رفع الدعم عن السلع الاساسية في وقت وشيك مؤشر خطير دعم الاسر المحتاجة البديل الاقرب الى الواقع: هل يتحول واقعاً؟

آب 27, 2020

النهار-27-8-2020

 سلوى بعلبكي

قبيل كارثة انفجار مرفأ بيروت، أودع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المعنيين في الحكم والحكومة آخر مستجدات الارقام الصادمة عن موجودات مصرف لبنان واحتياطاته بالعملات الصعبة، في محاولة منه لتبيان الخطر الداهم ووضعهم امام مسؤولياتهم فيما لو اصروا على السير بقرار الدعم للسلع الاساسية.

في الارقام، اشار الحاكم الى انه يتوافر حاليا نحو 20 مليار دولار منها 17.5 مليار دولار احتياطي الزامي للمصارف لا يجوز المس به قانونا كونه يعود للمودعين ويشكل جزءا اساسيا من ملاءة المصارف. ولكن بعد الانفجار جمد الحديث بالموضوع، الى ان نقلت "رويترز" الاسبوع الماضي عن مصدر رسمي بأن مصرف لبنان سيوقف بعد 3 اشهر عمليات الدعم للوقود والقمح والدواء في ظل التناقص الحاد لموجودته بالعملات الأجنبية.

وعلى الرغم من عدم صدور بيان رسمي عن "مصرف لبنان" في هذا الاطار، وفيما لم تشأ مصادره تأكيد الخبر أو نفيه لـ"النهار" مكتفية بالقول "ان المبدأ الاساسي هو عدم المس بالاحتياطي الالزامي"، إلا ان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أكد في حديث مع "عرب نيوز" Arab News- بالفرنسية ان مصرف لبنان يبذل قصارى جهده في هذا الموضوع، لكنه لا يستطيع استخدام متطلبات احتياطي المصارف لتمويل التجارة "بمجرد وصولنا إلى عتبة هذه الاحتياطات، سنضطر إلى وقف الدعم". ولكنه عاد وطمأن الى ان "مصرف لبنان في صدد إنشاء وسائل تمويل أخرى، سواء من خلال المصارف أو من خلال صندوق أنشأناه في الخارج، يُسمّى Oxygen”. وما لم يقله الحاكم ومصادر "المركزي" صراحة، يمكن أن نستشفه من ارقام مصرف لبنان التي تكشف المستور وتبين اننا امام حافة الهاوية اذا ما استمرت الدولة في التغاضي عن المشكلة ذات الابعاد الاجتماعية الخطيرة، والتي رمتها الحكومة منذ بداية الازمة على مصرف لبنان ليتدبر امره.

وفق التقديرات فإن الكلفة التي يدفعها مصرف لبنان شهريا على السلع المدعومة هي بين600 و700 مليون دولار تقريبا (نحو 400 مليون دولار لدعم السلع الاساسية من محروقات وقمح وادوية عبر تمويل البنك المركزي لـ 80% من اعتمادات استيرادها على السعر الرسمي 1515 ليرة، ونحو 200 مليون دولار شهريا لدعم للمواد التي تدخل ضمن السلة الغذائية والاساسية من خلال تأمين الدولار للتجار على اساس سعر المنصة اي 3900 ليرة). وهذا ما دفع سلامة الى دق ناقوس الخطر، مقترحا وفق ما تؤكد المعلومات لـ"النهار" وقف الدعم والبدء بتوزيع "بونات" للاسر المحتاجة. واقترح ايضا ان يحدد سعر الصرف على اساس الـ 3 آلاف ليرة بدل 1500 ليرة، فيما يبقى سعره على اساس الـ 1500 لقروض الافراد.

مواضيع ذات صلة
دراسة لـ"الشؤون" عن حاجات المتضررين من الانفجار: عشوائية مبادرات ومحاولات التنسيق خجولة!

سلامة: لا مساعدات من صندوق النقد قبل الاصلاحات وقروض للمتضررين سدادها "ضائع" بين الليرة والدولار

خطة بديلة توفق بين خطتي الحكومة والمصارف: تجنّب الهيركات وتوزيع الخسائر وإعادة الثقة بالمصارف
فهل يمكن ان يتوقف الدعم قريبا؟ وما هي الحلول البديلة؟

وفقا للمعطيات التي يملكها، يؤكد الخبير الاقتصادي لويس حبيقة ان احتياطي مصرف لبنان سيصل بعد 3 شهور الى 17.3 مليار دولار من اصل 20 مليار حاليا. ورقم 17.5 مليار هو قيمة الاحتياطي الالزامي للمصارف (اي 10% من ودائع المواطنين)، وتاليا لا يمكنه استخدامه لأي سبب كان، خصوصا وان الدولار لا يدخل الى البلاد".

وفي حال صح توجه مصرف لبنان بالتوقف عن الدعم، فإن حبيقة يعتبره قرارا صائبا وسليما. ولكن ما هو الحل؟ قبل الدخول في تفاصيل الحل البديل للدعم، يرى ان طريقة الدعم كانت خاطئة من الاساس، فقرار مصرف لبنان دعم 200 سلعة اخيرا اضافة الى المحروقات والادوية والقمح يفيد منه الاغنياء والفقراء بالمستوى عينه، إذا لم نقل ان الاغنياء يفيدون اكثر كونهم يستهلكون هذه السلع اكثر، وتاليا فإن طريقة الدعم ساقطة من البداية". ويستند الاخير الى تجارب اعتمدت في دول عدة مثل الهند وبنغلادش وباكستان، وبعض دول اميركا اللاتينية، ولعل ابرزها هو ضرورة ان يذهب الدعم مباشرة الى العائلات المحتاجة، علما انها جربت في لبنان من خلال تخصيص 400 الف ليرة للعائلات المسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية عبر قيادة الجيش.

ويقترح حبيقة تخصيص نحو 500 الف ليرة شهريا لنحو 80% من الاسر اللبنانية، اما نسبة الـ 20% فهي من الطبقة الميسورة وليست بحاجة الى دعم. و"بهذا نكون قد وجهنا الدعم الى مستحقيه، والكلفة ستكون اقل بكثير بما يمكن لمصرف لبنان ان يستمر بالدعم لفترة اطول".

اضافة الى ذلك، يؤكد حبيقة انه "عندما يتأكد الجميع في الداخل والخارج ان الدعم يصل الى من يستحق، فإن التبرعات ستزداد من دون شك، خصوصا وان نسبة الفساد بهذه الطريقة ستكون معدومة تقريبا".

وبناء على ارقام كلفة الدعم، يوضح حبيقة ان ثمة 4 ملايين شخص يعني مليون اسرة، ومعدل عدد الافراد في الاسرة الواحدة هي 4 اشخاص. وفي حال افترضنا ان 80% من الاسر سيستفيدون فإن ذلك يعني ان الافادة ستشمل 800 الف اسرة يخصص لها 500 الف ليرة شهريا اي ما مجموعه 400 مليار ليرة شهريا.

ورأى ان "رفع الدعم وتحديد شرائح المجتمع التي من المفترض ان يصلها الدعم هو مطلب صندوق النقد ودول الغرب عموما بغية الحد من التهريب".

اما عن الآلية، فيلفت حبيقة الى انها "يمكن ان تكون عبر ضخ الدعم بالحسابات المصرفية لمستحقيها، وفي حال لم يكن لديهم حسابات، فإنه يمكن ان تكون عبر المخاتير او رؤساء البلديات في المناطق"، موضحا ان "دعم الاسر مباشرة تعطي الحرية لهم بصرف المبلغ كله او توفير قسم منه وفق حاجاتهم".

اذا، مصرف لبنان لم يصدر اي بيان يعلن فيه نيته وقف الدعم، وبما ان مصدر الخبر غير معروف لذا "لا يمكن أخذه على محمل الجد"، وفق ما يقول الخبير المصرفي نسيب غبريل. ولكن بغض النظر عما اذا كان هذا الخبر صحيحا ام لا، من المعروف ان احتياطي مصرف لبنان يتراجع منذ قرار دعم السلة الغذائية (200 سلعة) خصوصا ان وزارة الاقتصاد لم تحدد كلفتها ولا الفترة الزمنية المطلوبة للدعم. وفي حين لم يشأ غبريل التركيز على ما اذا كان المواطن يتلمس هذا الدعم ام لا، قال ان "مصرف لبنان اصلا يدعم استيراد المشتقات النفطية والقمح والادوية والمواد الطبية بما يعني زيادة الضغط على الاحتياطي الذي تراجع منذ مطلع هذه السنة وإلى منتصف شهر آب الحالي، نحو 6.6 مليارات دولار، فيما بلغت موجودات المركزي من العملات الاجنبية 25 مليار دولار تقريبا (ما عدا سندات الاوروبوندز) بمنتصف اب. ولا ننسى تدخل مصرف لبنان بسوق القطع من خلل تزويد الصرافين بالعملات الاجنبية.

وفي ظل التباطؤ في تدفقات رؤوس الأموال من الخارج الى الاقتصاد اللبناني ومن ثم توقفها كليا بعدما اعلنت الحكومة قرارها التعثر بسداد سندات الاوروبوندز، يلفت غبريل الى ان الودائع تراجعت بين اول ايلول 2019 وآخر حزيران 2020 نحو 28 مليار دولار. والى تكلفة الدعم، يعزو غبريل تراجع الاحتياطات الاجنبية الى اسباب عدة منها ان "الاموال الطازجة" (Fresh Money) لا تخضع للاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان، وكذلك فإن المداخيل السياحية التي هي مصدر اساسي للعملات الاجنبية باتت معدومة بسبب جائحة كورونا، فيما بلغت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المشاريع الجديدة اقل من 1% في الناتج المحلي، ولم تتخطَ 250 مليون دولار في العام 2019. أما التحاويل الخارجية فباتت تدخل مباشرة عبر المطار أو من خلال شركات تحويل الأموال، في حين ان المساعدات الأجنبية بعد كارثة 4 آب هي إما عينية رسمية أو fresh Money من القطاع الخاص او المغتربين ولا تذهب الى الاحتياطي". ولم ينس غبريل ايضا الاشارة الى ان لبنان "كان يستبدل سندات بسندات الاوروبوندز عند استحقاقها بسندات اخرى او يصدر سندات اوروبوندز جديدة، وقسم من هذه الاكتتابات يحصل مع جهات خارجية بما يؤدي الى تدفقات بالعملات".

هذا الواقع لن يتغير برأي غبريل ما لم تبدأ الحكومة بتطبيق الاصلاحات من دون انتظار الاتفاق مع صندوق النقد، لتبرهن الجدية والشفافية في التعاطي، خصوصا وان "المؤسسات المالية الدولية غير مستعدة لضخ الاموال اذا لم تلحظ الجدية في الاصلاحات". اما الحل الآخر فهو على المدى القصير، إذ يقترح غبريل "الافادة من احتياطي الذهب ليس بتسييله، بل من خلال الحصول على خط ائتمان بقيمة 5 او 6 مليارات دولار مقابل قسم من الذهب، وضخ هذا المبلغ بالسوق من خلال المصارف بما يساهم بدعم الشركات وتعزيز السيولة وتخفيف الاعتماد على السوق السوداء".

كيف ستتأثر السلع؟

رفع الدعم يعني ربط سعر السلع المدعومة أقله بالنسبة للدواء والخبز والمحروقات بشكل مباشر بسعر الدولار في السوق السوداء والتي هي عمليا السوق الحقيقية والأساسية، خصوصا في ظل شح الدولار في المصارف ولدى الصرافين. فإذا بقي سعر الصرف على معدله اي 7500 ليرة للدولار الواحد، فهذا يعني مثلا مضاعفة سعر الدواء خمس مرات، وكذلك الخبز الذي يتوقع ان تصبح سعر الربطة الواحدة نحو 5 آلاف ليرة، اما سعر البنزين فيتوقع ان يصبح سعر الصفيحة نحو 60 الف ليرة من اصل نحو 24 الف حاليا، هذا في حال لم يرتفع برميل النفط في السوق العالمية". ويذكر الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين بالاقتراح الذي كانت قد نشرته "النهار" ويتلخص بـ "ايداع دائرة الميكانيك قسائم بالبنزين المدعوم، بحيث يصبح في امكان كل صاحب سيارة عمومية أو خاصة يدفع رسوم الميكانيك الحصول على قسيمة. مثلا يحصل سائق السيارة العمومية على قسائم بـ 400 صفيحة سنويا، أما صاحب السيارة الخصوصية فيحصل على 100 صفيحة سنويا. وعلى هذا النحو تبقى تعرفة سيارات الاجرة على حالها ويستطيع اصحاب السيارات الصغيرة وذوو الدخل المحدود التنقل. أما من يستهلك أكثر من هذه الحصة، فعليه أن يؤدي ثمن ما يستهلكه خارج الدعم. ويشرح شمس الدين آلية تنفيذ إقتراحه كالآتي: عند تسديد رسم الميكانيك يحصل صاحب السيارة على القسائم المدعومة المختومة برقم سيارته، ومن ثم يسددها للمحطات التي تقدمها بدورها الى وزارة المال كل 15 يوما للحصول على فارق الدعم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
التيار النقابي المستقل :تأمين مقعد مدرسي لكل القادمين الكُثُر إلى التعليم الرسمي

التيار النقابي المستقل :تأمين مقعد مدرسي…

أيلول 17, 2020 41 مقالات وتحقيقات

لماذا التمييز بين المواطنين في التعويض العائلي

لماذا التمييز بين المواطنين في التعويض ا…

أيلول 16, 2020 61 مقالات وتحقيقات

اتركوا المدارس... إلى التعليم المنزليّ!

اتركوا المدارس... إلى التعليم المنزليّ!

أيلول 14, 2020 52 مقالات وتحقيقات

نظام التعويضات العائلية وضرورات تطويره نحو نظام تقديمات  عائلية وتعليمية

نظام التعويضات العائلية وضرورات تطويره ن…

أيلول 09, 2020 111 مقالات وتحقيقات

فوضى إدارة الكوارث وخدمات الطوارئ: المساعدات في لبنان تذهب إلى التلف!

فوضى إدارة الكوارث وخدمات الطوارئ: المسا…

أيلول 09, 2020 78 مقالات وتحقيقات

لا للزبائنية نعم لصندوق بطالة يحمي حق العيش الكريم

لا للزبائنية نعم لصندوق بطالة يحمي حق ال…

أيلول 04, 2020 110 مقالات وتحقيقات

تقرير أوّلي لوزارة الصناعة: تضرّر 211 مصنعاً

تقرير أوّلي لوزارة الصناعة: تضرّر 211 مص…

أيلول 03, 2020 105 مقالات وتحقيقات

إنفجار بيروت يفاقم الانكماش والكلفة الاولية تتخطى 5 مليارات دولار كومار جاه لـ" النهار": دعوة للاستيقاظ والعمل على تغيير مؤسسي واقتصادي

إنفجار بيروت يفاقم الانكماش والكلفة الاو…

أيلول 03, 2020 108 مقالات وتحقيقات

البنك الدولي: 8٫1 مليار دولار «أضرار وخس…

أيلول 01, 2020 74 مقالات وتحقيقات

مناقصة ببنود ملتبسة تكبّد الخزينة 15 مليار ليرة إضافية: ترف الطوابع المالية

مناقصة ببنود ملتبسة تكبّد الخزينة 15 ملي…

أيلول 01, 2020 131 مقالات وتحقيقات