضية الصحة على بعدها التنموي والإقتصادي، بقدر ما هي قضية إنسانية ( وحقوقية عالمية)تتعلق بالحفاظ على حيوات المواطنين والمقيمين من السكان. ويشكل القطاع الصحي واحد من أكثر القطاعات تشعبا وتعقيدا فهو يتناول المستشفيات، والمستوصفات، والمختبرات، والأدوية ...إلخ

ويشكل الدواء القضية الأكثر إثارة على المستوى الصحي بعد فضائح طالت جودة الأدوية المروجة في الأسواق اللبنانية، وفي هذا الإطار يؤكد النائب السابق ورئيس الهيئة الوطنية الصحية د. إسماعيل سكريه أنه "لا يوجد سياسة دوائية  وطنية في لبنان ويخضع الدواء للتفكير التجاري والربح المادي والتواطؤ ما بين التاجر والإدارة وبحماية من الفساد السياسي. ومنذ تشكيل أول حكومة إلى اليوم يتم  إستثمار موضوع الدواء سياسيا  فكل الحكومات رصعت بياناتها الوزارية  بوعود متعلقة بتأمين الدواء الجيد والرخيص وتنتهي القصة عند البيان الوزاري. فشركات الإحتكار القوية اخترقت الوسط السياسي  ووصلت لدرجة تمويل الحملات الإنتخابية."

التجارب الإصلاحية تبؤ بالفشل

وبالرغم من غياب السياسة الدوائية وهيمنة الشركات الإحتكارية على سوق الدواء، إلا أن ذلك لا يعني إنعدام وجود محاولات إصلاحية في هذا القطاع وقد بدأت بالفعل أولى هذه المحاولات عام 1971 مع وزير الصحة د. إميل بيطار في حكومة الشباب برئاسة صائب سلام،  حيث أصدر بيطار  قرارا بتخفيض أسعار الأدوية وسعيه لإلغاء المرسوم 34  الذي ينص على الحق الحصري بالإستيراد ويكرس الإحتكارات عندها أقدم التجار على إخفاء الأدوية الأساسية من السوق لإحداث تململ في الشارع اللبناني ودفع المرضى لمحاربة القرار، فاضطر الوزير بيطار إلى الطلب من مجلس النواب بوضع قانون معجل مكرر يسمح له بمواجهة هؤلاء التجار وعند تعيين الجلسة إمتنع النواب عن الحضور فلم يكتمل نصابها  ما أدى إلى إسقاط التجربة إعادة الأسعار المرتفعة. وتبعها إستقالة الوزير البيطار قبل أن تكر سبحة الإستقالات من "حكومة الشباب" لعدد آخر من الوزراء نتيجة إستعصاء عملية الإصلاح في ظل النظام الطائفي.

أما المحاولة الإصلاحية الثانية فكانت عام  1989 ومن خارج إرادة السلطة اللبنانية الحاكمة حيث كان لبنان أول دول عربية تقوم منظمة الصحة العالمية بمكننة الدواء لديها، ما يساهم في الحد من التلاعب بالأدوية، إلا ان الكومبيوترات تعطلت فجأة، وأعيدت الكرة في العام 1996 فلم تتعطل الكومبيوترات وحسب، بل بيعت المعلومات الموجودة.

المحاولة الثالثة تمثلت بالقرار 90/1 عام 1999 والذي يقضي بالسماح لأي كان بإستيراد الأدوية شرط ان يكون سعرها أقل 25% من سعر السوق، فأقدمت شركات الإحتكار على شراء الأدوية المنخفضة السعر وقامت بتسجيلها في الوزارة إلا أنها لم تطرحها في السوق وأبقت على الأدوية المرتفعة السعر.

أما المحاولة الأخيرة فهي السعي لوضع لائحة أساسية للأدوية حيث يتوجب على الطبيب أن يصف من الأدوية الموجودة في اللائحة لكنها فشلت.

مختبر الدواء: الضمانة المفقودة

محاولات الإصلاح التي منيت جميعها بالفشل نتيجة التواطؤ بين أركان السلطة وشركات الإحتكار لا تظهر حجم التلاعب بصحة اللبنانيين وألامهم فقط بقدر ما تظهر غياب رؤية صحية متكاملة، فيصف د. إسماعيل سكرية غياب مختبر الرقابة على الدواء في لبنان بـ"أم الفضائح في الإصلاح الفاشل"  حيث يقوم هذا المختبر بإجراء الفحوصات الصحية على الدواء والغذاء والماء والمخدرات، والدهون والزيوت وكان سكرية خلال دورته النيابية في العام 1998 قد طرح موضوع المختبر المركزي أثناء إستجواب حكومي حيث تبين معه بعد زيارة المختبر في 20/7/1998 أن "هذا المرفق الحيوي لا يعمل، وبأن هناك مخالفات إدارية ومالية جسيمة ونقص علمي وفني خطير يعرض مبدأ الصحة والسلامة العامة للخطر، وأن هناك 10% فقط من الكادر البشري المطلوب"، وفي الجواب الحكومي على سؤال د.سكرية أفادت الحكومة اللبنانية أنذاك أنه "تم إعداد مشروع تمهيدي بالخطوات العملية اللازمة للنهوض بمختبر الدواء. وأنه على أثر زيارة وزير الصحة السويدي والمباحثات اللاحقة مع الوفود السويدية، تم التوافق على مشروع خطة لإعادة تأهيل مختبر الدواء وإدخاله حيز التنفيذ" وبالفعل فقد قدمت الحكومة السويدية التجهيزات اللازمة للنهوض بالمختبر، إلا أن المفارقة الفاضحة أنه وبعد أقل من 10 سنوات كان المختبر المركزي قد أختفى من الوجود لدواعي أمنية لأن المختبر يقع في عين التينة على مقربة من منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتذرعت الحكومة أنذاك بأن المختبر يحتوي مواد يمكن إستخدامها في أعمال إرهابية قبل أن تقدم على هدم المختبر، وفيما بدأت الشكوك تثار حول بيع المعدات المقدمة من حكومة السويد للمختبر والمقدرة قيمتها أنذاك بـ600 ألف دولار إلا أن الحكومة ادعت بأن هذه المعدات تم نقلها إلى مختبر في برج البراجنة.

وبعد هدم المختبر، لجأت الحكومة إلى سياسة "الترقيع" فأصدرت وزارة الصحة القرار رقم 199/1 الذي يعفي الأدوية الـ"أوريجينال" المصنعة في الشركات الدولية من تحليل جودة الأدوية التي تنتجها، في حين يخضع دواء الـ"جينيريك" للتحليل في مختبرات دول المنشأ، ومن ثم في أحد المختبرات الجامعية. إلا أن هذه السياسة الترقيعية ليست سوى ورقة التين التي حاول أركان السلطة ستر عورة السرقات الفجة في بلد الفضائح لبنان، فالشركات الدولية المصنعة للدواء الـ"الأورجينال" هي كما كل الشركات الدولية التي تصدر بضائع مخصصة للدول النامية وهذه البضائع لا تتطابق مع معايير الدول المتطورة، وبالتالي فإن إعفاء الأدوية المبتكرة في هذه الشركات يعبر إما أن عن جهل مخيف بدينامية عمل هذه الشركات أو لخضوع السلطة اللبنانية لإرادة مافيا الدواء ومصالحها على حساب صحة المواطن. أما في ما يتعلق بالأدوية "جينيرك" فإن السؤال المطروح يبقى ما هي الضمانة التي تؤكد أن التاجر لا يستطيع أن يرشي هذه المختبرات، خصوصا أن الأدوية لن تباع في السوق المحلية لدول المنشأ؟ وفي هذا الإطار يقول  د. سكرية أن  "لبنان هو البلد الوحيد الذي لا يوجد فيه هكذا مختبر، أما المختبرات الجامعية فهي غير مؤهلة لإجراء الإختبارات للأدوية كافة، بما فيها مختبرات الجامعة الأميركية، كما أن إرسال الأدوية إلى الخارج لا يعني أن الأدوية أصبحت صالحة لأن التاجر غالبا ما يتواطء مع المختبرات في الخارج خصوصا أن الدواء لن يوزع في بلادهم."

الوصفة الطبية الموحدة: إيجابية وهمية

في ظل غياب المختبر المركزي للدواء، صدر قرار بوضع الوصفة الطبية الموحدة موضع التنفيذ ويرى د. سكرية أنها "تفتح باب تشجيع دواء الـ"جينيريك" وهناك ثغرتين الأولى تتمثل بوجود إشارة تمنع إستبدال الدواء، والثانية غياب المختبر الوطني للدواء، بالإضافة إلى أن المريض يدفع بين 10 و 30 ألف ليرة لبنانية إضافية. ولابد من الإشارة هنا إلى أن 11 مستوردا للأدوية يسيطرون على 80% من سوق الدواء، ما يزيد الشكوك حول نوعية وجودة هذه الأدوية" ما يعني أن إطلاق هذه الوصفة يجب أن يأتي كتتمة لإنجاز مختبر مركزي الذي يعطي المريض الضمانة لفعالية دواء "جينيريك"، وهذا غير ممكن في ظل الفوضى المنظمة في سوق الدواء اللبناني، حيث يبلغ عدد الأدوية المسجلة في الوزارة حوالي 7200 دواء موجود منها في السوق حوالي 5000 دواء تنقسم هذه الأدوية إلى أنواع هي الدواء الجيد، والدواء مجتزأ الفعالية (فعالية ضعيفة)، والدواء المقلد (وقد يكون ضعيف الفعالية للغاية، أو بلا فعالية، أو يتسبب بعوارض جانبية)، والدواء مجهول المصدر، وهو الدواء غالبا ما يكون موضب بشكل جيد ويشار إلى أنه صناعة أوروبية ولكنه غير موجود في الدولة التي صنع فيها ولا أثر للمصانع التي تصنعه هناك، والدواء المسحوب من التداول عالميا لأنه يسبب الكثير من العوارض. الملفت أنه وبحسب تصريح وزير الصحة وائل بوفاعور فإن 50% من الأدوية الموجودة في السوق لا حاجة علاجية لها، ويلفت د.سكرية إلى أن "30% من الأدوية في السوق اللبنانية فاسدة" ويوضح سكرية "أن الأدوية مجهولة المصدر والمسحوبة من التداول عالميا تندرج ضمن تصنيف الأدوية الفاسدة". ويضاف إلى هذه الأدوية المتممات الغذائية وأدوية الأعشاب التي اشتعلت في السوق اللبنانية إثر المرسوم رقم 1170 الذي حرر الأعشاب والمتممات من سلطة قانون الدواء حيث ظهر في السوق اللبنانية حوالي 1200 صنف من هذه الأدوية فشكلت وزارتي الصحة والإقتصاد لجنة لتنظيم هذه الأدوية، والمضحك المبكي أنه وبفضل هذه اللجنة قفزت أعداد الأدوية من 1200 دواء إلى حوالي 5000 دواء.

أسعار الأدوية تسبب أمراض خطيرة ومميتة

يعتبر سوق الدواء اللبناني من أغلى الأسواقفي العالم حيث تباع الأدوية بأضعاف سعرها الحقيقي، وقد جرى في الحقيقة تخفيض فعلي لأسعار الأدوية مؤخرا، إلا  أن تخفيض الأسعار طال الأدوية رخيصة الثمن والتي تشكل 20% من الحاجة الإستهلاكية، في حين أن 80% من الحاجة الإستهلاكية هي للأدوية المزمنة ومرتفعة الكلفة، كالكوليسترول والأعصاب حيث لم تنخفض أسعار هذه الأدوية بل ارتفعت أسعار البعض منها، بالرغم من إنخفاض سعر اليورو 30%.

ويشكل الإنفاق على الأدوية 30% من مجمل الإنفاق على الصحة، وتزداد حدة الأزمة عندما يتبين أن 60% من التمويل يقع على كاهل الأسر، ما يعني أن المستفدين من الصناديق والمؤسسات الضامنة يشكلون فقط 40% من الأسر. وإذا كانت حصة الإنفاق الخاص على العلاج للأسر مرتفعة الدخل تشكل 8% فإن الأسر الأكثر فقرا تدفع 20% من حجم الإنفاق الخاص على الأدوية. هذه الأرقام تدل على أن 72% من الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل تنفق من ميزانيتها الخاصة على العلاج، هذا ما يؤشر على أن نسبة عالية من هؤلاء حققوا دخل متوسط أو منخفض نتيجة قيامهم بعمل مأجور، وهم بالتالي غير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ولا في أي من الصناديق الضامنة.

ولا يتوقف تقصير الدولة عن متابعة الأجراء غير المسجلين في صناديق الرعاية الإجتماعية المنصوص عليها قانونا، بل ذهبت أبعد من ذلك في سياسة الفساد الممنهج من خلال القضاء على المكتب الوطني للدواء الذي تقوم مهمته على بيع الأدوية مباشرة إلى المرضى ما يسهم بتخفيض فاتورة الدواء بنسبة 50%، وتم تشكيل مجلس إدارة للمكتب الوطني للدواء في منتصف التسعينيات من أجل إستيراد الأدوية للجهات الضامنة كالضمان الإجتماعي، وتعاونية موظفي الدولة، واللواء الطبي في الجيش، والأمن الداخلي، والأمن العام ورصد له خمسة مليارات ليرة. إلا أن المليارات الخمسة صرفت ولم تحصل أي من الجهات الضامنة على أي "حبة دواء" ومن ثم تبخر المكتب الوطني للدواء الذي يعتبر واحدة من أهم أعمدة الإصلاح في قطاع الصحة.

ومن الجدير ذكره أن أركان السلطة الذين حاربوا المختبر الوطني للدواء هم أنفسهم الذين حاربوا المكتب الوطني للدواء، ما يشير إلى أن تحقيق الأرباح لمافيات الدواء يفوق بأهمية أي إعتبار آخر بما فيه صحة اللبنانيين أنفسهم.

أسعد سمور

المرصد- إن النظر إلى الأجور يكون من خلال إتجاهين الأول تعبر عنه الليبرالية والثاني هو الإتجاه الإجتماعي. يحاول الإتجاه الليبرالي إخضاع الأجر لمفهوم السوق حيث يتم تحديد قيمته كما يتم تحديد قيمة أي سلعة أخرى. فكلما إزداد عرض سلعة ما بنسبة أكبر من الطلب عليها كل ما إنخفض سعرها، وكل ما إنخفض عرض سلعة ما أكثر من الطلب عليها كل ما إرتفع سعرها. كذلك هي الحال بالنسبة للأجور فكلما زاد عدد عارضي العمل أكثر من المطلوب في سوق العمل كل ما إنخفضت قيمة العمل المأجور، وكل ما إنخفض عدد العارضين أكثر عن المطلوب إرتفعت قيمة العمل المأجور.

إن ترك قيمة العمل المأجور رهينة لحركة السوق أدت إلى إضطهاد العمال حيث أن العمل المأجور تحول إلى نوع من أنواع الإستعباد بسبب الأجور المتدنية جدا وساعات العمل الطويلة جدا ولم تخف وطأة  هذا الإستعباد إلا مع تحديد حدا أدنى للأجور وحدا أقصى لساعات العمل.

هنا لابد أن نميز بين الأجر النقدي والأجر الإجتماعي، إن الإتجاه الليبرالي الذي يزعم أنه ينحي دور الدولة من التدخل سواء لصالح الأجراء أو أرباب العمل، لا يخرج مفهوم الأجر لديه عن الأجر النقدي، وهو بخلاف الأجر الإجتماعي. لقد طور الأوروبيون نظرتهم لإقتصاد السوق ليتحولوا إلى إقتصاد السوق الإجتماعي الذي يجمع بين القبول بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والشركات الخاصة ووضع ضوابط حكومية تحاول تحقيق منافسة عادلة، وتقليل التضخم، وخفض معدلات البطالة، ووضع معايير لظروف العمل، وتوفير الخدمات الاجتماعية. وبذلك كل ما توفرت الخدمات الإجتماعية كالصحة والتعليم والنقل... كل ما إنخفضت الأكلاف في ميزانيات الأسر، ما يمكنها من زيادة الإستهلاك أو الإدخار أي أنها تقوم فعليا بدعم الأجر بطريقة غير مباشرة، وفي الحالتين يساهم الأجر في دفع العجلة الإقتصادية قدما.  وبذلك فإن الأجر الإجتماعي لا يقف عند عتبة تحسين حياة العاملين بأجر بقدر ما يمتد إلى تحسين الإقتصاد برمته.

بطبيعة الحال فإن الحالة اللبنانية مختلفة كليا عن أوروبا، حيث أن الأجر وفق قانون الضمان الإجتماعي في المادة 68 هو "أي مكافأة أو كسب يمكن ان تقدر قيمته نقدا أيا كانت تسميته أو طريقة إحتسابه وتحدد قيمته بالتراضي أو بالقوانين أو باللوائح الوطنية، ويدفعه صاحب عمل لشخص يستخدمه مقابل عمل أداه أو يؤديه أو خدمات قدمها أو يقدمها بمقتضى عقد استخدام مكتوب أو غير مكتوب"، وأوجبت المادة 44 من قانون العمل اللبناني أن يكون الأجر كافيا لسداد حاجات الأجير. إلا أن السؤال من هي الجهة التي تحدد ما إذا كان الأجر كافيا أم لا؟ يجيب مجلس شورى الدولة عن هذا السؤال إثر إستشارة بتاريخ 3/1/2012 ويوضح أن "قاعدة تصحيح الأجور في النظام اللبناني الإقتصادي الحر تقوم على التفاوض بين الأجراء وأصحاب العمل، وأن تدخل الدولة يكون إستثنائيا حين تشعر بأن الأمن الإجتماعي مهدد وإذا  رأت أن الأجر لا يسمح بأن يعيش المواطن بكرامة." ويغيب عن مجلس شورى الدولة في رأيه مسألة الأجر الإجتماعي خصوصا أنه يرتكز على طبيعة النظام الإقتصادي الحر، وبما أن اللبنانيون ينفقون من جيبهم الخاص 80% من كلفة التعليم، جزء أساسي منها يعود لدعم المدارس الخاصة "المجانية" سيئة المستوى التعليمي بأغلبها أو تابعة للزعامات الطائفية، كذلك يشكل الإنفاق الخاص حوالي نصف الإنفاق على الصحة. ولأن التعليم والصحة جزء لا يتجزأ من الضروريات التي يعتبر الإنفاق عليها جزء من الكفاية اللازمة للأجر، هنا يصبح من المفترض أن تكون معدلات الأجور مرتفعة وإرتفاع معدلات الأجور "المفترض" سيكون جنونيا إذا ما أضفنا إليها كلفة السكن اللائق. إذا أن الأجر الكافي لسداد حاجات الأجير يجب أن يكون أجرا مرتفعا، ولكن هل يستفيد الأجراء من رفع الأجور إلى مستويات عالية؟ نستطيع القول أن تجارب الحديث عن رفع الأجور في لبنان أتت لتثبت بما لا يدع مجالا للشك أن معدلات الأسعار ترتفع ليس مع إرتفاع الأجور، بل مع الحديث عن رفعها بغض النظر عن ما إذا إرتفعت أم لا. الأكثر سواء هو أن تكاليف رفع الأجور سيقع على عاتق المؤسسات الإنتاجية التي ونظرا لطبيعة عملها تحتاج إلى يد عاملة، في حين أن المؤسسات الريعية والإحتكارية التي تحقق أرباحا عالية ولا تشغل عمالة لن تتأثر في رفع الأجور إلا بشكل هامشي. ومع ذلك فإن هذه المؤسسات تشكل رأس الحربة في التصدي لأي محاولة لرفع الحد الأدنى للأجور، ذلك أنها غير مستعدة لتخفيف حجم تراكم الأرباح لديها ولو بشكل هامشي.

إن ذلك يقودنا إلى وجود أزمة أجر، وأن تناول هذه الأزمة من مقاربة حقوقية فحسب حال أغلبية منظمات المجتمع المدني هو بمثابة تشويه للحل وتعميق إستعصائه. فالأجر ليس مسألة حقوقية فقط منفصلة عن التقديمات الإجتماعية من جهة، وعن الحركة الإقتصادية وأزمة سوق العمل من جهة أخرى. إن النقطة الأساس التي يجب إبرازها هي أن الأجر الإجتماعي عنصر أساس وفعال في تحريك الإقتصاد المنتج. إلا أن السؤال الإشكالي هو أليس الإدخار والإستهلاك يأتي في صميم مصلحة الريعيين أيضا؟ وإذا كان فعلا كذلك فلم يعارض هؤلاء مسألة الأجر الإجتماعي، أو حتى رفع الأجر النقدي؟

من ما لاشك فيه أن المستثمرين الريعيين يمتلكون مؤسسات إنتاجية تضم مئات العمال، وهذه المؤسسات بطبيعة الحال تدر أرباحا على هؤلاء المستثمرين الذين لا يريدون أن يتأثر تراكم أرباحهم برفع الحد الأدنى للأجور، ومع ذلك يمكن القول أن الأرباح العالية والحقيقية تأتي عبر الريع بالإضافة إلى أنهم غير مضطرين للقبول برفع الحد الأدنى للأجور أو التسليم بالأجر الإجتماعي في ظل غياب تمثيل نقابي حقيقي يضغط لتحسين قيمة العمل المأجور. ومن ما لا شك فيه أن النزوع بإتجاه الأجر الإجتماعي في أوروبا وتحسين قيمة العمل المأجور أتى نتيجة نضال نقابي من جهة وتعويم السياسة الكنزية التي ارتكزت على الإستهلاك من جهة أخرى، وهذا الإرتكاز يفترض بالضرورة تأمين أجور عادلة وحياة الرفاه في "دولة الرفاه" الأوروبية هذا ما أدى إلى زيادة الإدخار وزيادة الإستهلاك وبالتالي إلى تراكم الرساميل التي دفعت بدورها بتحويل الإقتصاد العالمي من إقتصاد منتج إلى إقتصاد ريعي. إذا مفهوم الأجر تطور في أوروبا الغربية إنطلاقا من النضال النقابي الفعال الذي أجبر صانعو القرار على إعادة تقديم النموذج الليبرالي للسوق بصيغة السوق الإجتماعي، ولم يكن الأوربيون قادرون على الوصول إلى هذه الصيغة لولا التطور الذي أصاب النظام الأوروبي نفسه الذي إنتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية مترافقا مع عملية تحديث إجتماعي وسياسي ما أدى إلى بلورة وعي حداثوي (إنتاجي) ومن ثم وعي ما بعد حداثوي (إستهلاكي). أما نحن وفي محاولتنا لإسقاط التجربة الأوروبية-الغربية فإننا أمسكنا -لأسباب ذاتية (محاولة التماهي مع الغرب) ولأخرى موضوعية (العولمة، وتحقيق الربح السريع) – بتلابيب عصر ما بعد الحداثة بالرغم من أن البنى السياسية والإقتصادية التي نعيشها ما زالت أصولية أي إقطاعية. ما علاقة ذلك بالأجر؟

الإجابة عن هذا السؤال تفترض بنا وضع تصور عن وعينا للأجر، وللعمل المأجور نفسه. وليس إكتشافا أن نقول أننا ننفر من صفة الأجير، مع العلم أن الكلمة مشتقة من الأجر. ومفهوم الأجر في البنى الإقطاعية يختلف عنه في البنى الرأسمالية. ففي البنى الأخيرة يدرك الأجراء أنهم يقدمون خدماتهم لأرباب العمل مقابل أجر، ويدركون أيضا أن قوة عملهم، هي السبب وراء تحقيق أرباح رب العمل. ربما هذا الواقع كان سببا في دفع الحركات النقابية لترسم ليس فقط سياسة الأجور بل السياسة الإقتصادية الشاملة، لأن الإقتصاد مترابط بسلسلة عناصر فلا يمكن الحديث عن الأجر فقط بمعزل عن الأسعار، ولا يمكن الحديث عن الأسعار بمعزل عن الإحتكارات أو المنافسة... بالمحصلة فإن الدور الفاعل للنقابات يعيد نوعا من التوازن بين أطراف الإنتاج، ويحمي القدرة الشرائية للأجور من تقلبات السوق ومن محاولة أصحاب الرساميل تحقيق تراكم الأرباح على حساب قوة العمل للأجراء.

في الحالة اللبنانية لم تستطع النقابات أن تشكل حالة شعبية ضاغطة لفرض رؤية إقتصادية تعبر عن غالبية الأجراء، ففي الفترة التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية، وخلال الهيمنة السورية على لبنان تم نعي الحركة النقابية اللبنانية، وتحت ذريعة الحرب وإعادة الإعمار قامت السياسة الإقتصادية الجديدة-القديمة على تحميل الفقراء أعباء الحرب، وحافظت على ثروات أمراء الحرب وأثريائها. الأسوأ أن ضرب التقديمات الإجتماعية تحت شعار "ترشيق" القطاع العام وما أسفر عنه من إضعاف الإستشفاء والتعليم الرسمي، بالإضافة إلى الفساد الناجم عن حرمان المواطنين من كهرباء ومياه دائمة يؤدي إلى إستنزاف قيمة الأجر بشكل واسع. دون الحديث عن التضخم المبالغ فيه للأسعار. فهل يصبح الحد الأدنى المعمول به اليوم يتطابق مع ما قصده المشرع في القانون لجهة أن الأجر يجب أن يكون كافيا لسداد حاجات الأجير؟

أسعد سمور

المرصد- يعرف د.نجيب عيسى[1] سوق العمل على أنه "حالة خاصة للأسواق بالمعنى الإقتصادي حث يلتقي العرض والطلب. وهناك سلعة ما يقوم بإنتاجها فئة محددة من الناس وهناك بالمقابل فئة تطلب هذه السلعة، حيث يلتقي العرض والطلب على القوى العاملة وإعتبار العمل كأنه سلعة." وبهذا المعنى فإن الباحثون عن عمل يعرضون قوة عملهم وفي المقابل فإن أرباب العمل يطلبون العمل. وفي هذا الإطار يوضح د.عيسى إلى أن الرأسمالية نظرت إلى  " العمل كأنه سلعة وثمنه أجر. وقيمة العمل نظرية كبيرة في الإقتصاد ولكن قيمة العمل في السوق الرأسمالية يحدد العرض والطلب الأجر. أما الحد الأدنى للأجور فقد جاء في مرحلة متقدمة من النظام الرأسمالي، لكي يستمر العامل على قيد الحياة"

 

وسوق العمل لا يعني أنه يطال كل القوى العاملة حيث أن "القوى العاملة بالسوق تتحدد بحجم السكان وبفئة محددة قادرة على العمل والتي تتراوح اعمارها بين 15-64 وهذه الفئة هي القادرة على العمل ولكنها ليست التي تعرض قوة عملها، لأن هناك قسم كبير مازال على مقاعد الدراسة وهناك جزء كبير من الناس في مجتمعاتنا لا يعرض العمل في السوق، وبالتالي فإن المعروض في سوق العمل هو مجموع الناس الذين يبحثون عن العمل، ومن يطلب العمل هي بشكل عام المؤسسات الإنتاجية السلعية والخدمية، وهذه المؤسسات يمكن أن تنقسم إلى فئتين القطاع العام والقطاع الخاص"

هذه التعريفات تقود إلى  خلاصات محددة حيث أن القوى العاملة لا تدخل جميعها في سوق العمل بل الفئات التي تبحث عن عمل، كما أن من يطلب العمل هم المؤسسات الإنتاجية سواء كنت تنتج سلعا أو خدمات. وغني عن القول أن هذا التعريف يقود إلى وضع إفتراضات تفسر أسباب تفشي ظاهرة البطالة بأشكالها، ويمكن حصر هذه الأسباب بريعية الإقتصاد اللبناني الذي لا يوفر فرص عمل على العكس من المؤسسات الإنتاجية. وهذا الإفتراض بدوره يقود إلى إفتراض آخر مفاده أن إنخفاض فرص العمل يؤدي إلى الضغط على الأجور وينعكس في إنخفاضها. ولفهم سوق العمل لابد من المرور بـ:

أولا: النظام الإقتصادي اللبناني

ثانيا: بنية سوق العمل

ثالثا:علاقة الإقتصاد بالحركة الإجتماعية

رابعا: العمالة الأجنبية

أولا: النظام الإقتصادي اللبناني

بعد  خروج لبنان من دوامة الحرب الأهلية، ووصول رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري إلى سدة الحكم بتوافق إقليمي (سعودي-سوري) وبرعاية دولية (أميركا). عمل الحريري على إطلاق مشروع "أفق 2000" ويلخص د.عيسى هذا المشروع بـ" إعادة لبنان إلى الدور الذي كان يلعبه قبل الحرب في الخدمات، لكن هذا السعي لم ينجح، فمعظم النمو الإقتصادي تركز بحدود متواضعة وفي قطاعات إقتصادية محددة كالبناء والتجارة والسياحة والعقارات والبناء. وهذه القطاعات لا تتطلب يد عاملة لأن قدرتها محدودة على خلق فرص عمل، وأهملت القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية القادرة على إنتاج فرص عمل  وهذا هو السبب في الخلل في  سوق العمل." لقد كان من الطبيعي أن يتحول الإقتصاد اللبناني إلى الريعية ليس فقط لأنه يلتقي مع العولمة النيوليبرالية التي تحكمها الريعية المالية. بل مرتبط أيضا بمدى فعالية النظام الإقتصادي اللبناني قبل حرب الأهلية ولو ألقينا نظرة تاريخية سريعة على الإقتصاد الوطني نجد أن مراحل الإنتعاش لم تكن نتجية سياسات وضعتها الحكومات اللبنانية  بقدر ما كانت بموقع الإستجابة للتطوارات الإقليمية فقد شهدت نهاية الأربعينيات نكبة فلسطين ما أدى إلى نزوح جزء كبير من الرساميل الفلسطينية التي أنعشت الإقتصاد اللبناني عدا عن إكتساب مرفأ بيروت أهمية إقتصادية، وفي الخمسينات إستفاد الإقتصاد اللبناني من هروب رساميل البرجوازية السورية بعد قرارات التأميم في سوريا، واستفاد في الستينيات من تدفق أموال النفط.

لقد كان الإفتراض أن إعادة لبنان إلى دوره ما قبل الحرب، هو في الأصل إفتراضا خاطئا لأن الظروف التي كانت قد مكنت لبنان من إبراز إنتعاش شكلي في الإقتصاد لم تعد موجودة ما أدى إلى تكريس النظام الريعي حيث "إنتقلت حصة الريوع من الناتج العام من 9% في العام 1990 إلى 23% في العام 1998، وهي أعلى نسبة في العالم"[2]. ويلفت د.عسيى إلى أن "البنك الدولي تحدث عن عاملين لأسباب التدهور الإقتصادي، عدم الإستقرار والطائفية. والنظام في لبنان هو خليط بين أمراء الحرب، ورجال أعمال يطلق عليهم الطغمة المالية بالإضافة إلى رجال أعمال أتوا من الخارج كالحريري والصفدي وعصام فارس والشيعة الآتون من أفريقيا هؤلاء أتوا واستثمروا في الريع  لتحقيق زيادة في الأرباح.

ويوضح  د.عيسى أن ريعية الإقتصاد لا تعني أنه لا يوجد نمو، فالإقتصاد اللبناني الريعي

"خلق فترات نمو وفترات دون نمو لأنه [الإقتصاد اللبناني] متعلق بالحالة الخارجية كالسياحة وتحويلات المغتربين، وكانت معدلات النمو مختلفة بين 2% إلى 9%، ومن العام 1992 إلى العام 2016 معدلها 4% ولكن هذه 4% لم تخلق فرص عمل بـ4% لأن الإستثمارات ريعية ولا تخلق فرص العمل. فمثلا قطاع البناء بماذا أفاد قطاع البناء؟ القوى العاملة غير لبنانية، والآلات مستوردة خارجيا، حتى الشركات التي تتولى البناء هي أجنبية. وبشكل عام فإن القطاعات الريعية عدا عن أنها تشغل فئة محدودة ومحددة من العاملين إلا أنها أيضا تشغلهم في أعمال منخفضة الإنتاجية."  والتشغيل المنخفض الإنتاجية لا ينعكس فقط على العاملين بل على الإقتصاد نفسه.

إذا فإن خلق فرص عمل منتجة وذات جدوى إقتصادية يتطلب الإنتقال بالإقتصاد من الحالة الريعية إلى الإنتاجية، ولم يعد هذا الرأي موقف النخب المعارضة للنظام الإقتصادي الراهن حيث أن البنك الدولي نفسه إنقلب على النمط الإقتصادي اللبناني الذي طالما شجعه واعتبر في آخر تقاريره أن لبنان يحتاج إلى تنمية قطاعي الصناعة والتكنولوجيا بإعتبارهما حجر الزاوية في النمو الإقتصادي اللبناني. ما طرحه البنك الدولي مؤخرا أتى متوافقا مع رأي د.عيسى الذي يرى ضرورة  "توظيف الموارد البشرية في قطاعات صناعية تؤدي إلى إنتاج قيمة مضافة عالية في التكنولجيا والوسائل الحديثة في الإنتاج باعتماد ما يسمى إقتصاد المعرفة، وحتى على المستوى الزراعي يمكن التركيز على انواع الزراعة التي تنتج ادورية، أو صناعة الكومبيوترات وغيرها. فإعتماد إقتصاد المعرفة وإدخال التكنولوجيا والإتصالات توظف الكثير من الأيدي العاملة"  ويرى د.عيسى أن لبنان يشهد بعض ظواهر التحول الإقتصادي نحو هذه المجالات إلا أنه لا يمكن أن ينجح دون أن تلعب الدولة اللبنانية دورا في دعم هذه القطاعات وخصوصا "أن لبنان ليس بيئة جاذبة له فكيف يمكن أن يوظف المستثمرون أموالهم في هذا المجال في ظل ضعف الإنترنيت والإنقطاع المستمر في الكهرباء وكلفتهما المرتفعة، كذلك فاتورة الإتصالات مرتفعةأيضا. وسعر الصرف مرتفع  ما يعيق التصدير. أما الفساد فقد أشار البنك الدولي أن 16% من الناتج يذهب في الفساد."

 

ثانيا: بنية سوق العمل

يقدر د.عيسى "عدد الذين يدخلون إلى سوق العمل سنويا بـ40 ألف منهم 32 ألف جامعي، وينتج سوق العمل اللبناني حسب دراسة للبنك الدولي سنويا 3500 فرصة عمل جديدة. وهذه الفرص لا تحتاج إلى مهارات ولذلك معظم العاطلين عن العمل من المتعلمين. وهناك فرص عمل  تتوفر بسبب الذين يتركون عملهم وهذه ليست فرص عمل جديدة وتقدر بـ6500 فرصة عمل. ويحتاج الباحث عن العمل إلى سنة ليجد فرصة عمل ويعتبر فترة طويلة." وبالتالي فإن أزمة سوق العمل تتمثل في حجم البطالة الكبير . "بشكل عام العرض في سوق العمل يفوق بكثير الطلب على اليد العاملة، ولأن هناك قسم كبير من اللبنانيين يرفضون أن يبقوا عاطلين عن العمل فيلجأون إلى الهجرة. وبالرغم من الهجرة فإن العرض مازال أعلى من الطلب على العمل."

ويشكل ضعف الإحصاءات وعدم دقتها واحدة من أبرز الأسباب التي تحول دون تقديم فهم شامل ودقيق لسوق العمل وبالرغم من أن إدارة الإحصاء المركزي التي تظهر مسوحاتها أن نسبة البطالة السافرة في لبنان هي بين 10 و12% إلا أن د.عيسى يضع ملاحظات على هذه الإحصاءات تجعل من نتائجها غير دقيقة، ولا يمكن إعتمادها لتحليل بنية سوق العمل ويوضح د.عيسى: "في مسألة الإحصاء جرت مسوحات من التسعينات وحتى اليوم تعطي نسبة بطالة سافرة بين 10 و12% وهذا لا يترجم كثيرا واقع البطالة في لبنان والبلدان النامية، لأن المسوحات تأخذ تعريفا محددا للبطالة مأخوذا من منظمة العمل الدولية، حيث يجب أن يكون بسن يسمح له بالعمل أي 15-64 وأن يكون لا يعمل، وأن يبحث عن العمل، وأن يكون جاهزا للعمل. وهذه الشروط وضعت للبلدان الأوروبية لأنها مرتبطة بتعويضات البطالة فإذا إختلت إحدى هذه الشروط لا تدفع الدولة تعويض البطالة، أما هنا فالوضع مختلف  فقد يقول المستجوب كنت في السابق أبحث عن عمل، ولأنني لم أجد عمل ولن أجد عمل فقد توقفت عن البحث عن عمل، وبذلك لا يدخل بمعدل البطالة. وهذه يمكن تسميتها بالبطالة اليائسة" وعن الأرقام التي تتحدث عن معدلات بطالة بلغت 35% يوضح د.عيسى أنه سمع عنها ولكنه كباحث لا يستطيع الإعتماد على أرقام يتم إطلاقها هنا وهناك حتى ولو كان من يطلق هذه الأرقام هو وزير العمل نفسه، فالباحث يجب أن يدقق في المعايير التي على أسسها يتم تحديد البطالة، وهو لا يعرف على أي أساس إستند مطلقو هذه الأرقام، وإن كانوا قد إحتسبوا البطالة اليائسة وأضافوها إلى معدل البطالة السافرة.

وبغض النظر عن مدى دقة الإحصاءات إلا أن إقتصادا يخلق 3500 فرصة عمل جديدة ويوفر 6500 فرصة عمل موجودة أصلا لا يمكن له أن يغطي 40 ألف طالب عمل سنويا ما يعني أن أزمة سوق العمل هي أزمة تشغيل ويختصر د. عيسى أزمة التشغيل بثلاث نقاط أساسية: البطالة السافرة، والهجرة، والتشغيل الناقص

 ولابد هنا من الإشارة أولا إلى القطاع العام الذي: "يوظف أكثر من 12% من القوى العاملة، بما فيها المياومين. والمياومين لديهم وظيفة سياسية وإستزلام".  وجود الإستزلام في القطاع العام يؤدي إلى تفشي ظاهرة البطالة المقنعة حيث يكون "هناك كم من العاملين يعملون ولكنهم لا يعملون بحسب مؤهلاتهم أو يعملون بأوقات جزئية أو يتقاضون أجرا دون أن يعملوا"

وإذا كان جزء من القوى العاملة وجدت مكانا لها في القطاع العام يصنف تحت عنوان البطالة المقنعة إلا أن حدة البطالة السافرة أنتجت في القطاع الخاص شكلا جديدا من التشغيل، هو التشغيل الناقص، ويعرًف د.عيسى التشغيل الناقص بـ" حملة دبلومات الذين يعملون في مهن لا تحتاج إلى مهارة، كأن يقوم مجاز في علم الإجتماع بالعمل في موقف سيارات، ومن الصعب قياس هذه العدد." ويشدد د.عيسى على ضرورة التمييز بين التشغيل الناقص، والعاملين في القطاع الهامشي   "واسمه العلمي القطاع غير الرسمي، وهم العاملين غير المصرح عنهم وليس لديهم أي تأمين إجتماعي، ويمكن تقديرهم بـ25% من القوى العاملة وهناك تقاطع كبير بين المفهومين.". وبهذا المعنى يتداخل التشغيل الناقص مع العمالة في القطاع غير الرسمي.

وتشكل الهجرة ليس فقط نتيجة لأزمة التشغيل حيث لا يلجأ الباحثون عن عمل إلى الهجرة عندما لا يجدون فرصة عمل بل تلعب دورا في إعادة إنتاج البطالة في سوق العمل فـ"المهاجر يقوم بإرسال جزء من أجره إلى لبنان وتحولات المغتربين يتم توظيفها في الإستهلاك، بما يفيد الحفاظ على النظام الإقتصادي الذي لا يخلق فرص عمل." أي أن إستمرارية النظام الإقتصادي تعتمد في إحدى أسبابها على تحويلات المغتربين التي تنشط العمل الريعي وتحافظ على جدواه الربحية للمستثمرين فغالبا ما تنصب أموال المغتربين على شراء الوحدات السكنية التي تعزز عمليات المضاربة العقارية وتؤدي إلى رفع الأسعار، وينفق جزء منها على العمالة المنزلية التي يستفيد منها أصحاب مكاتب الإستقدام  وما يساهم في تعزيز هذه الظاهرة تحويلات المغتربين، وهناك تقديرات أن تحويلات المغتربين تصل إلى 7 مليارات تدخل إلى لبنان، ويوجد تقديرات أن العمالة الأجنبية في لبنان تُخرج بين  3-4 مليارات دولار سنويا. وهذا يؤشر على حجم الإستهلاك الكبير يشكل 100% من الناتج القومي على العكس من الدول الأوربية أو في أميركا حيث لا يشكل الإستثمار أقل من 30% وبدل أن تتجه تحويلات المغتربين ويتم توظيفها في الإستثمار  الذي يخلق فرص عمل يتم توظفها في الإستهلاك. والنمط الإستهلاكي ليس مفصولا عن النظام السياسي الطائفي لأن هذا النظام يشجع على هذا النمط."

 

ثالثا: علاقة الإقتصاد بالحركة الإجتماعية

 

لا يمكن فصل النظام الإقتصاد وسوق العمل عن الإجتماع. إن الهجرة وما ينتج عنها من خلل في الهرم السكاني بين الإناث والذكور، وإرتفاع معدلات العنوسة لدى النساء حيث تشير إحصاءات وزارة الشؤون الإجتماعية إلى أن 83.2% من النساء بين سن 25-30 غير متزوجات، وإذا كان الإحصاء قد توجه إلى النساء إلا انه لم يجر على الرجال وبطبيعة الحال فإن الرجال غير المتزوجين في لبنان لابد أن تكون نسبتهم مرتفعة ويعود ذلك في أحد أهم أسبابه إلى حالة عدم الإستقرار الإقتصادي. كذلك فإن حالة تجزأ سوق العمل تمنع تحقيق مستوى أعلى من الدمج الإجتماعي ففي فرنسا على سبيل المثال يستطيع المقيم في خارج باريس ويعمل داخل المدينة، على عكس من لبنان حيث أن الذي يعيش في صور مثلا لا يستطيع العمل في بيروت وهنا ينحصر مكان عمله في إطاره الجغرافي الضيق وهذا ما يسمى بتجزأ سوق العمل، هذا التجزأ في لبنان سببه معوقات كثيرة تبدأ من أسباب ظرفية ويمكن معالجتها كتأمين خطوط نقل سريعة (قطارات) وتنتهي بأسباب بنيوية كتجزأة سوق العمل إنطلاقا من خلفيات طائفية وإذا كنا نجد هذه الحالة في القطاع العام حيث يتم توزيع الوظائف الحكومية وكأنها غنائم بين زعماء الطوائف فإن  "الحالة الطائفية موجودة في القطاع الخاص، وفي الواقع إن هذه الحالة غير مدروسة، إلا أن يمكننا أن نجد فرز طائفي في المؤسسات الإعلامية، وهذا يدخل ضمن ما يسمى بتجزأ سوق العمل، أي أن لا حركية لهذا السوق" وبالرغم من غياب الدراسات والإحصاءات حول التوزع الطائفي في التشغيل ضمن القطاع الخاص إلا أنه يمكننا الإستدلال بعدد من الأدلة على تفشي هذه الظاهرة حيث أن توزيع المذهبي بين المناطق وضعف خدمات النقل يؤدي إلى تكريس التوزيع الطائفي للعمل بإستثناء بيروت، وحتى في بيروت نفسها فإن تعاظم دور المؤسسات الدينية، سواء المدارس، أو المستشفيات، يساهم في تكريس المؤسسات التي تشغًل من لون طائفي واحد.

ومن ما لا شك فيه أن النظام الطائفي يرعى هذه البنية الطائفية سواء لدى الأسرة أو في المدرسة أو في سوق العمل، إلا أنه يستمد إستمراريته من الإستقرار الإجتماعي الهش الذي يعتمد بدوره على تحويلات المغتربين الذين يشبعون الحاجات الأساسية في المأكل والسكن والتعليم والصحة ما يقلص حالة التململ أو النقمة الإجتماعية.

 ولكن تداعيات الأزمة الإقتصادية العالمية، وإنخفاض أسعار النفط سيؤدي إلى تقليص أجور هؤلاء المغتربين هذا إن لم يخسروا وظائفهم، وهذا بدوره سيؤدي إلى إستفحال الأزمة الإقتصادية، وبالتالي سينتج ردات فعل إجتماعية على شكل حراك إجتماعي مطلبي، قد يستطيع النظام إستيعابه لفترة محددة، أو قد يلجأ إلى إستخدام أزمة اللجوء السوري والتلطي خلفها لتبرير حالة الوهن الإقتصادي ويحول المواجهة إلى السوريين ما قد يفضي إلى حرب أهلية نتيجة إنقسام اللبنانيين حول موقفهم من اللاجيئين السوريين.

 

رابعا: العمالة الأجنبية

 

 

سيقتصر الحديث في العمالة الأجنبية على العمالة السورية نظرا لحجمها ولدورها المثير للجدل. وهنا يوضح د.عيسى "إحصاءات القوى العاملة تأخذ المقيمين خارج المخيمات، والإحصاءات تأتي على صعيد الأسرة، فالعمال السوريين كانوا يسكنون في أماكن العمل وبالتالي لم يكن يشملهم الإحصاء، ولكن يمكن تقديرهم قبل الأزمة بين 300-500 ألف. وبعد دخول السوريين (1200 مليون) وتقديرات البنك الدولي أن 50% هم في سن العمل، والقوى العاملة هي العاملين فعلا بالإضافة إلى العاطلين عن العمل، وكانت القوى العاملة تمثل مليون و300 ألف وزادت مع السوريين 600 ألف ولكن ليس جميعهم يعملون وهناك من دخل في سوق العمل، وفتحوا مصالح لهم. وأغلب العارضين السوريين لديهم مهارات منخفضة." وبما أن أغلب العارضين السوريين منخفضي المهارة فإنهم ينافسون العمالة الماهرة اللبنانية في مجال ضيق، وتتركز منافستهم في الأعمال منخفضة المهارة وهم بذلك ينافسون فئة لبنانية محددة ترضى القيام بالأعمال منخفضة المهارة وغالبا ما تكون هذه الفئة من الأشد فقرا، وبهذا المعنى فإن تأجيج الخلاف بين السوريين واللبنانيين سيكون بمثابة التحضير لحرب الفقراء على الفقراء، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العمالة السورية الجديدة لا تنافس فقط العمالة اللبنانية منخفضة المهارة بقدر ما تنافس العمالة السورية التي كانت موجودة في لبنان قبل الأزمة. ويلفت د. عيسى إلى أن "دخول السوريين إلى سوق العمل أدى إلى زيادة الضغط على العرض والطلب ما يؤدي إلى خفض مستوى الأجور، ويدخل جزء من اللبنانيين في البطالة لأنهم لن يقبلوا بأجور منخفضة، وهنا تقع المسؤولية على صاحب العمل لأنه يفضل أن يشغل العامل السوري لأنه يعمل بأجر أقل، وفترة أطول وبدون تقديمات الإجتماعية. ولابد ن الإشارة إلى أن المزاحمة لا يشعر فيها إلا فئة من القوى العاملة اللبنانية التي تعمل في مهن لا تحتاج إلى مهارات وهي مشابهه في ظروف عملها للسوريين، أما في المهن التي هي بحاجة إلى مهارات فإن المزاحمة أضيق بكثير."

عن دور الأمم المتحدة في تحمل مسؤولياتها تجاه اللاجئين يوضح د.عيسى أنه "لم يكن لدى لبنان سياسة لتنظيم اللجوء كما في تركيا والأردن، ولم يكن لديها رؤية لسوق العمل. وقبل مطالبة المجتمع الدولي بدور،  على الحكومة اللبنانية أن تضع رؤية لمعالجة قضية اللجوء، وما يحول دون وضع الرؤية هو الإنقسام السياسي."

 

[1] مقابلة مع د.نجيب عيسى أجراها المرصد بتاريخ بتاريخ 18/7/2016

[2] طرابلسي، فواز، الطبقات الإجتماعية في لبنان: إثبات وجود، 2013، ص25.

 

الإسكان في لبنان

المرصد-

أسعد سمور- تسجل الوحدات السكنية في لبنان إرتفاعا مطردا في أسعارها ويأتي هذا الإرتفاع مزدوجا حيث يرتفع سعر الوحدة السكنية من جهة وتتقلص مساحتها من جهة أخرى، وبدأت أسعار العقارات تشهد إرتفاعا جنونيا بشكل لافت ابتداء من العام 2006، وشهد لبنان الطفرة العقارية بين العام 2008 حتى العام 2010 حث سجلت أسعار العقارات إرتفاعا سنويا يقدر بـ30% ما أدى إلى إرتفاع الأسعار بشكل جنوني وقفز سعر الوحدة السكنية من 30 ألف دولار أميركي إلى 100 ألف دولار أميركي، واعتبر العديد من الإقتصاديين أن ما حصل هو إنتعاش للقطاع العقاري ولكنه في الحقيقة كارثة إقتصادية على المشترين نظرا للإرتفاع الهائل في أسعار الوحدات السكنية. وبالفعل فقد شهد القطاع العقاري إرتفاعا في الإستثمارات ففي حين كان حجم الإستثمار في العام 2005 حوالي مليار دولار لتقفز إلى ملياري دولار في  2006 وتصل إلى ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار في 2007، أي بارتفاع 48%  عن العام 2006 ووصلت الإستثمارات اليوم إلى حوالي الـ6 مليارات دولار.

بعد الأزمة السياسية والأمنية التي ضربت لبنان إثر الأحداث المؤلمة في سوريا تراجعت نسبة غير اللبنانيين الذين يشترون وحدات سكنية ولم تتجاوز نسبتهم من الذين يشترون الشقق السكنية من العام 2011 حتى اليوم  10%  في حين نسبة اللبنانيين الذين اشتروا وحدات سكنية بلغت 90%  وتتوزع هذه النسبة بين 50% للمغتربين و50% للمقيمين. ويفضل المغتربون الشراء عبر قروض الإسكان الخاصة نظرا لقدرتهم المالية الأكبر ونظرا للتقديمات التي تقدمها المصارف الخاصة، في حين أن أغلبية المقيمين في لبنان من المواطنين يفضلون الشراء عبر المؤسسة العامة للإسكان. وإذا كانت المؤسسة غالبا ما ترفض تسديد قيمة القرض دفعة واحدة إلا أن المصارف الخاصة تقبل بذلك. وهذا ما يدفع المغتربين إلى الشراء عبر المصارف الخاصة، ذلك أن تسديد جزء كبير من القرض أو القرض كاملا عندما يريد الشاري ذلك، ما يؤدي إلى توفير جزء كبير عبر إنخفاض قيمة الفائدة، في حين أن مؤسسة الإسكان لا توافق بسهولة على تسديد كامل القرض.

التملك من بوابة المؤسسة العامة للإسكان

يمكن الحصول على قرض سكني من خلال طرق عديدة لعل أبرزها القروض المدعومة من البنك المركزي أو عبر المؤسسة العامة للأسكان أو الإقتراض من المصارف الخاصة.

وتستحوذ معاملات المؤسسة العامة للإسكان بحسب رئيس مجلس إدارتها ومديرها العام المهندس روني لحود على "الحصة الأكبر من القطاع الإسكاني إذ أنها تغطي ما يقدر بـ 50% من هذا القطاع في حين يغطي المصرف المركزي والمؤسسات التابعة للإسكان لدى الجيش والدرك والأمن العام، والقضاة 50% من هذا القطاع"

وتستغرق عملية الحصول على القرض مدة لا تقل عن الأربعة أشهر حيث يقوم الشاري بتقديم طلبه لدى مصرف خاص أو لدى المؤسسة العامة للإسكان ويتولى المصرف دراسة الطلب قبل أن يعود ويحيله للمؤسسة التي تقوم بدراسته وإصدار القرار النهائي بشأن منح القرض وقيمته.

ويمنح القرض بناء لثلاث معطيات هي العمر والأجر وقيمة القرض، حيث من الضروري أن يكون الشاري قادر على السداد لمدة ثلاثين أو عشرين عاما، أي يجب أن لا يتجاوز عمره الـ67 قبل تسديد كامل القرض، كذلك لا يستطيع أن يتقدم المشتري بطلب لدى المؤسسة العامة للإسكان في حال لم يكن قد بلغ الـ21 سنة مكتملة. ويتم إحتساب القرض بناء على الأجر وتساوي قيمة السند الشهري المتوجب على الشاري دفعه 1/3 من  أجره وتبلغ القيمة القصوى للقرض 525 مليون ليرة لبنانية وأن لا تتعدى مساحة الوحدة السكنية 200 م2.

ويستطيع أن يتقدم إلى طلب الإسكان شريكان سواء لديهما عقد زواج أما لا حيث تقسم الوحدة السكنية إلى حصتين كل حصة تبلغ 1200 سهم، ويتم تسجيلها بأسماء الشريكين على أن تبقى مرهونة لصالح المصرف الخاص، ولصالح المؤسسة العامة للإسكان، على أن لايزيد أجرهما عن 6.75 مليون ليرة لبنانية.  ويلفت المدير العام للمؤسسة المهندس روني لحود إلى أن " 40% من الإتفاقيات التي أبرمتها المؤسسة كانت مع  شريكين في حين أن 60% من الإتفاقيات أبرمت مع شخص واحد" وإذا ما تم إحتساب معدلات الأجور وأسعار الوحدات السكنية  سيكون مبررا إرتفاع نسبة شراء الوحدات السكنية عبر المؤسسة العامة للإسكان لشريكين معا، إذ أنه ونتيجة لإرتفاع أسعار الشقق وإنخفاض معدلات الأجور لم يعد من الممكن لفرد واحد شراء وحدة سكنية وفق شروط المؤسسة العامة للإسكان ما يدفع الشاري إلى إيجاد شريك يعمل والتضامن فيما بينهما لشراء الوحدة السكنية، إلا أن نسبة 60% من المشترين هم أفراد تثير علامات الإستفهام حول صحة الأجر الذي يتم التصريح عنه لدى المؤسسة، إذ أن الذي يريد شراء وحدة سكنية متواضعة تقدر قيمتها بـ150 مليون ليرة لبنانية يجب أن يكون أجره الشهري حوالي 1700$ أميركي أو ما يقدر بـ2.5 مليون ليرة لبنانية ولا يحصل المشتري على القيمة الكاملة للقرض بل فقط على 80% من قيمته ما يعني أنه على الشاري أن يكون قد إدخر 20% من قيمة الوحدة السكنية ويقوم بتعديل أجره كأن يقوم بالإتفاق مع صاحب العمل على التصريح بأجر أعلى من أجره الحقيقي، أو أن يقوم بتأمين إفادة عمل ثانية ويوهم المؤسسة العامة للإسكان والمصرف بأنه يعمل بدوامين. ويبدو أن عدد كبير من الشبان يلجأ إلى هذه الحيلة حيث يستطيعون تأمين وحدات سكنية إلا أن إنفاقهم يتركز بشكل كبير جدا على السكن ما يعوق إمكانية إدخار أجره لتأمين متطلبات الحياة في حال تقدم للإرتباط والزواج ولعل أزمة السكنة واحدة من أبرز الأسباب التي تؤخر سن الزواج لدى الجنسين وترفع معدلات العنوسة لدى الجنسين معا.  وإذا كان المقترض يحصل بشكل مباشر على 80% من قيمة القرض إلا أنه يحصل فعليا أكثر من 10% لأن المصرف الخاص يحسم 10% من قيمة القرض كضمانة لسداد الدين، في حين أن المؤسسة العامة للإسكان تحجب عنه 10% من قيمة القرض لكنها تضعها في حساب مصرفي ثم تقدمها له مجددا عند إنتهاء تسديد المرحلة الأولى من القرض مضافا إليها الفوائد طيلة سنوات المرحلة الأولى ما يساهم في تخفيف عبء تكاليف سداد القرض خلال المرحلة الثانية.

ويؤكد لحود أن "نسبة المتخلفين عن سداد القروض لا يتجاوز 1% وجميع هؤلاء وقعوا في العجز خلال المرحلة الأولى التي يسددون فيها قيمة القرض للمصرف، ونسبة المتخلفين عن السداد خلال المرحلة الثانية هي صفر% ".

ويؤكد لحود "أن الإقتراض عبر المؤسسة يوفر على أصحاب الدخل المحدود الفوائد الباهظة التي يتكبدها في حال قرر شراء وحدة سكنية عبر المصارف الخاصة فقط حيث أن الفائدة 4.67% على القروض بالليرة اللبنانية"  وتأخذ المصارف الخاصة فوائد على قروض الإسكان تتراوح بين 6 و8% على القروض بالدولار الأميركي وتتمنع غالبية المصارف عن الإقراض بالليرة اللبنانية، كذلك تفرض المصارف الخاصة على المقترض تسديد نفس قيمة السند طيلة مدة القرض في حين أن الإقتراض عبر المؤسسة العامة يمكن المقترض من تسديد سند شهري بنسبة 1/3 من أجره طيلة 15 سنة في حال كانت مدة القرض 30 سنة و10 سنوات في حال كانت مدة القرض 20 سنة  حيث يقوم خلال هذ المرحلة من سداد قيمة الوحدة السكنية للمصرف،  وخلال الفترة الثانية من القرض تنخفض نسبة سنده الشهري بين 45-50% وخلال هذه الفترة يقوم المقترض بتسديد الفوائد المترتبة عليه لصالح المؤسسة العامة للإسكان التي كانت تقوم بتسديد الفوائد عنه طيلة المرحلة الأولى.  كذلك يستفيد المقترض عبر المؤسسة العامة للإسكان بإعفاءه من رسوم التسجيل وفك الرهن ورسوم الطابع وتقدر هذه الكلفة بحوالي 20 مليون ليرة لبنانية.

ويتوقف نشاط المؤسسة العامة للإستخدام على تسهيلات القروض ويشير لحود إلى أن" المؤسسة قد أنجزت 70 ألف إتفاقية خلال 17 عام" ويضيف " في العام 2014 أنجزنا 5600 إتفاقية، وفي العام 2015 أنجزنا 4600 إتفاقية"  ما يدل على تراجع شراء الوحدات السكنية بنسبة 8% تقريبا عبر المؤسسة العامة ما يجب أن ينعكس إنخفاضا في أسعار الوحدات السكنية التي مازالت تحافظ أسعارها على مستويات فلكية. هذا الإرتفاع في معدلات الأسعار يعكس الغياب التام لدور الدولة الرقابي على الأسعار وفتح الباب أمام المضاربات العقارية التي تؤدي إلى رفع الأسعار بالرغم من الإنخفاض ليس فقط في أسعار النفط بل أيضا في أسعار مواد البناء نفسها. كذلك تغيّب الدول نفسها عن دورها في تأمين حق السكن للمواطنين وهذا ما يظهر من خلال واقع المؤسسة العامة للإسكان حيث يوضح لحود أن "المؤسسة لا تقوم ببناء المساكن مباشرة بسبب النقص في أعداد المهندسين والعاملين وبسبب النقص في التمويل" ويؤكد  "عندما تقوم المؤسسة ببناء المساكن فإن ذلك سيؤدي إلى توفير أكبر للأكلاف على الباحثين عن وحدات سكنية"  وعن الإيرادات التي تحققها المؤسسة يشير إلى أن المؤسسة بدأت تتقاضى مؤخرا من الحكومة رسوم إعادة الإعمار والبناء وغيرها لافتا إلى أن الإيرادات الشهرية التي تحققها المؤسسة من خلال إسترداد قيمة الفوائد التي تسددها للمصارف تبلغ 18 مليار ليرة شهريا أي 216 مليار ليرة سنويا. ولا تتمتع المؤسسة العامة للإسكان بأي مخصصات إضافية في الموازنات العامة.

ومن الجدير ذكره أن المؤسسة العامة للإسكان ليست المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تدعم الإسكان بفوائد مخفضة حيث تؤمن بقية مؤسسات الإسكان التابعة للقوى الأمنية وللقضاة قروض إسكان ميسرة وبفوائد منخفضة وأقل من ما تقدمه المؤسسة العامة للإسكان. ما يعكس سوء إدارة من قبل الدولة حيث يتمتع القاضي على سبيل المثال بتسهيلات سكنية أكثر من المواطن المحتاج فعلا إلى دعم وإذا كان القاضي يتقاضى راتبا في الدرجة الأولى يبدأ بـ4.1 مليون ليرة شهريا، ليصل في الدرجة 22 إلى 9.3 مليون ليرة شهريا  غير أنه يستطيع الحصول على وحدة سكنية بتسهيلات أكثر وبفوائد أقل من الأجراء متوسطي الحال الذين تصل معدلات  إلى حوالي 1.5 مليون ليرة لبنانية ما يعكس سياسة حكومية قائمة على أساس التوزيع غير العادل للثروات، ناتج عن تعدد الجهات الإسكانية الرسمية ما يخلق تمييزا بين المواطنين.

ولا يحق لمالك وحدة سكنية أن يحصل على قرض عبر المؤسسة العامة للإسكان كذلك لا يحق لأحد الحصول على أكثر من قرض واحد. وبالرغم من أن المؤسسة العامة للإسكان  وضعت شروط مقبولة لمنح القرض حيث أن إقتطاع ما نسبته 1/3 من قيمة الأجر لن تلحق ضررا كبيرا بالقدرة الإستهلاكيه، لكن  الهوة بين معدلات الأجور وأسعار الوحدات السكنية تخلق إستحالة منح القروض لقطاع عريض من المتقدمين بطلب لدى الإسكان في حال قامت المؤسسة بالتحقيق والتأكد من قيمة الأجر لكل طالب قرض. وليس الحديث هنا عن ضرورة تشديد الرقابة على صحة الأجر المصرح به للإسكان خصوصا أن نسبة المتخلفين عن سداد القروض تقل عن 1%.  بل المطلوب التشدد في الرقابة على الأسعار وحماية الأجور من التضخم الذي يأكل قيمتها الشرائية.

بالإضافة إلى المؤسسة العامة يلعب مصرف الإسكان ومصرف لبنان في دورا في عملية "دعم" قروض الإسكان. المفارقة أن إرتفاع الأسعار في ظل الأوضاع القائمة تسببه سياسات الدعم التي تنفذها السلطة اللبنانية التي تقدم رزم تحفيزية لهذا القطاع خصوصا مع إطلاق مصرف لبنان رزم تحفيزيه تصل قيمتها إلى المليار دولار سنويا إبتداء من العام 2003 ويبلغ إجمالي الرزم التحفيزية التي تقدمها الدولة اللبنانية للقطاع البناء ما نسبته 56% من قيمة الرزم التحفيزية بالرغم من أن قطاع البناء يشكل 20% من الإقتصاد.

الإيجارات: فوضى منظمة

ربما لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تشمل نوعين من المستأجرين هم المستأجرون القدامى والمستأجرون الجدد، وربما لبنان هو الدولة الوحيدة في العالم التي تطبق أكثر من قانون على قضية واحدة هي قضية الإيجارات*

والمستأجرون القدامى هم الذين وقعوا عقود الإيجارات التي تسبق قانون الإيجار 160/92 الذي قام بـ"تحرير العقود". ويتمتع المستأجرون القدامى بمجموعة من المكتسبات حيث ترتبط الزيادة على الإيجارات بالزيادة على غلاء المعيشة ولا يمكن ربطها بمسائل أخرى كما فعل القانون 160/90 الذي ربط بين بدل الإيجار والمضاربات العقارية، ويتمتع بتعويض الإخلاء، ومن أهم المكتسبات التي يتمتع بها بإستقرار التشريعات التي تفرض عدم توقيف حقوق الناس بما يضمن "أمن الحيازة القانوني".

في العام 2014 صدر قانون جديد للإيجارات يتعلق بمعالجة قضية الإيجارات قبل قانون 160/92، وشكل القانون الجديد ضربة لمكتسبات المستأجرين القدامى حيث أصبحت الزيادات على الإيجارات تقوم على المضاربات العقارية إذا أن الزيادة تحتسب بناء على قيمة المأجور، ومن المعلوم أن المضاربات العقارية الجنونية ستؤدي إلى رفع بدلات الإيجارة بشكل كبير جدا، وأبطل القانون الجديد حق المستأجرين ببدل الإخلاء . وبعد تقديم طعن بالقانون أبطل المجلس الدستوري موادة  في القانون متعلقة باللجان وهي المواد 7، و12، و18. ويعتبر المحامي "واصف الحركة" أن هذه المواد إرتكازية موضحا أن "الصندوق غير موجود فكيف يمكن أن تطالب المستأجر بتنفيذ الواجبات ولا تلزم الدولة بتطبيق واجباتها ما يشكل ضررا بعدالة تطبيق القانون".  بالإضافة إلى ذلك فإن المجلس الدستوري بحسب "الحركة"  تناول المسائل التقنية ولم يعترض على النقاط الدستورية وارتكب مخالفة عند قوله بـ"قدسية الملكية الخاصة" فالدستور يحترم الملكية الخاصة ولكنها ليس مقدسة بدليل أنه يمكن نزع الملكية الخاصة بالإستملاك.

وبالرغم من أن المجلس الدستوري أبطل المواد 7، و12، و18 إلا أن عدد من الدعوى تسير في القضاء، وفي هذا الإطار يلفت إلى أن "القضاء يواجه إختلاف وعندما يحصل إختلاف فهذا يدل على أن التشريع يعاني من خلل، وهذا يعني بدوره أن القانون غير واضح وغير مباشر" ويؤكد "الحركة" على أن "المواد التي ألغاها مرتبطة بأكثر من 23 مادة وعلى مجلس النواب أن يعيد دراسة القانون كاملا ولا نستطيع القول بتعديل المواد الثلاثة المطعون فيها لأن هذه المواد مرتبطة بأكثر من 23 مادة أخرى" ويضيف الحركة أن القانون الجديد "رتبته قلة من النواب ومرر تمريرا والمشرع كان جاهلا بمضمونه بدليل أن الطعن بدستوريته أتى من نواب كانوا قد صدقوا عليه".

وإذا كان القانون الجديد يحقق مصالح المالكين القدامى شكلا إلا أنه مضر بمصالحهم في المضمون خصوصا لصغار الملاك حيث تم "إقناع هؤلاء ببيع أملاكهم بـ60% من قيمة سعرها الحقيقي لأن بيعها للمستأجر القديم سيكون بقيمة 50%، وبعد ان تمت صفقات الشراء صدر القانون الجديد للإيجارات" وفي هذا الإطار يلفت "الحركة" إلى أن التشريع العادل يفترض أن "يمنح المالك الذي باع أملاكه قبل فترة من إقرار القانون الجديد أن يسترد فارق المبيع".

أما الإضرار الأوسع بمصالح صغار المالكين سيأتي بعد تحرير عقود المستأجرين القدامى، فللمالكين أبناء وأحفاد يحتاجون إلى وحدات سكنية، وبعد تحرير  عقود المستأجرين القدامى سترتفع أسهم المضاربات العقارية وترتفع معها قيمة الإيجارات المرتبطة حكما بهذه المضاربات. وبهذا المعنى فإن مصلحة صغار المالكين والمستأجرون القدامى مترابطة.

لقد تحمل صغار الملاكين وزر مشكلة أكبر من قضية الإيجارات حيث تم وضعهم في مواجهة المستأجرين القدامى اليوم وسيتم وضعهم  إلى جانب هؤلاء المستأجرين بمواجهة كبار المالكين وقادة عمليات المضاربة العقارية بعد إرتفاع أسعار الوحدات السكنية التي لن يستطيع أبناؤهم تحمل تكاليف بدل إيجاراتها.

وليس غريبا الربط بين قانون الإيجارات القديمة، وقانون تحرير العقود رقم 160/92 حيث سيصل جميع المستأجرين القدامى منهم والجدد في النهاية إلى واقع إجتماعي إقتصادي مسدود الأفق وتراجع إمكانية بإيجاد سكن فضلا عن السكن اللائق. والوصول إلى تحرير كل عقود الإيجارة بالشكل الذي طرحه القانون 160/92 سيطرح مشاكل على المستوى الإقتصادي نتيجة تحرر بدلات الإيجار من حد أقصى مسموح به وتركها مفتوحة على سوق المضاربات العقارية، كذلك فإن عدم الإستقرار وإنتهاء العقد بعد مدة محددة سيضع المستأجر تحت رحمة المالك وسيوافق على زيادة بدلات الإيجار لأن المستأجر يكون قد بنى حياته وفق مكان سكنه  وقد يرتب إنتقاله تكاليف إضافية كتكاليف الإنتقال، وتكليف النقل إلى العمل خصوصا أن الأسعار المرتفعة ستدفع المستأجرين إلى الأطراف بالرغم من تركز أمكنة العمل في العاصمة، خصوصا أن البنية التحتية اللبنانية غير مؤهلة بشكل جيد، وفي ظل غياب خطوط النقل المنظم التي تسمح للسكان بالحفاظ على نوع من الإستقرار الوظيفي في حال إضطر المستأجر إلى نقل مكان سكنه بعيدا عن مكان عمله. وعدم الإستقرار في مكان السكن يوجه ضربة للإستقرار النفسي والإجتماعي حيث يتأثر الفرد بالبيئة المحيطة فيه ويبني علاقات إجتماعية  والإنتقال الدائم يوثر بشكل سلبي على العلاقات الإجتماعية ويخلق نوع من التمزق الإجتماعي وتنسحب حالة اللإستقرار الإجتماعي على الحالة النفسية خصوصا للأطفال الذين سيضطرون من الإنتقال من مدرسة إلى أخرى.

الأسوأ من ذلك يأتي في سياق التأثير السلبي على ما تبقى من لحمة وطنية فإذا كانت بيروت تجمع مختلف اللبنانيين من مختلف المناطق والمذاهب وتخلق حالة من التلاقي بين هذه المكونات، فإن المضاربات العقارية ستدفع أصحاب الدخل المحدود المتوسط والمنخفض إلى الخروج من العاصمة، حيث تتجمع كل فئة سكانية متجانسة مناطقيا و طائفيا للتكتل في مناطق سكنية واحدة، وهذا المسار سيبدأ بتشكيل "غيتو" طائفي خصوصا أن كل طائفة من الطوائف بدأت بالعمل على بناء وحدات سكنية وبيعها لأبناء الطوائف ما سيعزز حالة العزلة الإجتماعية والوطنية ويكرس الولاء الطائفي والمذهبي على حساب الولاء الوطني.

 

الخاتمة

يعود الإرتفاع في أسعار الوحدات السكنية في الظاهر إلى عوامل عديدة لعل أبرزها سعر الأرض المرتفع جدا بالإضافة إلى أن "التشطيب" يشكل أكثر من 70% من كلفة الوحدة السكنية، لكن الإرتفاع الحقيقي لأسعار الوحدات السكنية يعود إلى السياسة المتبعة  والقائمة على دعم المضاربات العقارية والإحتكارات بمواجهة المواطنين،  حيث لم تظهر أي محاولة للجم فورة المضاربات العقارية التي سميت تجاوزا بالإنتعاش العقاري والتي إنعكست أكلافا باهظة جدا على الذين يريدون شراء وحدات سكنية ، كذلك تدعم الحكومات المتعاقبة الإحتكارات التي تتمتع بها معامل الإسمنت في لبنان حيث استمرت ببيع طن الإسمنت في لبنان بأسعار مرتفعة (110 دولار للطن) بالرغم من إنخفاض أسعار النفط بنسبة 70%  وتشكل الطاقة 25% من كلفة الإنتاج، والمثير في معامل الترابة (هوليسم، وشركة الترابة الوطنية، وسبلين) أن سعر طن الترابة المصدرة للخارج أقل من سعر الترابة في السوق المحلي وبفارق يتجاوز الـ30 دولار، أما المهزلة في هذا الإطار فإن النظام في لبنان والذي يدعي أنه رائد في تحرير السوق، والذي شرع أبوابه أمام الأموال المتدفقة لتستثمر في المضاربات العقارية  وتهز الأمن الإجتماعي والإقتصادي للمواطنين، هذا النظام نفسه أغلق جميع المنافذ الشرعية وغير الشرعية أمام إستيراد الإسمنت والترابة ليس دفاعا عن الإنتاج اللبناني بل حماية للقوى السياسية التي تملك أو تساهم بشكل كبير في هذه المعامل ليترك لها المجال واسعا في إحتكار سلعة حيوية للبناء وتحقيق مردود إقتصادي هائل.

إن الدور الحيوي الذي يلعبه موضوع السكن في الحفاظ على الإستقرار الإجتماعي يتطلب وبالضرورة وقبل أن تتدخل الدولة والقيام بدور أكثر فعالية لحماية  حق السكن المصان بالدستور وبالإتفاقيات الدولية الموقع عليها لبنان لاسيما شرعة حقوق الإنسان أن تفعل مؤسساتها لاسيما الإقتصادية الإجتماعية، كالمجلس الإقتصادي الإجتماعي ولجنة مؤشر غلاء الأسعار وإقرار القوانين اللازمة كي يكون الحد الأدنى للأجور قادرا على تأمين الحد الأدنى من حاجات المواطنين وعلى رأسها الحق بالسكن اللائق، كما يفترض وبالضرورة أن تتدخل الدولة وتلعب دورا راعيا خصوصا للفئات الإجتماعية الأضعف أي أصحاب الدخل المحدود. ولعل إتباع سياسة ضريبة رشيدة خصوصا في الضرائب التي يجب فرضها على المضاربات العقارية سيساهم ليس فقط في تعزيز إيرادات الدولة بل في الإنتقال من الفلسفة التي لا ترى في الضريبة سوى أداة لتعزيز مالية الدولة إلى فلسفة أكثر عدالة تكون فيها الضريبة إحدى أبرز أدوات الحماية الإجتماعية والتوزيع العادل للثروات.

 

 

* تعددية القوانين في لبنان جزء من الثقافة القانونية اللبنانية خصوصا القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية حيث لكل طائفة قوانينها الخاصة، أما الذين يعقدون زواجهم مدنيا في دول أخرى فيطبق قانون هذه الدول عليهم

المرصد- اسعد سمور- مقابلة مع الصحافي محمد زبيب

يستشري الفساد في مختلف قطاعات الدولة ويستفحل أركان السلطة وشركائهم من أصحاب الرساميل الريعية في نهب المواطنين والسطو على لقمة عيشهم وكراماتهم، وقد وصل حد الإستهزاء بحياة المواطنين إلى درجة غطت فيها النفايات كل لبنان، ما دفع بالشعب اللبناني إلى الخروج في مظاهرات شعبية حاشدة ضد الفساد والسرقة، ومن أجل وطن نظيف من النفايات والفساد والمحسوبيات ومواطن موفور الكرامة يتمتع بحد أدنى من الحياة اللائقة. ولعل أزمة الكهرباء واحدة من أكثر القضايا فسادا في الدولة اللبنانية نتيجة السعي إلى خصخصتها والإستفادة من الريوع المالية لها من جهة، وفشل أصحاب المصالح في الوصول إلى تسويات تتيح لهم فرض هيمنتهم بالتوافق والشراكة على قطاع الكهرباء. ما أدى إلى جمود مؤسسة كهرباء لبنان، وتعطل مصالح المواطنين بإنتظار أن يتوصل أصحاب المصالح إلى تسوية تضمن أن توزع حصص ريعية من مؤسسة كهرباء لبنان تدخل إلى جيوبهم على حساب المواطنين والمقيمين في لبنان في ظل غياب الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وإرتفاع كلفة الإنتاج وأسعار الطاقة، والفوضى المنظمة في القطاع الخاسر الذي يبيض ذهبا، في هذا الإطار وسعيا لدعم مسيرة الحراك في فتح ملفات الفساد أجرى المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين مقابلة مع رئيس قسم مجتمع وإقتصاد في جريدة الأخبار الاستاذ محمد زبيب حيث عرض قصة كهرباء لبنان، وظاهرة المولدات، ومشاريع الخصخصة، وكلفة الكهرباء.

 

كيف بدأت أزمة الكهرباء وكيف انتهينا إلى مشاريع الخصخصة؟

من المهم أن نعرف أن الكهرباء كانت عيشة الحرب تقدم نموذج جيد كقطاع خدماتي وكانت متوفرة 24/24 وكان مشروع كهربة البلاد قد أنجز عكس الكثير من  الدول خارج أوروبا وأميركا الشمالية، طبعا هناك بعض الثغرات كقرى بعيدة ولكن بنسبة كبيرة أنجزنا كهربة البلاد. وأيضا مصادر الكهرباء كانت مقبولة وتتوزع بين الإنتاج على مصانع الكهرباء التي تستخدم الـ"فيول أويل" و بين الطاقة  المولدة من المياه ولم يكن هناك تقنيات أنذاك تسمح بالتحدث عن الطاقة المتجددة، وكان هناك فائض في الإنتاج وكنا نبيع سوريا.

خلال فترة الحرب تعرضت الكهرباء لأضرار كبيرة وتعرضت لإستهدافات من العدو الإسرائيلي. ومن تداعيات الحرب خصوصا خلال الثمانينات تدهور الدولة إلى درجة كبيرة وبالتالي لم تستطع أن تستثمر طيلة 15 سنة في الكهرباء.

إلا أن الطاقة الكهربائية بقيت جيدة خلال الحرب، بسبب الهجرة والنزوح حيث انخفض الطلب على الكهرباء، وكانت المشكلة الأكبر هي خطوط النقل وشبكات التوزيع لأنها باتت تتعرض لأضرار بالغة، بالإضافة إلى الفوضى وغياب الإصلاحات وعند إنتهاء الحرب كان من البديهي أن تضع الدولة مشروع لإعادة إعمار قطاع الكهرباء والذي وصل في  نهاية الحرب إلى وضع مأساوي. طرح في العام 1992 مشروع لإعادة إعمار القطاع،  وأول ملاحظة يجب تسجيلها هي أن التقنيات تطورت، بالإضافة إلى إرتفاع كلفة الطاقة  (النفط) فكان من الطبيعي أن تتجه الدولة إلى تغطية الإنتاج فوقع الإختيار على إنشاء معامل على الغاز بديلا عن الـ"فويل اويل" الذي أصبح مرتفع الكلفة نتيجة إرتفاع أسعار النفط، وبالتالي تم توقيع عقد مع شركة "انسلدو" التي قدمت تقنية بوضع 3 مجموعات في كل معمل (الجية،الذوق) إثنان من كل مجموعة يعملان على الغاز والثالثة على البخار. ولكن في هذا الوقت كانت هناك حالة طوارئ وحاجة إلى إنتاج طاقة بسرعة، فالمعامل كانت قد استنفذت عمرها. فلجأوا إلى استخدام المازوت الذي تستطيع تقنية "انسلدو" أن تعمل عليه إلا أن المازوت أعلى كلفة لا بل هو الوقود الأكثر كلفة لإنتاج الطاقة على الإطلاق. والملاحظة  الثانية أن تلزيم العقد السخي لم يلزًم مع عقد آخر يلحظ توصيل الغاز إلى المعامل مما رسم علامات إستفهام، ليتبين أن تجارة المازوت كانت تجارة مربحة ومحتكرة بالإتفاق مع السوريين مما جعل المؤقت يصبح دائم. أما المفارقة الأكثر إثارة كانت الحجة الطائفية لتبرير إختيار موقعين جديدين لإنشاء معامل إنتاج جديدة فتم إختيار موقعي دير عمار والزهراني دون أي تبرير تقني، بل التبرير الوقح كان أن معمل الجية في منطقة درزية والذوق في منطقة مسيحية وبالتالي يجب أن يكون هناك معمل في منطقة سنية وآخر في منطقة شيعية. وبنفس الوقت لم يجر طرح مشاريع جديدة لنقل الكهرباء، ولا مشاريع جديدة لشبكات التوسيع. وحتى اليوم مازالت هناك مشكلة نقل الكهرباء من معمل دير عمار إلى خارج الشمال.

ومن ذلك الوقت أصبحت مشكلة الكهرباء تتفاقم وجاء الرد على هذه المشكلة باتخاذ قرار سياسي بتجميد الإستثمار في الكهرباء، تحت شعار أن "الدولة مستثمر فاشل" وبالتالي يجب "خصخصتها".

ما هو دور المولدات الصغيرة في مشروع الخصخصة؟

المولدات الصغير ليست الجزء المهم في قضية الكهرباء، فالمهم هو السيطرة على معامل الإنتاج، أما سلطة المولدات فهي مستمدة من سلطة الزعامات، وليس من سلطة رأس المال. فمشاركة "الزعماء" في المولدات الصغيرة ليس كبيرا فهم يستفيدون من هذا الريع للإمساك ببعض المفاصل في الأحياء وتمويل النشاطات فيها، وهذه المشاركة ليست مهمة بقدر هيمنتهم على مصادر الطاقة نفسها حيث يصبحون شركاء ويستفيدون من الأرباح الهائلة التي يتقاضونها مباشرة جراء هيمنتهم بالشراكة على مصادر الطاقة والمعامل.

إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن المولدات تحولت إلى حالة ثابتة تستفيد منها بشكل فعلي القوى الرأسمالية التي تحتكر الطاقة وتقوم ببيع المازوت للمولدات، وتجار قطع الغيار. ولا يشكل إزالتها وتفكيكها معضلة فبين  عامي 1997 و 2000 تم تأمين الكهرباء في بيروت 24/24 واتخذ حينئذ قرار بمنع مولدات الكهرباء.

في مجمل الحديث أوحيت أن إتجاه السلطة هو الخصخصة ولكننا لم نشهد خطوات فعلية للخصخصة كيف تبرر ذلك؟

صدر عام 2002 قانون لخصخصة الكهرباء وبالتالي تم الإتفاق في مجلس النواب على تأمين مظلة الخصخصة ولكن منذ 2002 إلى اليوم حصلت تطورات سياسية مأزومة جعلت قواعد الإتفاق التي تم إرساؤها في السابق غير ممكنة وقد ظهرت نتائج الأزمة اللبنانية عام 2004 مع محاولة إغتيال مروان حمادة، ومع بدأ عمليات الإغتيال بدأت عملية سحب تكليف الوصاية السورية على لبنان، وكان السوري يشكل ضابطا لتوزيع الحصص، وهامش اللعبة هو هامش التذاكي ومحاولة كل طرف إستمالة الضابط السوري إلى جانبه لتكبير حصته، ومع إنسحاب السوري أصبح كل طرف يرى أنه يستحق الحصة الأكبر ما أعاق عملية التوافق على إطلاق مشروع الخصخصة، وتزداد معوقات الخصخصة مع الوقت نتيجة:

1-   ترسيخ مصالح الوضع القائم (المولدات) ما يحتم إيجاد فرص عمل لأصحاب المولدات لأن هذه المصالح الراسخة يبقى لها سلطة تأثير

2-   تعقيدات مصالح تجار النفط المستفيدون من الوضع القائم.

3-   تزايد أعداد الأفراد الذين يستطيعون الإستفادة من عملية الخصخصة سواء من رجال أعمال أو قوى سياسية ما يصعب عملية الوصول إلى تسوية لتقاسم الحصص بشكل يرضي الجميع.

وبكل الأحوال لا تمانع قوى رأس المال والزعماء من الإبقاء على الوضع كما هو دون أي تغيير بإنتظار اللحظة المناسبة للإنقضاض على أكبر حصة من الريع العائد عن خصخصة الكهرباء.

طروحات الخصخصة تبدو أنها مفيدة للمواطنين خصوصا بعد تجربة كهرباء زحلة، كيف تقرأ هذه التجربة؟

بالتزامن مع إنخفاض أسعار النفط، حصلت شركة كهرباء زحلة على امتياز تأمين الكهرباء ومن ثم عقدت إتفاق مع أصحاب المولدات بضم جميع المولدات إلى الشركة، ومما لاشك فيه أن أرباح أصحاب المولدات إنخفضت قليلا لكن أصحاب المولدات تخلصوا من العمل. وأصبحت شركة كهرباء زحلة تقوم بتأمين التيار الكهربائي من هذه المولدات عند إنقطاع التيار الكهربائي الذي تؤمنه الدولة وفق التعرفة التي تعتمدها الدولة. ولا تستفيد كهرباء زحلة من المولدات الخاصة فقط لتحقيق أرباحها. فالأكلاف التي تدفعها منخفضة جدا، حيث تعمل على شبكة الدولة كما أن الموظفين الذي يعملون لدى كهرباء لبنان وعمال الصيانة يستمرون بنفس العمل ما يعني أن كهرباء زحلة لا تدفع أية تكاليف عليهم. أما الربح الكبير المحقق فهو من كهرباء الدولة، حث تقوم كهرباء زحلة بشراء كيلوواط كمتوسط بـ75 ليرة وتبيعها للمواطن بـ125 ليرة وبالتالي كهرباء زحلة تحقق أرباحا عالية لأنها لا تدفع تكاليف من جهة، ولأنها تعتمد على كهرباء الدولة من جهة أخرى. ما تغير على المواطن هو إنخفاض طفيف في كلفة الكهرباء، وبدل الفاتورتين أصبح يدفع فاتورة واحدة لصالح كهرباء زحلة.

ما هي كلفة الكهرباء على المواطنين وما هو أثرها الإقتصادي؟

بحسب أرقام 2014 سدد المشتركون لصالح مؤسسة كهرباء لبنان 600 مليون دولار أميركي، علما أن 50% من الطاقة غير مفوتر حيث أن نسبة التعديات على الشبكة العامة 35% ونسبة الهدر التقني 15% وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعدل المقبول عالميا للهدر التقني هو 8% فقط والعمل على معالجة هذا الهدر يمكن أن يصل به إلى 3%.

وتسدد الدولة كدعم للتعرفة لصالح مؤسسة كهرباء لبنان 1.4 مليار دولار. تمول من الضرائب المفروضة على المواطنين. ولأن الكهرباء غير كافية يلجأ المقيمون إلى المولدات الكهربائية حيث سددوا بحسب أرقام 2014 لأصحاب المولدات 1.2 مليار دولار. وبذلك تكون تكلفة الكهرباء على المقيمين 3.2 مليار دولار أميركي. وفي هذا السياق يأتي مشروع الخصخصة ليقول أنه سيخفض التكلفة على المواطن، فبدل أن يدفع 150$ سيدفع 120$ بعد الخصخصة مقابل كهرباء 24/24. إلا أن هذا التوفير غير صحيح، لأنه يحتسب على أساس الوضع القائم في حين أن خفض الهدر والإستثمار في كهرباء لبنان عبر إعتماد الطاقة البديلة ومحطات تعمل على الغاز سيخفض الكلفة إلى ما لا يزيد عن 80$  على المستهلك مقابل كهرباء 24/24.

والكهرباء مرتبطة بالإقتصاد الوطني بشكل أساسي ولبنان من جملة الدول المستوردة للنفط، وبالتالي يصبح الأثر الإقتصادي للكهرباء مهم لأنه يؤثر على ميزان المدفوعات وسعر العملة والفائدة وبنفس الوقت يرتبط بكلفة الإنتاج، فكلفة الكهرباء في الوضع الراهن هي واحدة من الأسباب التي دفعت بالصناعة إلى التراجع، خصوصا الصناعات التي تعتمد على الطاقة الكثيفة ما أدى إلى غياب الرأسماليون المنتجون، والإتجاه الرأسمالي إلى المصالح الريعية بدلا من الإنتاجية لأن الريوع تؤمن أرباحا أعلى بوقت قصير. كذلك للكهرباء أثر على معيشة الأسر لأن الكلفة العالية لإستهلاك الكهرباء تقضم من ميزانية الأسر، وبالتالي فإن توفير الكهرباء بكلفة عادلة ستساهم في رفع قيمة الأجور وتمكن المواطنين من الإنفاق على الصحة والتعليم والسلع الإستهلاكية بما يرفع من المستوى المعيشي للمقيمين، فالكهرباء بوضعها الحالي تشكل عنصرا من العناصر الأساسية التي تجعل من الإقتصاد الوطني إقتصادا هشا وضعيفا.

صوت وصورة

افلام إرشادية حول الحقوق
تقارير
صور

 

تابعونا على

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   961-5-951573

أخبار

أخبار محلية
أخبار عربية ودولية 
بيانات ومواقف

المكتبة

تشريعات لبنانية:
    قانون العمل
    قانون الضمان
    مراسيم
    عقود عمل جماعية 
إتفاقيات دولية
إتفاقيات عربية
إتفاقيات وقع عليها لبنان
دراسات وتقارير
إتحادات ونقابات

دراسات وتقارير

دراسات
تقارير


استشارات وشكاوى

أسئلة وأجوبة

سجّل شكواك

مقالات وتحقيقات

تحقيقات
قضايا
ملفات
 
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…