الأسباب المُعلنة والغامضة لتقلّبات سعر الصرف

آذار 29, 2021

الجمهورية-29-3-2021

د. فؤاد زمكحل


شهدنا مؤخراً تدهوراً كارثياً وسريعاً لقيمة العملة الوطنية، بعدما تخطت السقف البسيكولوجي لـ 10 آلاف ليرة، والذي كان العتبة المخيفة للبنانيين. وهذا يعني لا سقف للتدهور، ولا سيما حين بلغ الدولار نحو 15 الف ليرة، بما يدلّ على خسارة مُدوية لقيمة الليرة اللبنانية التي قفزت من 1500 ليرة إلى 15 الفاً، أي ما نسبته 10 أضعاف، للوصول إلى الدولار الواحد.


هناك أسباب مباشرة معلنة ونقدية للتدهور المخيف في سعر العملة الوطنية، وهناك أسباب غير مباشرة وغير معلنة وغامضة لتقلبات سعر الصرف:

 

أولاً: ندرك تماماً أن المصرف المركزي يطبع الليرة اللبنانية، وليس الدولار الأميركي، أو اليورو الأوروبي، أو أي عملات أخرى. هذا يعني أن العملات الصعبة محكومة بأن تتبع سياسة العرض والطلب، ولا سقف لتراجع سعر الصرف، من دون ضخ سيولة من الإحتياطي أو استقطاب سيولة من الخارج.

 

من جهة العرض، نذكر أن الدولار الأميركي، كان يدخل الى لبنان من ثلاث جهات أساسية. المصدر الأول، تحويلات المغتربين المنتشرين في العالم، والتي كانت تُراوح ما بين 6 مليارات و8 مليارات سنوياً. إن هذه التحويلات تراجعت بشكل ملحوظ، وبعضها لا يزال قائماً بشكل خجول، لكنها لا تمرّ عبر القطاع المصرفي أو من الوسائل الرسمية.

 

من جهة أخرى، كان بعض العملات الصعبة يُضخ من خلال المساعدات الدولية، مثل مؤتمرات باريس (1)، و(2)، و(3)، إضافة إلى مؤتمرات روما، وبروكسل، ولندن، وأيضاً مبالغ قيّمة من قبل صناديق الدعم العربية وغيرها. لكن للأسف، بعدما خسرنا ثقة المجتمع الدولي، خسرنا أيضاً معها كل المساعدات النقدية وتحوّلت المؤتمرات الإقتصادية والإستثمارية من أجل لبنان إلى مؤتمرات إجتماعية وإنسانية، لتصدير سلع أساسية للحد من الفقر. وقد توقف ضخ أي سيولة تخوفاً من الفساد، وإتّقاء لتبخّرها.

 

من الجهة الثالثة للعرض، كان يدخل لبنان عملات أجنبية من خلال الصناعة والتصدير وأيضاً من السياحة ومن إيرادات السياح، لكن بعد الإقفال الجبري للقطاع الصناعي، وأيضاً تدهور ثقة الصناعيين، وحاجتهم للسيولة المستدامة، لشراء المواد الأولية، باتوا يطالبون بدفع مستحقاتهم وتحويلها خارج الأراضي اللبنانية، من أجل دفع واستيراد المواد الأولية التي يحتاجونها، فخسرنا هنا أيضاً تحويلات مهمة للناتج الوطني من العملات الصعبة.

 

أما بالنسبة إلى السياحة، فخسرنا آلاف السياح من الأخوة العرب الذين كانوا يُنعشون الإقتصاد اللبناني. أما السياح من بلاد الإغتراب، حتى إذا زاروا بلدهم الأم، فسينفقون من أموالهم المحجوزة في لبنان ولن يضخوا سيولة جديدة.

 

 

من جهة الطلب الداخلي، كان الطلب للعملات الصعبة مركّزا على التجار لاستيراد بعض السلع، وعلى الصناعيين لإستيراد المواد الأولية، وعلى الطلاب لدفع أقساطهم، وعلى بعض اللبنانيين الذين كانوا يسافرون دورياً إلى الخارج. فتحول هذا الطلب من نحو 300 ألف لبناني، إلى نحو 6 ملايين لبناني، إذ باتوا يبحثون عن العملات الأجنبية، للحفاظ على القيمة الشرائية وليحموا ما تبقى من مدخراتهم التي تذوب يوماً بعد يوم.

 

من جهة أخرى من الطلب، أُجبرت المصارف إلى التوجّه نحو السوق المحلية، لتأمين بعض السيولة التي كانت مطلوبة منها لزيادة رؤوس أموال مؤسساتها، وأيضاً لتأمين إحتياطي الـ 3 % من الودائع المطلوبة. فزيادة المبالغ المطلوبة من العملات الصعبة في السوق السوداء كان لها تأثير على سعر الصرف.

 

الجهة الأخيرة للطلب على الدولار، ترتبط بالطلب الداخلي على العملات الصعبة. نُدرك تماماً أنّ هناك حاجة يومية الى الدولار الأميركي لسوريا، التي تخضع لعقوبات، وحصار دولي، وتطبيق قانون قيصر، ولذلك تحتاج إلى استيراد العملات الصعبة من كل الجهات، بينها خصوصاً لبنان، ما يؤدي إلى سحب بعض السيولة من سوقنا المحلية، علماً أن السيولة المتوافرة حالياً لا تكفي لبلدين واقتصادين.

 

بناء على ما تقدم، يُبرهَن تقنياً وجود تجاذبات وضغوط حاصلة حيال موضوع العرض والطلب للعملات الأجنبية. وفي الوقت عينه، هناك أسباب غامضة، ونقاط استفهام كبيرة جداً وأياد سوداء تتدخل لزيادة الضغط على سعر الصرف. ليس سراً أن التدهور الأخير والأكبر حصل في نهاية الأسبوع (السبت والأحد)، بحيث في الأيام العادية، يكون العرض والطلب ضعيفاً، ما يعني أن هناك تدخلات، داخلياً وإقليمياً وخارجياً، خفية.

 

إن التشويش الداخلي، هو من أجل بعض الضغوط السياسية. أما التفاعل السلبي الخارجي، فيهدف إلى ضرب لبنان، وتركيعه إقتصادياً وإجتماعياً. لكن الضحية واحدة هو الشعب اللبناني الذي يدفع ثمن الصراعات الداخلية والإقليمية.

 

بعدما تناولنا بالتفصيل الأسباب المعلنة وغير المعلنة لتدهور سعر الصرف، نستطيع القول: إن التحول إلى نظام بوليسي وتوقيف عدد من الصرافين عشوائياً لا يحل المشكلة الجوهرية. فمشكلتنا الأساسية تتعلق بالثقة واستقطاب الأموال الصعبة للإستثمارات، وندعو الجميع إلى التركيز على جذور الأزمة الحقيقية، وليس الأسباب السطحية.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
أربع حقائق عن الدعم والاحتياطي الإلزامي

أربع حقائق عن الدعم والاحتياطي الإلزامي

نيسان 20, 2021 14 مقالات وتحقيقات

محاكمات المدنيين مستمرة مرافعة صادمة لمدني أمام "العسكرية"

محاكمات المدنيين مستمرة مرافعة صادمة لمد…

نيسان 20, 2021 12 مقالات وتحقيقات

جان العلية يكشف ملفّاته للتدقيق الجنائي: فليشنقوني!

جان العلية يكشف ملفّاته للتدقيق الجنائي:…

نيسان 14, 2021 25 مقالات وتحقيقات

جسر «سليم سلام»: سرقة 77 % من قيمة العقد!

جسر «سليم سلام»: سرقة 77 % من قيمة العقد…

نيسان 14, 2021 20 مقالات وتحقيقات

الجامعة الاميركية تتحدّى القضاء: تهديد بطرد 76 طالباً

الجامعة الاميركية تتحدّى القضاء: تهديد ب…

نيسان 14, 2021 23 مقالات وتحقيقات

وزيرة العمل لميا يمين تتجاهل الإصلاحات الملحة في الضمان الإجتماعي وتتفاخر بالتدقيق المالي.

وزيرة العمل لميا يمين تتجاهل الإصلاحات ا…

نيسان 13, 2021 72 مقالات وتحقيقات

إستمرار الممارسات غير القانونية يتعمق في ظل غياب القضاء والبرلمان ولجنة الرقابة على المصارف المصارف "تفتّت" ما بقي في الحسابات... بالعمولات

إستمرار الممارسات غير القانونية يتعمق في…

نيسان 13, 2021 31 مقالات وتحقيقات

المصارف اللبنانية أساءت الأمانة وانتحرت - جريدة الجمهورية

المصارف اللبنانية أساءت الأمانة وانتحرت …

نيسان 13, 2021 35 مقالات وتحقيقات

موظفو الـ Liban post  يطالبون بأجور عادلة

موظفو الـ Liban post يطالبون بأجور عادل…

نيسان 12, 2021 31 تحركات واحتجاجات

إحتياطي "المركزي" نفد والبطاقة التموينية لم ترَ النور والدولار إلى ارتفاع يوم يتحقّق كابوس رفع الدعم من دون خطة بديلة!

إحتياطي "المركزي" نفد والبطاقة…

نيسان 12, 2021 24 مقالات وتحقيقات

الإتحاد العمالي العام يستيقظ من "الكوما" ليحضر "لتحرك وطني كبير"

الإتحاد العمالي العام يستيقظ من "ال…

نيسان 09, 2021 96 تحركات واحتجاجات

بعد انتهاء "الدغدغة": مجزرة تنتظر موظفي المصارف

بعد انتهاء "الدغدغة": مجزرة تن…

نيسان 09, 2021 28 مقالات وتحقيقات

نقابة موظفي المصارف دعت الى التوقف الفوري عن عمليات الصرف

نقابة موظفي المصارف دعت الى التوقف الفور…

نيسان 09, 2021 41 مقالات وتحقيقات

السائقون العموميون ينادون بسلة مطالب، والخلاف بات ظاهرا بين النقيبين طليس وفياض

السائقون العموميون ينادون بسلة مطالب، وا…

نيسان 08, 2021 64 تحركات واحتجاجات

نقابة المحامين تسدّ عجز الصندوق التعاوني: صفر مساءلة... صفر محاسبة!

نقابة المحامين تسدّ عجز الصندوق التعاوني…

نيسان 08, 2021 27 مقالات وتحقيقات

نقابة المحامين في معركة حماية أموال المودعين: مقاضاة دولية!

نقابة المحامين في معركة حماية أموال المو…

نيسان 02, 2021 56 مقالات وتحقيقات

الجامعة اللبنانية: من كنف الدولة إلى وصاية الأحزاب السياسية

الجامعة اللبنانية: من كنف الدولة إلى وصا…

نيسان 02, 2021 219 مقالات وتحقيقات

رحلة اللاعودة من الفقر بدأت وتعديل في الهيكلية الاجتماعية اللبنانية

رحلة اللاعودة من الفقر بدأت وتعديل في ال…

آذار 29, 2021 67 مقالات وتحقيقات

الأسباب المُعلنة والغامضة لتقلّبات سعر الصرف

الأسباب المُعلنة والغامضة لتقلّبات سعر ا…

آذار 29, 2021 55 مقالات وتحقيقات

موظفو المصارف مهددون بالتسريح...

موظفو المصارف مهددون بالتسريح...

آذار 26, 2021 72 مقالات وتحقيقات

...نقابة مالكي الشاحنات في مرفأ بيروت على مقربة من تحصيل حقوقها، فيما السائقون ينتظرون

...نقابة مالكي الشاحنات في مرفأ بيروت عل…

آذار 24, 2021 64 عمالية ونقابية

رابطة المودعين للجنة الرقابة على المصارف: قوموا بواجباتكم وتحركوا فورا لوقف الإجحاف في حق المودعين

رابطة المودعين للجنة الرقابة على المصارف…

آذار 23, 2021 61 مقالات وتحقيقات

نموذج من سرقة المال العام في تقرير لديوان المحاسبة: الهدر في تنفيذ أشغال يصل إلى 80 في المئة!

نموذج من سرقة المال العام في تقرير لديوا…

آذار 23, 2021 74 مقالات وتحقيقات

مدير عام "بلوم بنك": السياسيون اللبنانيون هدّدونا لتهريب أموالهم

مدير عام "بلوم بنك": السياسيون…

آذار 23, 2021 76 مقالات وتحقيقات

جهنم" رفع الدعم: لا بضائع مستوردة ولا سعر لليرة

جهنم" رفع الدعم: لا بضائع مستوردة و…

آذار 22, 2021 71 مقالات وتحقيقات