الوضع المالي للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي: "لا شفافية بل هدر وفضائح ومدينين"

تشرين1 01, 2018

-المرصد

مريم سيف الدين- يواجه الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي صعوبات مالية عدة، ودوماً ما يحذر من إفلاسه. ولعل أبرز المشاكل المالية التي يعاني منها عدم دفع الدولة الأموال المترتبة عليها لصالح الصندوق، وتبلغ حوالي 2450 مليار ليرة.

يقول أحد المراقبين في الصندوق أن الدولة اللبنانية تخصص في ميزانيتها مبلغاً لسداد قسم من هذا الدين لكنها لا تدفعه للضمان وإنما تصرفه في مكان آخر. وهي إذ تتأخر في الدفع يترتب عليها غرامات، لكنها تصدر كل فترة مرسوماً يعفيها من دفع هذه الغرامات، فيما يضطر الصندوق لدفع مبالغ متوجبة عليه وسلفات للمستشفيات فيستدين بفوائد، ويتكبد خسارة نتيجة لعدم دفع الدولة للمستحقات.

كما يتوجب على بعض أصحاب العمل مبالغ أخرى يمتنعون عن دفعها قدرها أحد موظفي الصندوق بنحو 1400 مليار ليرة. والمشكلة مع أصحاب العمل بحسب الموظف أن الكثير منهم لا يصرحون عن عمالهم، وإن صرحوا يصرحون بالحد الأدنى للأجور. وهو يرى في بعض الإنتقادات التي تطال الصندوق مؤامرة تهدف لتدميره لصالح شركات التأمين، "المستفيد الأول من إنهيار الصندوق". ومن ضمن المؤامرات أيضاً، وفق الموظف، محاولة إلغاء موجب براءة الذمة عبر الإقتراح الذي تقدم في مشروع الموازنة. وإن كان الإقتراح قد سقط فإن الدولة كانت قد خفضت سابقاً قيمة الإشتراكات بنسبة50% الأمر الذي صب في مصلحة أصحاب العمل على حساب واردات الصندوق.

الوضع المالي للصندوق: صرخة أعضاء من مجلس الإدارة:

نبه خمسة أعضاء في مجلس إدارة الصندوق في تقرير أصدروه بداية العام، من خطورة الوضع المالي للصندوق. حيث تحدث التقرير عن "حسابات غير صحيحة وغير شفافة وعن عجز متزايد في صندوق المرض والأمومة".

وبحسب التقرير فقد أثبتت تقارير مدقق الحسابات الخارجي المتعلقة بالحسابات الختامية العائدة للسنوات من2006 حتى 2010 ما يلي:

- أن هناك أخطاء عديدة أدت إلى ظهور أرصدة مدينة ودائنة للمشتركين غير صحيحة إذ بلغ عدد المؤسسات التي عليها أرصدة مدينة للصندوق نسبة ٣٠% فقط من مجموع عدد المؤسسات المسجلة بينما بلغ عدد المؤسسات التي لها أرصدة دائنة على الصندوق نسبة ٧٠%!

- انخفض عدد المؤسسات الممكننة في وحدة المشتركين والمسجلة كمؤسسات منتسبة للصندوق من 51967 مؤسسة في العام 2006 إلى 47041 مؤسسة في العام 2010 (أي بنقص 4962) مؤسسة دون تبرير ذلك. فأين ذهبت قيود هذه المؤسسات وحساباتها وديونها والعاملين فيها؟

- حسابات الأعوام  بين سنتي 2011 و 2016 بقيت دون تدقيق.

وأضاف التقرير أن لا متابعة لتحصيل أموال الصندوق بل الاتكال على حاجة المؤسسات المدينة إلى براءة ذمة، بحيث لا تتجاوز نسبة التحصيل 68%. وأنه تبين من مراجعة الحساب "اشتراكات للتحصيل" أن أرصدته الظاهرة في الميزانيات العمومية للصندوق بين سنة 2005 وسنة 2014 هي جامدة وشبه ميتة وتكررت من742 مليار ليرة في سنة 2005 إلى 792 في سنة 2014.

-عدم صحة بيان المالي لصندوق المرض والأمومة . إذ يبلغ العجز في صندوق المرض والأمومة 398 مليار ليرة وفق ما بينه الرجوع إلى كتاب وجهه المدير العام لمجلس الإدارة. بينما يبلغ العجز الحقيقي 620 مليار وفق التقرير.  ويضاف إلى هذا العجز، العجز في صندوق التقديمات العائلية. ويجري تمويل الصندوقين بمأخوذات من أموال صندوق نهاية الخدمة خلافا للقانون، بعد استنفاذ أموال الإحتياط القانونية. علماً أن هذا العجز مستمر منذ عدة سنوات. لكن التقرير نفسه يشير إلى محاولة المدير العام تخفيف وطأة الإفصاح عن العجز الفعلي بهدف دفع الحكومة للموافقة على تعديل اشتراكات الصندوق.

ويتحدث التقرير أيضاً عن رفض المدير العام تنفيذ قرار يتعلق بنظام شراء أدوية الأمراض المستعصية من الوكلاء مباشرةً، والذي أقره مجلس الإدارة عام ٢٠٠٨،  والذي يوفر على الصندوق نسبة ٣٠% من ثمن الأدوية.

الغش والفساد يكبد الصندوق خسائر كبيرة: 

ضج الصندوق خلال الفترة السابقة بفضيحة براءات الذمة، والتي كان أبرز المتورطين فيها أحد متعقبي المعاملات وبعض موظفي الصندوق. وقد استمرت عمليات تزوير براءات الذمم هذه لأكثر من ست سنوات بحسب تقرير بعض أعضاء مجلس الإدارة.  وقد سهل بعض مستخدمي الصندوق مهمة متابع المعاملات من خلال تزوير إيصالات وبراءات الذمة وتدوين الإشتراكات في حساب مؤسسات غير المؤسسات الدافعة وذلك لتغطية الإختلاسات التي قام بها متابع المعاملات. وقدرت المبالغ المختلسة بحوالي عشرة مليارات ليرة، يخشى أن يتحمل الصندوق المسؤولية المالية عن الجزء الأكبر منها. وقد كشفت الشركات هذه الإختلاسات لدى استلامها إيصالات تبين أنها مزورة. وتبين لشركة ان براءتي الذمة الصادرتين لمصلحتها عن مؤسسة الضمان في العامين 2015 و 2016 في الصندوق غير مزورتين وصادرتين عن حاسوب الصندوق علماً أن قيود المحاسبة في الصندوق تثبت أنها ما زالت مدينة للصندوق. وتبين لشركة أخرى أن الإشتراكات التي دفعتها لمتعقب المعاملات لم تدفع وأن هناك طلب تقسيط قيمة الإشتراكات المتوجبة. بعد كشفها لعمليات الإحتيال تقدمت عدة شركات بادعاءات أمام القضاء.

وبحسب "تحالف متحدون" شكلت فضيحة براءات الذمم أحد أهم موارد الرشوة والهدر والإثراء غير المشروع. وقد تم قبض مبالغ مالية كبيرة من أجل إصدار براءات ذمم لصالح مؤسسات عديدة، فتمت سرقة الأموال وإصدار براءات ذمة مزورة مما حرم الصندوق من مبالغ مالية كبيرة. كما ذكر التحاف أن آلاف براءات الذمم اصدرت عن الضمان دون أن يتم تسجيلها في القيود أو النظام، ومنها ما هو موثق في سجلات دفترية تم إخفاؤها وحرقها. "فقد تم التلاعب بالداتا واتلاف بعض الوثائق من خلال حريق مفتعل في قسم الأرشيف في مبنى الضمان الرئيسي"، وفق ما يقوله التحالف، الذي يقدر في "الشكوى الأم" التي تقدم بها قيمة الإختلاسات بما يفوق ظاهره ال 130 مليون دولار سنوياً.

إستخفاف بالأزمة:

ينظر الموظف داخل الصندوق بشكل أكثر تساهلاً إلى فضيحة براءات الذمم. ويبرر أن وجود موظف فاسد  في المؤسسات أمر طبيعي ولا يعني أن المؤسسة كلها سيئة. هذا فيما لم نتمكن من الحصول على موعد من المدير العام للصندوق الدكتور محمد كركي ليشرح لنا تفاصيل ما يحدث في الصندوق. لكن وبعيداً عن أي رد أو اتهام تبقى الكلمة الفصل للقضاء الذي باتت الدعاوى في عهدته، فوله هو أن يعيد الإعتبار للمؤسسات وأن يحقق المصلحة العامة.

يحصل كل هذا بينما يغيب أي ضغط نقابي لمراقبة عمل الصندوق والعمل على تعزيز وضع العمال وحماية الصندوق. أو أقله المطالبة بتطبيق القانون وتعيين ممثلين عن العمال في مجلس إدارة الصندوق لمراقبة عمله واتخاذ القرارات اللازمة لانقاذه. وتعليقاً على عدم الضغط لتحقيق ذلك يقول رئيس الإتحاد العمالي العام بشارة في حديث إلى المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين أن الاتحاد بانتظار تشكيل حكومة جديدة للضغط من أجل تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق. لكن الأسمر يتحدث عن أعضاء يمثلون مختلف شرائح المجتمع اللبناني ويعكسون التنوع في البلد في إشارة إلى التنوع الحزبي والطائفي بدل الإشارة إلى أعضاء من قبل الاتحاد العمالي يمثلون العمال فقط، فتمثيل الأحزاب والطوائف لم يساهم قط في تحسين أي مرفق من مرافق الدولة وبطبيعة الحال لن يساهم في تحسين وضع الصندوق بل ساهم في إجهاض أي قرار قد يصب في مصلحة الصندوق وبالتالي العمال.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الكباش" مُستمرّ في نقابة الأطباء"

الكباش" مُستمرّ في نقابة الأطباء…

شباط 13, 2019 16 عمالية ونقابية

قضية زريق تُبرز مشكلة اللاعدالة الإجتماعية

قضية زريق تُبرز مشكلة اللاعدالة الإجتماع…

شباط 12, 2019 17 مقالات وتحقيقات

الضمان «يخاصم» الأميركية: مخالفات وتلاعب!

الضمان «يخاصم» الأميركية: مخالفات وتلاعب…

شباط 12, 2019 16 مقالات وتحقيقات

جورج زريق... الاحتجاج الأخير

جورج زريق... الاحتجاج الأخير

شباط 11, 2019 47 مقالات وتحقيقات

المؤسسة العامة للاسكان حدّدت أصول تقديم الطلبات

المؤسسة العامة للاسكان حدّدت أصول تقديم …

شباط 08, 2019 40 مقالات وتحقيقات

توحيد الصناديق الضامنة: إصلاح أم انقضاض على حقوق مكتسبة؟

توحيد الصناديق الضامنة: إصلاح أم انقضاض …

شباط 07, 2019 26 مقالات وتحقيقات

خطة الحكومة للعجز غير واضحة: خفض الإنفاق أم رفع الضرائب؟

خطة الحكومة للعجز غير واضحة: خفض الإنفاق…

شباط 06, 2019 26 مقالات وتحقيقات

المؤشرات المالية في 2018: فجوة الاختلالات تتضخّم

المؤشرات المالية في 2018: فجوة الاختلالا…

شباط 06, 2019 42 مقالات وتحقيقات

دعم القروض السكنية: الأولوية ليست لذوي الدخل المحدود

دعم القروض السكنية: الأولوية ليست لذوي ا…

كانون2 31, 2019 60 مقالات وتحقيقات

الضمان بين فكّي «التيار» و«أمل»: إهمال وظيفي وهدر أموال

الضمان بين فكّي «التيار» و«أمل»: إهمال و…

كانون2 30, 2019 60 مقالات وتحقيقات

طريق مكافحة الفساد تمرّ في إصلاح الشراء العام

طريق مكافحة الفساد تمرّ في إصلاح الشراء …

كانون2 29, 2019 46 مقالات وتحقيقات

اكتشاف تزوير شهادات واستغلال أسماء جامعات كبرى ومخالفات مستمرة لفروع جامعية تخضع للتدقيق

اكتشاف تزوير شهادات واستغلال أسماء جامعا…

كانون2 29, 2019 68 مقالات وتحقيقات

القروض السكنية المدعومة تعود بـ«القطارة

القروض السكنية المدعومة تعود بـ«القطارة

كانون2 28, 2019 56 مقالات وتحقيقات

انتخابات رابطة الثانوي شرعية... لا شرعية؟

انتخابات رابطة الثانوي شرعية... لا شرعية…

كانون2 28, 2019 51 مقالات وتحقيقات

اللقاء الشهري بين حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف: عتب كبير على "موديز"... وقروض سكنية بفائدة  خمسة فاصلة تسعة بالمائة

اللقاء الشهري بين حاكم مصرف لبنان وجمعية…

كانون2 25, 2019 59 مقالات وتحقيقات