أوامر الرؤساء لا تحمي الليرة

حزيران 17, 2020

النهار-17-6-2020

غسان عياش


الأزمة النقدية الراهنة هي أزمة عميقة وخطيرة، وأسبابها قديمة ومتشابكة. لكن، لو تمكّنت حكومة الرئيس حسّان دياب من اكتساب ثقة الرأي العام وأقنعت اللبنانيين بأنها تملك الرؤيا والبرنامج والعزم على الإصلاح، لما سيطر الخوف والهلع على المتعاملين في سوق النقد ولما انهار سعر صرف الليرة على النحو الذي شهدناه.

بدل برنامج الإصلاح المنتظر، ابتدعت الحكومة ورقة تنعي النظام المالي اللبناني العريق وتدفنه وهو حيّ، كالطبيب الذي جاء ليعاين المريض فحرّر شهادة وفاته قبل أن يتأكّد من وضعه. وقد أثبت مقرّر لجنة المال والموازنة النائب نقولا نحّاس أن تقدير خسائر النظام المالي جاء في ورقة الحكومة اعتباطيا ولا يستند إلى المعايير السليمة، وأن توزيع الخسائر وفقا لاقتراحات الفريق الحكومي يوجّه ضربة قاصمة لنظام لبنان الاقتصادي. لكن، "عنزة ولو طارت".

في سلوكها، بشكل عام، فرّطت الحكومة عمدا بالثقة التي كانت جديرة بحكومة مستقلّين وتكنوقراط، ففقدت الأسواق الثقة بقدرتها على حماية الليرة وإنقاذ البلاد.

من أرغم رئيس الحكومة على رفض التعيينات في نيسان ثم التصديق عليها في حزيران؟ من أوحى إليه برفض معمل سلعاتا والقبول به بعد أيّام؟ من أجبره على رفض المحاصصة لفظا ثم المشاركة في منافعها الصغيرة بعد حين؟ من منعه من القيام بأي إجراء إصلاحي في الإدارة والاقتصاد؟ وهل عليه أن ينتظر المفاوضات الطويلة مع صندوق النقد الدولي لكي يبدأ بالإصلاحات البديهية التي لا يختلف عليها اثنان؟ب!
وعد الرئيس نبيه برّي اللبنانيين بأن سعر الدولار في سوق بيروت سيبدأ بالانخفاض اعتبارا من بداية الأسبوع الجاري. وجاء الوعد صارما وفي أجواء مهيبة، لأنه أعقب لقاء استثنائيا بين أركان الدولة.

ورغم صدق النوايا وخوف المسؤولين من تراجع سعر الصرف، فإن هذا القرار الذي اتّخذه الرؤساء يوحي بعجز السلطات عن مواجهة العاصفة، وفقدانها الأدوات الحقيقية لوقف الانهيار. إنه يعني، وبكل أسف، أن حكومة الرئيس حسّان دياب عاجزة عن سلوك الطريق الصحيح لحماية العملة الوطنية، وهو طريق الإصلاح، المالي والاقتصادي والسياسي.

بسبب فشل الحكومة في صياغة خطّة حقيقة للإصلاح وإحياء الاقتصاد، يتمّ "بيع" اللبنانيين علاجات وهميّة لوقف الانهيار النقدي. فالوعد المتجدّد بتحسّن سعر الصرف اعتبارا من الاثنين المنصرم يستند إلى إصدار "أوامر رئاسية" إلى مصرف لبنان بضخّ عملات أجنبية في سوق الصيرفة لمواجهة الطلب.

هذا العلاج لا يفيد إلا لبضعة أيام في أزمة طويلة الأمد، بسبب الوضع الدقيق لموجودات مصرف لبنان الخارجية. فهذه الموجودات التي تقلّ كثيرا عن مطلوبات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية، أصبحت، على الأرجح، أقلّ من رصيد الاحتياطي الإلزامي للمصارف. أي أن المصرف المركزي بات ينفق من هذا الاحتياطي الإلزامي ليفي بالتزاماته التي تعهّد بها لدعم استيراد المواد الأساسية، التي تقارب قيمتها السنوية العشرة مليارات دولار. بذلك فإن مصرف لبنان لا يستطيع أن يستمرّ بالتدخّل في سوق الصرّافين أكثر من بضعة أيّام تنفيذا لأوامر رئيس الحكومة المستمرّة و"الأوامر الرئاسية" الجديدة.

إذا قيّض للبنان أن يعدّل دستوره لكي يضمّنه أحكاما جديدة مستخلصة من تجارب الانهيارات النقدية، التي تتكرّر منذ ثلاثة عقود، يجب أن يكون أوّل التعديلات الدستورية هو منع الاعتماد على موجودات المصرف المركزي لمواجهة الطلب على العملات الأجنبية، إلا بشروط ضيّقة ولفترات زمنية قصيرة. فحماية العملة تكون بالتزام السياسات الاقتصادية الصحيحة وبالحدّ من عجز الميزان التجاري، وحظر التمادي في الاستدانة لتمويل عجز القطاع العام.

أمّا احتياطات البلد بالعملات الأجنبية فلها وظيفة أخرى تتقدّم على دعم سعر الصرف. إن الوظيفة الأولى لموجودات المصرف المركزي الخارجية هي توفير ثقة الأسواق باقتصاد البلد وعملته، وبقدرته على تسديد مدفوعاته وديونه الخارجية وعلى مواجهة الصدمات الكبرى والأزمات. أما تسخير الموجودات الخارجية لغاية وحيدة وهي تثبيت سعر صرف العملة الوطنية فهو بدعة ليست قائمة إلا في البلدان الضعيفة.

الدولة تمارس الإهمال وتتخلّى عن واجباتها الاقتصادية، وتهدر المال العام وتمارس الزبائنية والفساد ولا تكترث للنتائج، فهي، في نهاية المطاف، ولمحو موبقاتها وخطاياها، تعتمد على بقايا ثروة لبنان بالعملات الأجنبية.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة