هل أخطأت بعثة صندوق النقد في تقويمها المالي والاقتصادي للبنان؟

شباط 19, 2018

النهار19-2-2018

سلوى بعلبكي

في الاجتماع الاخير بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، كان لافتا التحفظ الذي أبداه الحاكم عن آخر تقرير لبعثة صندوق النقد الدولي، والذي جاء برأيه اكثر تشدداً من مؤسسات التقويم الـRating، إذ إنه "لم يأخذ في الاعتبار جوانب عدة من الاوضاع الاقتصادية، خصوصا على صعيد تراجع الاستيراد بما يقارب 4 مليارات دولار، ووجود اللاجئين السوريين"... ليعود ويسأل: "إذا كان الاستيراد قد زاد وفق ما تراه البعثة، فكيف يكون النمو قد تراجع؟".


معلوم أن تقرير البعثة جاء بعد زيارتها لبنان ولقائها العديد من المسؤولين والخبراء والمعنيين، ليخلص الى "أن الوضع الاقتصادي لا يزال هشاً عموما مع استمرار النمو المنخفض لفترة طويلة، وسرعة تراكم الدين العام متجاوزاً 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعجز الحساب الجاري المزمن والذي يزيد على 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي".

وكما الحاكم، لم يجد كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل أن الصندوق أصاب في تقديراته أو رؤيته لمعالجة الوضع الاقتصادي في لبنان، وذلك على رغم أنه "أحسن بالتحذير من خطورة استمرار نسبة الدين العام للناتج المحلي بالارتفاع وبضرورة معالجته من خلال الاصلاحات". لكن اولويات الصندوق لمعالجة هذه المعضلة، برأي غبريل، "في غير مكانها، اذ ان الأولوية يجب ان تكون تحفيز النمو الاقتصادي بدل زيادة الضرائب، خصوصا ان النمو المستدام من شأنه ان يلجم ارتفاع نسبة الدين الى الناتج كما حصل بين الـ 2006 والـ2010". وقد مرّ الصندوق مرور الكرام على ضرورة تطوير بيئة الأعمال ورفع مستوى تنافسية الاقتصاد من دون ان يفصّل أسباب هذا التراجع والسبل لمعالجته. كما أنه "لم يتطرق الى اتساع حجم القطاع العام وارتفاع الأعباء التشغيلية على كاهل مؤسسات القطاع الخاص وتردّي نوعية الخدمات العامة وصعوبة التعامل مع الإدارات العامة على سبيل المثال لا الحصر".

وكان الحاكم سلامة قد لاحظ أن تركيز البعثة على تفاقم الدين العام لم يلحظ أن مصرف لبنان يحمل أكثر من 30% من الدين العام، كما أنه لم يذكر صافي الدين العام الموجود في السوق، مع أن هذه الظاهرة موجودة في دول كثيرة تحمل مصارفها المركزية نسباً عالية من مديونية دولها (40% و50%) وتأخذها تقارير الصندوق في الاعتبار. ورأى أن "المعالجات المطروحة ضمناً ليست واقعية، اذ كيف يمكن ردم الهوّة (10%) بين مداخيل الدولة (20% من الناتج) ونفقاتها (30% من الناتج)، مع استحالة زيادة المداخيل 5% وتخفيض النفقات 5% بفترة زمنية وجيزة"، ليخلص الى انها مقترحات غير قابلة للتنفيذ.

وأشار الصندوق الى أنه في النصف الثاني من 2018، تمت الموافقة على مجموعة من الزيادات في الضرائب والرسوم، متوقعا أن يكون الأثر الصافي على المالية العامة محايدا عموما في هذه السنة. لكن غبريل لا يوافق صندوق النقد على أن زيادة الضرائب والرسوم، التي تزامنت مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب لموظفي وعمال القطاع العام، ستغطي كلفة السلسلة في الـ 2018، إذ "لا توجد تقديرات دقيقة عن هذه الكلفة، خصوصاً أنه ليست هنالك أرقام نهائية عن عدد العمال والموظفين في القطاع العام. كما أن الكلفة المقررة للسلسلة تعود الى الـ2013، أي أنها لا تأخذ في الإعتبار الـ 26 الف عامل وموظف الذين أدخلوا الى القطاع العام في الاعوام الثلاثة الماضية".

وقد أوصت بعثة الصندوق مرة أخرى بفرض ضرائب جديدة وبزيادة ضرائب موجودة، وبإعادة فرض ضرائب ألغيت سابقاً. ولكن برأي غبريل يبدو أن فرض الضرائب هو بمثابة "الوصفة الأساسية لصندوق النقد لحلّ أي مشكلة إقتصادية في أي بلد حول العالم"، مستغربا كيف أنه لم يلاحظ أن الضرائب التي فُرضَت على الإقتصاد اللبناني وعلى المواطن خصوصا في2017 أدت الى تباطؤ الحركة الإقتصادية ورفعت نسبة التضخم، كما زادت كلفة الأعباء التشغيلية على كاهل مؤسسات القطاع الخاص وشركاته، معتبرا أن "زيادة الضرائب حاليا ستؤدّي الى مزيد من الإنكماش الإقتصادي".

اللافت أن البعثة لم تأتِ على ذكر التهرّب الضريبي المستشري في لبنان بشكل مفصّل وضرورة مكافحته وتفعيل الجباية والآليات لمكافحته، وهو ما لاحظه غبريل الذي أكد "أن مكافحة التهرب الضريبي تأتي في صلب الاصلاحات والعدالة الإجتماعية، وليس الاستمرار بزيادة الضرائب على المكلفين الذين يمتثلون للقانون ويدفعون ضرائبهم بالكامل. لا بل ان الاستمرار بفرض ضرائب جديدة وزيادة الضرائب والرسوم القائمة من شأنها ان تفاقم ازمة الثقة بين المواطن الذي يمتثل للقوانين ودولته".

وكان لافتا ايضا انتقاد البعثة للسياسة النقدية لمصرف لبنان، التي وإن ساهمت في المحافظة على الاستقرار، إلا أنها خلقت تشوهات سوقية. لكن غبريل اعتبر أنه "كان من الأجدى لبعثة صندوق النقد أن تفنَد بشكل مفصَّل مصادر الهدر والإنفاق غير المجدي والبطالة المقنّعة والفساد في القطاع العام واستخفاف معظم السياسيين بوضع المالية العامة كسبب اساسي لمشاكل لبنان الإقتصادية والمالية، إذ إن استفحال الهدر وعدم وجود أي إرادة سياسية جدّية لتخفيض العجز في الموازنة العامة، وغياب أي رؤية إقتصادية وإصلاحية لمعظم الطبقة السياسية، فَرَض على مصرف لبنان ان يملأ هذا الفراغ وان يتخذ قرارات كان على السلطة التنفيذية اتخاذها، مما حافظ على الاستقرار المالي والإقتصادي والإجتماعي وجنّب الاقتصاد الانكماش".

وإذا كانت بعثة صندوق النقد تريد فعلاً التوصية بالإصلاحات وتخفيف الأعباء عن الجهاز المصرفي، فما كان عليها، وفق غبريل، "الا ان تشجع المسؤولين في لبنان على إلغاء ضريبة الدخل والضريبة على الأرباح واستبدالها بزيادة الضريبة على القيمة المُضافة الى نسبة 20٪‏ مثلاً، لأن من شأن ذلك ان يحدّ بشكل كبير من التهرّب الضريبي وان يُجنّب الإقتصاد أعباء تشغيلية إضافية، مما يزيد واردات الخزينة ويعيد العدالة الإجتماعية الى المكلفين الذين يدفعون ضرائبهم بالكامل. كما كان جديرا التوصية بإغلاق مسالك التهريب البرية والبحرية والجوية لأن من شأن تدبير كهذا زيادة واردات الخزينة بشكل سريع".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  1. الأكثر قراءة
الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

الزميل مرتضى إلى «المطبوعات»

كانون2 15, 2019 7 أخبار

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

فرمان عثمان: إدفعوا لنقمعكم!

كانون2 15, 2019 7 المجتمع المدني

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف جديدة... استعدوا لها

الثورة التكنولوجية تتطلب اختصاصات ووظائف…

كانون2 15, 2019 17 مقالات وتحقيقات

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

أين تعويضات موظفي أوجيرو؟

كانون2 09, 2019 20 عمالية ونقابية

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيدروس»؟

لماذا لا يقول سلامة الحقيقة في قضية «سيد…

كانون2 09, 2019 24 مقالات وتحقيقات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النفطية تنتظر توضيحات

قضايا العمال والموظفين في التشريعات النف…

كانون2 08, 2019 42 مقالات وتحقيقات

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

«ماكنزي»: خفض الرواتب وزيادة الـ TVA!

كانون2 07, 2019 27 مقالات وتحقيقات

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سياسي أم فخّ من «سبعة»؟

العمالي ينفّذ «إضراباً منزلياً»: ضرب سيا…

كانون2 04, 2019 33 مقالات وتحقيقات

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك العفوي والتحريك السياسي

الاضراب العام والاحتجاجات بين التحرك الع…

كانون2 03, 2019 138 مقالات وتحقيقات

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

منتوجات إسرائيلية في «سبينيس»؟

كانون2 03, 2019 50 عمالية ونقابية

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» تتحفّظ

غداً إضراب... العمال يلتزمون و«الهيئات» …

كانون2 03, 2019 32 مقالات وتحقيقات

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفات الجامعات السلسلة تراوح في المدارس الخاصة ونكسات في التعليم الرسمي

عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفا…

كانون2 02, 2019 33 مقالات وتحقيقات

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

«الضمان» يُلاحق أكثر من ألف طبيب

كانون1 26, 2018 43 مقالات وتحقيقات

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطالب نحو توحيدها وتحديدها

الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطال…

كانون1 24, 2018 77 مقالات وتحقيقات

الدليل في تقديم الشكاوى (مجلس العمل التح…

كانون1 21, 2018 62 منشورات المرصد

الدليل في عقود العمل

كانون1 20, 2018 62 منشورات المرصد

التقرير السنوي للتحركات والاحتجاجات للعا…

كانون1 20, 2018 62 منشورات المرصد

تقرير التحركات الاحتجاجية والمطلبية للعا…

كانون1 20, 2018 59 منشورات المرصد

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للعام 2013

تقرير التحركات والتحركات والاحتجاجات للع…

كانون1 20, 2018 67 منشورات المرصد

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

قصور النظام الصحي: «البقاء للأغنى»!

كانون1 19, 2018 54 مقالات وتحقيقات

«انتفاضة» في نقابة الأطباء

«انتفاضة» في نقابة الأطباء

كانون1 18, 2018 52 المجتمع المدني