المصارف اللبنانية أساءت الأمانة وانتحرت - جريدة الجمهورية

نيسان 13, 2021

الجمهورية-13-4-2021

د. هيكل الراعي 

المصرف، بحسب أبسط تعريفاته، هو منشأة مالية، يلتقي فيها عرض النقود والطلب عليها. وهو مؤسسة هدفها قبول الودائع ومنح القروض والقيام ببعض الخدمات المرتبطة بهذه النشاطات.


إنطلاقاً مما سبق، يمكن القول انّ المصارف تقوم بالآتي:

 

أ - جمع الودائع وفوائض الأموال من الداخل والخارج وتحويلها، على اختلاف آجالها، إلى رساميل فاعلة بين شتّى أنواع التوظيفات...

ب - خلق النقد الخطي، وبالتالي المساهمة في زيادة عرض النقد التي تؤدي بدورها إلى زيادة حجم الطلب والنشاط الإقتصادي.

ج - تقديم خدمات شتّى لزبائنها لتسهيل عملياتهم المالية وحماية أموالهم وتثميرها، بما في ذلك تقديم المشورة وجباية الفواتير وإدارة بطاقات الدفع والإئتمان.

 

صاغة ومُرابين وصيارفة

 

كانت المصارف في أولى مراحلها عبارة عن صاغة ومرابين وصيارفة، نشأت في أواخر القرون الوسطى في مدن البندقية وجنوى وبرشلونة. حيث أنه بتقدّم التجارة وظهور فائض في النقود الذهبية لدى التجار، بدأت ظاهرة إيداع النقود تظهر تدريجاً لدى بعض الصاغة، لاعتبارهم جهة مأمونة وموثوقة. كان المودعون يحصلون على شهادات إيداع إسمية. وما ان اكتشف الصاغة أنّ نسبة صغيرة من المعادن المودعة لديهم هي التي تسحب بواسطة المودعين حتى بدأوا في تحقيق الربح بإقراض جزء من هذه الودائع. والجدير بالذكر أن الذهب لم يكن دائماً هو الذي يقرض وإنما أصدر الصاغة إيصالاتهم التي تتداول بين الناس كما لو كانت ذهباً.

 

وبالتدريج، بدأ العمل المصرفي ينتقل من الأفراد إلى المشروعات المساهمة، ومنذ القرن الرابع عشر سمح الصاغة والتجار لبعض عملائهم بالسحب على المكشوف أي سحب مبالغ تتجاوز أرصدتهم الدائنة ما أدى إلى إفلاس عدد من هذه المحال. هذا الأمر دفع عدداً من المفكرين الى المطالبة في الربع الأخير من القرن السادس عشر بإنشاء مصارف حكومية تحفظ الودائع وتسهر على سلامتها. وطالما أنّ المصرف يحتفظ بنسبة مأمونة من الاحتياطات النقدية فإنه يستطيع أن يخلق حجماً كبيراً من الإئتمان عن طريق تقديم قروض أو إعطاء تسهيلات سحب على المكشوف.

 

وعلى العموم يمكن تصنيف المؤسسات المصرفية ضمن نوعين: المصارف التجارية والمصارف المتخصصة، وتقوم على رأس هذين النوعين من المصارف مصارف الدولة أو المصارف المركزية.

 

المصارف التجارية

 

 

هي منشآت مالية غير متخصصة تسعى لتحقيق الأرباح. وهي المكان الذي يلتقي فيه عرض الأموال والطلب عليها. وقد توسّع دور المصارف التجارية في المرحلة الأخيرة بحيث أصبح يشمل مجموعة من النشاطات، أبرزها:

 

تقديم المشورة والخدمات المحاسبية والمشورة المالية والقضائية، والمشاركة في المجموعات المصرفية المالية وتقديم التمويل اللازم للمشروعات العالمية، إضافة إلى إدارة الأموال وتنظيم الإستثمارات وسداد المدفوعات الدورية، وإدارة الشركات.

 

إذاً المصارف التجارية هي مؤسسات إئتمانية غير متخصصة دورها الأساسي يقوم على قبول ودائع تدفع عند الطلب أو بعد أجل قصير، وهذه الودائع هي على 3 أنواع: ودائع جارية أو تحت الطلب، وودائع ثابتة لأجل قصير، وودائع إدّخارية. لا يدفع المصرف عملياً أي فائدة على الودائع الجارية أو تحت الطلب إنما يمكن أن تسحب جزئياً أو بكاملها في أي وقت بإصدار شيكات. أما الودائع الثابتة فإنها سميت كذلك لأنها تترك لدى المصرف لمدة ثابتة معينة لا يمكن أن تسحب قبل انقضائها ويدفع المصرف على مثل هذه الودائع فائدة أعلى. أما الودائع الإدّخارية فإنها يمكن أن تسحب مرة أو مرتين أسبوعياً وهناك أيضاً حدود لجملة المسحوبات الأسبوعية. وقد أطلق إسم المصارف التجارية على هذا النوع من المصارف لاقتصار نشاطها في بداية الأمر على تمويل النشاطات التجارية.

 

دراسة مردودية الاستثمار

 

وتحتلّ المصارف التجارية مركزاً مهماً في الإقتصاد الوطني، حيث تقوم بجمع ودائع المؤسسات الإنتاجية والمؤسسات الأخرى والأفراد ومدّخراتهم وتعيد استثمار ما جمعت على شكل قروض قصيرة أو متوسطة الأجل. وهكذا، فإنّ المصارف التجارية تقترض لتقرض بأشكال مختلفة للأفراد والمنشآت التجارية والصناعية والزراعية وغيرها تأميناً لحاجاتها من الأموال. هذه القروض تكون عادة لآجال قصيرة وبعضها يكون لآجال متوسطة من أجل تنشيط الإستثمار في القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية والإسكانية. كما تقوم المصارف التجارية بتحويل الأموال من مكان إلى آخر ومن شخص إلى آخر عن طريق استعمال الشيكات، مما يسهّل الحياة اليومية للأفراد. وبالإضافة إلى ذلك، تقدّم المصارف معلومات ونصائح لزبائنها تتعلق بعمليات الاستثمار ودراسة المردودية او دراسة الجدوى الاقتصادية، كما تقوم بتأدية خدمات متنوعة (حفظ الأغراض الثمينة، شراء وبيع السندات والأسهم، تأدية الرسوم على أنواعها). يحقق المصرف أرباحاً عن طريق تقديم قروض، ولكن المصرف يتعامل في أموال الناس الآخرين ويتعيّن عليه أن يحتفظ بنقد سائل حاضر لمقابلة طلبات المودعين. ومن ثم فإنه لا بد من الاحتفاظ باحتياطات نقدية. فالمصرف يجب عليه أن يحقق توازناً دقيقاً ما بين السيولية والأربحية. فإذا هو احتفظ بأصوله في شكل زائد السيولية فإنه يخسر الربح، وإذا هو حاول أن يحقق ربحاً أكثر من اللازم فإنه قد لا يكون قادراً على تلبية طلبات المودعين.

 

الأموال الخاصة والأموال العامة

 

وعند الحديث عن الأزمة المالية الخانقة التي يُعانيها لبنان حالياً، من الضروري التمييز بين الأموال الخاصة التي تبخّرت والأموال العامة التي نُهبت وسُرِقت.

 

فودائع الناس في المصارف التجارية هي أموالٌ خاصة، كُلفت المصارف بإدارتها بطريقة ذكية وحكيمة مما يؤمّن مداخيل للمُودعين على شكل فوائد، ولأصحاب المصارف على شكل أرباح. هذا التكليف من المُودعين للمصارف قام على الأمانة والثقة، لذلك تُسمّى المصارف مؤسسات ائتمانية. كانت المصارف تتشدّد في تسليف الأموال للمُقترضين وتُخضعهم لدراسات الجدوى الإقتصادية لكل مشروع، قبل الموافقة على طلباتهم. والمشكلة أنّ أصحاب المصارف استغلّوا هذه الثقة الغالية التي مُنحت لهم وقاموا بتوظيف أموال المُودعين في شركات ومؤسسات خاسرة أو إقراضها إلى دولة مُفلسة او معرّضة للإفلاس، مُقابل أرباحٍ وعوائد مُرتفعة ومُغرية حصلوا عليها وقاموا، وبغمضة عين، بإخراجها من لبنان إلى حسابات محمية في مصارف دولية. وعندما جاء المُودعون إلى المصارف التي وثقوا بها لاسترداد بعض أموالهم وجدوا صناديقها فارغة وخاوية، وأصحابها يذرفون دموع التماسيح. هكذا تم تدمير القطاع المصرفي في لبنان على يد أصحاب المصارف وأعضاء مجالس إدارتها ومديريها الكبار، ومن الصعب جداً أن يستعيد هذا القطاع نشاطه بعد فقدان ثقة المُودعين به. لأنّ الخيانة التي تمت والإذلال الذي عاناه ويعانيه الناس على أبواب المصارف دَمّرا العلاقة بين الطرفين ومن الصعب جداً ترميمها.

 

أموالُ المُودعين الخاصة هذه تحوّلت في نسبة كبيرة منها إلى أموالٍ عامة بالتواطؤ المصلحي والمنفعي واللاأخلاقي بين مافيا المصارف والحاكم بأمره في مصرف لبنان ومختلف مكوّنات الطبقة السياسية التي توالت على الحكم منذ انتهاء الحرب الأهلية. هذه الأموال العامة (أموال المُودعين) لم تُستعمَل لإقامة البنى التحتية ولدعم القطاعات الإنتاجية ولخلق فرص عمل وزيادة نسبة النمو إلّا بشكل جزئي، وأُهدر القسم الأكبر منها على دعم ثبات سعر صرف الليرة وعلى المجالس والصناديق والهيئات والجمعيات (لزوجات المسؤولين) وعلى عجز الكهرباء المتراكم، وعلى مشاريع مَشبوهة تفوح منها روائح الفساد والنهب المُنظّم، وعلى نفقات كثيرة غير مجدية إقتصادياً أو إجتماعياً. لقد سُرِقَت الأموال العامة من قبل الطبقة السياسية في ظل موجات من الشعارات البرّاقة والوعود الكاذبة بالرفاه والنمو والنهوض الإقتصادي، واكتشف اللبنانيون أنه رغم مليارات الدولارات التي تمّ إنفاقها، لا يزال لبنان يغرق في العتمة والنفايات ويفتقد إلى مختلف البنى والخدمات الأساسية. وبدل المبادرة من قبل الذين تولّوا المسؤولية خلال العقود السابقة الى إطفاء الدين العام أو خفضه، عُولج الدين بالدين فارتفعت الفوائد بنحو غير مسبوق، ليصل الدين العام الى 90 مليار دولار. وفي ظل كباش دولي وإقليمي حاد على الساحة اللبنانية حول ملفات سياسية واقتصادية وعسكرية، أدّت مجموعة من القرارات المُفاجئة والمدروسة من صانعيها، إلى انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار بنحو غير مسبوق، وذلك بعد موجة تصريحات وتطمينات كاذبة أطلقها المسؤولون حول متانة هذه الليرة وحول استقرار الأوضاع المالية.

 

هكذا تبخّرت أموال المُودعين، أموال الناس، التي اكتنزوها لمواجهة أيام الضيق أو لمشاريع مستقبلية، في لعبة إجرامية أبطالها تماسيح المصارف الذين يذرفون الدموع، والحاكم بأمره في مصرف لبنان، وثعالب السياسة الذين يتنعمّون بجنى عمر الناس.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
الشركات «تشدّ الخناق» على الصيدليات: أزمة الدواء إلى تفاقم

الشركات «تشدّ الخناق» على الصيدليات: أزم…

أيار 11, 2021 6 مقالات وتحقيقات

قبل الإنفجار الكبير؟

أيار 11, 2021 7 مقالات وتحقيقات

فليُرفع الدعم...

أيار 11, 2021 7 مقالات وتحقيقات

الفوضى الاستشفائيّة بدأت: وقف تغطية شركات التأمين

الفوضى الاستشفائيّة بدأت: وقف تغطية شركا…

أيار 11, 2021 5 مقالات وتحقيقات

وعود مصرف لبنان.. مساعٍ لتحصيل آخر دولاراتكم!

وعود مصرف لبنان.. مساعٍ لتحصيل آخر دولار…

أيار 11, 2021 8 مقالات وتحقيقات

رفع الدعم قبل ترشيده؟

رفع الدعم قبل ترشيده؟

أيار 11, 2021 6 مقالات وتحقيقات

الجامعة اللبنانية تلفظ أنفاسها: هل تُجرى الامتحانات؟

الجامعة اللبنانية تلفظ أنفاسها: هل تُجرى…

أيار 10, 2021 10 مقالات وتحقيقات

تسريب المسودة غير النهائية هدف إلى فتح النار على القانون تمهيداً لدفنه في مهده "لجنة المال": "الكابيتال" موجود... و"الكونترول" ممنوع

تسريب المسودة غير النهائية هدف إلى فتح ا…

أيار 10, 2021 13 مقالات وتحقيقات

رياض سلامة "يُفاوض"لإعادة أموال صغار المودعين..فقاعة لا أكثر

رياض سلامة "يُفاوض"لإعادة أموا…

أيار 10, 2021 10 مقالات وتحقيقات

تثبيت سعر الصرف مع «رَشِّة» دولارات للمودعين

تثبيت سعر الصرف مع «رَشِّة» دولارات للمو…

أيار 10, 2021 11 مقالات وتحقيقات

رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

رجالات الاستقلال: الأوليغارشيّون الأوائل

أيار 07, 2021 27 مقالات وتحقيقات

احتكارات المحاصصة الشاملة

احتكارات المحاصصة الشاملة

أيار 07, 2021 22 مقالات وتحقيقات

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ عهد العاملات السوريات؟

العاملات الأجنبيات يهجرن لبنان: هل بدأ ع…

أيار 07, 2021 20 مقالات وتحقيقات

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم وأسعارها تتضاعف

حلّت ساعة الصفر: اللحوم والدواجن بلا دعم…

أيار 07, 2021 26 مقالات وتحقيقات

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

محاكمة الرئيس وإمكانية ذلك

أيار 06, 2021 23 مقالات وتحقيقات

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُكوّن مؤونات على «اليوروبوندز» من أموال المودعين

«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُك…

أيار 06, 2021 21 مقالات وتحقيقات

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح "قاب قوسين أو أدنى" نتيجة عدم مطابقة ميزانيات البنوك مع المعايير العالمية هل يكون "الكابيتال كونترول" المسلّة التي "تنكز" المصارف لإعادة الهيكلة؟ -

فصل لبنان عن النظام المالي العالمي أصبح …

أيار 05, 2021 25 مقالات وتحقيقات

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي

خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر ا…

أيار 05, 2021 30 مقالات وتحقيقات

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبنان... هل دقّت ساعة "الدعم"؟

بين مصادر تمويل الدولة واحتياطي مصرف لبن…

أيار 05, 2021 22 مقالات وتحقيقات

عيد العمال؟ بأي حال!

عيد العمال؟ بأي حال!

أيار 04, 2021 25 مقالات وتحقيقات

تفاصيل خفض دعم البنزين والأدوية: "ا…

أيار 04, 2021 35 مقالات وتحقيقات

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي السياسيين؟

البطاقة الإجتماعية بدعة جديدة في أيدي ال…

أيار 04, 2021 25 مقالات وتحقيقات

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في كل بند من بنوده  "الكابيتال كونترول" يضع "العصمة" بيد "المركزي"

مقترح قانون يتضمّن صاعق تفجير ذاتياً في …

أيار 04, 2021 22 مقالات وتحقيقات

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية وتغطية صحية للعاطلين

نظام البطالة بعد الإفلاس: مساعدة مالية و…

أيار 04, 2021 24 مقالات وتحقيقات

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 137 دولاراً نقداً لكل أسرة بالعملة الخضراء

المسوّدة النهائيّة للبطاقة التمويليّة: 1…

أيار 04, 2021 26 مقالات وتحقيقات

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئيسها وحكوماتها وبرلمانها وحاكم مصرفها المركزي

عمال لبنان في العراء. الدولة خانتهم، برئ…

أيار 03, 2021 24 مقالات وتحقيقات

يمين حيت العمال عبر إذاعة لبنان: نعمل على نظام تأمين ضد البطالة

يمين حيت العمال عبر إذاعة لبنان: نعمل عل…

أيار 03, 2021 30 مقالات وتحقيقات