الجامعة اللبنانية بين «حكم القانون» و«ثقافة القانون»

تموز 23, 2019

د.عزة سليمان

الاخبار-23-7-2019


استقبل رئيس الجمهورية ميشال عون، أخيراً، رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية بعد شهرين على بداية الإضراب، وبعد أسبوعين على توقيفه، وعلى إعلان البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية الدولية اهتمامهما بقضايا الجامعة. كما جاء اللقاء بعد أسبوع على تعيين مدير في كلية الحقوق خارج الأصول القانونية التي تفرضها أنظمة الجامعة. رئيس الجمهورية أبلغ الرابطة أن الوضع الاقتصادي في لبنان يحول دون تحسين وضع الجامعة.
بين المعايير الدولية والأداء المحلي تجاذب العاشقين وتنافر الخائنين. فمع التوجهات الدولية الحديثة في إدارة المرافق الحيوية، يظهر مؤتمر اليونيسكو للتعليم العالي وإعلان اليونيسكو للحريات الأكاديمية كنصوص أساسية تسعى من خلالهما المنظمة الدولية لتكريس الإدارة الرشيدة للجامعات الرسمية بهدف المحافظة على جودة التعليم وعدالته أمام الفئات الاجتماعية المختلفة، ضمن جو من الحرية في الفكر والتعليم والبحث العلمي، تسوده الشفافية والنزاهة والمحاسبة وتطبيق حكم القانون.
يشكل «حكم القانون» المعيار الأساس لتطبيق هذه التوجهات وضمان عدالة التعليم. هذه التوجهات المبنية على صحة تمثيل الفئات المختلفة المعنية بمرفق التعليم العالي، المحتكر وفقاً للمنظومة التوافقية اللبنانية من الأحزاب الطائفية الممسكة بالحكم منذ اتفاق الطائف، والتي تبلورت بالتعميم رقم 2/2017. وقد أصدر رئيس الجامعة هذا التعميم للمحافظة على «الميثاقية» في المراكز الأكاديمية. يتجلى دور حراك الجامعة في هذا السياق بظهور نسبة كبيرة من أساتذة الجامعة وطلابها غير الموافقين على الآلية التي بموجبها تدار الجامعة اللبنانية.
لا ينفصل «حكم القانون» عن «ثقافة القانون» وهو المتمثل بلغة مشتركة عامة لدى مختلف مكونات الشعب، حيث يصدر القانون الفاعل في المجتمع مكوناته بما يضمن التفاعل الإيجابي بين النص والممارسة التي لا يفترض أن تنحصر بنصوص شكلية خاوية على قياس أحزاب وطوائف. وتبدأ الثقافة بممارسة الشخصيات الاجتماعية بحيث تتحول إلى نموذج يحتذى به من المكونات الاجتماعية المختلفة: سياسيين وإعلاميين ورجال دين وموظفين رفسعي الرتبة وأساتذة جامعات.
سلوك الوزراء خلال فترة الإضراب ابتعد كل البعد عن الإطار القانوني والحقوقي والمواطني. فكان موقف «القيادات الوزارية» على اختلاف انتماءاتهم الحزبية - الطائفية، ممنهجاً ومتناغماً. وقد اعتبروا بأدائهم الاساتذةَ جماعةً يقودونها بعيداً عن أي خطاب مؤسساتي. وسمحوا لأنفسهم بتخطي الخطاب الحقوقي واستخدام القانون خارج سياقه، متناسين أننا لم نعد في بداية القرن العشرين حين وضعت النصوص التي استخدموها في ظل الدولة البوليسية. فقد أتت بعدها كل الشرعات الدولية لحقوق الإنسان والحريات الأكاديمية، المصادق عليها من الدولة اللبنانية، بما يسقط البعد البوليسي لأداء السلطة الحاكمة، ويسقط عن الجامعات في حال ممارستها أي قيمة علمية عالمية عند ابتعاد ممارستها عن معايير الحريات والجودة. وما زاد الأمر فداحة تعاميم غامضة من رئيس الجامعة الموكل إليه أصلا حماية المؤسسة وأهلها، تحتمل معاني تهديدية ضمنية لن يثنيه عن ممارستها ضابط عند إعلان الضوء الأخضر من أصحاب القرار.
كما احتكر ممثلو أحزاب السلطة في الجامعة صلاحية تفسير القانون «على القطعة»، متناسين أن القانون يفسر بما يعطي النصوص معاني فاعلة وتخدم الغاية التي من أجلها وضع هذا النص، سواء كان نصاً مرتبطاً بقانون غير واضح لتنظيم الأداء الأكاديمي أو تنظيماً داخلياً للرابطة بما يخدم وحدة العمل النقابي. واستخدم الأساتذة المعنيون بالشأن القانوني - وليس الحقوقي - ثقافتهم بالاستخفاف بمحيطهم والاستقواء بموقعهم الحزبي، بتوجيه الاتهامات والتهويل على كل من خالفهم الرأي، وإن كان مختصاً بالقانون. وقد نسي هؤلاء «الفقهاء» أن ثقافة القانون لا تظهر فجأة، إنما هي مسار متكامل من التعامل مع دولة القانون والمؤسسات بما يجعل دور مؤسسات الدولة تخدم مصلحة المواطن وترفع من شأنه من دون اعتبار الدولة بأنظمتها خدمة لفئات طائفية. وتجاهل هؤلاء المعيّنون في مراكزهم الحزبية والأكاديمية أن القانون في دولة المؤسسات لا ينحصر بحبر على ورق بحثاً عن اعتراف دولي، إنما يفترض أن يقترن بممارسة تنعكس في بيئتهم الاجتماعية كما المؤسساتية الجامعية، وتحترم معنى دولة القانون وحكم القانون وثقافة القانون. إن الممارسة المعتمدة تشكل دليلاً صارخاً على الابتعاد عن تلك الممارسة، ليس أولها عدم الالتزام بقانون التفرغ أو تعيين مدراء بقرار «الباب العالي» خارج الأصول القانونية، ولا تنتهي مع لجان «علمية» محترمة معيار الطائفية والحزبية بعيداً عن معيار الاختصاص في الكثير من المرات، وعن استخدام المركز الإداري مهما علا شأنه على قياس توازن مصالح ضيقة بعيداً عن عدالة القاعدة. فالقانون المطبّق شرط أساسي، ولكن التطبيق الشامل على جميع المعنيين هو الشرط الضروري لدولة القانون. والحق المكرس هو ايضاً معيار أساسي، ولكن الاعتراف للجميع بحقوقهم هو الشرط الضروري للعدالة ولحكم القانون. والقرارات القضائية السريعة أمر ضروري، لكن تفعيل العمل القضائي لمصلحة كل المواطنين يبقى المفتاح الوحيد لضمان عدالة القانون.
فدولة، الدستور فيها محال إلى هامش الحياة السياسية، والتعيينات القضائية مرتبطة بمحاصصة توافقية، واستقلال القضاء مرهون بمبلغ مالي معترف به من السلطة السياسية، والإدارات العامة والبلديات ترفض تطبيق قرارات مجلس الشورى، ويجري فيها ابتداع ممارسات جديدة تحت ستار «العرف القانوني»... وغيرها من الممارسات بحجة وطن لم يبق منه إلا الاسم والنشيد، هي دولة لا تعكس بأي شكل حكماً للقانون.
أما في الجامعة اللبنانية ورابطة أساتذتها، فقد أظهر الحراك الأخير حاجة جموع الأساتذة لفهم القانون وآلية تطبيقه وكيفية تفسيره، عندما تكون النصوص غامضة أو القرارات والتعاميم مفاجئة ومخالفة للنصوص الأعلى، ولأهمية وجود سلطة قضائية ضامنة لحقوق المواطن. ذلك، بسبب شعورهم بأهمية القانون وأبعاده وارتباطه المباشر بمصيرهم عندما تستخدمه السلطة للحكم بالقانون بدل اعتماد حكم القانون. هذه النقاشات التي لم تستثنِ مختصاً أو غير مختص، شكلت ظاهرة مهمة ومؤسسة لمرحلة فكرية جديدة في الخطاب داخل الجامعة. وظهرت بشكل واضح في النقاشات الإشكالية المتعلقة بمعنى الشرعية وأثرها على سلطة القرار. وهذا ما يعيدنا إلى السؤال عن مكان الآلية المعتمدة في إدارة شؤون الجامعة عن المعايير المعتمدة عالمياً.
أما الاساتذة الحزبيون، فقد تماهى خطابهم مع خطاب قياداتهم الفوقية والتهكمية والتهويلية، إذ كانت لديهم جسارة التهجم على الأساتذة، ولم يرتقوا إلى مستوى شهامة الاعتذار. علماً ثقافة القانون لا يمكن أن تنفصل عن ثقافة الأخلاق والقيم العليا الاجتماعية.
* استاذة في كلية الحقوق - الفرع الفرنسي في الجامعة اللبنانية

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الدولة أمام «فخّ» سلامة

الدولة أمام «فخّ» سلامة

شباط 14, 2020 23 مقالات وتحقيقات

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة…

شباط 13, 2020 36 مقالات وتحقيقات

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهكونه

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهك…

شباط 13, 2020 33 مقالات وتحقيقات

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائر

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائ…

شباط 13, 2020 38 مقالات وتحقيقات

الضمان يبتزّ الأُجراء

الضمان يبتزّ الأُجراء

شباط 13, 2020 38 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة ا…

شباط 12, 2020 43 مقالات وتحقيقات

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين…

شباط 12, 2020 50 مقالات وتحقيقات

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت التحقيقات؟

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت الت…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال المودعين: اطردوا رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال ال…

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القروض 6 أشهر المادة 36 تغطي القروض المدعومة من مصرف لبنان فقط!

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القر…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تعذيب وإخــفاء قسري!

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تع…

شباط 07, 2020 77 مقالات وتحقيقات

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد الناشطين «بالمفرّق»

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد ال…

شباط 07, 2020 57 مقالات وتحقيقات

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأملاك البحرية

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأمل…

شباط 07, 2020 63 مقالات وتحقيقات

المصارف تسهم في موت الصناعة

المصارف تسهم في موت الصناعة

شباط 07, 2020 79 مقالات وتحقيقات

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

شباط 07, 2020 69 مقالات وتحقيقات

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشبكة وعقدا الصيانة والتشغيل في مهبّ الريح

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشب…

شباط 06, 2020 71 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 68 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 98 مقالات وتحقيقات