تسعة مليارات دولار ضخّتها المساعدات في الاقتصاد في خمس سنوات: ليس كل الحقّ على النازحين السوريين

آب 05, 2019

الاخبار-5-8-2019

هديل فرفور


العبء الذي فرضه النزوح السوري على البنية التحتية الهشّة وعلى الخدمات العامة وغيرها في لبنان، تحوّل إلى خطاب عنصري يحمّل هؤلاء مسؤولية الخلل البنيوي في الاقتصاد. في حين أن «الوجه الآخر» لهذا النزوح يبيّن أن النازحين يدفعون ما يصل الى أكثر من نصف مليار دولار بدلات إيجار سنوياً، وضاعف نزوحهم فرص العمل ثلاث مرات، فيما ضخّ هذا الملف في الاقتصاد اللبناني أكثر من تسعة مليارات دولار في السنوات الخمس الأخيرة

نحو 9,33 مليارات دولار ضخّها النزوح السوري في الاقتصاد اللبناني بين عامَي 2013 و2018. إذ تسلّم لبنان، خلال هذه الفترة، 5.8 مليارات دولار مساعدات إنسانية، ويقدّر حجم «المُضاعف المالي» لكل دولار من أموال المُساعدات بـ 1.6 دولار. وبالتالي، فإنّ الـ 5.8 مليارات دولار تُرجمت فعلياً ضخّ 9.33 مليارات دولار في الاقتصاد اللبناني.
إلى ذلك، يدفع النازحون، سنوياً، بين 383 مليون دولار و530 مليوناً بدلات إيجار للسكن. فيما زادت الإيرادات الحكومية بين 2011 و2016 نحو 800 مليون دولار نتيجة زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية. وقبل النزوح السوري، كان الاقتصاد اللبناني يخلق نحو 3400 فرصة عمل سنوياً، «في حين أن 10 آلاف وظيفة، بالحد الأدنى، خلقت سنوياً منذ بدء تدفّق اللاجئين السوريين». وخلقت خطة «استجابة اللاجئين السوريين»، وحدها، 22 ألفاً و500 فرصة عمل عام 2016 في القطاع العام، منها 10 آلاف و181 عملاً بدوام كامل، فيما وصل عدد الوظائف في القطاع العام المدعومة من الخطة الى 10 آلاف و819 بحلول نهاية عام 2018. وزاد عدد المُشتركين في شركات الهاتف الخلوي من 2.9 مليون عام 2010 إلى 4.4 ملايين شخص عام 2017 بسبب امتلاك 85% من السوريين في لبنان اشتراكات في شبكتَي الخلوي.
هذه الأرقام وغيرها استعرضها مؤتمر «الإدماج الاقتصادي لتخفيف أزمة اللجوء»، الذي عقده مشروع «اللاجئون = شركاء»، الجمعة الفائت، لإبراز المساهمات الاقتصادية للنازحين السوريين، ولبناء خطاب مُضادّ لخطاب الكراهية المعادي للنازحين «والذي يتفاقم حالياً لأغراض سياسية بحت»، بحسب أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت جاد شعبان.

تبريرات وهواجس
شعبان ذكّر بأنّ هذا الخطاب يُحمّل النازحين مسؤولية فشل إدارة الدولة للاقتصاد وغياب السياسات الوطنية الشاملة لإدارة أزمة النزوح، ولفت الى «اللغط المقصود بين أثر الأزمة السورية وأثر اللجوء السوري على الاقتصاد اللبناني». وأوضح أن «تداعيات الأزمة السورية على الاقتصاد لجهة تراجع التحويلات وإغلاق الحدود ومنع تصريف المنتجات أمر، وتداعيات وجود اللاجئين أمر آخر تماماً»، مشدّداً على ضرورة «كسر هذا اللغط».
شعبان، وبقية المُشاركين في المؤتمر، أقرّوا بالعبء الذي فرضته أزمة النزوح على البنية التحتية الهشّة أصلاً، فضلاً عن الضغط على الخدمات العامة والمساهمة في توسع قطاع العمل غير الرسمي ذي المهارات المحدودة، ما أدّى إلى تفاقم حدّة التوترات مع المجتمعات المحلية المُضيفة، وخصوصاً «أنّ أزمة اللجوء في لبنان هي الأخطر في العالم قياساً بعدد السكّان»، وفق المدير التنفيذي لشبكة المنظّمات العربية غير الحكومية زياد عبد الصمد (وصل معدّل النازحين بدءاً من عام 2014 إلى 25% من سكّان لبنان).

زاد ملف النزوح فرص العمل في لبنان أكثر من ثلاثة أضعاف
إلّا أنّ هذه العوامل باتت تُستخدم في الخطاب المحلي أو العام «لتبرير الإخفاقات الاقتصادية والأمنية والبيئية الظاهرة في البلاد». عبد الصمد أشار الى «أسباب بنيوية» مرتبطة بطبيعة النظام الاقتصادي الريعي فاقمت تداعيات اللجوء. ولفت أصحاب المشروع الى أنّ غياب الإطار المؤسساتي لتنظيم العلاقات مع النازحين أدّى الى تزايد انعدام الأمن، «ما قلّل من إمكانية مُشاركة اللاجئين بفعالية في تطوير الاقتصاد اللبناني». ولفت هؤلاء إلى أنه رغم تخصيص المنظّمات الإنسانية والدول المانحة دعماً كبيراً لمساعدة الدولة واللاجئين والمجتمعات المحلية المُضيفة للتخفيف من أثر الأزمة، إلا أن الحاجة بقيت الى تنفيذ برامج تبتعد عن المساعدات النقدية لمصلحة نشاطات مُستدامة كالمشاريع المتعلّقة بخلق فرص العمل. من هنا، كانت «التوصية» الأبرز للمؤتمر بوضع سياسات ناظمة لوجود النازحين في لبنان والسياسات البديلة التي يمكن أن تضمن خلق فرص اقتصادية للجميع. ولكن، ألا ينسجم ذلك مع مطالب دولية بإدماج النازحين في الاقتصاد اللبناني بهدف منعهم من العودة إلى بلادهم؟
الجواب جاء على لسان شعبان الذي لفت الى أن «الخطر الأساسي» الذي يجب التصدّي له هو تنامي خطاب الكراهية، لافتاً الى أن المشروع هو «نتاج جهد بحثي لتبيان الوقائع ولإنشاء شبكة تواصل وحوار جدّي بناءً على معايير علمية، وبعيداً من الشعبوية، بهدف إصلاح الواقع الحالي إلى حين انتهاء الأزمة وعودة اللاجئين. بمعنى آخر، فإنّ «وضع السياسات الاقتصادية الدامجة مطلوب حالياً لتنظيم وجود اللاجئين في الوضع الراهن وفي المستقبل». وأشار في هذا الصدد الى «اللغط الثاني حول العامل واللاجئ»، إذ إنّ «طبيعة نمط الإنتاج اللبناني تحتاج إلى عمال أجانب غير مهرة لأنّ اللبنانيين غالباً ما يرفضون العمل فيها». انطلاقاً من ذلك، هناك «ضرورة تسوية الواقع الذي حوّل اللجوء إلى عبودية وسُخرة، وساهم في تنمية الكراهية».


مشروع «اللاجئون = شركاء»
وفق القيّمين على المشروع، فإنّه «مبادرة مُستقلّة»، تضمّ الجمعية اللبنانية الاقتصادية (LEA) والمركز السوري لبحوث السياسات (SCPR). وهي تهدف الى خلق خطاب مُضادّ للخطاب السائد حول اللاجئين السوريين من خلال المناصرة والحراك الاجتماعي والدعوة إلى تغيير السياسات، استناداً الى بحوث ودراسات من شأنها أن تُسلّط الضوء على الجوانب الإنسانية المُشتركة بين المجتمعات اللبنانية المُضيفة واللاجئين السوريين، مع التركيز على الآثار الاجتماعية والاقتصادية ومساهمات اللاجئين في تطوير المجتمعات المحلية.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الدولة أمام «فخّ» سلامة

الدولة أمام «فخّ» سلامة

شباط 14, 2020 23 مقالات وتحقيقات

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة" بالحكومة

أي أسئلة الانتفاضة ما بعد "الثقة…

شباط 13, 2020 37 مقالات وتحقيقات

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهكونه

تجاوزات قوى الأمن: حماة القانون... ينتهك…

شباط 13, 2020 33 مقالات وتحقيقات

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائر

وقاحة المصارف: انطلاق معركة توزيع الخسائ…

شباط 13, 2020 38 مقالات وتحقيقات

الضمان يبتزّ الأُجراء

الضمان يبتزّ الأُجراء

شباط 13, 2020 39 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

رئيس هيئة التفتيش المركزي... لا يفتش!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة الموجودات: لبنان يتّجه لوقف سداد الدين

طلب مشورة صندوق النقد وسلامة يحجب جردة ا…

شباط 12, 2020 44 مقالات وتحقيقات

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين…

شباط 12, 2020 50 مقالات وتحقيقات

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

ارتكابات النظام الجامعي التجاري!

شباط 12, 2020 37 مقالات وتحقيقات

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت التحقيقات؟

أموال اللبنانيين المنهوبة: أين أصبحت الت…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال المودعين: اطردوا رياض سلامة

حاكم مصرف لبنان يُصرّ على تبديد أموال ال…

شباط 10, 2020 43 مقالات وتحقيقات

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القروض 6 أشهر المادة 36 تغطي القروض المدعومة من مصرف لبنان فقط!

إقرار تجميد اجراءات التعثر في تسديد القر…

شباط 10, 2020 52 مقالات وتحقيقات

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تعذيب وإخــفاء قسري!

قرار قضائي مخالف للقانون يحفظ 15 شكوى تع…

شباط 07, 2020 78 مقالات وتحقيقات

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد الناشطين «بالمفرّق»

النيابات العامة تخالف «بالجملة» وتحصد ال…

شباط 07, 2020 57 مقالات وتحقيقات

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأملاك البحرية

«الدولة» ترفض مصادرة 700 تعدٍّ على الأمل…

شباط 07, 2020 63 مقالات وتحقيقات

المصارف تسهم في موت الصناعة

المصارف تسهم في موت الصناعة

شباط 07, 2020 79 مقالات وتحقيقات

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

الفرنسيّون ينسحبون من «سوسيتيه جنرال»!

شباط 07, 2020 69 مقالات وتحقيقات

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشبكة وعقدا الصيانة والتشغيل في مهبّ الريح

قطاع الإتصالات: لا استمرارية لتحسين الشب…

شباط 06, 2020 71 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 68 مقالات وتحقيقات

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكارثيّة

ما بعد الإفلاس: لبنان أمام الخيارات الكا…

شباط 06, 2020 98 مقالات وتحقيقات