«العربدات الماليّة» مستمرّة: المصارف تُكوّن مؤونات على «اليوروبوندز» من أموال المودعين

أيار 06, 2021

الأخبار-ليا القزي

ثمّة إجماع لدى كلّ دوائر القرار المالية العالمية على انهيار القطاع المصرفي اللبناني، وضرورة إعادة هيكلته ليتمكّن من لعب دور فعّال في الاقتصاد المحلي. لا ينكر هذا الواقع سوى رياض سلامة وأصحاب المصارف، المُستمرين في «تركيب الطرابيش» ليُحاولوا إنقاذ أنفسهم شكلياً عن طريق الغشّ في موازناتهم، والإيحاء بالتزامهم الإيفاء بالشروط المطلوبة منهم. وكما دائماً، تُستخدم أموال المودعين لإطفاء خسائر تسبّب بها أصحاب المصارف وكبار المُساهمين فيها 

«العربدات المالية» مُستمرة بين البنك المركزي والمصارف. هذا الوصف يستخدمه مصرفيّ «متقاعد» لوصف جميع أشكال ما يسمّيه رياض سلامة «هندسات». واحدٌ من فصولها هو بيع حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة دولارات للمصارف وفق سعر صرف 1507 ليرات لكلّ دولار، تُستخدم لتكوين المؤونات على سندات الدين بالعملة الأجنبية (يوروبوندز) التي تحملها المصارف، ومجموعها يُقارب الـ11 مليار دولار (أصل السندات وفوائدها). وقد وضع سلامة شرطاً يسمح له بإعادة شراء هذه «الدولارات» بحسب سعر صرف «المنصّة الإلكترونية» (المُنشأة بموجب التعميم الرقم 151) كما يكون حين يقرر استعادة «الدولارات». السعر مُحدّد حالياً بـ3900 ليرة، ولكن قد يتبدّل في الأشهر أو السنوات اللاحقة، فيرتفع إلى 10 آلاف ليرة مثلاً. ذلك يعني أنه إذا دفع أحد المصارف 150 ألف ليرة لشراء 100 دولار من مصرف لبنان، وفي حال رُفع سعر صرف «المنصّة» إلى 10 آلاف وطلب «المركزي» إعادة شراء الـ100 دولار، فسيدفع الأخير ثمنها مليون ليرة، ليكون المصرف قد حقّق ربحاً صافياً بـ850 ألف ليرة! من أين ستأتي هذه «الدولارات»؟ من أموال المودعين، لأنّ كلّ ما أودعته المصارف لدى مصرف لبنان كان أموال الناس، في مقابل حمايتها لأموالها الخاصة من أي خسارة مُحتملة.

رُكنا القطاع المصرفي في لبنان، المُدركان لحجم الخسائر التي تُثقل محافظهما، يتمسكّان بالطُّرق التقليدية التي اعتادا على استخدامها لسدّ العجز في حساباتهما: استخدام أموال المودعين والقيام بـ«هندسات» تؤدّي إلى مضاعفة أموالهما. وقد أُضيف بعد تشرين الأول 2019، أداة مالية جديدة تُستخدم لـ«الغشّ»، وهي العُملة الوهمية المُسماة «دولار لبناني» أي ذاك المُحتجز لدى «المركزي» وبقية المصارف. فالدولارات التي يُريد مصرف لبنان بيعها للمصارف حتّى تُكوّن المؤونات هي عملياً أموالٌ وهمية، سيتم نقلها على الشاشة من مصرف لبنان إلى المصارف، من دون أي تكون لها قيمة الدولار الحقيقي، ما ينسف أصل الهدف من وجود مؤونات كضمانة لسندات اليوروبوندز المشكوك في تحصيلها. المؤونات هي أشبه بـ«القجّة» التي تُجمع فيها أموالٌ و«تُنسَى». تقوم أي مؤسسة بتكوين المؤونات مقابل إمكانية حدوث خسائر مُستقبلية على ديون أو أصولٍ. وكان مصرف لبنان قد طلب من المصارف الحاملة لـ«اليوروبوندز» تكوين مؤونات بنسبة 45% (وطلب أيضاً مؤونات بـ1.89% على شهادات الإيداع بالليرة). علماً أنّ شركات التدقيق المالي تعتبر أنّ المؤونات على «اليوروبوندز» يجب ألا تقلّ عن الـ80%، بسبب تدنّي سعر السند في السوق، ووجود شكوك في تحصيله.
الاتفاق بين مصرف لبنان والمصارف يعني أنّ «الشريكين» ينويان مُمارسة خداع مُحاسبي، يُتيح تسجيل أرقامٍ غير واقعية في «دفتر الحسابات»، للإيحاء بالالتزام بتأمين الضمانات على سندات «اليوروبوندز»، فيما هما يقومان بتركيب «الطرابيش». وقد وافق سلامة على أن يبيع المصارف دولارات تصل إلى نسبة 30% من مجموع الـ45% المطلوب تشكيلها، أي ما يُقارب المليار و650 مليون دولار من مجموع 5 مليارات دولار. مثلاً، المصرف المُحتاج إلى 100 مليون دولار لتغطية «يوروبوندز» بقيمة 220 مليون دولار، سيبيعه مصرف لبنان 30 مليون دولار وهمي. وهذا القرار اتُّخذ بعد إثارة المصارف للمخاطر في تبدّلات سعر السوق، وستتحملها في حال كوّنت مؤونات (بالليرة) بغير عُملة السند (الدولار). وتأتي لجنة الرقابة على المصارف لـ«تُكمّل» عمل سلامة، فتُجيز للمصارف بتقسيط المؤونات الواجب تكوينها على سندات الدين وشهادات الإيداع والقروض المشكوك بتحصيلها، على فترات زمنية تُراوح بين 5 و10 سنوات، وفقاً لحالة كلّ مصرف... أو «حظوته». فيُنقل عن أعضاء في اللجنة أنّ «تقسيط المؤونات» يتمّ بطريقة استنسابية وخارج أي معايير.

الدولارات سيأخذها «المركزي» من توظيفات المصارف لديه، أي أموال المودعين


الدولارات سيأخذها «المركزي» من توظيفات المصارف لديه (أي أموال المودعين)، وكانت تحصل لقاءَها على فوائد عالية. استمر مصرف لبنان في دفع الفوائد للمصارف، حتى بعد أن توقّفت هي عن دفع فوائد على ودائع الناس، ما سمح للمصارف بتسجيل واردات دفترية تُفيد التقديرات بأنّها 5 مليارات دولار. ولكن إذا طلبت المصارف «كَسر» توظيفاتها لدى البنك المركزي، فسيؤدّي ذلك إلى «خسارتها» للفوائد السنوية عليها، مقابل بيعها دولارات دفترية تسجّلها كمؤونات. النتيجة تكون «تخلّص» مصرف لبنان من بعض مطلوباته وتوقّفه عن دفع جزء من الفوائد، فيما المصارف سجّلت أنّها غطّت خسائرها بالدولار. هل من طرف خاسر بينهما؟ تقول مصادر مصرفية إنّه «يُفترض في الحالات الطبيعية أن تضخّ المصارف من أموالها الخاصة لتكوين مؤونات. ولكن طالما أنّها لم تمدّ يدها إلى جيبها، ومصرف لبنان ارتاح من أعباء مُعينة، وسُوّيت حسابات شكلية، فلا أحد منهما خاسر». الضرر الأكبر سيُلقى على كاهل المودعين الذين تُستخدم أموالهم مرّة جديدة لمحاولة انتشال المصارف، دفترياً، وعلى الليرة الوطنية التي ستنهار أكثر مع ارتفاع التضخم، في حال قرّر رياض سلامة إعادة شراء الدولارات من المصارف، وتأمين ربح لها، بما لا يقلّ عن 2400 ليرة لكلّ دولار.

0
Shares
  1. الأكثر قراءة
تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

تُفجّر لغم الصرف التعسفي بموظفيها MAG

حزيران 11, 2021 402 مقالات وتحقيقات

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتصام مياومين

الضمان في طرابلس وعكار: نقص موظفين واعتص…

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ اللبنانيون: سنشتريه بأي ثمن

التأخير المتعمّد باستيراد البنزين ليصرخ …

حزيران 11, 2021 27 مقالات وتحقيقات

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تفضّل الاقفال

المستشفيات تختار مرضاها... والمختبرات تف…

حزيران 11, 2021 21 مقالات وتحقيقات

منصّة «صيرفة» كأنّها لم تكن: المضاربة مس…

حزيران 10, 2021 25 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 37 مقالات وتحقيقات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزارة والشركات

البنزين بين 2008 و2021: كيف سرقتنا الوزا…

حزيران 10, 2021 34 مقالات وتحقيقات

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

طوابير الذل «بروفا» صناديق الاقتراع

حزيران 09, 2021 23 مقالات وتحقيقات

"سخرية القدر" تجمع "الكابيتال كونترول" مع الموافقة الإستثنائية على سلفة الكهرباء وتطرح أسئلة عن الهدف من تقييد الودائع "غيض" الدولار للمودعين... و"فيضه" لإطالة عمر الأزمة

"سخرية القدر" تجمع "الكاب…

حزيران 09, 2021 24 مقالات وتحقيقات

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب "400$ و400 لولار"

تفاصيل وخفايا تعميم مصرف لبنان بسحب …

حزيران 09, 2021 25 مقالات وتحقيقات

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ  "سراج الكاز والشموع" بدائل الناس في زمن العتمة

إعداد العدة لمواجهة الإنهيار الشامل بدأ …

حزيران 08, 2021 23 مقالات وتحقيقات

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايين ليرة شهرياً

المصارف تعهّدت الدفع: 400 دولار و5 ملايي…

حزيران 08, 2021 28 مقالات وتحقيقات

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التقنين والانترنت في خطر

4 أيام قبل العتمة.... المولدات تبدأ التق…

حزيران 07, 2021 25 مقالات وتحقيقات

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات الائتمانيّة» تنخفض بأكثر من 4 مليارات دولار: قناة «تهريب» مليارات النافذين إلى الخارج

قناة «تهريب» مليارات النافذين «الحسابات …

حزيران 07, 2021 25 مقالات وتحقيقات

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول ترقيعية في السابق أصبحت اليوم أكثر جدية "الطاقة" تزرع فشل الخطط والمواطنون يحصدون العتمة الكالحة

الإنذارات القديمة التي جرى تفاديها بحلول…

حزيران 07, 2021 28 مقالات وتحقيقات

إلى المودِعين: إحذروا سحب كامل ودائعكم

حزيران 07, 2021 24 مقالات وتحقيقات

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر القروض المتعثّرة

سلامة يتواطأ مع المصارف لإخفاء خسائر الق…

حزيران 07, 2021 21 مقالات وتحقيقات

لعتمة الشاملة... بداية الطريق إلى الانفج…

حزيران 03, 2021 38 مقالات وتحقيقات

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على التعطيل والتضليل أملاً بإحداث خرق في جدار الأزمة "كرة" الكابيتال كونترول "الملتهبة" تكاد تفلت من يد لجنة المال والموازنة

لعبت دور "إم الصبي" وصبرت على …

حزيران 03, 2021 35 مقالات وتحقيقات

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ12000 ليرة أم بـ1515 ليرة؟

بعد قرار "الشورى": الودائع بـ1…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماعيّة تاريخيّة "متعمَّدة"

عن تقرير البنك الدولي: جريمة ماليّة جماع…

حزيران 03, 2021 37 مقالات وتحقيقات

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

تقرير البنك الدولي: أعظم «شهادة بالفشل»؟

حزيران 03, 2021 33 مقالات وتحقيقات

مصارف تشتري الدولار سرّاً بـ15 ألفاً.. و…

حزيران 02, 2021 34 مقالات وتحقيقات