استدعاءات الاجهزة للنشطاء نقض لمبدأ التقاضي

تشرين2 21, 2018

الاخبار-21-11-2108

أيلي ابو عون

 

كثرت في الفترة الأخيرة استدعاءات الأجهزة الأمنية لناشطين وناشطات بسبب تعبيرهم عن رأي سياسي على وسائل التواصل الاجتماعي. وكأي قضية خلافية، صدرت آراء وتحليلات كثيرة عن الموضوع أغلبها ذو طابع سياسي أو قانوني. لتعميق النقاش، يقتضي إثارة العنصر الحقوقي ايضاً والذي يتمثل بالضرر التي تحدثه هذه الممارسات على الحريات الفردية.
لا غنى عن التأكيد أن ممارسة الحريات الفردية، ومن ضمنها حرية التعبير، لا تجيز استباحة كرامات الناس. لذا محاولة بعض أهل السلطة تبرير الاستدعاءات باللعب على هذا الوتر ليست الا لذرّ الرماد في العيون. يكمن لبّ المشكلة في إيجاد أفضل الطرق للحفاظ على كرامة الآخر من دون المس بالحريات، وهذا ما فشلت السلطات المتعاقبة على لبنان منذ 1990 في إيجاده.
تضمن القوانين لأي شخص (مسؤول سياسي أو مواطن عادي) يشعر بأن رأياً سياسياً معيناً قد تعرض لكرامته حق التقاضي (اللجوء إلى القضاء)، وهذا حق ثابت وليس موضع تشكيك أو جدل. لكن الإشكالية تكمن في التوقيفات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ومدى تأثيرها على المحاكمة العادلة التي هي وحدها كفيلة بإحقاق الحق وإصدار الحكم، في ما لو كان الرأي السياسي المعبّر عنه مهيناً لكرامة الآخرين أم لا.
ولجوء الأجهزة الأمنية إلى استدعاء المواطنين واستجوابهم وإجبارهم على توقيع تعهد بعدم التعرض لشخصية معينة يشكل بحدّ ذاته نقضاً لمبادئ التقاضي، ولعمل القضاء المولج وحده النظر في قضايا القدح والذم، بما فيها تلك الحاصلة على مواقع التواصل الإجتماعي، ومعاقبة من يعتدي على كرامة الآخرين بالإعتماد على الآليات القانونية دون سواها، وليس بناءً على ممارسات استنسابية ذات طابع أمني.
ولحصرية المحاكم في النظر بقضايا القدح والذم أسباب موجبة، أبسطها أن الأجهزة الأمنية لا تملك الأدوات والإختصاص والصلاحية اللازمة لإصدار الأحكام في ما إذا كان رأي ما على مواقع التواصل الإجتماعي مهيناً لكرامة الآخر أم لا. فالضابطة العدلية لا يمكن أن تصدر أحكاماً قضائية، بل تعمل تحت سلطة القضاء ضمن الصلاحيات الممنوحة بالنصوص القانونية.
لكن المسألة تتعدى مجال القوانين والصلاحيات الى بعد اكثر خطورة، ألا وهو تأثير هذه الممارسات على الحريات في لبنان. وهنا يبرز سؤال موجه الى الذين يروّجون لفكرة أن الاعتراض على هذه الممارسات انما هو هجوم على رئيس الجمهورية و«العهد»: ماذا يربح العهد وسيده من التطبّع مع ممارسات تنتهي بتقييد الحريات وقمع التعبير؟ فهل معاقبة من أهان الآخر بأدوات بوليسية واستبعاد القضاء وتحجيم دوره يحافظان على كرامة الناس وقوة العهد؟ وهل تعزيز الرقابة الذاتية والسماح بالترهيب الفكري وتخوين الإختلاف والآراء المغايرة وتدجين النخب الفكرية تّعزز من قدرة المجتمع والناس على معالجة المشاكل والمعضلات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية؟ أم ان العهد يربح من استخلاص العبر من العهد الشهابي الذي بنى رصيداً سياسياً من خلال انشاء مؤسسات حكومية كان لبنان في أمّس الحاجة لها، ولكنه بدّد هذا الرصيد نتيجة تصرفات المكتب الثاني؟
تكمن المصلحة العامة، ومصلحة فخامة الرئيس والعهد تحديداً، في تعزيز سلطة القانون وحصر ملاحقة قضايا القدح والذم وكافة قضايا الرأي بالقضاء وحده عبر محاكمات عادلة تتوافق مع المعايير الدولية ومع التزامات لبنان، وانسجاماً مع دوره الريادي في صياغة الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
وفي السياق نفسه نسأل مناصري العهد عن تبريراتهم للتصرفات القمعية بأنها محكومة بالقوانين المرعية الإجراء: لماذا لا يطبقون المعيار نفسه على حقبة 1990 ــــ 2005 حين كان فخامة الرئيس وأنصاره وغيرهم من الناشطين والناشطات مستهدفين بالممارسات نفسها؟ كيف يمكن لمن ناضل طيلة 15سنة ليتحرر لبنان من الوصاية القبول بهكذا منطق؟ ولماذا تشكل الممارسات من إستدعاء والزام بالتوقيع على تعهد واستعمال المادة القانونية عينها قمعاً مداناً قبل 2005، فيما تصبح حفاظا على الكرامة بعد 2016؟ فهل أصبحت القيم استنسابية تتغير بحسب الأهواء السياسية والمصالح والمناصب؟ وماذا يبقى لنا إذا أدخلنا قيمة كرامة الإنسان في بازارات السياسة وزواريبها؟
* استاذ محاضر في مادة حقوق الانسان

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأم العاملة المتضرر الأكبر

العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأ…

نيسان 02, 2020 497 مقالات وتحقيقات

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان" : الإعلان مخالف للنص العام ولقانون انشاء المؤسسة الخاص

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة…

نيسان 02, 2020 27 مقالات وتحقيقات

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الرواتب

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الروا…

نيسان 01, 2020 42 مقالات وتحقيقات

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجامعيين عاطلون عن العمل... سركيس: السبب فوضى الجامعات وعدم مواءمة السوق

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجام…

نيسان 01, 2020 32 مقالات وتحقيقات

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

آذار 31, 2020 55 مقالات وتحقيقات

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في الضمان فهل يكون الشرارة التي تفجر الشارع بعد "الواتساب"؟

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في ال…

آذار 31, 2020 53 مقالات وتحقيقات

على الحكومة أن تدفع... فوراً

آذار 30, 2020 49 مقالات وتحقيقات

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب!

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب…

آذار 27, 2020 77 مقالات وتحقيقات

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتات للفقراء...

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتا…

آذار 27, 2020 70 مقالات وتحقيقات

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل الكابيتال كونترول الاجراءات حتى نهاية 2020 في انتظار الآلية التنفيذية

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل …

آذار 19, 2020 150 مقالات وتحقيقات

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل في ظل "كورونا"  العمّال يدفعون الثمن ... والحكومة لا تحميهم

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل…

آذار 17, 2020 142 مقالات وتحقيقات

المصارف تستولي على دولارات المودعين

المصارف تستولي على دولارات المودعين

آذار 17, 2020 119 مقالات وتحقيقات

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

آذار 16, 2020 153 مقالات وتحقيقات

كابوس "الكابيتال كونترول" بات واقعاً.. إليكم تفاصيله

كابوس "الكابيتال كونترول" بات …

آذار 16, 2020 130 مقالات وتحقيقات