عام 2018 :فضيحة الشهادات المزورة ومخالفات الجامعات السلسلة تراوح في المدارس الخاصة ونكسات في التعليم الرسمي

كانون2 02, 2019

النهار-2-1-2019

إبراهيم حيدر


كأن التربية معلقة أيضاً على أعمدة الفراغ في 2018. أزماتها في قطاعي التعليم ما قبل الجامعي، والتعليم العالي، تتراكم ولا تستطيع معها وزارة التربية أن تحسم في ظل استقالة الحكومة والدولة عن تنظيم أوضاع التعليم وإقرار قوانين تساهم في ترتيب شؤونه واستقرارها. فالمشكلات ترّحل من سنة إلى أخرى، باستثناءات تدرج في خانة الإنجازات لكنها تعبر من اللحم الحي وتضحيات أهل التربية، فيما كل الملفات تحتاج إلى عناية خاصة وقرارات حازمة ومعالجات، بدءاً من ملف الجامعات إلى أزمة المدارس الخاصة والمعلمين والمتعاقدين، فالجامعة اللبنانية التي تحتاج إلى رعاية ودعم بلا تدخل سياسي، إلى موضوع تعليم اللاجئين الذي يجر همومه بين النجاحات والإخفاقات، لكنه يضغط بشدة على المعنيين في التربية والبلد.

طغت المخالفات في جامعات خاصة واكتشاف فضيحة الشهادات المزورة على اهتمامات التربية في عام 2018، وهي ملفات تجر ذيولها منذ سنوات ويتوقع أن تستمر مشكلتها في 2019، بفعل التدخلات السياسية والحزبية والمناطقية التي أنقذت جامعات ومعاهد من الإقفال، ومتورطين تبين أنهم يخالفون القوانين منذ سنوات طويلة. وقد حاولت معاهد وجامعات الإنطلاق في التدريس من دون تراخيص، بينها بعض المؤسسات في الشمال، فوجهت إليها إنذارات أدت إلى تراجعها، فيما واصلت جامعات أخرى فتح فروع جغرافية من دون أن تنتظر إنتهاء اللجان الفنية التابعة لمجلس التعليم العالي من إعداد تقاريرها.

كل المخالفات في التعليم العالي لم تنته بإجراءات حاسمة، وذلك بعدما بدأت الفضائح تظهر تتالياً، بدءاً من المعهد الجامعي في صيدا الذي تبين أن البعض في داخله يبيع شهادات أو يخالف شروط التسجيل، فأخضع للتحقيق من لجنة عن مخالفته لقانون التعليم العالي وشروط الترخيص. وقد وجه مجلس التعليم العالي في منتصف 2018 انذارات إلى ثلاث مؤسسات تعليم عال في بيروت والجنوب وجبل لبنان، بينها جامعة خالفت الترخيص لعدد الطلاب. وثانياً وجه انذاراً لجامعة خالفت شروط التسجيل، وشكل لجنة تحقيق للتدقيق في المعلومات التي نشرت عن بيع شهادات وتسجيل مخالف للقانون، وثالثاً أنذر جامعة تصدر شهادات مشتركة بين لبنان والخارج من دون الحصول على الترخيص وتمنح شهادات من جامعة في الخارج لاختصاصات غير مرخصة عندها. لكن أي نتائج لم تظهر حول هذه الجامعات باستثناء تحذير المعهد الجامعي في صيدا بإلغاء ترخيصه.

القرار الوحيد النهائي الذي اتخذ كان إقفال المكتب التمثيلي لجامعة (European Global University) الأجنبية ومنعه من استقبال الطلاب اللبنانيين. وهي جامعة غير مرخص لها بالعمل في لبنان. وإذا كان المجلس أوصى في أب 2018 بالتدقيق في أوضاع ثلاث جامعات، (جامعة التكنولوجيا والعلوم التطبيقية اللبنانية الفرنسية، الجامعة الأميركية للثقافة والتعليم، وكلية صيدون الجامعية)، بحظر تنسيب طلاب جدد الى أي من الاختصاصات المجاز لها إسداء التعليم فيها في حرمها الأساسي وفي فروعها الجغرافية كافة، الى حين تقديم تقرير بنتيجة هذا التدقيق، فإن المخالفات الأخرى، تتمثل بفضيحة تزوير شهادات الإجازة الجامعية (الليسانس) لمصلحة أفراد تبين أن عدداً كبيراً منهم ينتمون إلى المؤسسة العسكرية، ما دفع جهاز المخابرات في الجيش إلى وضع يده على الملف. ثم صار الملف في عهدة القضاء، مع توقيف عدد من المتورطين في بيع الشهادات، من بينهم مدير في إحدى الجامعتين، ومسؤول في الجامعة الثانية، إلى عدد من الإداريين المتورطين في القضية، والذين تقاضوا مبالغ مالية غير محددة عن تزوير كل شهادة، إلى التلاعب ببيانات التسجيل وتغيير التواريخ لعدم كشفها وكأنها شهادة شرعية صحيحة. وانسحبت الفضيحة على ملف التعليم العالي كله، لينتهي العام 2018 ولا تصدر نتائج التحقيقات، بعدما سربت معلومات عن تسويات حصلت في هذا الشأن.
ولعل أبرز المواقف في الشأن الجامعي، كان القرار الذي اتخذته الجامعتان اليسوعية والأميركية بالإنسحاب من رابطة جامعات لبنان، ليس احتجاجاً فقط على الموقف من فضيحة الشهادات المزورة، إنما رفضاً لاستمرار نظام جامعي طفيلي نشأ على هامش الجامعات العريقة في لبنان، ويحظى برعاية سياسية وطائفية. وقد حسمتا وجهتيهما، أولاً بالتحالف والشراكة الاستراتيجية كمقدمة لاستقطاب جامعات أخرى كالجامعة اللبنانية مثلاً، وثانياً في الهدف الذي تسعى الجامعات لتحقيقه انطلاقاً من تعاون المؤسسات التاريخية لرفع قيمة التعليم العالي في لبنان. ففضيحة التزوير وبيع الشهادات، وإن كانت خضعت للتحقيق ومتابعة القضاء، إنما هي أكبر من ذلك بكثير، وترتبط ببنية النظام الجامعي نفسه.

أما الجامعة اللبنانية، فلا تزال تعاني، أولاً من البازار السياسي الذي يريد أن يوظفها لمصالحه الطائفية في المناطق عبر إنشاء شعب وفروع، وإهمال المجمعات الكبرى في المحافظات، فيما لا تزال تعاني من قلة الدعم المالي، وسط مطالبة بإصلاحها وإعادة تفعيل مجالسها، خصوصاً مجلس الجامعة الذي انتهت ولاية العمداء فيه في ظل الفراغ. وقد شهدت الجامعة صراعات طائفية، ونالت في المقابل الاعتماد المؤسسي الفرنسي.

في التعليم ما قبل الجامعي، كانت أزمة الأقساط المدرسية الناجمة عن قانون السلسلة 46 والتي رحّلت من العام 2017، تستفحل وتتفاقم وتبلغ ذروتها مع انطلاق السنة الدراسية في المدارس الخاصة، خصوصاً وأن قسماً من الأهالي لم يسددوا الأقساط المترتبة على أولادهم. واستمر المعلمون يطالبون بتطبيق القانون 46 كاملاً مع الدرجات الست، ويدعون الى تسيير معاملات صندوقي التقاعد والتعويضات، قبل أن تقرر نقابتهم رفع دعاوى قضائية على الصندوق وادارات المدارس كخيار يحمل أخطاراً على الصندوق نفسه، فيما لم تلجأ النقابة إلى الإضراب كخيار أخير في المواجهة اذا كانت الامور ستسير نحو فصل التشريع. وقد تبين أن مدارس عدة تعاني أزمات، وقدرت نقابة المعلمين أعداد المعلمين الذين صرفوا من التعليم بـ500. لكن الأخطر الذي شهدته السنة 2018، كان محاولة اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة بالاتفاق مع عدد من النواب وبعض الهيئات الاقتصادية، العمل لتقديم اقتراح قانون لتعديل قانون السلسلة 46، أو إلغائه، والهدف من ذلك التنصل من كلفة تمويل الدرجات الست، ثم فصل التشريع بين القطاعين. لكن هذا الاقتراح لم يبصر النور على رغم استمرار المحاولات، وعدم تطبيق المدارس للسلسلة كاملة ومطالبة الدولة بتمويل كلفتها.

لم نشهد في عام 2018 تحركات مطلبية للمعلمين في الرسمي بعدما اقر قانون السلسلة 46 في عام 2017. وعلى رغم اعتراض أساتذة الثانوي الرسمي "على ما لحقهم من إجحاف في السلسلة"، فإن حركتهم تركزت على مشكلة الفائض والناجحين المتمرنين في وزارة التربية الذين حرموا من الإفادة من الدرجات، وإن كان ذلك أخذ جدلاً في القانون، لم يصل إلى مستوى ما عانته قطاعات المتقاعدين في التعليم الذين نظموا تحركات متتالية لحرمانهم مما تمنحهم إياه المادة 18 من قانون السلسلة. لكن وزارة المال تمسكت بموقفها مستندة إلى مواد قانونية من خارج القانون 46 والتي تحسم مبالغ لا يستهان بها من الزيادات التي أقرت للمتقاعدين، وهو ملف بدا أنه مرحل إلى السنة 2019 من دون أن تحسم أموره القانونية. أما المتعاقدين في الثانوي والأساسي الرسمي، فاستمروا خلال االعام 2018 بالتحرك، مطالبين بمباراة حصرية تتجاوز اعتبار السن القانوني لأكثريتهم، وهو أمر لم يحسم حتى الآن، على رغم أن التربية منعت التعاقد خلال هذه السنة.

يتبين أيضاً أن اللبنانيين لا يثقون بالتعليم الرسمي في 2018. وللدلالة على ذلك تبلغ معاناتهم الذروة اذا كانوا يريدون الحصول على تعليم نوعي جيد. فمجموع التلامذة وفق آخر احصاء للمركز التربوي للبحوث والإنماء 30،7 % للتعليم الرسمي، والباقي للتعليم الخاص الذي لا يزال يستقطب نحو ثلثي التلامذة في لبنان. أما اللاجئون فبلغ عددهم في التعليم الرسمي نحو 260 ألف تلميذ.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Twitter: @ihaidar62

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات الخارجيّة هي أكبر مصدر للتمويل والتنمية

تحويلات العمّال من الخارج لا الاستثمارات…

تموز 29, 2019 2206 مقالات وتحقيقات

مأساة نساء الفريز

مأساة نساء الفريز

تموز 26, 2019 2299 مقالات وتحقيقات

التعليم الرسمي يعتصم

التعليم الرسمي يعتصم

تموز 26, 2019 168 أخبار

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا «العيش المشترك»!

الناجحون عبر مجلس الخدمة المدنية: ضحايا …

تموز 26, 2019 160 مقالات وتحقيقات

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التصميم يولّد الإعاقة

«دليل المهندسين» لدمج المعوقين: سوء التص…

تموز 25, 2019 171 المجتمع المدني

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبية»: هل الهدف إرسال الفلسطينيين إلى السجون أم ترحيلهم؟

طراد حمادة عن خطة «تنظيم العمالة الأجنبي…

تموز 25, 2019 187 مقالات وتحقيقات

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل الموازنة التقشفية تهميش للأولاد ذوي الإعاقة؟

لبنان يبتعد أكثر فأكثر عن التعليم الشامل…

تموز 24, 2019 192 مقالات وتحقيقات