أزمة التعليم العالي ستكون الأخطر لعقود مقبلة تراجع مستوى التعلم يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي

أيار 13, 2020

النهار-13-5-2020

 

بعد النداء الذي وجهه رئيس الجامعة الاميركية الدكتور فضلو خوري عن الازمة الخانقة التي تحاصر الجامعة، يعقد اليوم لقاء يعرض فيه الاوضاع بالتفصيل، تلك الاوضاع التي لا تقتصر على جامعته فحسب، وانما تطاول كل قطاع التعليم العالي في لبنان. ولا تقتصر على الاموال انما تتعداها الى مستوى التعليم والمتخرجين واثر ذلك على سوق العمل والوضعين الاقتصادي والاجتماعي. وقد اعدت "مؤسسة الانماء التربوي" برئاسة الدكتورة فيروز فرح سركيس، صاحبة الباع الطويل في التعليم الجامعي، قبل ترؤسها الجامعة العربية المفتوحة في بيروت لعدين من الزمن، دراسة تتناول خطر الازمة وتداعياتها على التعليم الجامعي في لبنان.

 

 

تنعكس الازمات الاقتصادية سلباً في اي بلد على معظم القطاعات العاملة، وتختلف الانعكاسات من قطاع الى آخر، كما نسبة التأثير على الاقتصاد في المدى البعيد. أول القطاعات التي يبقى تأثيرها السلبي طويلا على الاقتصاد هو التعليم، ومنها التعليم العالي لكون مخرجاته من الطاقات البشرية المميزة الى الابحاث المهمة لتطوير القطاعات المختلفة هي التي تساهم في النهضة الاقتصادية والاجتماعية في المديين القريب والبعيد. والانعكاس السلبي على هذا القطاع وتالياً على البلد ككل كبير جدا، والدليل ما حصل خلال الازمة الاقتصادية العالمية سنة 2008 في اوروبا واميركا حيث عمدت هذه الدول الى خفض موازنات التعليم العالي بسبب الازمة. ففي اوروبا حيث التعليم العالي مموّل من قِبل الدول بنسبة 85% فقد تأثرت الجامعات ومراكز الابحاث على نحو كبير بسبب الخفض الكبير في موازنات الجامعات، والتأثير الاكبر كان في اليونان حيث خفضت موازنة التعليم العالي 40% ما أثّر على جودة التعليم. وبسبب الحاجة الى مداخيل سريعة اتجه الطلاب الى التخصصات التي تساعد على التوظيف المضمون، فتوجهوا الى الكليات الحربية وكليات الشرطة وانخفضت نسبة الملتحقين بتخصصات تتطلب جهدا مثل الهندسة وعلوم الكومبيوتر، بينما ارتفع 45% عدد الملتحقين بكليات علم النفس نظرا الى تأثير الازمة على مختلف طبقات المجتمع الفقيرة والمتوسطة، ما جعل نسبة الامراض النفسية تتصاعد بشكل كبير. مما لا شك فيه ان خيارات الطلاب في تخصصاتهم اثّرت على تزويد سوق العمل بالكفاءات المطلوبة، اضافة الى هجرة الادمغة، ما انعكس سلبا على اقتصاد اليونان للعقود المقبلة. اما في بريطانيا ولتعويض الانخفاض في موازنات الجامعات، فقد عمدت الحكومة الى زيادة الاقساط على نحو غير مسبوق وحرمت الكثيرين إما من الالتحاق بالتعليم العالي او الاستعانة بالقروض لاكمال تعليمهم، بينما عمدت دول اوروبا الوسطى الى انشاء جامعات خاصة مع اقساط مرتفعة، ولم تحافظ على جودة التعليم بل قدمت تعليما متدني المستوى. كما ان التوجه الى استقطاب الطلاب الاجانب كان وسيلة اخرى لزيادة موازنات الجامعات، وترافق ذلك مع التخلي عن بعض متطلبات الجودة. اما في الولايات المتحدة فان الحسومات على الاقساط في الجامعات الخاصة والتي تكوّن نسبة 65% من مجمل التعليم الجامعي، فقد وصلت الى 50%. ومع كل هذه الحسومات لم يستطع الكثير من الطلاب الالتحاق من دون الاستدانة من المصارف لاكمال تعليمهم، وكثرت الديون عليهم وانخفضت أعداد الملتحقين بالجامعات ولم يستطع الكثير من الجامعات التخطيط لاكثر من سنة واحدة وانتظار انتهاء الازمة تجنباً لإغلاق مؤسساتهم.

 

 

إن الاضاءة على ما حدث خلال الازمة الاقتصادية في اوروبا واميركا تجعلنا نتوقع الاسوأ في لبنان نظرا الى تراكم الازمات من اقتصادية الى نقدية الى وباء كورونا، علما ان وضع التعليم العالي كان متفلتا خلال العقدين الماضيين بسبب غياب المتابعة والمحاسبة من قِبل الوزارة، ويعتبر لبنان من اكثر الدول التي كثرت فيها الجامعات الخاصة كالفطر وادى ذلك الى التحاق ما لا يقل عن 211000 طالب بموجب احصاءات المركز التربوي لسنة 2018. من ضمن هذا العدد 80000 يلتحقون بالجامعة اللبنانية، واذا نظرنا الى توزع هذه الاعداد على المحافظات يتبين ان 6,1% في بيروت و44% في جبل لبنان، بينما حصة عكار هي الاقل لتصل الى 4,5%. عدد الجامعات الخاصة في لبنان هو 50، واذا اضفنا اليها فروعها تصبح 95، والكثير من هذه الفروع يعمل من دون ترخيص رسمي.

بالنسبة الى الاقساط الجامعية، فهي شبه مجانية في الجامعة اللبنانية وتختلف من جامعة لاخرى ومن اختصاص لاخر في الجامعات الخاصة، والاقساط الاعلى هي في كليات الطب والهندسة. يبين الجدول ادناه توزع الجامعات بحسب المالك، فالجامعة اللبنانية تملكها الدولة، اما الجامعات الخاصة فمعظم مالكيها قبل سنة 1996 كانت مؤسسات، اما بعد ذلك التاريخ فمعظم المالكين هم افراد او شركات تجارية.

مع واقع الجامعات في لبنان، ما هي الانعكاسات المتوقعة عليها وعلى الطلاب ومستقبلهم وتالياً على الوضع الاقتصادي الاجتماعي؟ مما لا شك فيه ان الوضع الاقتصادي وتسريح عدد غير مسبوق من الموظفين والعمال، الى تدهور سعر العملة الوطنية، ستكون لها انعكاسات سلبية على مختلف فئات الجامعات حيث ستجعل فئة كبيرة من الطلاب غير قادرة على دفع الاقساط. فاذا نظرنا الى فئة الجامعات القديمة التي تملكها مؤسسات كالجامعة الاميركية وجامعة القديس يوسف والجامعة اللبنانية الاميركية وهي الاعلى كلفة، ولكي تحتفظ هذه الجامعات بطلابها، فانها بحاجة الى زيادة نسبة المنح والمساعدات لطلابها. ومعلوم ان جزءا من موازنة هذه الجامعات يُدعم دائما من قبل مانحين وكذلك من قبل خريجيها، كما ان المستشفيات التي تملكها هذه الجامعات تساهم بنسبة كبيرة في دعم موازناتها، وهذا الدعم سيخف ايضا نظرا الى الازمات الراهنة. وبما ان نسبة كبيرة من طلاب هذه الجامعات هم من الطبقة الوسطى التي خسرت 70% او اكثر من مقومات عيشها، فالموظف الذي كان معدل راتبه 5000 دولار اصبح اليوم حوالى 2000 دولار، اي ان كامل راتبه لن يكفي لدفع قسط ولد واحد من اولاده في اي من هذه الجامعات. لذا من المتوقع عدم التحاق عدد لا بأس به من الطلاب وتحوّلهم الى الالتحاق بجامعات اقل كلفة. وستضطر هذه الجامعات ربما الى خفض بعض متطلباتها للافساح في المجال امام ابناء الطبقة الميسورة للالتحاق، والعمل على استقطاب طلاب اجانب، وسيتأثر التنوع الاجتماعي في هذه الجامعات، علما انها سعت دائما الى استقطاب فئات اجتماعية من مختلف الطبقات، وستعمد هذه الجامعات الى ترشيد الانفاق بخفض الرواتب او التخلي عن بعض اعضاء هيئة التدريس وبعض الموظفين وتقليص النشاطات غير الاكاديمية. وما رسالة رئيس الجامعة الاميركية في 5 ايار الجاري عن صعوبة الوضع المالي الا الدليل عما يجب توقعه. اما الجامعات الاقل كلفة والتي تملكها مؤسسات ايضا، فستخسر عددا كبيرا من طلابها، سيما ان معظمهم من الطبقة الوسطى او الوسطى الدنيا، وسيساهم ذلك ايضا في التنازل عن بعض مقومات الجودة. ولا ننسى الوضع الاقتصادي للهيئة التعليمية في هذه الجامعات التي سينخفض مستوى معيشتها وبالتالي سيؤثر ذلك على ادائها. فالرواتب المبينة في الجدول ادناه تعتبر الاعلى ضمن قطاع التعليم العالي. اما بالنسبة الى الجامعات التي يملكها افراد وطابعها تجاري محض ومعظم طلابها من الطبقة الوسطى الدنيا، فستكون الاكثر تأثرا والاكثر ضررا على الطلاب والاقتصاد، اذ ان أعدادا كبيرة من الطلاب ستتركها لان هذه الطبقة ستنضم الى الطبقة الفقيرة. وبما ان اقساط الطلاب في هذه الجامعات هو دخلها الوحيد فستعمد لتقليل خسارتها الى تقديم تعليم لا يتمتع بأي مستوى وسيزداد تزوير الشهادات وبيعها والذي شاهدنا نماذج منه قبل بدء الازمة. وهؤلاء يمثلون 33% من مجموع الطلبة .

اين سيذهب معظم الطلاب الذين لا يستطيعون دفع كلفة الجامعات الخاصة، اذ ليس امامهم الا الجامعة اللبنانية، ومن المتوقع ان يزداد الضغط كثيرا على الجامعة غير المجهزة لاستيعاب عدد كبير من الطلاب، فموازنتها لم تتعدَّ 386 مليار ليرة لبنانية لسنة 2018، واذا قارنّا هذه الموازنة مع موازنة الجامعة الاميركية مثلاً للسنة نفسها، فانها لا تتعدى 40% منها، علما ان عدد طلاب الجامعة اللبنانية هو عشرة اضعاف عدد طلاب الجامعة الاميركية. لذا فالجامعة اللبنانية لن يكون باستطاعتها تأمين متطلبات التجهيزات الضرورية من امكنة الى مختبرات الى مكتبات الكترونية الخ.... فالموازنة المخصصة لمراكز الابحاث مثلا لسنة 2018 لم تتعدَّ 70 مليون ليرة، ونفقات الاشتراك في مؤتمرات 200 مليون ليرة، والمشكلة الكبرى تكمن في مجالات التخصص التي سيختارها الطلاب. ففي الجامعة اللبنانية العدد الاكبر الممكن استيعابه هو في الكليات المفتوحة اي الآداب والحقوق والعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية والتي تشكل حوالى 70% من مجمل عدد الطلاب فيها. اما باقي الكليات فهناك امتحانات دخول والعدد محدود، كما سيواجه الطلاب الوافدون من جامعات اخرى موضوع معادلة المقررات وعدم خسارتهم السنوات التي درسوها. ربما يعتقد الكثيرون ان الحل يكمن في التعليم المفتوح لتخفيف الكلفة، ولكن جامعات لبنان غير مستعدة لهذا النوع من التعليم ما عدا محاولات قليلة جدا، والخوف اذا ما شرّع هذا النوع ان يستغل هذا التشريع من قِبل الجامعات التجارية وتنتهي ببيع الشهادات تحت غطاء شرعي.

ان الانعكاسات السلبية اعلاه على مستوى الخريجين وكفاءتهم ستؤدي الى نقص في امكان سد حاجات سوق العمل مستقبلا بالمهارات المطلوبة وستزداد البطالة الى مستويات لم تبلغها اي دولة في العالم، وربما تصل الى 60% او 70% والنتيجة انهيار الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

واخيرا ان انعكاس الازمة الاقتصادية والنقدية على التعليم العالي لن يكون تأثيره على المدى القصير بل سيترك آثاره السلبية على الاقتصاد لعقود مقبلة، والخطط التي يُعمل عليها للنهضة الاقتصادية يجب ان تأخذ هذه المعطيات في الاعتبار.

 

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
خمسة ملايين دولار «هدية» من مصرف التمويل لرئيس بلدية!

خمسة ملايين دولار «هدية» من مصرف التمويل…

كانون1 04, 2020 3 مقالات وتحقيقات

إدارة الضمان تتهرّب من إجراء المكننة الشاملة... وعلامات استفهام!

إدارة الضمان تتهرّب من إجراء المكننة الش…

كانون1 04, 2020 4 مقالات وتحقيقات

البطاقة التموينية إلى الواجهة... هل إحصاءات المحتاجين متوافرة؟ رواتب 50% من الأجراء المضمونين دون الـ1،100 مليون ليرة

البطاقة التموينية إلى الواجهة... هل إحصا…

كانون1 03, 2020 8 مقالات وتحقيقات

تقاذف كرة "الدعم" فوق جثث الدولة والاقتصاد والفقراء

تقاذف كرة "الدعم" فوق جثث الدو…

كانون1 03, 2020 6 مقالات وتحقيقات

لبنان في حالة كساد غير مسبوقة: تراجع معدل النمو في 2020 وأكثر من نصف السكان فقراء

لبنان في حالة كساد غير مسبوقة: تراجع معد…

كانون1 01, 2020 12 مقالات وتحقيقات

تحقيق جنائي في المجالس والصناديق والمحميات: "مجنون يحكي وعاقل يسمع

تحقيق جنائي في المجالس والصناديق والمحمي…

تشرين2 30, 2020 14 مقالات وتحقيقات

عام 2021 أليم على موظفي المصارف: إغلاق مئات الفروع

عام 2021 أليم على موظفي المصارف: إغلاق م…

تشرين2 27, 2020 30 مقالات وتحقيقات

ألف وحمسماية  موظف صُرفوا من القطاع المصرفي منذ بداية 2019 و5 آلاف يُتوقع صرفهم بعد آذار نتيجة الدمج وإقفال فروع

ألف وحمسماية موظف صُرفوا من القطاع المص…

تشرين2 26, 2020 42 مقالات وتحقيقات

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال الحالية والقادمة من أجل المحافظة على ثبات سعر الصرف "معصية" المركزي التي أدخلت اللبنانيين إلى "جهنم" الفقر والإنهيار

خرق قوانين بالجملة وتضييع حقوق الأجيال ا…

تشرين2 25, 2020 34 مقالات وتحقيقات

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خلف الإنقاذية

معاً نستردّ الدولة": مبادرة ملحم خل…

تشرين2 24, 2020 40 مقالات وتحقيقات

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

غازي وزني ورياض سلامة أمام المساءَلة؟

تشرين2 23, 2020 40 مقالات وتحقيقات

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

ربع اللبنانيين فقراء لا تعرفهم الدولة

تشرين2 18, 2020 46 مقالات وتحقيقات

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ اليوم

إنتحار مُبكر... شطب 80 % من الودائع منذ …

تشرين2 16, 2020 51 مقالات وتحقيقات

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعين؟

هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعي…

تشرين2 13, 2020 74 مقالات وتحقيقات