خطة دعم العائلات بالدولار: وداعاً لآخر احتياطي مالي

أيار 05, 2021

المدن - خضر حسان 

تبحث السلطة السياسية في تغيير منهجها لمواجهة الأزمة من دعم السلع إلى دعم العائلات، عبر إصدار بطاقة تمويلية تعطي 750 ألف عائلة لبنانية تحتاج المساعدة، نحو 154 دولاراً شهرياً، كمتوسط قيمة المساعدات التي تتدرّج من 60 دولاراً بالحد الأدنى، وصولاً إلى 210 دولارات بالحد الأقصى.

وبموجب المشروع الذي طرحه رئيس الحكومة حسان دياب، تتوزع قيمة المساعدة بين مبلغ شهري مقطوع لكل أسرة، يبلغ 29.6 دولاراً، يضاف إليه 29.6 دولاراً لكل فرد. علماً أن متوسط عدد أفراد الأسرة حُدد بـ4.2 أشخاص. وبما أن الحد الأقصى للمساعدة هو 210 دولارات، يعني بأن الحد الأقصى المعترف به لأفراد الأسرة محدد بنحو 7 أشخاص.

واقتراح البطاقة التمويلية يحمل في ظاهره حلاً سحرياً، فيما يؤكد في باطنه، استمرار الأزمة بمؤشرات أصعب مما نشهده اليوم. وأولى المؤشرات السلبية، هي انفلات أسعار الدولار والسلع وزياد معدّلات الفقر.

تجميل المشروع الجديد
يبني دياب مشروعه الجديد على أمل توفير الدولار في السوق، من خلال استعمال الأسر المستهدفة للدولار، ما "سيخفف من ارتفاع سعر الصرف ويحد من استنزاف القدرة الشرائية للمواطن ويساعد في التخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية، ويحد من التضخم الذي سيحصل في حال توزيع 10.4 تريليون بالليرة، بدل الدولار".

ويأمل دياب أن تتراجع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية بفعل "ضخ الدولار إلى السوق بشكل غير مباشر بقيمة 115 مليون دولار شهرياً، أو 1.4 مليار دولار سنوياً"، فمن شأن ذلك "دعم سعر صرف الليرة أمام الدولار ويقلّص هامش سعر الصرف".

دعم من جيوب المودعين
الاحتمالات المرسومة لنتائج تداول الأسر للدولار في السوق، أوهَمَت دياب أنها قادرة على إخفاء سؤال مهم جداً، وهو مصدر تمويل البطاقة. فمصرف لبنان لم يعد يملك دولارات كافية لتمويل دعم الأسر، ما يعني أن تمويل كلفة البطاقة البالغ نحو مليار 384 مليون ليرة، سيتم من الاحتياطي الإلزامي الذي تضعه المصارف لدى المركزي. علماً أن الأخير غير مخوَّل له التصرف بهذا الاحتياطي، لأنه عبارة عن أموال للمودعين وليس للمصارف أساساً.

ويتغاضى دياب عن مصدر التمويل، معتمداً على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، إذ من المتوقع أن يحقق مشروع البطاقة وفراً كبيراً مقارنة مع كلفة دعم السلع المعتمدة حالياً والتي تصل إلى 5 مليار دولار سنوياً، بحسب خطة دياب. وبالتوازي، يوقف مشروع البطاقة هدر 80 بالمئة من قيمة دعم السلع، والتي يستفيد منها المهرّبون وكبار التجار ومن لا يستحق الدعم من الأغنياء.
كما أن المشروع سيترافق مع وقف الدعم عن المحروقات والغاز والسلة الغذائية، وتخفيض الدعم على الأدوية، وزيادة الدعم على ربطة الخبز. وهذا الترشيد للدعم، سيكلف مصرف لبنان نحو 796 مليون دولار فقط.

الوفر الذي ستحققه البطاقة التمويلية يعيدنا إلى المليارات التي جرى هدرها عبر سياسة دعم السلع، من دون أن تحقق الغاية المرجوة منها. فلا الأسعار المدعومة توفّرت في السوق، ولا تراجع الضغط على طلب الدولار، ولم تنخفض أسعاره، بل ارتفعت. واليوم، يريد دياب ومن خلفه السلطة السياسية، وضع اليد على ما تبقى من أموال للمودعين، عبر الاحتياطي الإلزامي.
وبذلك، فإن السلطة تبتز اللبنانيين، وخاصة المودعين، بوضعهم أمام خيارين، إما القبول باستخدام أموالهم لمساعدة الأسر الأكثر فقراً، وإما مواجهة تداعيات رفع الدعم.

شراء الوقت
لا تريد السلطة تحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين عن خطأ اعتماد سياسة دعم السلع بدل دعم الأسر المحتاجة منذ البداية. بل تريد طي الصفحة والانتقال إلى خيار آخر، كان ليعطي نتائج أفضل لو اعتُمِدَ منذ البداية. والتوقيت المتأخر لمشروع البطاقة التمويلية يعني أن السلطة تريد تصفير عدّاد أخطائها والتغطية على هدرها لمليارات الدولارت.

ومع ذلك، تحاول السلطة شراء الوقت، لا لتحلَّ الأزمة وفق خطط واضحة ومدروسة، بل لترى ما ستؤول إليه الأحوال على المستوى السياسي إقليمياً ودولياً، وأين سيكون محلّ كل طرفٍ من الأطراف في الاصطفاف الاقليمي والدولي. إذ تراهن السلطة على تدفق الأموال حين يجري ترتيب نتائج الصراع الدولي على المستوى السياسي والنفطي. وبهذا المسعى، لا تلتفت السلطة للتحدي الأبرز أمام الطرح المتأخر للمشروع، وهو استنزاف الاحتياطي الإلزامي، كلياً أو جزئياً، قبل رسوّ الصراع على برٍّ يفيد لبنان. فلا شيء يضمن إلتزام القوى الدولية بمساعدة لبنان.
محاولة شراء الوقت في هذه الحالة، لا تنفع، لأن لبنان فَقَدَ قدرته على جذب المستثمرين منذ لحظة تخلّفه عن تسديد التزاماته تجاه حَمَلة سندات اليوروبوند في آذار 2020، وعدم قيامه بأي إجراء لاعادة الدفع أو التفاوض مع أصحاب السندات، ما أحال الأزمة إلى صندوق النقد الدولي، الذي أصبح المعبر الوحيد لاستعادة الثقة الدولية. كما أن تنفيذ المصارف عملية كابيتال كونترول غير قانونية ضد المودعين، أجّج الأزمة وزاد من مستوى عدم الثقة.

المصارف والأسعار
حتى اللحظة، لا يوافق حاكم مصرف لبنان على المس بالاحتياطي الإلزامي، وما زال يلتزم الصمت حيال المشروع، شأنه شأن جمعية المصارف. لكن الرفض هو الخيار الأفضل لدى الطرفين إذ من شأن استنزاف الاحتياطي أن يعمّق أزمة القطاع المصرفي ويضرب صورة الحاكم والبنك المركزي، من دون أن يؤدي الاستنزاف إلى خفض أسعار الدولار والسلع، بل على العكس، سيعني الوصول إلى الاحتياطي الإلزامي بأن الدولة والمصرف المركزي والمصارف، لا يملكون خياراً إصلاحياً، وأن الأزمة ستتفاقم، ما سيزيد الطلب على الدولار فترتفع أسعاره التي ستنسحب حكماً على أسعار السلع. وبالتالي، ستفقد الدولارات المحدودة للبطاقة التمويلية، قيمتها الشرائية لأن المبلغ المرصود فيها ضئيل. أما احتمال رفعه مستقبلاً، فيعني المزيد من الخسارة.

بالتوازي، تجهد المصارف لإقناع المودعين بأن أموالهم محفوظة، فيما استنزاف الاحتياطي سيورّطها بتهمة التواطؤ مع مصرف لبنان والسلطة السياسية. والمصارف ليست في وارد تحمّل هذه التهمة، خاصة وأن السلطة والمركزي لا يملكان خطة عملية لإدارة الأزمة والخروج منها والتعويض على المصارف لتقوم لاحقاً بإعادة الأموال إلى أصحابها.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021 402 مقالات وتحقيقات

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتصام مياومين

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتص…

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ اللبنانيون: سنشتريه بأي ثمن

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ …

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تفضّل الاقفال

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تف…

حزيران 11, 2021 21 مقالات وتحقيقات

منصّة «صيرفة» كأنّها لم تكن: المضاربة مس…

حزيران 10, 2021 25 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 36 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 34 مقالات وتحقيقات

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

حزيران 09, 2021 22 مقالات وتحقيقات

"سخرية القدر" تجمع "الكابيتال كونترول" مع الموافقة الإستثنائية على سلفة الكهرباء وتطرح أسئلة عن الهدف من تقييد الودائع "غيض" الدولار للمودعين... و"فيضه" لإطالة عمر الأزمة

"سخرية القدر" تجمع "الكاب…

حزيران 09, 2021 22 مقالات وتحقيقات

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب "400$ و400 لولار"

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب …

حزيران 09, 2021 24 مقالات وتحقيقات

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ  "سراج الكاز والشموع" بدائل الناس في زمن العتمة

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ …

حزيران 08, 2021 23 مقالات وتحقيقات

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايين ليرة شهرياً

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايي…

حزيران 08, 2021 27 مقالات وتحقيقات

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التقنين والانترنت في خطر

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التق…

حزيران 07, 2021 24 مقالات وتحقيقات

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات الائتمانيّة» تنخفض بأكثر من 4 مليارات دولار: قناة «تهريب» مليارات النافذين إلى الخارج

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات …

حزيران 07, 2021 25 مقالات وتحقيقات

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية في السابق أصبحت اليوم أكثر جدية "الطاقة" تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول…

حزيران 07, 2021 28 مقالات وتحقيقات

إلى المودِعين: إحذروا سحب كامل ودائعكم

حزيران 07, 2021 24 مقالات وتحقيقات

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر القروض المتعثّرة

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر الق…

حزيران 07, 2021 21 مقالات وتحقيقات

لعتمة الشاملة... بداية الطريق إلى الانفج…

حزيران 03, 2021 38 مقالات وتحقيقات

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على التعطيل والتضليل أملاً بإحداث خرق في جدار الأزمة "كرة" الكابيتال كونترول "الملتهبة" تكاد تفلت من يد لجنة المال والموازنة

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على …

حزيران 03, 2021 35 مقالات وتحقيقات

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ12000 ليرة أم بـ1515 ليرة؟

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ1…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماعيّة تاريخيّة "متعمَّدة"

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماع…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

حزيران 03, 2021 33 مقالات وتحقيقات

مصارف تشتري الدولار سرّاً بـ15 ألفاً.. و…

حزيران 02, 2021 34 مقالات وتحقيقات