الحراك المطلبي: للخروج من عشوائية المطالب نحو توحيدها وتحديدها

كانون1 24, 2018

- المرصد

أسعد سمور- انطلقت دعوات للتظاهر في ساحة رياض الصلح من منصات التواصل الاجتماعي. دعاة المظاهرة ناشطون وناشطات والجمهور كان مستعدا للنزول إلى الشارع مستلهما حركة السترات الصفر في فرنسا، ومستعيدا هتافات "الربيع العربي" الذي عاد يطل برأسه مجددا من السودان. أما المحرك الفعلي للمظاهرة فقد كان الواقع المعيشي اللبناني.

توافد المحتجون إلى مراكز الاعتصام في بيروت والجنوب والشمال، بهم اكتمل المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد، ومن ير هذا المشهد لابد أن يدعوا لدق ناقوس الخطر، فالليرة تواجه أزمة استقرارها، والديون تنمو بقوة، أطفال يموتون على أبواب المستشفيات، البطالة تتفشى بسرعة، لا مياه ولا كهرباء، كلفة التعليم مرتفعة، أزمة السكن ترواح مكانها، البلاد تختنق بالنفايات وزحمة السير الخانقة على مداخل بيروت وفي شوارعها، وآمال متعثرة بتشكيل الحكومة بسبب التعنت السياسي ومعارك "تكسير الرؤوس" لطبقة سياسية باتت مقتنعة تماما أن الجمهور سيبقى مواليا لها حتى لو سرقته ونهبته وتركته يموت جوعا أو مرضا على أبواب المستشفيات.

عكس المتظاهرون نبض الشارع، وربما صورة لبنان الحقيقية، هتافات عشوائية، منهم من يريد "إسقاط النظام" ومنهم من يطالب بـ"تشكيل الحكومة" آخرون يطالبون بـ"إسقاط حكم المصرف" وملثمون يطالبون بالعفو العام، بعضهم لم يكتف بالمطالبة بل قرر أن يترك أثرا، فهاجم محلات الصيرفة. في خضم هذا المشهد السوريالي للبنان كان هناك من يدعو متظاهرين، أتوا من أمكنة مختلفة ومن زمان ليس بعيد عن الحروب العبثية، أن يتحركوا بشكل سلمي وحضاري، وصوروا أعمال العنف وكأنها كارثة وطنية، لاشك أن الاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة أمر مرفوض ومنفر، ولكن ما حصل لا يستدعي كل هذا الاستنكار، بل يدفع أكثر للتساؤل عن أسباب ميل هذه الفئات للعنف، وكيف تتم معالجتها، خصوصا وأنها تبدو كردة فعل، وإن كانت مرفوضه، ولكنها ناجمة عن تعنيف اقتصادي اجتماعي تمارسه السلطة على مواطنيها.

الأكثر خطورة هي ثقة الأحزاب الحاكمة بقدرتها على التحكم بالشارع وضبط إيقاعه، وهي مازالت قادرة فعلا على القيام بذلك. هذه الأحزاب مازالت تراهن على قدرة الطائفية بامتصاص الغضب الشعبي، وعلى تنفيس الاحتقان المطلبي وتفريق الشارع، وتحويل الصراع من مطالب لتحسين ظروف المعيشة إلى صراع لحماية الطائفة. هذه الأحزاب عليها أن تعيد النظر جديا بثقتها خصوصا أن المجتمع المدني اللبناني أوجد لنفسه مكانا بين المجتمعات الطائفية وهو ينمو، كما أن الوضع الاقتصادي وتأزم البلد لم يعد يتيح لكل زعيم طائفي أن يستخدم موارد الدولة لتوزيعها على زبائنه الطائفيين ما ينذر بانفجارات داخل المجتمعات الطائفية نفسها. 

ليس مبالغا القول أن الخلاص بيد المجتمع المدني اللبناني الذي بات من واجبه أن يحمل مسؤولية وطنية، وأن يستمر في خوض نضاله وطرح القضايا المطلبية والمعيشية، لقد بات واجبا على المجتمع المدني أن يحدد قضية محددة وجامعة لكل اللبنانيين لتكون مدخلا لسلسلة من المطالب التي قد تفضي في نهاية المطاف إلى تحسين الوضع المعيشي والسياسي في البلاد.وإذا كان تحرك المجتمع المدني لن يحقق إنجازات كبيرة، وهو ليس مطالب بذلك، ولكنه على الاقل سيكون قد وضع لبنة جديدة في مسار بناء الدولة اللبنانية العادلة والقادرة على حماية أبنائها من الفقر والعوز والحروب.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات الخارجيّة هي أكبر مصدر للتمويل والتنمية

تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات…

تموز 29, 2019 2206 مقالات وتحقيقات

مأساة نساء الفريز

مأساة نساء الفريز

تموز 26, 2019 2299 مقالات وتحقيقات

التعليم الرسمي يعتصم

التعليم الرسمي يعتصم

تموز 26, 2019 168 أخبار

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا «العيش المشترك»!

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا …

تموز 26, 2019 160 مقالات وتحقيقات

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التصميم يولّد الإعاقة

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التص…

تموز 25, 2019 171 المجتمع المدني

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبية»: هل الهدف إرسال الفلسطينيين إلى السجون أم ترحيلهم؟

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبي…

تموز 25, 2019 187 مقالات وتحقيقات

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل الموازنة التقشفية تهميش للأولاد ذوي الإعاقة؟

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل…

تموز 24, 2019 192 مقالات وتحقيقات