هل تفرض المصارف قيوداً جديدة على المودعين؟

تشرين2 13, 2020

موقع المدن-13-11-2020

خضر حسان 

 

سقطت المصارف كما البلاد بكامل قطاعاتها ومؤسساتها وأفرادها. وفي معرض السقوط، راح كل طرفٍ يبحث عن طوق النجاة الخاص به، وإن عنى ذلك الدَوسَ على رؤوس الآخرين، وأوّلهم الحلقة الأضعف، وهي صغار المودعين والمقترضين.

وإن كان للمودعين والمقترضين من يحاول إغراقهم للنجاة على حسابهم، فللمصارف مَن يضمر لها ذلك، وهو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي يبحث عن شمّاعة ليعلّق عليها أخطاءه. فماذا تفعل المصارف حيال هذا الضغط، وهل يدفع المودع الثمن مرّة جديدة؟.

مؤشّرات السقوط
أدرَكَت المصارف باكراً صورة نهاية امبراطوريّتها، وحذَّرَت من تبعات السياسات النقدية بخجل، فهي لم تكن تريد خسارة شلاّل الذهب الذي يُغدِقها بالأموال، بقوّة تلك السياسات. غير أنَّ المكابرة لم تعد تنفع، فبدأت المصارف تلتمس مؤشِّرات السقوط بشكل كبير منذ العام 2017 "حين بدأت تظهر أزمة الثقة بين القطاع الخاص عموماً والقطاع المصرفي بشكل خاص، والحكومة والناس والمغتربين، بفعل سلسلة الضرائب التي أقرّتها الحكومة في ظل عجز ميزان المدفوعات وتزايد الإنفاق العام غير المدروس، وفي مقدّمته إقرار سلسلة الرتب والرواتب. فضلاً عن زيادة الانكماش الاقتصادي الذي سجَّلَ في العام 2017 نسبة 1.9 بالمئة فيما يسجَّل اليوم بين 25 و27 بالمئة"، وفق ما يراه رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، خلال حديث لـ"المدن".

ومَع أنَّ بعض المصرفيين حذَّروا من انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار، منذ العام 2016، وكانت التوقّعات تشير الى تخطّي سعر صرف الدولار 5000 ليرة، إلاَّ أنَّ السياسات النقدية والمالية استمرَّت على حالها. القطاع المصرفي استمرَّ برفد مصرف لبنان بأموال المودعين مستفيداً من الفوائد المرتفعة، وحافَظَ المصرف المركزي على سياسة تثبيت سعر صرف الليرة من خلال استعمال دولارات المودعين. وعلى كلّ حال، لم يكن بإمكان المركزي وقف استعمال أموال المودعين لأن هذه الخطوة من شأن تسريع وقوع الأزمة.
في نهاية المطاف، سجَّلَ القطاع المالي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2020، انخفاضَ صافي أصوله الأجنبية بمعدَّل 9.6 مليار دولار، فيما انخفضت ودائع القطاع الخاص بمعدّل 30.4 مليار دولار.

ضغط المركزي والدولة
يُبعِد رياض سلامة مسؤولية الحلّ عن نفسه ويلقيها على عاتق المصارف والمساهمين فيها. ففي نظره، "حان الوقت لتتحمل المصارف والمساهمون مسؤولياتهم بإعادة تكوين التزاماتهم، عبر تطبيق تعاميم مصرف لبنان المتعلّقة بزيادة المصارف رساميلها بنسبة 20 بالمئة وإعادة الأموال المحوَّلة بنسبة 15 إلى 30 بالمئة، وإعادة تكوين نسبة 3 بالمئة في حساباتها لدى البنوك المراسلة".

على المصارف مسؤوليات أساسية تجاه ما يحصل في لبنان على المستوى الاقتصادي والنقدي. وهذا أمر لا جدال فيه. لكنّه لا يبرِّر تنصّل المركزي من مسؤولياته وإصداره لنفسه صكّ براءة. فالسياسات الموضوعة على عجل لمواجهة الأزمة، عشوائية لدرجة أنَّ المصارف وقعت في حالةٍ من الضبابية والضياع، وبعضها يدرس احتمال عدم التجاوب مع قرارات المركزي، وإن كان الثمن هو الخروج من السوق. ويزيد استخفاف السلطة السياسية الوضع سوءاً، فالمصارف "تنتظر اتّخاذ السلطة خطوات سريعة، على رأسها تشكيل حكومة وتقرير مصير التفاوض مع صندوق النقد"، حسب غبريل، الذي يؤكّد أنَّ "حسم مسألة التفاوض مع الصندوق عن طريق اتّخاذ إجراءات فعلية، من شأنه تسهيل مهمّة المصارف لجهة اتخاذ قراراتها. فالمصارف منقسمة اليوم إلى ثلاث فئات. في الأولى، مصارف قادرة على زيادة رساميلها وتقوم بإجراء ما يلزَم لذلك. وفي الثانية، مصارف تقوم بالإجراءات لكنّها قد لا تستطيع تنفيذها. وفي الثالثة، مصارف تريد الخروج من السوق. لكن من المبكر جداً حسم النتائج".

المودعون ضحيّة دائمة
لا تريد المصارف رمي أموالها في المجهول، لذلك لا تريد الإسراع في زيادة رساميلها لدى مصرف لبنان أو إعادة تكوين حساباتها لدى البنوك المراسلة. لكن متى وصلت السلطة السياسية إلى صيغة ما لتشكيل الحكومة، ستسارع المصارف لتطبيق قرارات مصرف لبنان، وحينها سيزيد الخناق على المودعين، أفراداً ومؤسسات، فالرساميل لن تزداد من جيب المصارف وإنما من جيب المودعين، وإن لم تعلن المصارف ذلك. ومِن غير المستبعد حينها، خروج المصارف بسلسلة من القرارات التي تقوِّض عمليات السحب، وأهمّها خفض سقف السحوبات اليومية والشهرية، بهدف توفير كميات إضافية من السيولة. وهذا الإجراء مرتبط بالمساعي السياسية لوضع تصوُّر لتوحيد سعر صرف الدولار، واتّخاذ قرار بشأن تحرير سعر الصرف وإعادة تكوين احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ومصير سندات الخزينة بالدولار والليرة.. وغير ذلك.

حتّى اللحظة، لا شيء واضحاً سوى المزيد من السلبية سياسياً ونقدياً، مِن قِبَل السلطة والمصرف المركزي. ما يزيد ارتباك المودعين ومؤسسات القطاع الخاص. وهؤلاء يطاردهم رياض سلامة ويحسدهم على دولاراتهم التي حَفِظوها من خلال إخراجها من المصارف، إما نقداً أو سداد ديون بواسطتها. فحاكم المصرف المركزي يضع نصب عينيه "كتلة نقدية بقيمة 10 مليارات دولار، قادرة على إعادة التوازن إلى السوق"، وهي مجموع الكتلة النقدية التي يُقدِّر سلامة أنها مخزَّنة في المنازل أو صُرِفَ بعضها.

مقابل ترقُّب المودعين قرارات جديدة مِن مصرف لبنان والمصارف، تنتظر الأخيرة قدوم شهر شباط 2021 لترى ما سيقرِّره المركزي حيال المهلة الزمنية المعطاة للمصارف لزيادة رساميلها، فهل ستُمَدَّد المهل على وقع الوقت الضائع وعدم التفاوض مع صندوق النقد، أم سيباشر المركزي إجراءاته سريعاً ويباغت القطاع المصرفي بالاستحواذ على المتخلّفين، وبالتالي سيطلق عدّاد التداعيات السلبية الإضافية على الاقتصاد والليرة؟

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية للسلطة اللبنانية

قرأة نقدية لسياسات الحماية الاجتماعية لل…

تموز 24, 2021 12 مقالات وتحقيقات

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف من الآتي

عمال المخابز والأفران...حقوق مستلبة وخوف…

تموز 19, 2021 29 مقالات وتحقيقات

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

النقابة تنتصر: التغيير أمر واقع

تموز 19, 2021 87 عمالية ونقابية

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات الأصناف من الأدوية وتفتح باب "القلق" أمام اللبنانيين  خطة "الصحة" الطموحة مغلّفة بـ"قشرة" رفْع الدعم الخجولة

12 ألف ليرة "تفكّ أسْر" مئات ا…

تموز 19, 2021 31 مقالات وتحقيقات

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش وورق الجرائد!

السلطة للنساء: لا فوط... عليكنّ بالقماش …

تموز 16, 2021 28 مقالات وتحقيقات

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من المملكة الأردنية الهاشمية عبر سوريا من دون التعرض لعقوبات "قيصر" هل ينجح "الغاز العربي" بحل أزمة الكهرباء بعدما فشل في الماضي؟

إقتراح لاستجرار وقود معامل الطاقة من الم…

تموز 16, 2021 34 مقالات وتحقيقات

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أيهما "سرقة" أقل؟

حيرة المودعين بين التعميمين 158 و151: أي…

تموز 16, 2021 68 مقالات وتحقيقات

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازوت

المصانع الى الإقفال اذا لم يتوافر المازو…

تموز 16, 2021 35 مقالات وتحقيقات

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة "صيرفة" سقطت!

كل شيء ينهار تحت أقدام سلامة: منصة …

تموز 15, 2021 29 مقالات وتحقيقات

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد يريد تمويلها

البطاقة التمويليّة إلى السقوط: لا أحد ير…

تموز 15, 2021 23 مقالات وتحقيقات

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

السلطة تنتظر الـ860 مليوناً بفارغ الصبر

تموز 15, 2021 28 مقالات وتحقيقات

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خرق في "جدار" مصادرة أصوات الأجراء على المستوى الوطني نقابة عمال "سبينس": ربح "معركة" البداية لا يعني انتهاء "الحرب"

تنتظر قرار الإستئناف وتراهن على إحداث خر…

تموز 14, 2021 37 مقالات وتحقيقات

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمون بالسوق في غياب «المركزي»

سعر الدولار مُضخَّم... والمحتكرون يتحكمو…

تموز 12, 2021 36 مقالات وتحقيقات

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط للمحظوظين

الحقيقة تقترب.. 20 دولاراً في الشهر فقط …

تموز 12, 2021 34 مقالات وتحقيقات

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف التعسّفي: «إمبراطورة» تحكم قسم التمريض في «الحريري»؟

دعاوى واتهامات بـ «تركيب ملفات» والصرف ا…

تموز 08, 2021 41 مقالات وتحقيقات

هكذا تحصل على 400 دولار

هكذا تحصل على 400 دولار

تموز 08, 2021 46 مقالات وتحقيقات