علي إبراهيم: مدّعِ عام أم مدّعى عليه؟

شباط 10, 2020

الاخبار-10-2-2020

رضوان مرتضى 

منذ سنوات، تصدّر النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم المشهد القضائي. الرجل الذي يتولّى الادعاء والتحقيق في العديد من ملفّات الفساد وهدر المال العام ونهبه، لا ينفك يدّعي ويستدعي ويستمع ويستجوب... من دون نتائج تذكر، ومن دون أن يؤدي ذلك كله الى وضع فاسد واحد خلف القضبان. اتهامات بالجملة توجّه إليه بالتلكؤ في الادعاء ضد كبار الفاسدين، حتى تكاد تحوّله من مدّع إلى مدّعى عليه.

رغم الفساد الذي ينخر بالدولة ومؤسساتها لم يودع ابراهيم مسؤولاً واحداً خلف القضبان (الأخبار)

عُيِّن القاضي علي إبراهيم (1957) مدّعياً عامّاً مالياً عام 2010، بموجب مرسوم في مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح وزير العدل إبراهيم نجّار. كانت هذه المرّة الثالثة التي «يلعب» فيها الحظ إلى جانب ابن بلدة الوردانية في إقليم الخروب. المرّة الأولى كانت عندما نجح «ابن المعمرجي»، كما يُعرف بين أبناء بلدته، في امتحانات دار المعلّمين وعُيِّن أستاذاً للغة الفرنسية في مدرسة البلدة. ست سنوات، قضاها إبراهيم، المولود في العاشر من نيسان 1957، بين التعليم و«نجارة الباطون»، وكان خلالها «الأستاذ علي» صباحاً، و«المعلم علي» بعد الظهر مساعداً لوالده «المعمرجي». بيوت عدة في الوردانية شيّدها النائب العام المالي بيديه، ومنها منزله الذي يعيش فيه. عندما ابتسم الحظ له مرة ثانية وقُبل في معهد الدروس القضائية. ترك المدرسة و«خَيْط البُلبُل» وورش العَمَار و«عتالة» الباطون المجبول، ليحمل ميزان العدالة الأكثر ثقلاً.
قبل أن يتبوّأ إبراهيم منصبه، لم يكن أحد يسمع بالنيابة العامة المالية. هذا في حدّ ذاته «إنجاز»، بالنسبة إليه. غير أنّه، بالنسبة إلى كثيرين، ليس أكثر من «إنجاز صوتي»: يدّعي إبراهيم على من تحوم حولهم شبهات أو يستدعيهم... وبعدها، كفى الله الجميع شرّ قتال الفاسدين.
في ملف «غرق نفق المطار». ادّعى إبراهيم فعلاً، خلال أسبوعين، فنام الملفّ في أدراج قاضي التحقيق ست سنوات
فبعد تسع سنوات من تولّيه منصبه، ورغم الفساد الذي ينخر بالدولة ومؤسساتها إلى حد الإفلاس، لم يودَع مسؤول واحد خلف القضبان، حتى في القضايا التي بات معظم اللبنانيين يعرفون كل تفاصيلها وأسماء المتهمين فيها والمتورطين في النهب، من ملفات التخابر غير الشرعي، مروراً بسرقة الأملاك البحرية والمشاعات وملف الحسابات المالية للدولة ومليارات فؤاد السنيورة الـ 11، وليس انتهاءً بفيضانات «الشتوة الأولى» التي يغرق فيها البلد سنوياً جرّاء فساد متعهّدي الدولة. وبالمناسبة، فإن كثيرين استذكروا المدعي العام المالي مع الفيضانات التي أغرقت نفق المطار مطلع فصل الشتاء الحالي. فقبل ست سنوات، تماماً، صودف أن الرجل كان بين مئات احتُجزوا في سياراتهم ساعات طويلة في النفق نفسه عندما فاضت مياه الصرف الصحي جرّاء الأمطار الغزيرة. يومها، أعلن وضع يده على الملف وطلب من وزير الأشغال أسماء المتعهّدين. سنوات ست مرّت قبل أن... يتكرر مشهد الفيضانات نفسه! واقعة استدلّ كثيرون بها على صحة وصفهم للرجل بـ«الظاهرة الصوتية» من دون كبير أثر على الأرض، واتهامه بالتقصير في معركة استعادة المال العام المنهوب. لكن من الإنصاف القول إن الرجل لا يختصر المسار القضائي بشخصه. ففي ظل غيبوبة التفتيش القضائي وتلكؤ قضاة التحقيق سيصعب على أي مدّعٍ عام أن ينجز أكثر من ... الاستماع والاستجواب! هذا ما حصل، مثلاً، في ملف «غرق نفق المطار». فقد ادّعى إبراهيم فعلاً، خلال أسبوعين، في الملف الذي نام في أدراج قاضي التحقيق في جبل لبنان نقولا منصور ست سنوات، لم يصدر بعدها حكم بإدانة أيٍّ من المتعّهدين المقصّرين، بل مجرّد قرار ظنّي!
إلى ذلك، يؤخذ على إبراهيم أنه، إضافة إلى منصبه، هو أيضاً عضو لجنة الرقابة على المصارف، وقد رفض الانتقال إلى ديوان المحاسبة بسبب التعويضات التي تؤمنها له هذه العضوية. وهو «اتهام» يعتبره إبراهيم، بحسب مصادره، «وساماً» على صدره. فالرجل ليس من أصحاب الثروات، «وتمسكه بهذا الموقع كان من أجل تأمين أقساط المدارس لأبنائه الذين تخرجوا جميعاً في الجامعة اللبنانية وليس في جامعات خاصة». رئاسته لصندوق تعاضد القضاة، أيضاً، جرّت عليه اتهامات باستخدام هذا الموقع (ومناصبه الأخرى) لتأمين وظائف لأقاربه وأبناء بلدته. إذ يعمل خمسة من هؤلاء في الصندوق، كما يعمل ابن شقيقته في بنك لبنان والمهجر حيث الحساب الأمّ للصندوق. مصادر إبراهيم تردّ بأن حساب الصندوق موجود في «لبنان والمهجر» منذ ما قبل رئاسته للصندوق، كما أن ذلك لم يحل دون أن يستدعي رئيس مجلس إدارة المصرف واستجوابه لأكثر من ساعتين بسبب القيود غير القانونية التي فرضها «لبنان والمهجر» على المودعين. أما توسطه لتوظيف عدد من أبناء بلدته، فهو أمر لا تنفيه مصادر الرجل، متسائلة: «أين الخطأ في توسّطه لتوظيف كفوئين محتاجين للوظيفة؟».
وفق التقسيمات الطائفية على «الطريقة اللبنانية»، فإن موقع النائب العام المالي من «حصّة» الطائفة الشيعية، وقد حلّ فيه إبراهيم كاسم تسوية بين حركة أمل وحزب الله. فإلى أيّ حدّ يمكن الرجل أن يبقى خارج تأثير من كانت لهم اليد الطولى في وصوله الى منصبه الحالي؟ هنا، أيضاً، من الإنصاف القول إن أيّ قاض في لبنان يدين بوصوله الى موقعه لمرجعيته الطائفية السياسية، وبالتالي فإن تأثير هذه المرجعية في بلد المحاصصات الطائفية يصبح أمراً «طبيعياً». رغم ذلك، تؤكد مصادر إبراهيم أنه «لم يستجب يوماً لأيّ طلب يخالف مبادئه أو القانون»، من دون أن تنفي تلقّيه مئات الاتصالات والمراجعات في شأن كثير من الملفات، «وهو ما يحصل مع كل القضاة»... وطالما أنْ لا إصلاح قضائياً، على الأرجح سيبقى علي إبراهيم، وربما أيّ قاضٍ يحلّ محلّه،... يستدعي ويستمع ويستجوب.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021 402 مقالات وتحقيقات

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتصام مياومين

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتص…

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ اللبنانيون: سنشتريه بأي ثمن

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ …

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تفضّل الاقفال

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تف…

حزيران 11, 2021 21 مقالات وتحقيقات

منصّة «صيرفة» كأنّها لم تكن: المضاربة مس…

حزيران 10, 2021 26 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 37 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 34 مقالات وتحقيقات

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

حزيران 09, 2021 23 مقالات وتحقيقات

"سخرية القدر" تجمع "الكابيتال كونترول" مع الموافقة الإستثنائية على سلفة الكهرباء وتطرح أسئلة عن الهدف من تقييد الودائع "غيض" الدولار للمودعين... و"فيضه" لإطالة عمر الأزمة

"سخرية القدر" تجمع "الكاب…

حزيران 09, 2021 24 مقالات وتحقيقات

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب "400$ و400 لولار"

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب …

حزيران 09, 2021 25 مقالات وتحقيقات

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ  "سراج الكاز والشموع" بدائل الناس في زمن العتمة

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ …

حزيران 08, 2021 23 مقالات وتحقيقات

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايين ليرة شهرياً

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايي…

حزيران 08, 2021 28 مقالات وتحقيقات

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التقنين والانترنت في خطر

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التق…

حزيران 07, 2021 25 مقالات وتحقيقات

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات الائتمانيّة» تنخفض بأكثر من 4 مليارات دولار: قناة «تهريب» مليارات النافذين إلى الخارج

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات …

حزيران 07, 2021 25 مقالات وتحقيقات

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية في السابق أصبحت اليوم أكثر جدية "الطاقة" تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول…

حزيران 07, 2021 28 مقالات وتحقيقات

إلى المودِعين: إحذروا سحب كامل ودائعكم

حزيران 07, 2021 24 مقالات وتحقيقات

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر القروض المتعثّرة

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر الق…

حزيران 07, 2021 21 مقالات وتحقيقات

لعتمة الشاملة... بداية الطريق إلى الانفج…

حزيران 03, 2021 38 مقالات وتحقيقات

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على التعطيل والتضليل أملاً بإحداث خرق في جدار الأزمة "كرة" الكابيتال كونترول "الملتهبة" تكاد تفلت من يد لجنة المال والموازنة

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على …

حزيران 03, 2021 35 مقالات وتحقيقات

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ12000 ليرة أم بـ1515 ليرة؟

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ1…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماعيّة تاريخيّة "متعمَّدة"

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماع…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

حزيران 03, 2021 33 مقالات وتحقيقات

مصارف تشتري الدولار سرّاً بـ15 ألفاً.. و…

حزيران 02, 2021 34 مقالات وتحقيقات