المستشفيات الحكومية بين فكي السلسلة ومحدودية الايرادات

تموز 30, 2018

فيما تتأهب المستشفيات الحكومية لتلقف المراسيم المتعلقة بتعديل سلاسل رتب ورواتب مستخدميها، تبقى أزمة السقوف المالية قائمة، وسط مخاوف البعض من أن يحول خفضها في بعض المستشفيات من دون توقيع عقود الاستشفاء لسنة 2018 مع وزارة الصحة، وبالنتيجة، من دون إمكان تحصيل واردات 2018 في مدى معقول. 

وفي حين ينتظر بعض الموظفين السلاسل الجديدة بتفاؤل كبير، بعد المخاض العسير الذي اجتازته في وزارة المال، يتحضّر بعض المستخدمين في المستشفيات الحكومية للطعن بها أمام القضاء الإداري على خلفية "عدم محافظتها على الرتب القائمة في مؤسساتهم، وعدم تحويل الرواتب وفقاً لقواعد ومعايير واضحة وثابت".

ومهما يكن، تبقى المعضلة الأكبر متمثلة بتوفير الإمكانات اللازمة للمستشفيات الحكومية لتحمل أعبائها. إذ يبدو أن الدولة لن تساهم مالياً في تحمّل هذه الأعباء، فيما تصرّ وزارة الصحة على السقوف المالية التي حددتها للمستشفيات الحكومية، تبقى هذه المستشفيات وحيدة، حتى الساعة، في مواجهة الزيادة التي ستطرأ على الرواتب والأجور بما ينذر بتعميق أزمات البعض منها على نحو قد يؤدي إلى انهياره بصورة كاملة.

فكيف لمستشفى كمستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي مثلاً، وهو المستشفى الحكومي الأكبر، أن يواجه استحقاقاً كهذا، وهو لم يحظ بمساهمة من الدولة تخوّله التقاط أنفاسه، بعد زمن طويل من العجز المتراكم ديوناً، وهو الذي استغرق صدور مرسوم تسليفه 10 مليارات ليرة حديثاً زهاء السنة؟. وكيف يمكن أن يمول السلسلة الجديدة من وارداته الذاتية وقد خفضت وزارة الصحة سقف تعاملها معه من 26 مليار ليرة إلى 22 مليار ليرة سنوياً، مستبعدة منه كتب التغطية التي تصدر عن الوزير، دافعة إدارته المنهية الولاية إلى الامتناع عن توقيع عقد الاستشفاء لسنة 2018 معها؟ هذا المستشفى، الذي عجز عن دفع مستحقات موظفيه كاملة عن شهري أيار وحزيران الماضيين بسبب تأخر الدولة في دفع فواتيره عن المرضى المعالجين على نفقتها خلال الأشهر الأخيرة من العام 2017، الذي يئن تحت عجز شهري يقارب 800 مليون ليرة، لا يبدو قادراً على تحمل العبء وحده. الحل الوحيد المتاح له يتمثل بالإمعان في الامتناع عن دفع نفقات كاشتراكات الضمان الاجتماعي وضريبة الرواتب والأجور والكهرباء والماء... وفي تأجيل دفع ديون الموردين المتراكمة قبل تعيين الإدارة الأخيرة. هذه الديون، التي كان وزير الصحة السابق قد وعد بدفعها بسندات خزينة حالما تحدّد قيمتها بدقة والتي فشلت إدارة المستشفى المالية حتى الساعة بتحديد مقدارها.

إلا أن وزير الصحة العامة غسان حاصباني لا يجد أن مسألة دفع الزيادات التي أقرت في سلسلة الرتب للمستشفيات مرتبط بخفض السقوف أو رفعها، فأزمة السلسلة تنسحب على كل المؤسسات العامة التي ستجد صعوبة في تأمين الموارد لدفع السلسلة للموظفين. أما في موضوع المستشفيات الحكومية تحديداً، يشير حاصباني الى أن "المشكلة تخص ادارة المستشفيات التي من المفترض أن تؤمن مواردها المالية عبر بيع الخدمات وتطبيق الادارة الرشيدة، علما أن مستشفى الحريري لم يصرف سقفه المالي للعام 2017، لذا كان القرار بخفض سقفها هذه السنة". ويرى أن "أزمة المستشفى مرتبطة ايضاً بدفع مستحقاتها لعقود المصالحات العالقة منذ عام 2002، وهو بحاجة الى قانون خاص".

فالسقف المالي، وفق ما يؤكد حاصباني "لا يخصص للمستشفيات لكي تدفع رواتب موظفيها، بل يتعلق الامر بكلفة الاستشفاء". ولكن عموماً، يرى حاصباني أن "ثمة ضرورة لدرس كيفية دعم المؤسسات العامة لكي يكون في مقدورها سلسلة الرتب والرواتب، مع تأكيده أن المؤسسات العامة وجدت لتتمكن من تأمين تكاليفها وأن يكون لديها اكتفاء ذاتي، لذا يجب أن يتم درس هذا الموضوع بشكل شامل في مجلس الوزراء العتيد، خصوصاً وأن ثمة مؤسسات عامة دون جدوى".

عقد مستشفى الحريري لسنة 2018؟ 

من البديهي لمستشفى الحريري الذي يرزح تحت هذه الاعباء المالية أن لا يكون قادراً على دفع الزيادة على رواتب موظفيه والتي تقدر بنحو 600 مليون ليرة شهريا، وهو ما ابلغته ادارته للموظفين عبر بريد الكتروني وصلهم فور صدور المرسوم في الجريدة الرسمية الخميس الماضي. وهذا الامر بديهي، برأي مدير عام المستشفى فراس الابيض الذي يؤكد لـ "النهار" استحالة تغطية هذا الرقم في ظل خفض السقوف المالية الحالية بنحو 18%، علماً أنه سبق أن راسلنا الوزارة بأن المستشفى يقدم خدمات للوزارة بما يعادل هذه القيمة". ويقارن الابيض بين ما حصلت عليه الادارة الحالية من مساهمات وتلك التي حصلت عليها الادارات السابقة " عام 2013 حصل المستشفى على مساهمات وسلف بنحو 48 مليار ليرة، فيما حصل في عام 2014 على 20 مليار ليرة. أما الادارة الحالية ومنذ تسلمها مهماتها في ايار 2015 وحتى هذه اللحظة حصلت على 20 مليار ليرة على دفعتين، وقد عمدنا الى ارجاع 10 مليارات سلف للوزارة، مع الاخذ في الاعتبار التجهيزات والتطوير الذي لحظه المستشفى".

وفيما يرفض المستشفى توقيع العقد مع وزارة الصحة لسنة 2018، يستمر في المقابل في استقبال المرضى على نفقة وزارة الصحة بما يرسم علامات استفهام حول كيفية تحصيل هذه فواتير الستة الاشهر الماضية طالما أن الادارة لم توقع العقد حتى الآن. ولكن الابيض يرجع الأمور الى الشق الإنساني، إذ لا يمكننا رفض استقبال اي مريض في قسم الطوارئ، علماً أن بعض المرضى ترفض استقبالهم مستشفيات جامعية أفادت من خفض السقف المالي لمستشفى الحريري لمصلحتها".

في المحصلة، سيبقى الاستشفاء الحكومي في المرحلة المقبلة بعيداً عن النهوض، إلا من خلال تظاهرات إعلامية، وفي حال مقلقة من الهروب إلى الأمام. أما عواقب هذا الهروب فستترجم حتماً تدنياً في مستوى الأداء قد يصل إلى حد لا يعود نافعاً معه الحديث عن شراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام. فبروتوكولات التعاون الموقعة مع بعض الجهات دولية، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود، قد لا تستمر إذا لم تقف السلطات على وضع المستشفيات الحكومية بجدية وواقعية وإذا لم تعتمد استرتيجيات واضحة ومتماسكة تنطلق من الحاجة إلى الاستشفاء الحكومي وتستهدف إنقاذ مستشفيات هذا القطاع وضمان ديمومتها. فهل يؤمل ذلك من الحكومة المقبلة؟

ما هو السقف المالي للمستشفيات؟

السقف المالي للمستشفى ليس عبارة عن "كاش" يدفع للمستشفيات، بل هو عبارة عن اعتماد مالي تقره وزارة الصحة للمستشفى وترتبط معه بعقد يحدد قيمة المبلغ الذي يمكن له صرفه. على أن لا تتعدى قيمة الفواتير قيمة الاعتماد. وهذا السقف خاضع لإعادة التوزيع سنوياً وفق حاجة المستشفيات.

800 مليون ليرة عجز شهري لمستشفى الحريري

5 مليارات ليرة قيمة الزيادة التي استحقت لموظفي مستشفى رفيق الحريري من تاريخ 12/8/2017 حتى اليوم 

600 مليون ليرة الزيادة المترتبة شهرياً عن تطبيق سلسلة الرتب والرواتب لموظفي مستشفى الحريري

 

المصدر: النهار | سلوى بعلبكي | 28 تموز 2018

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد لعاملات المنازل: تعطيل مبادرة جديدة للحدّ من ممارسات الاستعباد

شورى الدولة يوقف تنفيذ عقد العمل الموحد …

تشرين1 26, 2020 28 مقالات وتحقيقات

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاستقدام ينتفضون ضدّ عقد العمل الموحّد

القضاء ينتصر للاستعباد! أصحاب مكاتب الاس…

تشرين1 26, 2020 18 مقالات وتحقيقات

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة للإنقاذ

الحركة الشبابيّة للتغيير: إجراءات فوريّة…

تشرين1 23, 2020 18 مقالات وتحقيقات

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان الاجتماعي؟

الطبقة الوسطى تنهار: فقدان حزام الأمان ا…

تشرين1 23, 2020 26 مقالات وتحقيقات

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

حان وقت رفع الدعم عن الأغنياء -

تشرين1 20, 2020 32 مقالات وتحقيقات

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدوية: حياة المرضى بخطر - جريدة المدن - عزة الحاج حسن

"حرب" الصيدليات ومستوردي الأدو…

تشرين1 14, 2020 50 مقالات وتحقيقات

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت قيمة الليرة ازدادت نسبة الاقتطاع لصالح القطاع المصرفي الرواتب الموطّنة بالدولار تُنتهك من التعميم 151 واستنسابية البنوك

كلّما ارتفع "المعاش" وانخفضت ق…

تشرين1 14, 2020 51 مقالات وتحقيقات

المافيا تمنع الدواء

المافيا تمنع الدواء

تشرين1 13, 2020 43 مقالات وتحقيقات

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي لإخفاء جرائمهم المالية

أقطاب سلطة النهب يمنعون التدقيق الجنائي …

تشرين1 12, 2020 34 مقالات وتحقيقات

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفية على اساس 3900 ليرة تقاذفَ المسؤولين كرة رفع الدعم خوفا من إنفجارها... القرار للحكومة!

تعميم مرتقب يمدد العمل بالسحوبات المصرفي…

تشرين1 12, 2020 51 مقالات وتحقيقات

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة لكارتيل المدارس

التدقيق كشف مبالغات: إدانة من دون محاسبة…

تشرين1 09, 2020 64 مقالات وتحقيقات

البطاقة التموينية... "طبخة بحص"؟

البطاقة التموينية... "طبخة بحص…

تشرين1 06, 2020 56 مقالات وتحقيقات

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت قريبة!

وعود جديدة بالمزيد من الفقر: جهنم أصبحت …

تشرين1 05, 2020 189 مقالات وتحقيقات

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لبنان... لا العكس!

دراسة لتوفيق كسبار: الدولة أقرضت مصرف لب…

تشرين1 05, 2020 76 مقالات وتحقيقات

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُجراء

تعويضات نهاية الخدمة: الضمان «يبلف» الأُ…

تشرين1 01, 2020 90 مقالات وتحقيقات

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

صندوق بطالة يوزّع 40 دولاراً في الشهر

أيلول 30, 2020 127 مقالات وتحقيقات

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة الموظفين المصروفين من الجامعة الأميركيّة -

كشف حقائق وتحديد المخالفات في قضيّة المو…

أيلول 30, 2020 95 مقالات وتحقيقات

ديوان المحاسبة يخرق «حصانة الوزراء» حكم …

أيلول 30, 2020 76 مقالات وتحقيقات