خريطة طريق نحو إعادة هيكلة منظَّمة للدين العام في لبنان

شباط 12, 2020

النهار 12-2-2020


مبادرة مواطنية من أجل لبنان

دين القطاع العام في لبنان غير مستدام. في هذا الإطار، وتماشياً مع الخطة التي أطلقناها أخيراً بعنوان خطة عمل من عشر نقاط لتفادي عقد ضائع، نوصي بأن تطلق الحكومة مجهوداً شاملاً لإعادة هيكلة الديون بشكل يُراعي قدرة القطاع العام على تحمّله. سيكون من الخطأ استخدام الاحتياطي الشحيح من العملات الأجنبية لتسديد دفعات سندات اليوروبوندز التي تستحق مستقبلاً. والمقاربة المطروحة، التي تقوم على إعادة الهيكلة عبر التفاوض بشأن كل استحقاق (Eurobonds)على حدة، ليست سوى تأجيل المحتوم، فضلاً عن كلفتها الباهظة وعدم فاعليتها. وان إعادة هيكلة الديون السيادية ليست بإجراءً غير مسبوق، وثمة ممارسات فضلى في هذا المجال. ولكن من أجل أن يتكلل المجهود بالنجاح، يجب أن يكون جزءاً من برنامج اصلاح مالي واقتصادي لتحقيق الاستقرار.

ما هو حجم الدين اللبناني؟

لقد أفضت العجوزات الحكومية المتكررة إلى تراكم استثنائي لديون القطاع العام. فقد ارتفع إجمالي الدين من 25 مليار دولار في عام 2000 إلى 90 مليار دولار بحلول نهاية عام 2019، أي ما يساوي 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويحتل لبنان اليوم المرتبة الثالثة بين الاقتصادات الناشئة الأكثر مديونية في العالم.

مواضيع ذات صلة
حكومة حسان دياب ما بين الصراعات النخبوية والتظاهرات الشعبية

حكومة إنقاذ لبنان… تنقذ نفسها

عاصفة اختلالات وصدمات مُتزامنة في لبنان... الحاجة ماسّة إلى عقد اجتماعي جديد
نعتقد أن حجم الدين سيسجّل مزيداً من الارتفاع في السنوات القليلة المقبلة. صحيح أن حجم الدين بالليرة اللبنانية سوف يتقلّص نتيجة تراجع سعر الصرف، ولكن ستطغى عوامل سلبية أخرى أوّلها اضطرار الحكومة إلى الاستدانة مجدداً من الخارج لتمويل عجوزات القطاع العام في السنوات القليلة المقبلة. وغالب الظن أن إعادة رسملة المصرف المركزي ستكون باهظة الكلفة أيضاً. أخيراً، سوف يتقلص حجم الناتج المحلي الإجمالي، عند احتسابه بالدولار الأميركي، بسبب تراجع قيمة الليرة بما يؤدّي إلى ارتفاع معدّل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. بناءً على ما تقدّم، وإذا لم تتم إعادة هيكلة الدين العام في لبنان، فسوف يصل إلى الذروة مع تسجيله مستوى أعلى بكثير من نسبة الـ150 في المئة المشار إليها آنفاً.

هل الدين اللبناني مستدام؟

الجواب هو كلا. حتى قبل احتساب الزيادة المتوقعة في الدين، سوف تمتص كلفة خدمة الدين الحالي ربع الناتج المحلي الإجمالي، وهذه الكلفة هي في الواقع أكبر من مجموع الإيرادات الحكومية. لا شك في أن عبء خدمة الدين في لبنان ليس ظاهرة جديدة. وتقوم المقاربة المتّبعة حتى تاريخه على الاستدانة لتسديد خدمة الدين سنوياً وإضافة هذه المبالغ إلى الدين الحالي. ولكن من المستبعد إلى حد كبير أن تتكرر هذه المقاربة في المستقبل. أولاً، من شبه المستحيل أن تتمكن الدولة اللبنانية، في المستقبل المنظور، من أن تستدين من الأسواق المالية المبلغ الجديد المطلوب لخدمة الدين الحالي. ثانياً، حتى لو كان اقتراض المبلغ ممكناً، فسوف يُضاف إلى مستوى الدين الذي يسجّل أصلاً مستويات مرتفعة على نحو استثنائي.

ما هو مستوى الدين "الصحيح" في حالة بلدٍ مثل لبنان؟

المؤشر الأفضل لتوقّع التعثّر عن السداد في الاقتصادات الناشئة هو رصيد الدين. فكلما كان حجم الدين أصغر، كان الاحتمال أقل بأن تتخلّف البلاد عن تسديد ديونها في المستقبل. وفي هذا الإطار، يُشار انطلاقاً من المعطيات التاريخية إلى أن نسبة التعثّر لدى البلدان حيث بلغ مستوى الدين، في المعدل، 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، هي 3 في المئة، في حين أن النسبة لدى البلدان حيث بلغ مستوى الدين 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وصلت إلى 10 في المئة. وفي رأينا، يجب خفض حجم الدين السيادي في لبنان، في المدى المتوسط، إلى نسبة 60 إلى 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويُستحسَن في الواقع خفضه إلى المستوى الأدنى أي 60 في المئة. تطرح مكامن الهشاشة التي يعاني منها لبنان على الصعيدَين المؤسّسي والسياسي تحدّيات شديدة أمام قدرة الحكومة على توليد الفوائض اللازمة في الموازنة لتمويل خدمة الدين مع مرور الوقت. وبما أن حجم الدين اللبناني يبلغ (على الأقل) نسبة 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، يتطلب خفضه إلى نسبة 60 في المئة في المدى المتوسط القيام بمجهود كبير لإعادة هيكلته.

كيف يجب أن تتم إعادة الهيكلة؟

بناءً على التجارب الدولية في إعادة هيكلة الديون السيادية، نوصي باعتماد ما يُعرَف بـ"مقاربة قائمة خيارات" (menu approach). فقد يُفضّل بعض المستثمرين خفض أصل الدين من دون أي تغيير في الفوائد وآجال الاستحقاق، فيما يحبّذ آخرون عدم المس بأصل الدين، ولكنهم قد يقبلون بالحصول على فوائد أقل و/أو تمديد آجال الاستحقاق. بعد إتمام المفاوضات مع الدائنين، تعلن الحكومة اللبنانية عن "عرض تبادل" لسحب الديون القديمة واستبدالها بمجموعة جديدة من الأوراق المالية. ويمكن أن يتضمن التبادل "مُحلّيات" (sweeteners) أو أدوات ترغيب منها سندات يحصل مالكوها على أرباح إذا حقّق الاقتصاد نمواً فوق عتبة معيّنة.

هل إعادة هيكلة الديون السيادية هي "شأنٌ كبير"؟

نعم بالتأكيد. ولكن إعادة هيكلة الديون السيادية ليست أمراً نادراً. فمنذ عام 1980، سُجِّلت 111 عملية إعادة هيكلة للديون، أي نحو ثلاث حالات سنوياً. لا يعني ذلك أنها عملية "طبيعية" وغير مكلفة. ولكن حصلت عمليات إعادة هيكلة في مختلف أنحاء العالم، وهي ليست على الإطلاق مؤشراً عن قدرة لبنان على تمويل نفسه في الأسواق الدولية في المستقبل.

هل تتسبب إعادة هيكلة الديون بخضّات واختلالات؟

ليس بالضرورة. فالممارسات الفضلى موجودة. أولاً، من الضروري الاستعانة بمشورة قانونية ومالية جيدة لأن المفاوضات ستكون معقّدة. ثانياً، يُستحسَن عدم الانتظار إلى ما قبل استحقاق الآجال بفترة قصيرة جداً للإعلان عن الرغبة في إعادة هيكلة الديون. ثالثاً، يكتسي التواصل أهمية كبيرة. فعند الإعلان عن النية في إعادة هيكلة الديون، ينبغي على الدولة أن توضح أنه ليس "تعثّراً صلباً" (hard default)، بل إن الهدف هو اعتماد مقاربة منظّمة وتعاونية لحل مشكلة الديون. أخيراً، ومن أجل تنفيذ عملية إعادة الهيكلة على نحوٍ منظّم وسليم، يجب إدراجها في سياق رزمة من الإجراءات الاقتصادية والاصلاحية الشاملة.

هل سيتقبّل الدائنون إعادة الهيكلة؟

سوف يبدي الدائنون استعداداً أكبر لقبول إعادة الهيكلة إذا كانت جزءاً من رزمة شاملة ومتكاملة تتضمن دعماً خارجياً رسمياً. فضلاً عن ذلك، تُسجّل أسعار السندات اللبنانية انخفاضاً كبيراً في الوقت الراهن. ولذلك من شأن الدائنين أن يُبدوا انفتاحاً على تقديم تنازلات شرط أن تكون قيمة السندات الجديدة مساوية للقيمة السوقية للسندات التي يملكونها حالياً أو أعلى منها. ونعتقد أيضاً أن اعتماد مقاربة موثوقة ومدروسة لحل مشكلة الديون يمكن أن يعود بالفائدة على الدائنين. فإذا كانت عملية إعادة الهيكلة جزءاً من برنامج يتّصف بالصدقية، سوف يتحرر لبنان من فائض الدين ويكتسب "جدارة ائتمانية" معزّزة، ما يزيد من قيمة الدين الجديد الذي سيتم إصداره بعد عملية تبديل السندات.

هل يجب أن تكون الحكومة انتقائية في اختيار الجزء الذي ستعاد هيكلته في الدين والجزء الذي لن تطاله إعادة الهيكلة؟

نظراً إلى حجم الدين فضلاً عن الصعوبات المالية وتحدّيات النمو في السنوات القليلة المقبلة، يجب أن تطال عملية إعادة الهيكلة مجمل ديون القطاع العام لا فقط سندات اليوروبوندز.

ويُشار في هذا السياق إلى أن الحجج المؤيِّدة للانتقائية هي على قدر من التعقيد. أولاً، سوف تسجّل قيمة الدين بالليرة تراجعاً كبيراً بسبب الهبوط في سعر الصرف، ولذلك يُفضَّل على الأرجح، بحسب هذه الحجّة، ألا تطال عملية إعادة الهيكلة الدين بالعملة الوطنية. ثانياً، قد تكون إعادة هيكلة الدين الصادر بموجب القانون اللبناني أسهل، من الناحية القانونية، من إعادة هيكلة سندات اليوروبوندز، ولكن لدى الحكومة اللبنانية أيضاً سهولة أكبر في الاستدانة من الداخل في المستقبل. ولذلك يبرز رأيٌ مؤيّد للتعامل مع الدين بالليرة اللبنانية بطريقة تفضيلية. ثالثاً، تحميل الأعباء للدائنين غير المقيمين أكثر استساغةً على الصعيد السياسي وحتى الأخلاقي (لأن معظم الدائنين الخارجيين هم مستثمرون مؤسسيون لم يجبرهم أحد عنوةً على تملّك المستندات، وكانوا على علمٍ بالمخاطر التي يتكبّدونها)؛ ولكن الدائنين الخارجيين لن يبدوا تعاوناً بقدر الدائنين المحليين خلال المفاوضات، وقد يتسببون بتعقيد هذه العملية لا سيما من خلال اللجوء إلى رفع دعاوى قضائية. ويجب، إذا أمكن، تجنّب الخطوات التي من شأنها أن تضع في المستقبل عراقيل أمام عودة لبنان إلى أسواق الرساميل.

هل إعادة الهيكلة كافية لخفض عبء الدين؟

الجواب هو كلا. كتلة الدين ضخم جداً إلى درجة أن إعادة الهيكلة ليست كافية لوحدها من أجل خفضه. ثمة سبلٌ أخرى لتخفيف العبء. فوفقاً لما أشرنا إليه في خطة النقاط العشر، المجال متاح أمام الاستخدام السديد لموجودات الدولة بما في ذلك الخصخصة وتوريق التدفقات النقدية المستقبلية (securitization). إضافةً إلى ذلك، وفي إطار أي خطة إنقاذية يشارك فيها المودعون (الكبار) في المستقبل(bail in) ، من الممكن استبدال بعض الودائع بديون امتيازية. أخيراً، ينبغي أيضاً على القطاع العام تحمّل جزء من العبء المستقبلي من خلال تحقيق فوائض أوّلية يمكن استخدامها لخفض الدين تدريجاً مع مرور الوقت.

هل خفض الدين يكفي لوحده من أجل حل مشكلات لبنان؟

قطعاً لا. خفض الدين هو مجرد جزء من الحل. لقد ركّزنا في خطة النقاط العشر على وجوب أن تندرج إعادة هيكلة الدين في إطار رزمة شاملة أوسع نطاقاً تعالج المسائل المتعلقة بالقطاع المصرفي والميزانية العامة لمصرف لبنان وديون القطاع الخاص. الأهم من ذلك، من شأن إيجاد حلول ناجعة لموضوع الدين أن يُقنع الدائنين أن المسائل التي كانت السبب وراء المشكلة في الأساس، قد سُوِّيت. ويعني هذا عملياً معالجة المشكلات المالية المتجذرة في لبنان، والاختلالات الخارجية الواسعة، إلى جانب العناصر الأخرى في مختلف أدوات السياسة مثل سعر الصرف والسياسة النقدية. سوف يُقدّم الدائنون شروطاً أفضل بكثير إلى الدولة إذا لمسوا أن الإطار الكلّي يتّسم بالصدقية والاستدامة.

هل تُفضي التعقيدات القانونية إلى استحالة إجراء إعادة الهيكلة؟

لا نعتقد ذلك. ولكنها ليست مسألة سهلة وبسيطة. فمن الضروري، كما ورد آنفاً، الاستعانة بمشورة قانونية جيدة. والنقطة التي قد تطرح تعقيدات في مجال إعادة الهيكلة تتعلق بـ"بنود العمل الجماعي" التي تحكم تعديل شروط سندات اليوروبوندز. فمن أجل تعديل هذه الشروط، يجب الحصول على موافقة 75 في المئة من حاملي السندات. ولكن لا يمكن تطبيق هذه القاعدة على نحوٍ معمّم، بل يجب التفاوض بشأن كل سلسلة من سلاسل السندات على حدة. ونوصي في هذا الصدد بأن تُقدّم الحكومة إلى جميع حاملي السندات من السلاسل المختلفة اقتراحاً موحّداً لإعادة الهيكلة، ولكننا لا نستبعد إمكانية اعتماد مقاربات مختلفة في التعامل مع حاملي السندات بحسب هيكلية تملُّكها.

ملخص

في الخلاصة، نناشد الحكومة اللبنانية العمل فوراً على وضع خطة للمبادرة سريعاً إلى معالجة عبء الدين غير المستدام. ولهذه الغاية، لا بد من بذل مجهود منظّم يتصف بالنزاهة والصدقية ويندرج في إطار برنامج إصلاحي متكامل يهدف الى استتباب الأوضاع، كي يتمكّن لبنان من النهوض من أزمته وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو في المدى الطويل.

الموقّعون بصفتهم الشخصية

فراس أبي ناصيف، عامر بساط، هنري شاؤول، إسحق ديوان، صائب الزين، نبيل فهد، فيليب جبر، سامي نادر، مي نصرالله، بول رافائيل، جان رياشي، ناصر السعيدي، كمال شحادة، مهى يحيَ

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأم العاملة المتضرر الأكبر

العامل اللبناني يواجه كورونا الدولة والأ…

نيسان 02, 2020 495 مقالات وتحقيقات

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان" : الإعلان مخالف للنص العام ولقانون انشاء المؤسسة الخاص

اطلاق "مسار تعيين مجلس إدارة لمؤسسة…

نيسان 02, 2020 26 مقالات وتحقيقات

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الرواتب

عقاب جماعي للمعلمين: اقتطاع 70% من الروا…

نيسان 01, 2020 41 مقالات وتحقيقات

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجامعيين عاطلون عن العمل... سركيس: السبب فوضى الجامعات وعدم مواءمة السوق

أربعة وأربعون بالمائة من المتخرجين الجام…

نيسان 01, 2020 31 مقالات وتحقيقات

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

محمد شقير: درسٌ في «الإنسانية»

آذار 31, 2020 54 مقالات وتحقيقات

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في الضمان فهل يكون الشرارة التي تفجر الشارع بعد "الواتساب"؟

شقير يطرق باب تعويضات نهاية الخدمة في ال…

آذار 31, 2020 53 مقالات وتحقيقات

على الحكومة أن تدفع... فوراً

آذار 30, 2020 48 مقالات وتحقيقات

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب!

فحوصات الـ«كورونا»: شركات التأمين تتهرّب…

آذار 27, 2020 76 مقالات وتحقيقات

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتات للفقراء...

الحكومة تقرر تقديم مساعدات غذائية: الفتا…

آذار 27, 2020 69 مقالات وتحقيقات

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل الكابيتال كونترول الاجراءات حتى نهاية 2020 في انتظار الآلية التنفيذية

"ميثاق تضامن" بين المصارف قبل …

آذار 19, 2020 150 مقالات وتحقيقات

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل في ظل "كورونا"  العمّال يدفعون الثمن ... والحكومة لا تحميهم

"لا أجر من دون عمل"... ولا عمل…

آذار 17, 2020 140 مقالات وتحقيقات

المصارف تستولي على دولارات المودعين

المصارف تستولي على دولارات المودعين

آذار 17, 2020 118 مقالات وتحقيقات

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

حقوق العمّال في زمن الكورونا:

آذار 16, 2020 153 مقالات وتحقيقات

كابوس "الكابيتال كونترول" بات واقعاً.. إليكم تفاصيله

كابوس "الكابيتال كونترول" بات …

آذار 16, 2020 130 مقالات وتحقيقات